|
|
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
هشام نوار
(Naouar Hichem)
الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 12:19
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مصطلح اليسار: من اليسار الماركسي اللينيني إلى يسار لمّ الشّمل تبلور مصطلح اليسار في تونس خلال الستينات مع تشكل تيار سياسي لائكي يرفع شعار السيادة الوطنية وينادي بالعدالة الاجتماعية ويدافع عن مبادئ الديمقراطية (تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي في تونس) وأصبح هذا المصطلح يحيل في السبعينات لتفرعات كل من "حركة آفاق" (العامل التونسي) و "الحلقات الماركسية اللينينية" و"التجمع الماركسي اللينيني" (الشعلة وخطوط وطنية ديمقراطية متعددة) ورابطة اليسار العمالي ويرادف الانتماء لدائرة التنظيمات الماركسية اللينينية. كما شهدت السبعينات تأسيس أحزاب إثر انشقاقات صلب الحزب الحاكم، "الحزب الاشتراكي الدستوري"، كـ "حركة الوحدة الشعبية" و"حركة الديمقراطيين الاشتراكيين" وأصبحت اليسارية لا تشمل، في الخطاب السائد، اليسار الماركسي فقط بل تعدته لتشمل أحزاب كرتونية معارضة للسلطة. ومن بداية الثمانينات إلى ما قـبل الثورة، شهدت الساحة السياسية، مرة أخرى، ميلاد أحزاب انحدرت من "التجمع الاشتراكي الدستوري" أو أنشئت لتأثيث المشهد السياسي وتلميع صورة السلطة آنذاك كالحزب الاجتماعي التحرري والاتحاد الديمقراطي الوحدوي وتأسس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات وانحلت دلالة مصطلح اليسار لتذوب في خليط بورجوازي ــ ليبرالي ــ قومي ولما لا رجعي وظلامي بتشكل اليسار الإسلامي؟ وقد شهدت هذه الحقبة انقسام منظمة العامل التونسي فنشأ التجمع الاشتراكي التقدمي الذي انسلخ عن الفكر الماركسي وتأسس حزب العمال الشيوعي التونسي الذي أعلن عن تمسكه بالنظرية الماركسية اللينينية والذي شقته بدوره خلافات برز إثرها الحزب الاشتراكي اليساري. بعد الثورة، تحصلت تخمة من الأحزاب الجديدة على التأشيرة القانونية وبرزت أخرى إثر عمليات توحيدية أو تغيير للاسم منها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وحزب العمل الوطني الديمقراطي وحزب العمال وحركة الشعب وحزب الطليعة العربي الديمقراطي وحزب البعث العربي الاشتراكي والمؤتمر من أجل الجمهورية وآفاق تونس والاتحاد الوطني الحر ونداء تونس والحزب الدستوري الحر وحركة النهضة. في خـضم هذه الـفسيفساء الحزبية نـؤكد على أن مقاربـتنا التـقييمية هذه تتعلـق أساسا بالأحزاب التي أعلنت تمسكها بالنهج الماركسي اللينيني. I) المستوى النظري اهتراء الهوية النظرية وإن أعلنت الحركة اليسارية الراديكالية في تونس تمسكها بالنظرية الماركسية اللينينية فإنها بقيت تحمل بعض تبعات انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك أنظمة الديمقراطيات الشعبية وما رافقه من تراجع للحركة الشيوعية العالمية التي مثلت فرصة للتهافت على الإيديولوجيا الماركسية اللينينية ورفع منظّرو البورجوازية أمثال هنتنغتون وفوكوياما شعارات نهاية التاريخ ونهاية الثورات وأزلية النظام الرأسمالي و نهاية الاشتراكية وأبدية الرأسمالية القادرة على تجاوز أزماتها وأعلنوا بذلك نهاية الإيديولوجيا، فسارعت بعض الفصائل الماركسية بالالتحاق بركب الديمقراطية البورجوازية وتنكرت لمرجعيتها الماركسية و أصبحت معادية لها زاعمة نهاية الإيديولوجبا وهي في حقيقة الأمر لم تفعل غير التخلي عن الماركسية كمرجعية فكرية و تبني الإيديولوجيا البورجوازية . كما أن بعض الفصائل الماركسية الأخرى اعتبرت الماركسية مجرد رافد ضمن روافد أخرى كالتراث الإنساني التقدمي والتقدم العلمي ودعت لتجديد الفكر الماركسي وتخطي "الماركسية الأرتودوكسية" أو "الماركسية الكلاسيكية" وذلك قصد إفراغها من جوهرها الثوري كالدور الطلائعي لحزب الطبقة العاملة وتحطيم جهاز الدولة البورجوازية واستعمال العنف الثوري و إقامة دكتاتورية البروليتاريا ... الكلام عن حزب غير إيديولوجي هو من سبيل المغالطة فإما إيديولوجية سائدة (بورجوازية) و إما إيديولوجيا ثورية ولا مكان شاغر بين مقعدين. وأكيد أن غياب أممية شيوعية فاعلة ساهم في ترسيخ انحرافات داخل الأحزاب الماركسية اللينينية في تونس إذ تعاملت هذه الأحزاب مع النظرية كشيء كامل ومقدس ولم تعتبرها علما يجب تطويره في كل المجالات لاستقراء الواقع وتقديم الحلول والبدائل وجعلت منها مجموعة مقولات جافة تنمق بها خطابها وكتاباتها داخليا وتتحاشى الدفاع عن مبادئها في عملها الدعائي مما أفقد هذه الأحزاب هويتها وأصبحت مجرد تنظيمات تؤثث المشهد السياسي حالها حال الأحزاب البورجوازية ولا أدل على ذلك عرض حذف صفة "الشيوعي" من اسم الحزب على التصويت خلال مؤتمر وطني. وإذ تتمسك الأحزاب الماركسية بالمبادئ الماركسية اللينينية قولا فهي غالبا ما تلفظها فعلا: توضح قولا أن الغاية من دخول البرلمان هي تحقيق مكاسب للعمال والفئات الشعبية والأهم من ذلك كشف الطبيعة البورجوازية للمؤسسة البرلـمانية الـعاجزة عن الـقيام بالتغيير الجـذري لكن النواب ينغمسون فعلا في المهمة الأولى متناسين الثانية شأنهم شأن النواب الممثلين لأحزاب بورجوازية صغيرة، تؤكد الأحزاب قولا أن أولوية الأولويات تتمثل في التوجه للعمال لكنها فعلا ترمي بعملها التنظيمي صلب البورجوازية الصغيرة، تبين الأحزاب قولا ضرورة النضال صلب النقابات العمالية والارتقاء بالنضال الاقتصادي الذي يخوضه العمال إلى مستوى النضال السياسي لكنها فعلا تسعى للتموقع بكل الوسائل في هياكل المنظمة النقابية في وئام وانسجام مع رموز البيروقراطية النقابية حتى تصبح جزءا منها… II) المستوى السياسي 1) طبيعة المجتمع يعدّ تحديد أسلوب الإنتاج مسألة حياتية بالنسبة للحزب الماركسي اللينيني فهو الذي يحدد التركيبة الطبقية للمجتمع والتناقضات التي تشقها ويشير إلى الرئيسي منها والذي ترتبط بحسمه التناقضات الأخرى ويرشد إلى الطبقة الثورية وحلفائها المعنيين بالقيام بالتغيير مما يخول استنباط استراتيجيا وبرنامج الحزب فطبيعة المجتمع تحدد طبيعة الثورة. تراوح موقف الأحزاب الماركسية اللينينية حول طبيعة المجتمع التونسي بين اعتباره شبه إقطاعي شبه مستعمر أو رأسمالي تابع. أ ــ طرح شبه إقطاعي شبه مستعمر: الفلاحون القوة الرئيسية للثورة استنادا للطرح الأصلي لمقولة شبه ــ شبه الذي نشره عبد الرزاق الهمامي في مجلة "أطروحات" العدد السابع : جانفي – فيفري 1985 يمكن أن نؤكد أن مفهوم شبه ــ شبه يعني: ـ تواجد العمل المأجور إلى جانب علاقات إنتاج إقطاعية. ـ تواجد الآلات والمكننة الحديثة إلى جانب المحراث والفأس وآلات العمل التقليدية إلخ… ـ تواجد السوق الامبريالية إلى جانب سوق وطنية ضعيفة. ـ تواجد صناعة وطنية مبتورة إلى جانب الإنتاج للاستهلاك الذاتي في الريف. ـ تواجد ثقافة إمبريالية وانحطاط إيديولوجي إلى جانب الفكر الغيبي. ـ تواجد إمبريالية وطبقتين سائدتين من جهة وأمة عربية مضطهدة وشعب كادح من جهة ثانية. يشق المجتمع شبه الإقطاعي شبه المستعمر تناقضان أساسيان: 1) التناقض بين الشعب والإمبريالية وحلفائها من جهة. 2) التناقض بين جماهير الفلاحين والإقطاع من جهة أخرى. ويمثل التناقض الأول الطرف الرئيسي في عملية التناقض بأسرها ويحسم هذان التناقضان بالثورة الوطنية الديمقراطية وإنجاز المهام الوطنية الديمقراطية. ـــ إن طابع شبه مستعمر وشبه إقطاعي لا ينفي كما يتصوره البعض علاقات الإنتاج الرأسمالية ولا ينفي البتة تطور الرأسمالية في الصناعات التحويلية وغيرها وتعميم العمل المأجور في المدينة بل يؤكد أن هذا التطور الرأسمالي مندرج في السوق الامبريالية العالمية وهو لا يساهم في عملية تحقيق التراكم، وفائض القيمة لفائدة الرأسمال الوطني بل يزيد من ربح القوى الإمبريالية التي تخرب باستمرار الاقتصاد الوطني وتجعل منه ملحقا لا غير بل تذهب إلى توظيف ما تجنيه محليا في أماكن أخرى. الإمبريالية تدخل بالفعل علاقات إنتاج رأسمالية وترسي صناعات تابعة في المدينة والريف لكن بالرغم من المظاهر المتطورة والحضارية فهي لا تقضي على علاقات الإنتاج الإقطاعية بل تتواجد معها جنبا إلى جنب وبعرقلتها لعلاقات الإنتاج ولتطور السوق فهي تعيق تطور القوى المنتجة ولذا فإن جوهر الإمبريالية هو التخريب. تتجمع في أشباه المستعمرات التناقضات الأربعة الأساسية : ـ التناقض بين الاشتراكية والرأسمالية. ـ التناقض بين البروليتاريا والبورجوازية في البلدان الرأسمالية (والبلدان المسماة باطلا اشتراكية). ـ التناقض بين الأمم المضطهدة والإمبريالية (بما في ذلك الإمبريالية الاشتراكية). ـ التناقض بين الإمبرياليات فيما بينها.
الملاحظة الأولى التي تفرض نفسها هي غياب أو تغييب العمال عند تحديد التناقضات التي تشق المجتمع شبه المستعمر وشبه الإقطاعي ويتبوأ بذلك الفلاحون، القوة الرئيسية للثورة، الدور الطلائعي، ضمن إئتلاف شعبي، لإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية. الملاحظة الثانية تتعلق أيضا بالفلاحين كالقوة الرئيسية للثورة التي ستكون، حسب الطرح شبه ــ شبه، طويلة المدى يحاصر خلالها الريف المدينة في حرب طويلة المدى على غرار الثورة الصينية وقد أثبتت الثورة التونسية عكس ذلك. الملاحظة الثالثة تتعلق بتعميم طرح شبه ــ شبه على جميع البلدان العربية واعتبارها جزافا بلدا واحدا زراعيا متخلفا مستعمرا أو شبه مستعمر وشبه إقطاعي. لقد مرت أربعة عقود على صياغة أطروحة شبه ــ شبه وأثبت الواقع أن الرأسمالية الغازية لم تبق على أشكال الإنتاج الإقـطاعي بل قـضت، إن لم يكن بالكامل، عليها كما أن التطور اللامتكافئ للبلدان العربية عمّق الفوارق بين تركيباتها الطبقية. الملاحظة الرابعة تتعلق بمراجعة بعض الفصائل الوطنية الديمقراطية لمقولة "شبه إقطاعي شبه مستعمر" لكن الثابت أن "حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد" وفي كتيّب أصدره في ماي 2013 بعنوان "حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد: الهوية والبرنامج" أقر أن طبيعة المجتمع التونسي "شبه إقطاعي شبه مستعمر". ب ــ طرح رأسمالي تابع: دور ثوري لبورجوازية وطنية مزعومة أما الطرح الرأسمالي التابع فهو ينص كما ورد في في الكتيب الذي أصدره حزب العمال، المؤتمر الوطني الخامس: الوثائق والمقررات ـــ 19-23 ديسمبر 2018) على أن الرأسمال الغازي يصطدم بأشكال الإنتاج التقليدية في البلدان ضحية هذا الغزو. وتفيد الوقائع أنه لا يجانب هذه الأشكال ولكنه يكسرها ويأخذ مكانها وما لم يكسره فإنه يخضعه تدريجيا لمشيئته. فعلاقات الإنتاج الرأسمالية هي التي تسود المجتمع بحكم سيادة اقتصاد السوق و العمل المأجور ونمط الإنتاج الرأسمالي هو السائد في المدينة والريف رغم وجود بـقايا أشكال إنـتاج ما قـبل رأسمالية لا مـناص لها من الاضمحلال لكـن الرأسمالية السائدة لا تعدو أن تكون إلا رأسمالية متخلفة وتابعة. تشق المجتمع التونسي تناقضات أساسية ثلاثة: 1ــ التناقض بين الشعب (الطبقة العاملة وأنصاف البروليتاريين، الفلاحون الفقراء والصغار، البوجوازية الصغيرة المدينية) وبين الإمبريالية (وخاصة الأمريكية والفرنسية) والبورجوازية الكمبرادورية المحلية (الخاصة والبيروقراطية) 2ــ التناقض بين الفلاحين وبين البورجوازية الزراعية وشركات الاستغلال الأجنبي 3ــ التناقض بين الطبقة العاملة والبورجوازية ويشكل أولها التناقض الرئيسي في مجتمعنا ويرتبط بحسمه التناقضان الآخرانِ. ويشكل ثلاثتهما أجزاء سيرورة ثورية واحدة ذات مظهرين وطني واجتماعي تنتهي بالقضاء على الهيمنة الامبريالية وأداتها الطبقية المحلية. لذلك فإن الثورة في المرحلة الحالية ببلادنا هي ثورة شعبية ديمقراطية ووطنية.
الملاحظة الأساسية التي تخص الطرح الرأسمالي التابع تتعلق بالتناقض الـثاني: "الـتناقـض بـين الـفلاحـين وبـيـن الـبـورجـوازية الـزراعـية وشـركات الاستغلال الأجنبي" إذ وردت كلمة "فلاحين" دون توصيف أو تخصيص، فإن كان المراد بها الإشارة إلى "الفلاحين الفقراء والصغار" فإن هذا التناقض شمله التناقض الأول وباستبعاد إشارة كلمة "الفلاحين" إلى كبار الفلاحين لن يتبقى إلا اعتبار أن المقصود بـ"الفلاحين" هم "الفلاحون المتوسطون" وبذلك يقع حشر البورجوازية المتوسطة المزعومة ضمن القوى الثورية. إن الطرح الأصلي لمقولة "الرأسمالي التابع" الصادر بمجلة "أطروحات" العدد السابع : جانفي – فيفري 1985 لم يتطرق البتة إلى وجود بورجوازية وطنية لكن وقع التأصيل النظري لهذه المسألة في الكتيب (المؤتمر الوطني الخامس: الوثائق والمقررات ـــ 19-23 ديسمبر 2018) بالصفحة 116: " إن هذا الوضع الاقتصادي تتضرر منه الطبقة العاملة وسائر الطبقات والفئات الكادحة في المدينة والريف كما تتضرر منه الفئات الوسطى أو ما يمكن أن نسميه الشريحة الوطنية من البورجوازية التي تدمرها الرساميل والسلع والشركات الأجنبية". إن التغلغل الإمبريالي في الاقتصاد المحلي التابع والمتخلف قضى على كل قاعدة مادية من شأنها أن تنشئ شريحة بورجوازية متوسطة، في المدينة أو الريف، مكتملة المعالم تتناقض مصالحها مع مصالح الرأسمال الأجنبي. وإن دافع حزب العمال على مقـولة "البورجوازية الوطنية" فماذا قدّم للـفلاحين الفقراء والصغار؟ ورد في البرنامج الزراعي المصادق عليه من طرف المؤتمر الوطني الخامس ما يلي: "وبالنسبة للفلاحين الفقراء والصغار ومن أجل تحريرهم من الاستغلال الرأسمالي وتطوير الصراع الطبقي في الريف فإن حزب العمال يناضل من أجل: 1ـــ القيام بإصلاح زراعي جذري يتضمن: أ ــ مصادرة أراضي الملاكين العقاريين الكبار (دولة وخواص) المهملة أو الريعية. وتأميم كامل الأراضي بالبلاد قصد وضع حد للمضاربات العقارية على حساب ضعفاء الفلاحين." إن علاقة الفلاح الصغير أو الفقير بأرضه تكاد أن تكون مقدسة وتأميمها يعادل، بالنسبة له، انتزاعها أو افتكاكها وهذا الإجراء سيفك، لا محالة التحالف بين العمال من جهة والفلاحين الصغار والفلاحين الفقراء من جهة ثانية وإن اندرج هذا الإجراء في إطار وضع حد للمضاربات العقارية على حساب ضعفاء الفلاحين فلنذكر بأنه وقعت مصادرة أملاك المضاربين العقاريين وانعدم نشاطهم في الدورة الاقتصادية وكان الأسلم أن يتضمن برنامج الإصلاح الزراعي نقطة تنص على سن قوانين تحمي الفلاحين من كل حيف عـوض المغامرة بسن إجراء تأميم كل الأراضي بالبلاد وما سيتـرتب عن ذلك من تعقيدات فيما يخص القطع الصغيرة من الأراضي الغير فلاحية. إن الدراسة العلمية للمجتمع التونسي تمثل صمام الأمان ضد كل انحراف يسراوي يدعو للثورة الاشتراكية دون المرور بالمرحلة الوطنية الديمقراطية أو يميني ينفي دور الطبقة العاملة ويعتبر الفلاحين القوة الرئيسية للثورة ويغلق بذلك باب الانفتاح على الأفق الاشتراكي للثورة كما أن خلط القوى الثورية جزافا بشرائح بورجوازية نعتت بالمتوسطة وتحصلت على صك الوطنية سينزع عن المسار الثوري طابعه الشعبي ويسجنه في المربع البورجوازي. ج ــ موقفنا أسلوب الإنتاج في تونس رأسمالي تابع ويشق المجتمع التونسي تناقضان أساسيان: 1 ـــ التناقض بين الشعب (العمال والعمال الاحتياطيون والفلاحون الفقراء وصغار الفلاحين وشرائح بورجوازية صغيرة مدينية) من جهة و الإمبريالية وعملاؤها الكمبرادور من جهة أخرى. 2 ـــ التناقض بين العمال والبورجوازية.يمثل التناقض الأول، التناقض الرئيسي الذي يشق المجتمع التونسي وعلى ضوء حلّه يقع القضاء على الهـيمنة الامـبريالية وتُـبسط السيادة الـوطنية عـلى ثـروات الـبلاد والـقـطاعات الحيوية بتأميمها ويوضع حد لهيمنة البورجوازية الكبيرة العميلة وذلك بمصادرة أملاكها من مؤسسات صناعية و فلاحية وخدماتية وبنكية وعقارية وإعلامية ومنع أحزابها وحجر منظماتها وحلّ مؤسساتها. ترتكز الثورة الوطنية الشعبية على تحالف واسع من جماهير العمال والفلاحين الفقراء وشرائح واسعة من البورجوازية الصغيرة المفقرة وبذلك تكتسي طابعها الشعبي إذ ستكون سندا للفلاحين الفقراء الذين حررتهم الثورة من نير البورجوازية الزراعية الكبيرة وكبار ملاكي الأراضي بتوفير كل مستلزمات استغلال أراضيهم وتسويق منتجاتهم ونشر روح التعاون والشراكة الطوعية بينهم. الثورة الوطنية الشعبية ثورة تحرر وطني تقودها الطبقة العاملة المتحالفة مع الفئات الشعبية ضد الإمبريالية وعميلتها البورجوازية الكبيرة لإرساء أسس الجمهورية الشعبية الديمقراطية التي ستعمل على توفير الشروط الموضوعية لفتح الأفق الاشتراكي للمسار الثوري. 2) النهج البرلماني تيار إصلاحي أ ــ طبيعة المؤسسة البرلمانية: أداة في يد الطبقة البورجوازية نشأت المؤسسة البرلمانية تاريخيا أساسا في النظام الرأسمالي وتمثل أداة في يد الطبقة البورجوازية تستعملها لضمان سيطرتها على الطبقات الشعـبية المناهضة لها وقد لعبت المؤسسة البرلمانية ، في ظل هيمنة السياسة البورجوازية ، دورها كسائر بقية المؤسسات البورجوازية من مؤسسات حكومية وقضائية وإعلامية وسجنية وأمنية وعسكرية في قمع الطبقة العاملة وعامة الشغالين وسد الطريق نحو انعتاق هذه الأخيرة و تحررها من نظام القهر والاستغلال الرأسمالي وإنه لمن الخطأ النظر إلى البرلمان كمؤسسة قانونية صرفة وديمقراطية بل يجب النظر إليه من زاوية أنه المعبر عن مصلحة البورجوازية ومصالح أحزابها فالبرلمانية لا تمنع الجمهوريات الأكثر ديمقراطية بأن تكون أداة للقمع الطبقي . متى وكيف يشارك الشيوعيون في البرلمان ؟ إن الموقف الشيوعي يعتبر أن العمل البرلماني مساعد للنضال وليس بديلا عن الطريقة الثورية، فكيف يتخذ مبدأ المشاركة أو المقاطعة ؟ إن مبدأ المشاركة في البرلمان أو مقاطعته لا يجب أن يكون بصفة مجردة بل بصفة عملية وملموسة تأخذ بعين الاعتبار الواقع و السياق الثوري أما المقاطعة فلا تمليها رجعية البرلمان وليست موقفا سليما في كل الحالات. يجب الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي تمر بها الأوضاع الثورية فإمكانية المقاطعة تطرح حين تمر الإضرابات الجماهيرية إلى إضراب سياسي ثم إلى ثورة. في حقبة ثورية ، تناسي النضال ضد البرلمانية يعد انحرافا وموقفا انتهازيا، إذ وجب توخي النضال لا من جانبه البرلماني "الشرعي" لكن التوجه نحو الحركة الثورية لأوسع الجماهير خارج المؤسسة البرلمانية، لكن عندما يتعزز النظام البرلماني ويصبح، لفترة معينة، القوة الأساسية للنضال الطبقي والنضال السياسي عامة، يصبح النضال ضد البرلمانية مهمة غير مطروحة آنيا. و تعدّ البرلمانية انحرافا عن النهج الثوري ويتجلى جوهر إصلاحيتها في اختزال النهج الثوري في استلام السلطة عبر الانتخابات مما يجعل الثورة العنيفة والاستيلاء على الحكم دون جدوى فعلية وينتج عنه بالتالي التخلي عن الفكر الثوري والاكتفاء بـ"النضال" في المربع "الشرعي" التي ترسمه البورجوازية الحاكمة عبر دستورها وقوانينها ، مربع النضال الديمقراطي السلمي والمدني والمتحضر ، المربع الذي اختارته عن طواعية جميع الأحزاب الإصلاحية. عندما يدخل الشيوعيون البرلمان فإنهم يلجونه كعدو للبورجوازية وليس كمجرد خصم ومنافس لها ، لذلك يبادرون بتشكيل المعارضة الثورية ضد الخيارات الطبقية السائدة والعمل على افتكاك و فرض أكثر ما يمكن من الـمكاسب لـصالـح العـمال والـفـئات الشعـبـية واعـتماد كـل أشكال الـدعـاية والتحريض، دون خوف، مثلما خاضوها خلال الحملة الانتخابية ليس من أجل تحقيق أغلبية من المقاعد بل أساسا من أجل التعبئة الجماهيرية ضد سلطة رأس المال ودولته ومن أصعب المهام التي تعترض الكتلة الشيوعية داخل البرلمان هي إقناع الجماهير التي صوتت لها بنزع الأوهام عن البرلمان الذي لن يغير أوضاعها جذريا فيجول بذهن العديد أننا قادرون على قلب الأوضاع من داخل المؤسسة البرلمانية وهذا وهم يجب العمل على تبديده. يلتحق الشيوعيون بالبرلمان من أجل إبراز زيف مقولات "الإرادة الشعبية" و"إرادة المنتخبين" و" الشرعية" وفضح مناورات مختلف الأطراف المتدخلة في الحياة العامة ، فمفاتيح القرار هي بيد البورجوازية في النهاية لذلك فهي لا تتوانى عن حل البرلمان إن وجدت فيه كتلة مهمة أو أغلبية ضدها أو ضد سياسة من سياساتها. ب ــ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي: اليسار يؤصّل منحاه الإصلاحي طُرحت مسألة البرلمانية في الوثائق التأسيسية لحزب العمال الشيوعي التونسي سنة 1986 ، وفي برنامجه السياسي لسنة 1992، حيث رفع الحزب شعار انتخابات حرة وديمقراطية لمجلس تشريعي ولقد كان من السلـيم رفع هذا الشعار في ظل الجزر الثوري وتحت وطأة نظام دكتاتوري حاصر كل الحريات وأنشأ برلمانا عبر انتخابات مزورة وجعل منه أداة لتشريع سياسته القمعية تحت تهليل المعارضة الكرتونية وقد تم ربط هذا المطلب ببرنامج الحريات السياسية وبـ إسقاط النظام بشكل عام. وإثر الثورة مباشرة، ورد في برنامج الحزب لسنة 2011 أن الانتقال إلى النظام الديمقراطي لن يتحقق إلا عن طريق انتخابات حرة وديمقراطية وشفافة لمجلس تأسيسي ممثل للشعب تحت إشراف هيئة مستقلة تحظى بتأييد القوى الديمقراطية وتتمتع بكامل الصلاحيات خلال الفترة الانتقالية لإنجاز تلك المهمة. وينبثق عن تلك الانتخابات مجلس تأسيسي يتولى صياغة دستور جديد يرسي القواعد الأساسية للجمهورية الديمقراطية المنشودة وأبرز هذه القواعد هي نظام برلماني منتخب باعتباره النظام الأكثر ديمقراطية ولما يوفره من إمكانيات حقيقية وجدية للتداول الديمقراطي على السلطة. إن رفع شعار انتخاب مجلس وطني تأسيسي يؤمن التداول الديمقراطي على السلطة، إبان الثورة، لا يعدو أن يكون إلا انحرافا وموقفا انتهازيا ففي حقبة ثورية يجب توخي النضال لا من جانبه البرلماني "الشرعي" لكن التوجه نحو الحركة الثورية لأوسع الجماهير خارج المؤسسة البرلمانية وقد عـلمتنا تجارب الـثورات أن الجماهـيـر المـنتـفـضة تـلجأ، خلال كـل حراك ثوري، إلى ابتداع شكل من أشكال التنظم لتأمين سيرورة الثورة، وهذا الشكل يتحدد حسب طبيعة الصراع وحسب ميزان القوى بين القوى الثورية والقوى الرجعية. لم تشذ الثورة التونسية عن هذه القاعدة إذ بادرت الجماهير، إبان انتفاضها، بتكوين لجان لحماية الثورة ومواجهة حملات القمع والتنكيل وقد توسع هذا التشكّل التنظيمي ليشمل المدن والقرى والأحياء وقد عملت القوى اليسارية، منذ بداية الثورة، مع أطراف سياسية أخرى، على تنظيم الحراك الشعبي لكن عوض تسليحه بإطار ثوري ينبع من هذا الحراك ويتبنى مسألة افتكاك السلطة ويرفع شعار فرض الحكومة الثورية المؤقتة ليفتح آفاق الثورة نحو تحول نوعي، جنح اليسار إلى إنشاء أطر تتسم عموما بالنخبوية والفوقية والمحاصصة الحزبية والجمعياتية دون امتداد قاعدي أو جماهيري (جبهة 14 جانفي، المجلس الوطني لحماية الثورة، المؤتمر الوطني لحماية الثورة). ــ جبهة 14 جانفي للقوى الوطنية والتقدمية والديمقراطية تأسست جبهة 14 جانفي يوم 20 جانفي 2011 وأمضى بيان تأسيسها رابطة اليسار العمالي وحركة الوحدويين الناصريين وحركة الوطنيون الديمقراطيون والوطنيون الديمقراطيون (الوطد) والتيار البعثي واليساريون المستقلون وحزب العمال الشيوعي التونسي وحزب العمل الوطني الديمقراطي. نص البيان التأسيسي على إسقاط حكومة الغنوشي أو أية حكومة تضم رموز النظام السابق وحل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي ومصادرة ممتلكاته وتشكيل حكومة مؤقتة وحل مجلس النواب وكافة الهيئات الصورية القائمة والإعداد لانتخابات مجلس تأسيسي في أجل لا يتجاوز سنة من أجل صياغة دستور ديمقراطي جديد ووضع منظومة قانونية جديدة وحل جهاز البوليس السياسي ومحاسبة كل من ارتكب جرائم في حق الشعب وتوفير الشغل للعاطلين عن العمل واتخاذ إجراءات عاجلة لفائدتهم بإقرار منحة بطالة وتغطية اجتماعية وصحية وتحسين المقدرة الشرائية للأجراء وإطلاق الحريات العامة والفردية وسن قانون العفو العام. كما نص البيان التأسيسي على بناء اقتصاد وطني يخدم الشعب توضع فيه القطاعات الحيوية والإستراتيجية تحت إشراف الدولة وتأميم المؤسسات التي تمت خوصصتها وصياغة سياسة اقتصادية واجتماعية تقطع مع النهج الرأسمالي الليبرالي ومقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني وتجريمه ودعم حركات التحرر الوطني. ــ المجلس الوطني لحماية الثورة بادرت "جبهة 14 جانفي" بإصدار نداء لبقية القوى السياسية بمختلف توجهاتها ومرجعياتها السياسية والإيديولوجية، لتشكيل "مجلس وطني لحماية الثورة" وخلال لقاء التأم بمقر الهيئة الوطنية للمحامين بقصر العدالة بباب البنات بالعاصمة في 11 فيفري 2011 وجمع عدد من الأحزاب والهيئات والجمعيات تدارس الحاضرون المقترحات المتعلقة بتأسيس هيئة وطنية لحماية الثورة وقد اتفق المشاركون رغم اختلاف مواقفهم من الحكومة الحالية قبولا او رفضا على أهمية تأسيس هذه الهيئة التي أطلق عليها «المجلس الوطني لحماية الثورة» وفقا للمبادئ التالية: 1) أن تكون لها سلطة تقريرية وذلك بأن تتولى السهر على إعداد التشريعات المتعلقة بالفترة الانتقالية والمصادقة عليها. 2) مراقبة أعمال الحكومة المؤقتة التي تتولى تصريف الأعمال وإخضاع تسمية المسؤولين في الوظائف السامية لتزكية الهيئة. 3) إعادة النظر في اللجان التي تم تشكيلها من حيث صلاحياتها وتركيبتها حتى تكون حصيلة وفاق على أن يعرض آليا ما تطرحه من مشاريع على المجلس للتصديق عليها. 4) اتخاذ المبادرات التي يفرضها الوضع الانتقالي في كل المجالات وفي مقدمتها القضاء والإعلام. 5) تتركب الهيئة من ممثلين عن الأطراف السياسية والجمعيات والمنظمات والهيئات الموقعة أسفله ومن ممثلين عن مختلف الجهات على أن يتم ذلك بشكل توافقي. 6) يصادق على بعث الهيئة بمرسوم يصدره الرئيس المؤقت. الإمضاءات : الهيئة الوطنية للمحامين - الاتحاد العام التونسي للشغل - التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات - حزب العمال الشيوعي التونسي - التيار البعثي - حزب حركة النهضة - حركة الشعب - حركة الوطنيون الديمقراطيون - حركة البعث - الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين - رابطة اليسار العمالي - المؤتمر من أجل الجمهورية - الحركة الوحدوية التقدمية - حزب العمل الوطني الديمقراطي - جمعية القضاة التونسيين - اتحاد أصحاب الشهادات المعطّلين عن العمل - منظمة حرية وانصاف - حزب تونس الخضراء - النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين - الودادية الوطنية لقدماء المقاومين - تيار الإصلاح والتنمية - الاتحاد العام لطلبة تونس - الحزب الشعبي للحرية والتقدم - اليساريون المستقلون - مركز تونس لاستقلال القضاء والمحاماة - الوطنيون الديمقراطيون «الوطد» - رابطة الكتاب الأحرار - الجمعية التونسية لمقاومة التعذيب. ــ المؤتمر الوطني لحماية الثورة تقدّمت جبهة 14 جانفي إلى الأحزاب والقوى السياسية والمنظمات والجمعيات النقابية والحقوقية والثقافية والشخصيات المستقلة المجتمعة يوم الأربعاء 26 جانفي 2011 بمقر "الاتحاد النقابي لعمال المغرب العربي" بدعوة من الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين بمبادرة لتحقيق الانتقال الديمقراطي تتمثل في إنشاء "المؤتمر الوطني لحماية الثورة" الذي يضم كافة الأطراف السياسية والجمعيات والمنظمات النقابية والحقوقية والشبابية والهيئات الثقافية والشخصيات المستقلّة التي تتبنّى مطالب ثورة الشعب وتناضل من أجل تحقيقها وممثّلي القوى التي أفرزتها الثورة في كافّة أنحاء البلاد عبر المجالس أو اللجان أو الروابط التي شكّلت بمبادرة من الجماهير وممثّلي الجمعيات والمنظّمات التونسية بالهجرة التي قاومت الدكتاتورية وساندت الثورة في تونس. أصدر المجتمعون بيانا يؤكد السعي إلى الانتقال بالبلاد من الدكتاتورية إلى الديمقراطية بطريقة مدنية، سلمية لذا قرر "المؤتمر الوطني لحماية الثورة" القبول بالرئيس الحالي المؤقت والتوجه له، عبر ممثلين يختارهم، لالتماس إصدار مرسوم يشرع وجود "المؤتمر" كما دعا هذا الأخير إلى حل الـحكومة الحالية وتشكـيل حكومة جديدة مؤقـتة مـتركبة من أعضاء تتوافق حولهم القوى المشكّلة لـ"المؤتمر" وتتولى الحكومة المؤقتة الجديدة إنجاز المهام المتمثلة في تصريف الأعمال اليومية وحل الهيئات التمثيلية المنصّبة وحلّ الحزب الحاكم وتصفيّة ممتلكاته ومحاسبة الرّموز الضالعة منه في جرائم اقتصادية وسياسية وحل جهاز البوليس السياسي وتعيين مسؤولين وقتيين على رأس السلك الدبلوماسي والولايات والمعتمديات والعمادات لتيسير إنجاز المرحلة الانتقالية والإعداد لانتخاب مجلس تأسيسي في مناخ من الحرّية، ويكون هذا المجلس ممثّلا لكل القوى الحيّة بالبلاد عبر التوافق على طريقة التمثيلية فيه (اعتماد النسبية) لاجتناب الإقصاء. يتولّى المجلس التأسيسي صياغة دستور جديد للجمهورية التونسية المدنية والديمقراطية والعصرية التي تحقق طموحات الشعب التونسي في الحرّية والمساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة وختاما، يشير "المؤتمر الوطني لحماية الثورة" أن الفترة الانتقالية تنتهي مع انتخاب المجلس التأسيسي وتعيين حكومة وطنيّة جديدة لتسيير شؤون البلاد وإجراء انتخابات حرّة وديمقراطية وفقا للدستور الجديد الذي يمثّل الأساس للشرعية الديمقراطية الجديدة. لقد استكملت الفصائل اليسارية تأصيل إصلاحيتها وذلك باتباع نهج سلمي مهادن يـرتكز أساسا على اـشرعوية فهي تستجدي البورجوازية الحاكمة بكل "مدنية متحضرة" لتسلمها السلطة وتفاوضها لتمنحها الشرعية القانونية المختزلة في مرسوم رئاسي ضاربة عرض الحائط بالشرعية الشعبية. لم يخل بيان أصدرته "جبهة 14 جانفي" أو "المجلس الوطني لحماية الثورة" أو "المؤتمر الوطني لحماية الثورة" إلا وتضمن مطلب تشكيل حكومة مؤقتة تضطلع بالإعداد لانتخاب مجلس تأسيسي يتكفل بصياغة دستور جديد يرسي دعائم الجمهورية الديمقراطية الجديدة. وضع اليسار مسألة انتخاب مجلس تأسيسي في صدارة المطالب وهو انتخاب يُرمى به في المعترك البورجوازي للانتقال بالبلاد من الدكتاتورية إلى الديمقراطية بطريقة مدنية وسلمية. لقد كان جليا أن القوى اليسارية سلكت نهج التوافق الطبقي مع البورجوازية العميلة تحت مسميات الديمقراطية والمساواة والحرية دون ربطها بأي بعد طبقي ومثّل هذا التمشي أثمن هدية قدمت على طبق من ذهب للقوى الرجعية المضادة للثورة المستميتة في الالتفاف عليها وإجهاضها ثم قبرها وقد تم ذلك بإنشاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح عماد مناورة البرجوازية التي تمكنت من إغراء جل مكونات المجلس الوطني لحماية الثورة لمغادرته والالتحاق بالهيئة نذكر منها حركة الوطنيون الديمقراطيون وحزب العمل الـوطني الديـمقراطي والاتحاد الـعام الـتونسي للشغـل والاتحاد العام لـطلبة تونس. وبالرغم من عدم التحاقه بالهيئة كان موقف حزب العمال يشوبه التردد والارتباك فإن عبّر أن ليس له منها موقف مسبق وأنه يرفض الطريقة التي تم بها تشكيلها وضبط مهماتها ودورها إلا أنه انطلق بعدها مباشرة، شأنه شأن بقية فصائل اليسار، في الإعداد لخوض غمار الحملة الانتخابية للمجلس الوطني التأسيسي. لقد دافع اليسار على مسار، زعم أنه ثوري، يتضمن حكومة مؤقتة تعد لانتخابات مجلس تأسيسي وتشكل الأغلبية البرلمانية الفائزة حكومة مؤقتة وتعين رئيسا مؤقتا للجمهورية وحال انتهاء المجلس التأسيسي من صياغة الدستور الجديد والمصادقة عليه تنكب الهيئة العليا المستقلة للانتخابات على تنظيم انتخابات برلمانية تنهي الحالة المؤقتة للحكم وتبنى ركائز الجمهورية الديمقراطية الجديدة. لقد دارت الأحداث بما اشتهى اليسار الذي أقر شرعية الانتخابات فلماذا يتباكى، ولازال، على ما آلت إليه أوضاع البلاد بعد ذلك؟ 3) الجبهات والتحالفات أ ــ هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات: إضراب الجوع - التأسيس -الإعلانات الثلاثة تزامنا مع قرب انعقاد مؤتمر القمة العالميّة لمجتمع المعلومات في الفترة الفاصلة بين 15 و 18 نوفمبر 2005 بتونس شن 8 معارضين من تيارات سياسية مختلفة (أحمد نجيب الشابي أمين عام الحزب الديمقراطي التقدمي وحمة الهمامي الناطق الرسمي لحزب العمال الشيوعي التونسي وعبد الرؤوف العيادي نائب رئيس المؤتمر من أجل الجمهورية وسمير ديلو قيادي بحركة النهضة ومختار اليحياوي قاضي معارض والعياشي الهمامي محامي ولطفي حجي رئيس نقابة الصحافيين التونسيين ومحمد النوري رئيس الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين) إضراب جوع انطلق يوم 18 أكتوبر 2005 تحت شعار "الجوع ولا الخضوع" دفاعا عن الحرية واحتجاجا على السياسة القمعية في البلاد. قامت قوات الأمن بحصار مقر الإضراب ومنعت دخوله وفي اليوم الثاني زارت بعثة ديبلوماسية أوروبية المضربين وتلتها وفود أخرى فاضطرت قوات الأمن إلى رفع الحصار عن الإضراب وتحولت وفود مشاركة في مؤتمر القمة العالمية لمجتمع المعلومات إلى مقر الإضراب، وتدخّل العديد من الشخصيّات وفي مقدمتهم شيرين عبادي، الحائزة على جائزة نوبل للـسلام، الـتي زارت المضربين وطلبت منهم نيابة عن الوفود الدوليّة المشاركة في القمة تعليقَ إضرابهم الذي دام شهرا، وتعهدت بدعم مطالبهم والعمل على تحقيقها فاستجاب المضربون وعلقوا إضرابهم يوم 18 نوفمبر 2005 للمرور إلى نقاش مستقبل تحرّكهم وآفاقه وانتهت مشاوراتُهم إلى اتفاقٍ يتلخص في نقطتين: أوّلا مواصلة العمل الميداني المشترك لتحقيق مطالب الإضراب الثلاثة في إطار هيئة أطلقوا عليها اسم “هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات” تضمّ جميع المضربين وعددا من الشخصيات الوطنية التي ساندت الإضراب وثانيا إقامة حوار حول أسس المجتمع الديمقراطي الذي يَنشدونه لتونس في أفق بلورة عهد ديمقراطي يكون أساسا للرفع من وحدتهم إلى مستوى البرنامج السياسي المتكامل، وقرروا أن يجري هذا الحوار بشكل علني وأن يكون مفتوحا للجميع في إطار ما أسموه “منتدى 18 أكتوبر”. تأسست "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" في 24 ديسمبر 2005 وجمّعت عدة أحزاب وحركات إضافة إلى عديد المستقلين (حركة الديمقراطيين الاشتراكيين ـ الحزب الديمقراطي التقدمي ـ التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات ـ حركة النهضة ـ المؤتمر من أجل الجمهورية ـ حزب العمال الشيوعي التونسي ـ الوحدويون الناصريون بـتونس ـ الـنقابة الوطنية للصحفـيين الـتونسيـين ـ مـركز تونس للدفاع عن استقلال القضاء والمحاماة ـ الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ـ المجلس الوطني للحريات بتونس ـ الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين ـ البديل التنموي ـ جمعية التضامن التونسي ـ جمعية صوت حر ـ لجنة عائلات وأقارب المساجين السياسيين ـ اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان بتونس …). تعرض البيان التأسيسي لـ"هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" لعجز النظام القائم عن تحقيق تنمية شاملة ومندمجة تستجيب لمقتضيات النهوض بالبلاد وتضمن مقوّمات العيش الكريم للشعب فتفاقمت التبعية وأُهدرت الثروات العمومية وتفشى الفساد والإثراء غير المشروع وتعمقت الاختلالات الاجتماعية وانتشرت البطالة وتدهور مستوى العيش. كما تعرض البيان لفشل الحزب الحاكم في تحديث النظام السياسي فأرسى، رغم كل الطلاء العصري، نظاما استبداديا قائما على الحكم الفردي المطلق وإلغاء دور المؤسسات وطغيان جهاز الأمن والمخابرات على الحياة العامة ومصادرة جميع الحريات وإحالة الآلاف من المواطنات والمواطنين من مختلف التيارات السياسية والفكرية ومن النقابيين والحقوقيين على المحاكم والزج بهم في السجون، كما تم تزييف الإرادة الشعبية ومنع حصول أي تداول على السلطة وجعل الرئاسة مدى الحياة قاعدة للحكم. تضمن البيان كذلك المطالبة بحرية التعبير والصحافة وحرية التنظم الحزبي والجمعياتي وإطلاق سراح المساجين السياسيين وسن العفو التشريعي العام وهي مطالب تمثل الحد الأدنى المتفق عليه والمعبر الضروري لوضع أسس الانتقال الديمقراطي المنشود الذي يهدف إلى القضاء على الاستبداد وبناء مؤسسات الدولة على قاعدة الشرعية الديمقراطية القائمة على احترام مبادئ المواطنة وسيادة الشعب المتحرر من كل وصاية والتداول الديمقراطي على الحكم والتعددية الفكرية والسياسية وصيانة حقوق الإنسان. ولا تمثل وحدة العمل هذه مدخلا سياسيا ضروريا لفك الخناق المضروب على المجتمع فحسب بل هي أيضا كفيلة بتوفير مناخ ملائم لإجراء حوار وطني، علني وشفاف يفضي إلى بلورة عهد ديمقراطي يشكل قاعدة للمشاركة السياسية والتداول على الحكم على أساس تناظر وتنافس البرامج والرؤى وهو عهد من شأنه أن يرتقي بمستوى وحدة العمل إلى إرساء أسس التغيير الديمقراطي. أنشأت الهيئة داخلها "منتدى 18 أكتوبر للحوار" للبت في المواضيع الخلافية خصوصا بين العلمانيين والإسلاميين وأدت النقاشات التي امتدت من بداية 2006 حتى نهاية 2009 إلى إصدار 3 إعلانات تعلقت بحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين والعلاقة بين الدولة والدين والعلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين. هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات: حزب العمال الشيوعي التونسي يرتهن للديمقراطية البورجوازية في ظل نظام استبدادي يناضل الشيوعيون من أجل الحريات السياسية (حرية التعبير والصحافة وحرية التنظّم الحزبي والجمعياتي وسن العفو التشريعي العام ...) لا كهدف في حد ذاتها بل كآليات تحرر عملهم الدعائي والتحريضي والتنظيمي فـ"لن يشبع الجماهير الجائعة أي قدر من الحرية السياسية" والشيوعيون لا يحملون ولا يروّجون أوهاما حول تحقيق التغيير الجذري عبر المؤسسات البورجوازية أو عبر أي وفاق أو ميثاق معها. غير أن حزب العمال الشيوعي التونسي ارتأى غير ذلك في صياغة الوثائق التأسيسية لـ"هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" إذ جاء فيها أن الديمقراطية آليّة للوصول إلى الحكم وأن قيام الديمقراطية في حاجة إلى وفاق اجتماعي يحدِد الإطار الذي تجري فيه العملية السياسية، تشارك في صياغته كل القوى الفاعلة، وتعبِر عنه في شكل عقد أو ميثاق يحدِد أركانَ النظام الاجتماعي المنشود. هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات: علاقة الدولة بالدين ... تنازلات نظرية أكدت الهيئة في إعلانيها حول العلاقة بين الدولة والدين والعلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين أن من واجب الدولة الديمقراطية المنشودة إيلاء الإسلام منزلة خاصة باعتباره دين غالبية الشعب وأن من التزاماتها صون الحرية الدينية في اعتناق دين أو معتقد أو تركه، والحق في إظهاره والدعوة إليه وإقامة شعائره وأنها الضامن لتدريس مواد التربية الإسلامية في المؤسسات التعليمية ونشر الدين الإسلامي عن طريق التعليم والعمل الدعوي. بتبني هذا التصور لم يرتق فهم حزب العمال الشيوعي التونسي لطبيعة الدولة ولو في حدودها البورجوازية وسقط بذلك في طرح رجعي ينسجم ويتوافق مع طرح حركة النهضة. يرفع الشيوعيون شعار فصل الدين عن الدولة فهي لا تتدخل في المسألة الدينية ولا تنحاز ولا تميز بين ديانة وأخرى بل أنها تتموقع خارج دائرة الدين و تنفصل عنه بدءا بالمؤسسة التعليمية. لذا تنأى الدولة بنفسها عن أي نشاط دعوي لصالح أي معتقد ولا تمنح أي دعم مادي للمؤسسات والجمعيات الدينية التي تصبح جزءا من المجتمع المدني وتستمد شرعيتها لا من "قدسيتها" بل من مبدإ الحريات العامة التي يضمنها القانون ويحميها أيضا وهي بهذا المعنى تُخضع كما تُخضع غيرها من الجمعيات والتنظيمات والمؤسسات لسلطة القانون الذي لا يقيد نشاطها بأي قيد عدا احترام حرية المواطنين وعدم النيل من حقوقهم أو التسلط على ضمائرهم. عندما يخرج الدين من حيز السياسة بمعناها العام فإنه يدخل الحيز الشخصي فيصبح بذلك جزءا لا يتجزأ من الحرية الشخصية التي يضمنها القانون و يحميها من الانتهاك سواء كان مصدره أجهزة الدولة أو أطراف أخرى . إن الإقرار بضرورة خروج الدين من حيز السياسة يترتب عنه اعتبار الأحزاب ذات المرجعية الدينية، بما في ذلك حركة النهضة، أجسام غريبة عن الخارطة السياسية ولا يعد هذا الموقف إقصائيا بقدر ما هو نابع من مبدإ ديمقراطي لا يقبل التأويل أو الاستثناء. يرى أعضاء "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات"، ومن ضمنهم حزب العمال الشيوعي التونسي، أن حركة النهضة أقرت بالديمقراطيّة كوسيلة للوصول إلى الحكم وتميزت منذ وقت مبكر بانخراطها في الإطار القانوني المؤسساتي، وانفتاحها على الفكر الديمقراطي، في وقت كانت تُعد فيه الديمقراطية ضربا من ضروب الحكم الطاغوتي كما عرفت مواقفها من قضية المرأة ومن مسألة حرية المعتقد تطورات لافتة عبرت عنها كتابات مؤسسها الشيخ راشد الغنوشي المنشورة منذ الثمانينيات. هكذا يتم تبييض حركة النهضة وتتباهى الهيئة بفضلها في فتحها الباب في وجه عودة الحركة الإسلامية التونسية إلى المشهد السياسي وإعادة الاعتبار إليها طرفا معنيا بالانتقال إلى الديمقراطية ودمجها في عملية التغيير الديمقراطي. هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات: خيانة القضية الفلسطينية وعلى قدر حرص "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" لتبييض حركة النهضة على قدر تجاهلها للقضية الفلسطينية، فقد تزامن انطلاق إضراب الجوع مع افتتاح أشغال القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي انعقدت بتونس وسط إجراءات أمنية مشددة تحت إشراف شركة أمريكية متخصصة والتي حضرها سيلفان شالوم وزير خارجية الكيان الصهيوني نيابة عن رئيس الوزراء أرييل شارون، سفاح مذبحة صبرا وشاتيلا، الذي وقع استدعاؤه من طرف السلط التونسية لحضور القمة. سجلت البلاد احتجاجات قام بها طلبة الجامعات والنقابيون ورددتها صحف المعارضة كما تظاهرت جاليتنا بالخارج وشنّت إضرابات جوع للتنديد بقدوم سيلفان شالوم إلى تونس مصحوبا بأكثر من مائة مرافق. ماذا كان موقف المضربين عن الطعام الذين يمثلون النواة التي ستؤسس لاحقا "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات"؟ بعث المضربون الثمانية برسالة للقمة العالمية لمجتمع المعلومات المنعقدة في تونس ووجهت الرسالة للأمين العام للأمم المتحدة باعتباره المشرف الرئيسي على القمة وقرأ نص الرسالة عبر الهاتف وعلى مسامع القمة أحمد نجيب الشابي. واستعرضت وكالة قدس برس إنترناشيونال بتاريخ 17 نوفمبر 2005 أهم ما جاء في الرسالة على غرار « نبلغكم أننا مضربون عن الطعام منذ 30 يوما، للمطالبة بثلاثة إجراءات أساسية في بلدنا، وهي حرية التنظم، وحرية التعبير والصحافة، وإطلاق سراح المساجين السياسيين »...« إن الإنترنت في تونس مراقبة، ووسائل الإعلام محتكرة من طرف الحزب الماسك بالسلطة، منذ خمسين سنة، وتكوين الأحزاب والجمعيات مثله مثل نشر الصحف، خاضع للسلطة التقديرية لوزير الداخلية، كما أنه لا وجود لسلطة قضائية فعلية، بسبب خضوع القضاء للسلطة التنفيذية »...« لا غرابة في مثل هذه الحالة أن يتعرض الآلاف من المواطنات والمواطنين، من مختلف النزعات الفكرية والسياسية، للتعذيب الوحشي، وسوء المعاملة، والمحاكمات الجائرة، والسجن في ظروف قاسية »...« إن ما نتمناه هو أن نرى المنظمة الأممية ترفق إعلانات النوايا باتخاذ إجراءات ملموسة للحد فعليا من الفجوة الرقمية، وإلزام الدول التي تنتهك حقوق الإنسان بالإيفاء بتعهداتها الدولية، وضمان الحقوق والحريات الأساسية لمواطنيها »...« الديمقراطية ليست شأنا داخليا، بل هو أيضا من مستلزمات تحقيق الاستقرار والسلم والتعاون الدولي »… الواضح أن الرسالة لم تتضمن تنديدا باستدعاء وتشريك ممثلي الكيان الصهيوني في القمة المنعقدة بتونس، زد على ذلك قبول المضربين عن الطعام زيارة وفد عن القمة تترأسه شيرين عبادي الحقوقية الايرانية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام وممثلة المجتمع المدني في القمة وسيديكي كابا رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان وقد انصاع المضربون عن الطعام لالتماس طلب الوفد بوضع حد للإضراب وكان له ذلك. المقايضة، أكانت ضمنية أو فعلية، واضحة بين الطرفين: عدم التنديد العلني بمشاركة الكيان الصهيوني في القمة مقابل الدعم الديبلوماسي لمطالب المضربين وهنا يتضح بجلاء أن شعار الحريات السياسية، مثله مثل أي شعار ديمقراطي، يفقد مضمونه الثوري ويكتسي طابعا ليبيراليا لا غير إذا لم يندرج في سياق الصراع الطبقي وفي إطار النضال الوطني، فالقفز فوق ما يتطلبه الواقع من تصدّ وتنديد للتطبيع، وما يعني ذلك من نضال ضد الصهيونية والامبريالية، لا يجعل من المطالب الديمقراطية سوى تأثيثا للمربع الليبيرالي. ب ــ الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة: جبهة انتخابوية الجبهة: تأسيس الخيار الثالث بعد خمسة أشهر من انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011 وتحت صدمة نتائجها الكارثية والهزيمة المدوية لليسار وتشكيل حكومة الترويكا، ارتفعت الأصوات المنادية بتجميع القوى اليسارية وبتاريخ 18 مارس 2012 جرت محاولة لإحياء "جبهة 14 جانفي" فتوافقت خمسة أطراف سياسية (الحزب الشعبي للحرية والتقدم وحركة البعث وحزب النضال التقدمي والوطنيون الديمقراطيون (الوطد) وحزب العمال الشيوعي التونسي) على تكوين "الجبهة الشعبية 14 جانفي" وأصدرت بيانا تأسيسيا تضمن تميز الوضع السياسي آنذاك بسعي كل من الائتلاف الحاكم بقيادة "حركة النهضة" و قوى الثورة المضادة عموما الداخلية منها والخارجية للالتفاف على المسار الثوري وأشار البيان التأسيسي أن "الجبهة الشعبية 14 جانفي" تعبر عن تمسكها بمواصلة النضال الثوري وحرصها على مد جسور التواصل مع القوى الديمقراطية من أجل التقدم في إنجاز التحرر الوطني الفعلي والانعتاق الاجتماعي والتغيير الديمقراطي الحقيقي وحماية مكاسب الشعب وتطويرها. توسعت "جبهة 14 جانفي" لتشمل عشرة أحزاب (حزب العمال، وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين وحركة البعث وحزب الطليعة العربي الديمقراطي وحزب النضال التقدمي والحزب الوطني الاشتراكي الثوري ورابطة اليسار العمالي وحزب تونس الخضراء والحزب الشعبي للحرية والتقدم) بالإضافة إلى جمعيات ومستقلين وانتهت إلى تأسيس "الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة" في 7 أكتوبر 2012 خلال اجتماع شعبي في قصر المؤتمرات بالعاصمة. قدمت الجبهة الشعبية نفسها باعتبارها خيارا ثالثا في مواجهة الاستقطاب الثنائي بين حركة النهضة ونداء تونس وعرّفها حمه الهمامي، الناطق الرسمي باسمها، بأنها جبهة سياسية وليست انتخابية ستعمل على تحقيق أهداف الثورة كقطب ثالث إلى جانب حركة نداء تونس والترويكا الحاكمة. الجبهة: التداول السلمي على السلطة إذا كانت الجبهة الشعبية جبهة سياسية فما هو هدفها السياسي؟ يوضح الناطق الرسمي باسمها أن هدفها إقامة الجمهورية المدنية الديمقراطية الاجتماعية. إن تغيير توصيف "الجمهورية الديمقراطية الشعبية" بـ"الجمهورية المدنية الديمقراطية الاجتماعية" له دلالة في غاية الأهمية فمصطلح "المدنية" يحيل إلى التداول السلمي على السلطة ولاشرعية إلا شرعية صناديق الاقتراع وتغيير صفة "الشعبية" بـ"الاجتماعية" هو بمثابة فتح الباب أمام شرائح بورجوازية غريبة عن العمال والفئات الشعبية لتلتحق بقوى التغيير الديمقراطي لبناء "الجمهورية المدنية الديمقراطية الاجتماعية" ولم يتردد حمه الهمامي في التصريح بأن "الجبهة الشعبية هي الخيار الأفضل لحكم البلاد في المراحل القادمة وتحقيق أهداف الثورة" كما أدلى أمين عام حزب الطليعة العربي الدّيمقراطي أحمد الصّديق بأن "للجبهة برنامج لتسيير البلاد" وذكر ممثل حركة البعث شكري القصار أن "الجبهة قادرة على حكم البلاد وتوفير البديل الحقيقي وليس قدرنا أن تحكمنا الليبرالية المتوحشة". فعلا، كان للجبهة الشعبية أن تكون الخيار الأفضل لحكم البلاد لو أنها كانت شعبية بالفعل وسلكت النهج الثوري عوض أن تبقى حبيسة النهج البرلماني، حبيسة المربع الديمقراطي الليبيرالي. الجبهة: نواب معارضون مندمجون في المنظومة الحاكمة في هذا الصدد يؤكد حمه الهمامي أن "الهدف من الجبهة هو مواصلة النسق الثوري وإرساء حكم الشعب بكل الوسائل النضالية بما في ذلك الانتخابات" ووفاء لهذا الهدف، إرساء حكم الشعب، لم تتأخر الجبهة، من تاريخ تأسيسها إلى سنة 2019، عن المشاركة في أي موعد انتخابي ففازت بـ 15 مقعدا في الانتخابات التشريعية لسنة 2014 وتمكنت من تشكيل كتلة برلمانية التي وإن دافعت نسبيا على مطالب في صالح الشعب فإنها سرعان ما اندمجت في المؤسسة البرلمانية، وبذلك في منظومة "الانتقال الديمقراطي"، فتسلمت رئاسة اللجنة المالية للبرلمان وحضرت جلسات لجنة التوافقات كعضو وساهمت بصفة نشيطة في انتخاب أعضاء الهيئات الدستورية و تناست دورها الأساسي المتمثل في إقناع الجماهير التي انتخبتهم بنزع الأوهام عن المؤسسة البرلمانية التي لن تغير أوضاعها جذريا، فيجول بذهن العديد أن الثوريين قادرون على قلب الأوضاع من داخل المؤسسة البرلمانية. كما أن نواب الجبهة التحقوا بالبرلمان كمنافسين للبورجوازية وليس كعدو لها ولم يعملوا على إبراز زيف مقولات "الإرادة الشعبية" و "إرادة المنتخبين" و "الشرعية" وفضح مناورات مختلف الأطراف المتدخلة في الحياة السياسية العامة. كما شاركت الجبهة الشعبية في الانتخابات البلدية لسنة 2018 تحت شعار خال من كل روح ثورية "اليد النظيفة تبني بلدية نظيفة" وقد فازت قوائم الجبهة بـ 261 مقعد من مجموع 7212 لكن سرعان ما دخل جلّ الفائزين في مساومات ومحاصصات مع نداء تونس وحركة النهضة خلال عملية توزيع المهام داخل المجلس البلدي وما فتيء أن اندمج نواب الجبهة، ما عدا بعض الاستثناءات، في المنظومة المحلية. الجبهة: عجز عن توحيد مواقف مكوناتها في المجال النقابي والحقوقي والنسوي من أبجديات العمل الجبهوي وحدة موقف الأطراف السياسية المكونة للجبهة صلب النقابات والجمعيات المدنية، ففي الاتحاد العام التونسي للشغل نسج كل من "اليسار النقابي" المنضوي تحت لواء "حزب العمال" والتيار النقابي الراجع بالنظر لـ"حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد" على التموقع في الهياكل النقابية على مستوى محلي وجهوي ولما لا وطني والذوبان في "الماكينة" البيروقراطية وذلك على حساب العمل والنضال القاعدي وقل وندر، إن لم يكن محالا، أن تقدما في قوائم انتخابية مشتركة بل أن علاقتهما كانت غالبا عدائية قس على ذلك الوضعية في الاتحاد العام لطلبة تونس إذ أن المواقف النقابية لكل من "اتحاد شباب الوطنيين الديمقراطيين"، المنظمة الشبابية لـ"حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد"، و"اتحاد الشباب الشيوعي التونسي"، المنظمة الشبابية لـ"حزب العمال"، كانت غالبا متباعدة وغير منسجمة ولم يسجل نشاط مشترك يذكر لمنظمة "النساء الوطنيات الديمقراطيات - حرة" و"المنظمة النسائية لحزب العمال - مساواة" كما أن الجبهة لم تتواجد ولم تنشط في الجمعيات المدنية والثقافية إلا عبر مكوناتها متفرقة. ماذا بقي لجبهة، أكدوا أنها سياسية، مكوناتها غير موحدة فكرا وممارسة؟ لم يتبق إلا وحدة الموقف في المشاركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية، هذا إن لم يختلفوا حول نسب المحاصصة. الجبهة: انشطار لأسباب انتخابوية تزامنت الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019 مع انشطار الجبهة الشعبية إثر خلاف جدّ بين ناطقها الرسمي حمة الهمامي ورئيس لجنة المالية في البرلمان المنجي الرحوي حول الترشح لرئاسية 2019 وقد انتهى بترشح كليهما ليتنافسا على المراتب الأخيرة ولم تكن مسألة الانتخابات التشريعية بأحسن حال من نظيرتها الرئاسية إذ تقدمت الجبهة الشعبية بقائمات تحت مسمّيين: حزب الجبهة وائتلاف الجبهة لم يتحصلا مجتمعين إلا على مقعد واحد مما عجل بتفكك الجبهة ثم اندثارها وهكذا، أنشئت الجبهة لغايات انتخابية ودُمّرت لأسباب انتخابية. طفحت أولى بوادر الأزمة إلى السطح مع الاختلافات التي نهشت المجلس المركزي ومجلس الأمناء والكتلة النيابية للجبهة والتي تمحورت حول تحديد رؤساء قوائم الانتخابات التشريعية والتوافق حول مرشح الجبهة للانتخابات الرئاسية لسنة 2019 ومن يريد إكساء هذه الأزمة طابعا سياسيا، لم يتمظهر إلا فيما بعد، فهو يحاول تبرئة ساحة القيادة الفعلية للجبهة التي تتحمل قطعا ولوحدها مسؤولية ما آلت إليه الأمور فقد صدّر الأمناء العامون وأعضاء الكتلة النيابية نهجهم البيروقراطي المكرس داخل أحزابهم للجبهة الشعبية وتجلى ذلك في الخوض في تركيبة قوائم الانتخابات التشريعية دون الرجوع لمناضليهم في الجهات وتشريكهم كما أنهم تعفّفوا عن تشريك مناضلي الجبهة في مناقشة المسألة . اندرجت مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية فوقع تناولها وكأنها لا تشمل إلا "حزب العمال" و"حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد" ولا تخص إلا حمه الهمامي ومنجي الرحوي واكتفت قيادات بقية المكونات السياسية للجبهة بالزج بأحزابها للاصطفاف وراء أحدهما ومرة أخرى دون الرجوع لمناضليها و هياكلها. استفحلت أزمة الجبهة الشعبية بتقديم 9 نواب استقالتهم من الكتلة البرلمانية عقبته استقالة رئيسها من مهمّته والمتمعّن في تركيبة المجموعة المستقيلة يلاحظ بدون عناء بصمة الخلاف بين حزبي الوطد والعمال في الاستقطاب الثنائي بالجبهة الشعبية التي انشطرت إلى جزئين لا جرّاء خلاف سياسي بل نتيجة "الاقتتال" للحصول على ترؤس قائمة أو أكثر في الانتخابات التشريعيّة وفرض "ممثلها" في الانتخابات الرّئاسيّة. أصدرت المجموعة المنسحبة من الكتلة البرلمانية وتشمل كل من زياد الأخضر والمنجي الرحوي وأيمن العلوي ومومن بلعانس وأحمد الصديق ونزار عمامي وفتحي الشامخي وشفيق العيادي وهيكل بن بلقاسم والمنضوية تحت لواء "حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد" بيانا تطالب فيه بضرورة عقد الندوة الوطنية الرابعة للجبهة الشعبية لترسيخ آلية التعامل الديمقراطي تلميحا لهيمنة حزب العمال على الجبهة ثم سارعت بتقديم ملف لتأسيس حزب سياسي جديد، يوم 3 جوان 2019، بنفس اسم الجبهة الشعبية وفي هذا السياق أعلنت مصالح الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان عن تأسيس حزب جديد تحت إسم حزب الجبهة الشعبية ورئيسته صفاء الذوادي سكرتيرة كتلة الجبهة الشعبية بمجلس نواب الشعب أكد إثرها منجي الرحوي أن هذا الحزب الجديد سيكون منفتحا ومتحررا من كل أشكال الديكتاتورية والمواقف السلبية وأن هذه الجبهة ستخوض الانتخابات التشريعية بقائمة من أهدافها أن تكون صانعة للقرار ولها مكانة داخل السلطة لإنجاز إصلاحات لفائدة الشعب. الجبهة: الاتهامات المتبادلة وترذيل العمل السياسي اتهم "حزب الوطنيون الديمقراطيون الموحد" حمة الهمامي بـ"سلوك الغدر والمخاتلة والتصميم على الاستيلاء على الجبهة الشعبية ورهنها لفائدة شخص، وليس لمناضليها ومناضلاتها ومختلف مكوناتها، سلوك يمارسه أمين عام حزب العمال منذ سنة 2013، تاريخ إقدامه خلسة على طلب تسجيل شعار الجبهة الشعبية بالمعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية كملكية فردية خاصة به، وليس بصفته مفوضا قانونيا من قبل مختلف مكونات الجبهة الشعبية. حدث هذا أياما معدودات بعيد اغتيال شهدائنا شكري بلعيد ومحمد البراهمي ومحمد بلمفتي، وما علمنا بذلك إلا منذ أسابيع قليلة على لسان أحد الأمناء العامين". اعتبر حمه الهمامي منح تأشيرة لتأسيس حزب جديد يحمل اسم الجبهة تعديا صارخا على الجبهة الشعبية وسطوا عليها وأكد أن إعطاء حكومة يوسف الشاهد تأشيرة حزب الجبهة الشعبية وفي ظرف وجيز لكاتبة نواب حزب الوطد الموحد في البرلمان فضيحة أخلاقية وسياسية وجريمة في حق مئات الآلاف من التونسيين ومن أنصار وناخبي الجبهة الشعبية وتأكيد للدور القذر للحكومة في تفكيك الجبهة التي لا يمكن إقصاؤها بتهم الفساد أو استغلال الجمعيات الخيرية”. أصدرت الجبهة بيانا ذكرت فيه أن الحكومة لجأت الى” توظيف الوطد الموحد وبعض أتباعه من مجموعات أخرى لضربها وتخريبها وتكوين هذا الحزب عن طريق 3 أنفار تواطؤوا وشاركوا في تخريب الجبهة الشعبية وانتحال صفتها للمشاركة في الانتخابات القادمة “معتبرة ذلك “مقدمة لتزوير الانتخابات بطريقة خسيسة وملتوية”.هكذا زجّ الطرفان المتناحران بمناضلي الجبهة في معركة لن يكونوا فيها إلا حطب وقود لنار أشعلتها المحاصصة الضّيّقة وهكذا أظهرت قيادات جميع مكوّنات الجبهة أنها أول من يتمسك بمصالحه الشخصية والحزبية الضيقة وآخر من يتمسك بأبجديات العمل الجبهوي وأصبح قدر المناضلين القاعديين التلهي بإذكاء نار الاتهامات وتصفية الحسابات السياسية. الجبهة: اختلافات كامنة تطفو إلى السطح لقد تبيّن و بصفة جلية أن وحدة الجبهة لم تكن وحدة جبهة سياسية قائمة على نهج ثوري بقدر ما كانت وحدة جبهة انتخابية لا أكثر ولا أقل ودليل ذلك أن الجبهة الشعبية تمكنت من المحافظة على تماسكها رغم الاختلافات السياسية العميقة التي شقتها كتلك التي اندلعت إثر لقاء تم بين المنجي الرحوي ويوسف الشاهد الذي عرض عليه منصبا وزاريا لكنه لم يقبل العرض وصرح لوسائل الإعلام أن منطلق رفضه كان "عدم إحراج رفاقه في الجبهة". إذاك تعالت أصوات بعض المناضلين في الجبهة الشعبية ونبهت لبروز خط وصولي يميني داخلها وطالبت بفتح نقاش حول المسألة وحسمها . فماذا كان موقف "حزب الوطنيين الديمقراطين الموحد" وكذلك موقف "حزب العمال" ؟ اكتفى الأمين العام لـ"حزب الوطنيين الديمقراطين الموحد" بإصدار بيان مقتضب في 12 أوت 2016 يذكر بتمسك الحزب بموقفه الرافض للمشاركة في حكومة يوسف الشاهد و رفضه الدخول في أي مشاورات حولها و تأكيد عدم علمه باللقاء الذي جمع منجي الرحوي بيوسف الشاهد، وما كان من الناطق الرسمي للجبهة الشعبية إلا تصريحات خجولة لوسائل الإعلام يوضح فيها أن ما أقدم عليه منجي الرحوي تصرف فردي (شمس ف م ــ 13 أوت 2016). لا يختلف اثنان أن تبريرات كل من زياد لخضر وحمه الهمامي واهية وأنها ترد بتعلة المحافظة على وحدة الجبهة و تماسكها فأصبح كلّ نقد يوجّه لأحد القياديين أو لطرف سياسي داخل الجبهة بمثابة مسّ بهذه الوحدة هذا إن لم يتم تصنيفه كعمل تخريبي وهكذا يتجلى أن الصراع الفكري والسياسي لا يجد مكانه في الجبهة إلا بمناسبة مشاحنات حول تصدر القائمات الانتخابيّة وأصبح سلاحا لا يستل إلا لمقارعة طرف سياسي لأنه تجرأ على تقديم مرشحه للانتخابات الرئاسية ؟ هذا ما حصل عندما نفض حزب العمال الغبار عن تقرير داخلي نشره في موقع "صوت الشعب" تحت عنوان "حول تكتيك الجبهة الشعبية ومسألة الدخول في الحكومة"، هذا التقرير الذي كان سيكتسي أهمية وفعالية في اتجاه تجذير الخط السياسي للجبهة لو وقع عرضه للنقاش داخل الجبهة الشعبيّة في الإبان لكن قيادة حزب العمال خيرت عدم تعميمه وتركته كآلية لامتصاص كل نفس ثوري داخله وسلاح تشهره ضد حزب الوطنيون الديمقراطيون الموحد "أيام الضيق"، وهذه حوصلة للمآخذ السياسية التي يرفعها حزب العمال ضد "حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد" عامة وضد منجي الرحوي خاصة والتي صدرت في تقديم للتقرير المذكور: ــ إعلان اللجنة المركزيّة لحزب الوطد الموحد بتاريخ 3 مارس الحالي اقتراح ترشيح منجي الرحوي للانتخابات الرئاسية القادمة باسم الجبهة الشعبية دون حصول اتفاق داخلها. ــ ركوب الرحوي على خطاب يدعو للتجديد و التغيير لا يعد سوى مسعى لجر الجبهة الشعبية نحو اليمين و الابتعاد عن مواقفها الثورية التي تأسست عليها. ــ موقف الرحوي الداعي إلى التصويت لفائدة السبسي في الدورة الثانية لانتخابات 2014 الرّئاسيّة. ــ مقابلة الرحوي للسبسي في صائفة 2016 و مناقشته مشاركة الجبهة الشعبية في الحكومة. ــ مقابلة الرحوي للشاهد عدة مرّات و كان على قاب قوسين من قبول العرض المقدم إليه لتولي منصب وزير للفلاحة. ــ في مطلع 2017 حين رفعت الجبهة الشعبية شعار الانتخابات الرئاسية والتشريعية السابقة لأوانها انفلت الرحوي واقتصر على المطالبة بانتخابات تشريعية فقط. ــ في أواسط 2017 أعلن الرحوي أن الجبهة الشعبية أدت مهمتها وانتهت وأن المشروع الوطني الديمقراطي الجديد سيحققه الوطنيون الديمقراطيون المنتشرون في عديد المواقع. ــ في المدة الأخيرة انقلب الرحوي على الشاهد وماح إلى قرطاج في صراعه مع القصبة. ــ شارك الرحوي في ترويج عريضة مع نواب من "آفاق تونس" و"نداء تونس" وغيرهم لدعوة الشّاهد إلى المثول أمام مجلس النّوّاب دون أدنى تنسيق مع كتلة الجبهة الشّعبيّة. ــ تصويت منجي الرحوي لفائدة قانون "استقلالية البنك المركزي" ضد إرادة كتلة الجبهة الشعبية. ــ انفراد منجي الرحوي في الدفاع عن وزير الداخليّة المقال لطفي براهم و دعوته النقابات الأمنية للتمرد. نورد خلاصة المقدمة للوثيقة الداخلية لحزب العمال "حول تكتيك الجبهة الشعبية ومسألة الدخول في الحكومة" : "وخلاصة القول ، إن الخلاف مع الرّحوي سياسي. وهو يتمحور حول الموقف من منظومة الحكم الرجعية القائمة: هل نشارك فيها بدعوى “التغيير من الداخل” و”التدرب على الحكم” أم لا نشارك فيها ونحافظ على استقلاليتنا وبرنامجنا ونسعى إلى كسب ثقة الشعب للوصول إلى الحكم وتنفيذ ذلك البرنامج ؟ هذا هو مربط الفرس. وفي هذا المجال فإن الرحوي يدافع عن نزعة يمينية واضحة. فهو يبحث عن التموقع في السلطة." مربط الفرس يكمن أيضا في إقرار حمه الهمامي أنه تقابل خلال شهر فيفري 2015، في مناسبتين ومصحوبا بوفد من الجبهة الشعبية، مع الحبيب الصيد رئيس الحكومة لعرض ونقاش برنامج حكومي أدنى قدمته الجبهة والتفاوض حول تشكيل الحكومة (نأتيك بالأخبارــ القناة الوطنية 1 ــ 25 سبتمبر 2017). بغض النظر عن محاولة الجبهة الشعبية صد الباب أمام مساهمة حركة النهضة في الحكم وبغض النظر عن نيتها في المساهمة من عدمها فإنها لم تدخر جهدا لترتيب البيت البورجوازي ومساندته مسبقا وهذه نزعة يمينية واضحة. مربط الفرس يكمن أيضا في إقرار حمه الهمامي أنه تم لقاء بين قيادة الجبهة الشّعبيّة وقيادة نداء تونس ودار بينهما نقاش حول البرنامج الحكومي الذي قدمته الجبهة وحول تشكيل الحكومة وهذه نزعة يمينية واضحة. مربط الفرس يكمن أيضا في تصريح شكري بلعيد، أحد مؤسسي الجبهة، يوم 16 أوت 2012: "نحن دعاة حوار وشراكة حقيقيّة ومسؤولية، وسنمارس هذا الدور مع أي حاكم لتونس كائنا من يكون" وهذه نزعة يمينية واضحة. ج ــ جبهة الإنقاذ الوطني: بعد تحالف "حزب العمال مع النهضة ضد الدساترة يحُلّ تحالفه صلب "الجبهة الشعبية"مع الدساترة ضد النهضة تأسيس جبهة الإنقاذ الوطني: تحالف "الجبهة الشعبية" مع الدساترة لطالما أكدت "الجبهة الشعبية" أنه لا مجال للتحالف مع "حركة نداء تونس" إذ تعتبرها امتدادا وممثلا للنظام السابق الذي انتفض ضده الشعب التونسي، و أن برنامجها السياسي معاد للتطلعات الشعبية، لكن سرعان ما غيرت موقفها ، فبعد اغتيال شكري بلعيد و حضور "نداء تونس" في اجتماع 7 فيفري 2013 وتوقيعه على البيان الصادر عن الأحزاب الحاضرة بمقر "حزب العمال" بدأت وتيرة التقارب بين "الجبهة الشعبية" و"النداء" تتسارع لتجمع بينهما محطات احتجاجية مشتركة وتنتقل إلى التنسيق التام خصوصا بعد الإعلان يوم 21 جوان 2013 عن "تشكيل لجنة دائمة للاتصال والتنسيق لتدارس سبل توحيد المواقف السياسية ، وتنسيق المبادرات العملية وتطوير العمل المشترك بين "الجبهة الشعبية" و"الاتحاد من أجل تونس" وضبط دوريّة قارة لاجتماعاتها". وستكون للطرفين أطروحات مشتركة تتعلق بسقوط شرعية المجلس التأسيسي وضرورة إسقاط حكومة الترويكا. ويبرر حمة الهمامي هذا التحالف بقوله "لدى نداء تونس تمسك بمكاسب النساء في تونس، مثلاً، نداء تونس يريد كذلك الدولة المدنية، كل ذلك نقاط مشتركة. وبالنسبة إلينا، هذا ما جعلنا نتقارب، هذه المهمات هي التي جعلتنا نتقارب بعضنا مع بعض" (حوار مع صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 28 ديسمبر 2013). صدر البيان التأسيسي لـ "جبهة الإنقاذ الوطني" بتاريخ 26 جويلية 2013 وتضمن: ــ التنديد بجريمتي اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي وتحميل "الترويكا"، وعلى رأسها "حركة النهضة”، مسؤولية انتشار العنف والتحريض عليه والجريمة السياسية المنظمة التي طالت لطفي نڨض وشكري بلعيد ومحمد البراهمي. ــ دعوة الجماهير للتظاهر والاعتصام السلميّين في مقرات السلطة المحلية والجهوية والاعتصام بمقر المجلس الوطني التأسيسي لفرض حلّه وحل هيئات السلطة المؤقتة المنبثقة عنه. ــ إعلان الدخول في إضراب عام يوم الجمعة 26 جويلية 2013 ويوم جنازة الشهيد، السبت 27 جويلية 2013 . ــ دعوة الشعب التونسي للعصيان المدني السلمي دون المساس بالخدمات الاجتماعية والصحّيّة الدنيا وحركة المرور. ــ إعلان بعث جبهة للإنقاذ الوطني لإنجاز المهام التالية : ـ تشكيل الهيئة الوطنية العليا للإنقاذ الوطني الممثلة للأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني التي ستتولى، بالاستعانة مع خبراء القانون الدستوري، استكمال صياغة الدستور في بحر شهرين يعرض على الاستفتاء الشعبي. ـ تشكيل حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشح في الانتخابات القادمة متطوعة برئاسة شخصية وطنية مستقلة متوافق عليها تتخذ ضمن برنامجها جملة الإجراءات الاستعجالية الاقتصادية والاجتماعية و السياسية و الأمنية و تعد لانتخابات ديمقراطية، نزيهة وشفافة. ـ الإهابة بقوّات الجيش الوطني والأمن الداخلي بأن تحترم إرادة الشعب وأن تحمي نضالات الشعب السلمية والممتلكات الخاصة والعامة. ـ دعوة المؤسسة الإعلامية إلى دعم الحراك الشعبي الهادف إلى تصحيح مسار الثورة. من ضمن القائمة الأولية للموقعين : التيار الإصلاحي داخل التكتل - حزب الطليعة العربي الديمقراطي / الجبهة الشعبية - دستورنا - حركة تمرّد - رابطة اليسار العمّالي / الجبهة الشعبية - حركة النضال الوطني - حزب العمّال / الجبهة الشعبية - حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد / الجبهة الشعبية - اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل - حزب القطب / الجبهة الشعبية - حزب صوت الفلاّحين - الحزب الاشتراكي - نداء تونس. اعتصام الرحيل إثر دعوة "جبهة الإنقاذ الوطني" والحركات الشبابية "خنقتونا" و"عدنا" و"كش مات" والحركة الثقافية الثورية" للتظاهر والاعتصام في مقرات السلطة المحلية والجهوية و مقر المجلس الوطني التأسيسي احتجاجا على اغتيال محمد البراهمي، توافددت الجماهير أمام مقر المجلس وفي عدة مدن أخرى ليفتتح اعتصام الرحيل يوم 26 جويلية 2013 مطالبا بحل المجلس التأسيسي واستقالة حكومة علي العريض وقد شارك فيه أكثر من 60 نائبا منسحبا من المجلس الوطني التأسيسي. وضّح زياد بالحاج عمر المعارض الناشط بحركة "تمرد" من خيمة اعتصامه بساحة باردو "مطالبنا تلتقي مع رغبة أغلب التونسيين في ظل الوضع الذي وصلت إليه البلاد وتدني المؤشرات في أغلب المجالات. مطلبنا الأساسي هو الإطاحة بهذا المجلس الذي فشل في مهامه وفقد شرعيته منذ الثالث والعشرين من أكتوبر الماضي. نحن بصدد جمع التواقيع وحالما نصل إلى العدد المطلوب سنعلن نهاية هذا المجلس". وعلى غرار أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، حشد الحزب الحاكم أنصاره لينصبوا خيامهم في جانب من ساحة باردو دعما للشرعية الانتخابية ورفضا لدعوات المعارضة التي وصّفها سليم بن حميدان القيادي بحزب المؤتمر من أجل الجمهورية ووزير أملاك الدولة في الحكومة المؤقتة بكونها "مطالب غير معقولة وغير مشروعة أصلا وتفتقد لأي دعامة قانونية ودستورية بل هي دعوة عبثية تقود إلى الفوضى" وصرح أحمد المشرقي النائب عن "حركة النهضة" في المجلس التأسيسي أن "الاعتصام لا يمكن أن ينطبق على المجلس التأسيسي لأنه السلطة العليا ومفوض من الشعب وهو ليس مجرد برلمان يسن القوانين. وإذا كان هناك فشل فهو فشل داخل المجلس التأسيسي وذلك راجع إما لتخليه عن جزء من سلطاته أو تخليه عن بعض من مهامه". ورغم اقتراح رئيس الحكومة المؤقتة علي العريض آنذاك إجراء تعديلات بالحكومة ودخول رئيس الجمهورية المؤقت منصف المرزوقي في لقاءات مع عديد القيادات والفاعلين السياسيين فإن الوضع ازداد تأزما أمام رفض حكومة الترويكا تقديم استقالتها وقد برر ذلك راشد الغنوشي، لاحقا وعلى صفحات الموقع الرسمي لحركة النهضة، إذ دوّن: "لم يكن من الممكن تغيير حكومة في ذروة الانتخابات البلدية وقبل أن تستلم المجالس المنتخبة مسؤوليتها، ولا في ذروة الحوار مع المؤسسات الدولية المانحة، ولا في ذروة الموسم السياحي في ظل تهديدات إرهابية لا مجال لمواجهتها بحكومة تصريف أعمال، ولا قبل فترة قصيرة من الأجل الدستوري لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نواب الشعب". وفي يوم الجمعة 29 جويلية 2013 اقتحمت قوات الأمن ساحة الاعتصام وأزالت الخيام المنصوبة ثم منحت مهلة ساعة للمعتصمين لفض اعتصامهم قبل أن يتولى الجيش إحاطة مكان الاعتصام بالأسلاك الشائكة ووضع الحواجز الحديدية على الطرقات لمنع المعتصمين من العودة. النقاط المضيئة لاعتصام الرحيل تتمثل في الحس الثوري لبعض المجموعات الشبابية التي لم تسقط، عموما، في الانسياق وراء اختيارات الأحزاب الإصلاحية، فمنذ بداية الاعتصام أصدرت الحركات الشبابية "خنقتونا" و"عدنا" و"حركة تمرد" و"كش مات" و"الحركة الثقافية الثورية" ومجموعة من الشباب المستقل بيانا في 26 جويلية 2013 دعت فيه للعصيان الشامل ومواصلة تأليف اللجان الشعبية المحلية بغية تكوين المجلس الشعبي الثوري، وذلك بهدف حل المجلس التأسيسي وإسقاط الحكومة كما أن خمسة أعضاء من "حركة تمرد" دخلوا في إضراب جوع مفتوح يوم 9 أوت 2013 عقب محاولة رفع خيام اعتصامهم ليلا وبالقوة من قبل موالين للحكومة وفي اليوم 12 من نفس الشهر شن ناشطان من "شبكة حقي" إضراب جوع مفتوح مساندة لرفاقهم في حركة تمرد التي أعلنت يوم 31 أوت عن انسحابها من "جبهة الإنقاذ الوطني" بسبب تراجع هذه الأحزاب عن موقفها بخصوص الدعوة إلى حل المجلس التأسيسي كما انسحبت الحركات الشبابية المشاركة في اعتصام الرحيل من الواجهة لتتصدر أحزاب المعارضة المنابر الإعلامية بمطالب ورؤى جديدة تمثّلت أساسا في المحافظة على التأسيسي كأهم سلطة شرعية وإسقاط حكومة الترويكا. الحوار الوطني: زلة لسان عبد الستار بن موسى ... الحمار الوطني وكالعادة، ووفاء لدوره الترويضي للحراك الجماهيري، تدخل الاتحاد العام التونسي للشغل ليبسط أو بالأحرى ليفرض بديله "الواقعي" و"التوافقي" فأصدر مكتبه التنفيذي الموسّع بيانا بتاريخ 15 أوت 2013 تضمن ضرورة الإبقاء على المجلس الوطني التأسيسي وتقييده بآجال ومهام محددة وحلّ الحكومة المؤقتة لغاية إقامة حوار بنّاء لتشكيل حكومة كفاءات غير متحزبة ومن أجل استكمال بقية المهام والوصول إلى انتخابات ديمقراطية وشفافة. تزامن إصدار بيان اتحاد الشغل مع لقاء باريس الذي جمع بين راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي اللذين قررا التحالف صلب وفاق حاكم وقد أوضحه راشد الغنوشي في نفس المرجع السابق إذ أكد أن "الديمقراطية الناشئة لها مقتضياتها. فتونس لا يمكن أن تُحكم في تقديرنا بمنطق الأغلبية والأقلية وأن نتيجة الصندوق لا يجب أن تتنافى مع ضرورة الحفاظ على إمكانية التوافق على منظومة حكم مستقرة". في سياق هذا التوافق الضامن لمنظومة حكم مستقرة اندرج الحوار الوطني الذي بدأ أشغاله فعليا يوم 5 أكتوبر 2013 بإشراف رباعي المنظمات الوطنية (الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين) وبدعم من الرئاسات الثلاث: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الوطني التأسيسي. شاركت جل الأحزاب السياسية في الحوار الوطني (حركة النهضة ــ حزب العمال ــ حركة نداء تونس ــ حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد ــ حزب المبادرة ــ حركة التونسي للحرية والكرامة ــ حزب آفاق تونس ــ الحزب الجمهوري ــ حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي ــ حزب الجبهة الوطنية التونسية ــ الحزب التقدمي الشعبي ــ التيار الشعبي ــ الحزب الجمهوري المغاربي ــ حركة الاشتراكيين الديمقراطيين ــ حزب الخيار الثالث…) الذي تضمن خارطة طريق تنص على التسريع في المصادقة على الدستور واستقالة حكومة علي العريض والتوافق على حكومة تكنوقراط جديدة ويتبقى التسريع في إنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي والمصادقة على أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والمصادقة على القانون الانتخابي. نتج عن هذا الحوار الوطني مصادقة المجلس التأسيسي على الدستور في 26 جانفي 2014 وتكوين حكومة مهدي جمعة في 29 جانفي 2014 ثم نظمت انتخابات تشريعية بتاريخ 26 أكتوبر 2014 ورئاسية عقدت في 23 نوفمبر 2014 بإشراف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. مثّلت مشاركة الجبهة الشعبية في الحوار الوطني أكبر مهزلة في تاريخها إذ جلس الناطق الرسمي باسمها حول نفس الطاولة مع الغنوشي عن حركة النهضة والسبسي عن نداء تونس وبوشماوي عن اتحاد الأعراف لحلحلة الأزمة السياسية للمنظومة الحاكمة فعوض العمل على تعميقها، لجأت للتفاوض مع أعدائها حول اختيار رئيس حكومتهم وتركيبتها وبرنامجها. لقد دخلت الجبهة خندق التوافق الطبقي وتواطأت مع أعداء الشعب فشرّعت تآمرهم وزكّت حكومتهم العميلة وفي مقابل ذلك فرطت في الزخم الجماهيري لاعتصام الرحيل فعوض أن تكون أكبر سند للشباب الغاضب الرافض فك الاعتصام والمنادي بالخروج من "جبهة الإنقاذ الوطني" سارعت لتلتحق بالساسة البورجوازيين وتشاركهم عقد الاتفاقات الفوقية والتوافقات خلف الأبواب الموصدة لإنقاذ منظومتهم الحاكمة. ماذا أفرزت هذه التوافقات؟ وإن قدّمت حكومة "الترويكا" استقالتها فإنها بقيت حائزة على أغلبية برلمانية وقد ذكر رئيس حركة النهضة أن "النهضة خرجت من الحكم ولكنها لم تخرج من السياسة" أما المستفيد الأكبر فهي الأحزاب المتناسلة عن النظام القديم التي رسكلها الحوار الوطني وأظهرها في صورة أحزاب معارضة وقد تكفلت حركة النهضة، في إطار مقايضة مع نداء تونس، بإرجاع رموز النظام القديم إلى الحياة السياسية وذلك بإسقاط مشروع قانون العزل السياسي خلال الجلسة العامة ليوم الأربعاء 30 أفريل 2014 كان من المنتظر في صورة المصادقة عليه إدراجه ضمن بنود القانون الانتخابي قانون يهدف إلى عزل رموز النظام السابق عن المشاركة السياسية. كما ساهم حزب العمال الشيوعي التونسي في إرجاع حركة النهضة إلى المشهد السياسي بالتحالف معها في إطار "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" فإن "الجبهة الشعبية" ساهمت أيضا في إعادة "الدساترة"، عبر "حركة نداء تونس"، إلى واجهة العمل السياسي بالتحالف معها في إطار "جبهة الإنقاذ الوطني" وها هو رضا بالحاج، القيادي السابق في "حركة نداء تونس"، وخلال حوار على قناة الوطنية 1 يوم الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 يعدّد فضائل حمه الهمامي على الباجي قائد السبسي وحركته: "حمة الهمامي صديقي منذ مدة طويلة أحترمه احتراما كبيرا باعتباري عايشت نضالاته و نضالات الأستاذة راضية النصراوي عن قرب، لا أشاركه جميع أفكاره لكن يمكن أن أشهد على ما قام به تجاه نداء تونس وتجاه السيد الباجي قايد السبسي. بعد إغتيال الشهيد محمد البراهمي وبداية انطلاق اعتصام الرحيل اتصلت بحمة الهمامي وتشاورنا في إمكانية عقد لقاء بينه وبين السيد الباجي قايد السبسي لتوفير جميع شروط النجاح لجبهة الإنقاذ ولاعتصام باردو فلم يتردد رغم وجود اعتراضات على وجود نداء تونس ضمن جبهة الإنقاذ من طرف بعض مكوناتها ( وكان النداء في عزلة آنذاك) وكان اللقاء التاريخي والصورة التاريخية بين الرجلين ، والكل يعلم اليوم انعكاسات هذا اللقاء على مجريات الأحداث آنذاك . المناسبة الثانية : بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية في دورتها الأولى اتصلت بحمة الهمامي وعرضت عليه لقاءا في يوم الغد بينه وبين السيد الباجي قايد السبسي فقبل وتم اللقاء في المقر المركزي للجبهة الشعبية وكانت الصورة التاريخية التي أثرت دون شك في مآل نتائج الدورة الثانية وكانت لها كلفة بالنسبة لحمة . أردت أن أعرض البعض من الوقائع مساهمة في الحملة ضد النسيان". د ــ "مبادرة الإنقاذ والبناء": الجبهة الشعبية رجل مطافئ لإخماد نار أزمات المنظومة أقرت الندوة الوطنية الثالثة للجبهة الشعبية المنعقدة أيام 29 و 30 أفريل وغرة ماي 2016 "مبادرة الإنقاذ والبناء" المقترحة من طرف حزب العمال وكما أشار المجلس المركزي للجبهة الشعبية أنه تم الاتصال بمختلف القوى الديمقراطية ( التيار الديمقراطي، الحزب الجمهوري، حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، حركة الشعب، الإئتلاف الحزبي "الميثاق") من أجل التشاور حول هذه المبادرة السياسية الهادفة لـ"إنقاذ تونس من الأزمة الشاملة التي تعيشها" . لذلك أصدرت الجبهة الشعبية بيانا جاء في توطئته : "بعد سنة ونصف من حكم الائتلاف الرباعي بقيادة حزب "نداء تونس" و"حركة النهضة"، تعيش بلادنا وضعا كارثيا وأزمة حكم شاملة، لا يوجد في الواقع ما يؤشر لإمكانية تجاوزها في المدى المنظور، وهو ما يهدد وطننا ومجتمعنا بمخاطر كبيرة وما يتطلب من القوى الديمقراطية والتقدمية وقفة حازمة لإيقاف حالة التدهور وإعادة الأمل للشعب التونسي." بعد التعرض لفشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والخارجية للائتلاف الحاكم يشير البيان إلى أن هذا الائتلاف يعمل على " التراجع عما جاء في الدستور من مكتسبات ديمقراطية وتعطيل تجسيدها في مؤسسات وتشريعات، مع محاولة الارتداد عن النظام السياسي الذي ينص عليه الدستور والعودة إلى نظام "رئاسوي" بغاية إعادة إنتاج منظومة الاستبداد القديمة." لذلك دعت الجبهة الشعبية كل هذه القوى إلى الدخول مباشرة في مشاورات اقترحت عليها محاور من ضمنها: - العمل على تكريس الدستور في مؤسسات وتشريعات ديمقراطية - العمل على تفعيل مسار العدالة الانتقالية لا يكاد يفوت الجبهة الشعبية، بمناسبة إصدار بيان، إلا وأطنبت في الدفاع عن المؤسسات والهيئات التي شكلتها القوى الملتفة على الثورة وطالبت بتكريس الدستور في مؤسسات وتشريعات ديمقراطية زاعمة أن هذا الدستور (دستور 2014) كتب بدماء الشهداء وهو الذي لم تكتبه إلا أياد ملطخة بدماء إجهاض الثورة ولا غرابة أن تنحو الجبهة بجميع مكوناتها هذا المنحى فهي لا تقر بصفة قطعية أن الثورة أجهضت ولم يغنم منها الشعب إلا حرية التعبير والتنظم بل إنها تعتبر أن المسار الثوري مازال متواصلا ووجب تدعيم الانتقال الديمقراطي بتحقيق بقية أهداف الثورة. يتكثف الجوهر الإصلاحي للجبهة الشعبية والأحزاب المكونة لها في "مبادرة الإنقاذ والبناء" فكلما اشتدت الأزمة السياسية للمنظومة الحاكمة إلا وسارعت الجبهة لـ"إنقاذ البلاد" (اقرأ إنقاذ السلطة الحاكمة) فتكوّن الجبهات، وخير دليل على ذلك تأسيس "جبهة الإنقاذ الوطني"، وتلهث وراء الحوارات مع رموز السلطة (الحوار الوطني، لقاء الحبيب الصيد، لقاء السبسي...) لتقديم مقترحات "بنّاءة" بهدف تجاوز الأزمة ويتباهى قياديو الجبهة الشعبية بالإصداح بٱن الجبهة لا تكتفي بمعارضة السلطة البورجوازية وإنما هي بالفعل "قوة اقتراح"، اقتراح برامج سياسية واقتصادية، أرادتها الجبهة دنيا، لتلطيف أزمة النظام البورجوازي ويمكن التأكيد بأن قياديي الجبهة الشعبية جعلوا منها، بدون معنى مجازي، مجرد مستشار متطوع لدى النظام الحاكم. تزعم الجبهة الشعبية أن تطبيق برنامجها الأدنى (حتى دون مشاركتها في الحكم) سيعيد الأمل للتونسيين. عن أي أمل يتحدثون؟ الأمل الزائف أن الإصلاحات من داخل المنظومة دون المساس بجوهرها ستغير أوضاع التونسيين مجرد وهم يجب نزعه من أذهان الفئات الشعبية لا التكاتف مع البورجوازية لترسيخه. جاء في بيان الجبهة المذكور أعلاه أن "بلادنا تعيش وضعا كارثيا وأزمة حكم شاملة، لا يوجد في الواقع ما يؤشر لإمكانية تجاوزها في المدى المنظور، وهو ما يهدد وطننا ومجتمعنا بمخاطر كبيرة". فيم تتمثل هذه المخاطر؟ إن المسؤول الأوحد عن احتدام الأزمة السياسية هي البورجوازية العميلة الحاكمة وكلما احتدت هذه الأزمة تزايدت المخاطر التي تهدد استقرار حكمها ودور الثوريين هو الإصرار بكل ثبات وعزيمة على تعميق "أزمة حكمها" بالدعاية وبالتحريض والتحركات الاحتجاجية واستنهاض الروح الثورية لدى العمال والفئات الشعبية وليس تقديم "البرامج المسكنة" باسم "إيقاف حالة التدهور الاجتماعي" و"درء المخاطر التي تهدد الوطن والمجتمع" و"إنقاذ تونس" إن تزامن عجز الطبقات الحاكمة عن إدارة الدولة وفق الطريقة القديمة تترجمها أزمة سياسية حادة ومقاومة متزايدة من جانب الطبقة العاملة والفئات الشعبية الرافضة تحمّل إدارة الدولة على هذا النحو وما ينجم عنها من تفقير وتهميش يشكل تحديدا الوضع الثوري فخلال أزمات الحكم حيث تشق البورجوازية الحاكمة انشقاقات حادة يكون دور الثوريين مزدوجا: العمل على تأجيج الأزمة بالإضرابات والاعتصامات والعصيان المدني لتعجيز المنظومة الحاكمة وجمعه مع كل أساليب الدعاية والتحريض لاستنهاض الجماهير لكنس النظام القائم. إلى هذا الحدّ من التحليل يمكن للبعض، وهم محقون في ذلك، أن ينعتنا باليسراوية التي تنكر جدوى النضال من أجل تحقيق مطالب اقتصادية جزئية تهدف لتحسين الوضعية المادية للعمال وسائر الفئات الشعبية. هنا، وجب التأكيد أن الثوريين لا يترددون، ولو للحظة واحدة، في أن يكونوا دوما في الصفوف الأولى للنضال من أجل انتزاع الحقوق المادية والمعنوية لشعبهم من أبسطها إلى أرقاها لكن، وهنا مربط الفرس،الثوريون لا يبثون الأوهام حول إمكانية الانعتاق الاجتماعي في ظل المنظومة البورجوازية العميلة كما أن الثوريين لا يترددون، ولو للحظة واحدة، في أن يكونوا دوما في الصفوف الأولى للنضال من أجل أبسط الحريات لكن، وهنا مربط الفرس،الثوريون لا يبثون الأوهام حول المؤسسات والهيئات البورجوازية ولا يزيفون وعي الجماهير بالزعم بأن الانتقال الديمقراطي سيقود إلى الحل الجذري، الحل الجذري يتمثل في ثورة من جديد بعد استخلاص الدروس من ثورة 17 ديسمبر ــ 14 جانفي. أخيرا، وإن كشفت "مبادرة الإنقاذ والبناء" الخط الإصلاحي لـ"الجبهة الشعبية" فإنها كشفت أيضا كيف يتم إقرار الدخول في إئتلاف بمجرد عرضه على ندوة وطنية إذ عرضت هذه المسألة على الندوة الوطنية الثالثة للجبهة الشعبية ليتم المصادقة عليها وتتنزل المبادرة إلى الجهات فلا التنسيقيات الجهوية أو المحلية كانت على علم بذلك وكل ما طلب منهم هو الاتصال بالأطراف السياسية وتفعيلها وكان مآل المبادرة التلاشي والذوبان. هـ ــ الإئتلاف من أجل إسقاط الاستفتاء: خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء جاء انقلاب 25 جويلية 2021، فكان الخطاب الرسمي لحزب العمال لا يعبّر عن التناقض الطبقي الصريح مع كل التعبيرات السياسية التي تمثل منظومة النهب والعمالة ، بل على العكس تم تسويق خطاب بدا للرأي العام مدافعا عن المنظومة التي حكمت بعد 2011 ، حيث صبت العناوين الأساسية لهذا الخطاب في اتجاه الدفاع عن الدستور والحريات والقوانين وركّزت على قضية الاستبداد والفاشية ، في حين كان على الخطاب الرّسمي للحزب أن يكون شديد الحذر من التقاطع مع خطاب حركة النهضة وأتباعها بقدر تناقضه مع خطاب قيس سعيد وأتباعه. كان من المفروض أن يكون خطاب الحزب ذي مضمون طبقي واضح يؤكد على أن مخرجات 25 جويلية ليست سوى رسكلة لمنظومة حكم مأزومة وإنقاذا لها قبل انهيارها. طرح الأمين العام والناطق الرسمي لحزب العمال بشكل متذاكي وموارب موضوع الجبهة الديمقراطية الواسعة ضد الاستبداد أرضيتها الدفاع عن الديمقراطية والحريات والتصدي لدكتاتورية قيس سعيد وترك الأبواب مفتوحة أمام حركة النهضة. وكما كان متوقعا بادر الحزب بتأسيس هذا التحالف وذلك بنفس آليات التوافقات الفوقية ومحاولات البروز الفردي للزعماء عبر الندوات الصحفية والبلاتوات التلفزية وإهمال تام لأي عمل ثوري وسط الجماهير وضم الائتلاف التكتل والجمهوري والتيار الديمقراطي، هذا الثلاثي الذي يطرح في الوضوح العودة لدستور 2014 وعلى أساسه تنظيم انتخابات سابقة لأوانها أي بعبارة أخرى العودة إلى 24 جويلية 2021، وهو ما يتطابق تماما مع موقف النهضة وجبهة الخلاص. وليس من الغريب أن يجد الحزب نفسه ضمن هذا الائتلاف لأنه راكم ما يكفي من الانحرافات لينتهي الى تشخيص سياسي يتطابق مع أحد ركائز منظومة الحكم. لقد أكد الأمين العام لحزب العمال يوم الخميس 02 جوان 2022 عند تلاوة البيان المشترك للحملة الوطنية لإسقاط الاستفتاء وصرح: " إن ما قام به رئيس الدولة قيس سعيد في 25 جويلية انقلاب على مكاسب الديمقراطية يهدف لإرساء حكم معاد للحريات و لا يمثل تصحيحا لمسار الثورة و إنما هو استغلال للوضع المتدهور للانقلاب على المسار الثوري و على الدستور و تفكيك المؤسسات القائمة بهدف إرساء حكم شعبوي قائم على سلطة الفرد". لقد سبق وأن أشرنا إلى خطورة عدم استيعاب الحزب للمرحلة التي أفرزها المجلس التأسيسي وعدم تقديمه، متعمدا، إجابات دقيقة حول أسئلة مثل "هل تحققت الديمقراطية؟" و"هل أن دستور 2014 هو دستور الثورة؟". لقد أوصل هذا الارتباك وضياع البوصلة الأمين العام لحزب العمال الى الدفاع على المكاسب الديمقراطية وعلى الدستور وعلى المؤسسات القائمة (البرلمان والحكومة ومختلف الهيئات) التي، حسب زعمه، تحقّقت بتضحيات أجيال من المناضلات والمناضلين وبدماء المئات من الشهيدات والشهداء وأن يتحدث على الانقلاب على المكاسب الديمقراطية ( اقرأ الشرعية الدستورية ) وعلى المؤسسات القائمة . فلا غرابة إذن في تماهي خطاب الحزب مع خطاب النهضة، فهو يتحرك وإياها في نفس المربع، مربع "المسار الثوري" و "الانتقال الديمقراطي" و "الشرعية الدستورية" و "المؤسسات الدستورية" … مربع السياسة البورجوازية المرتعبة من الإقرار بفشل الثورة نهائيا منذ عشر سنوات وضرورة قيام ثورة جديدة. وللتذكير فإن مجموعة "قاوم ـ من أجل بديل اشتراكي" أصدرت بيانا في 4 جويلية 2022 بعنوان "دستورنا يختلف عن دساتيرهم" ورد فيه: "فتحت وطأة الأزمة التي تعيشها منظومة الحكم ولتلافي ثورة جديدة بدت بوادرها تلوح عمدت إحدى أجنحة المنظومة ممثلة في رئاسة الجمهورية المدعومة من الجيش والبوليس وبرعاية قوى إقليمية إلى الانقلاب على جناح ثان من المنظومة ممثلا في البرلمان والحكومة التي تتحكم فيهما حركة النهضة وحلفاؤها والتي كانت العنوان الأكبر للعمالة والفساد طيلة السنوات العشر التي تلت الثورة، ولم يكن هناك من هدف من هذا الانقلاب الا إنقاذ منظومة العمالة والاستغلال وقطع الطريق أمام أي تغيير جذري يمكن له أن يمس من مصالح الدول الاستعمارية ومصالح البورجوازية الكمبرادورية المحلية. وطيلة السنة الكاملة التي تلت استيلاء قيس سعيد على الحكم وعلى كل السلط لم يغير ولو بقدر ضئيل من سياسات الدولة بل واصل في نفس نسق التبعية لاملاءات الدوائر الامبريالية النهابة وعدم المساس بمصالحها ولا بمصالح أذنابها وممثليها بتونس." 4) العمل النقابي: التموقع والرداء البيروقراطي وإن كانت مواقف اليسار الماركسي متباينة في ما يخص طبيعة المجتمع التونسي وإصلاحية لتخليها عن الخط الثوري والسقوط في النهج البرلماني فإنها تتسم في الحقل النقابي بمفارقة الانسجام والعدائية. . الانسجام في الممارسة النقابية وتتلخص في التكالب على المناصب في الهياكل النقابية. . عدائية متبادلة للتمكن من مناصب متنفذة في المنظمة النقابية على حساب تبني مطالب القاعدة النقابية. إن جل الفصائل اليسارية التي انتمت سابقا للمعارضة النقابية تفسخت واستوعبها جهاز البيروقراطية بل أصبحت جزءا لا يتجزأ منها بفعل توجهاتها الاقتصادوية ولهثها وراء المصالح الشخصية والامتيازات، ورغم تفسخها مازالت هذه الفصائل تتحدث باسم الشغيلة وتزايد بالخطاب اليساري لمغالطة القواعد النقابية وتبييض وجه البيروقراطية التي تغتصب حق العمال والشغيلة في تقرير وتسيير شؤون نقابتهم ومحاسبة قياداتها والتي تسلك نهجا مهادنا بما لا يهدد مصالحها المادية والاجتماعية التي حققتها نتيجة تنصيبها كممثلة للشغيلة داخل النظام الرأسمالي، كما تحرص البيروقراطية على عدم اصطدام نضالها بأسس النظام الرأسمالي فلا تتعدى حدود الإصلاح و تلطيف الإستغلال الرأسمالي وكبح كفاح العمال والشغيلة من أجل التحرر واحتوائه داخل “الحدود الآمنة". إن مهمة اليسار المناضل صلب الاتحاد العام التونسي للشغل هي الانخراط في النضال القاعدي للدفاع وافتكاك الحقوق الاقتصادية والسياسة لعموم الشغالين ضد المنظومة السياسية القائمة التي تسن ترسانة من القوانين لمزيد استغلال واضطهاد جميع الفئات الشعبية ويبقى هذا النضال مبتورا إذا لم يرتبط عضويا بالنضال الغير مشروط ضد البيروقراطية التي بحكم سياساتها المهادنة والوسيطية أصبحت جزءا من المنظومة العميلة الحاكمة. اليسار النقابي مدعوّ لتشكيل تيار نقابي مناضل داخل الاتحاد العام التونسي للشغل قوامه الدفاع عن الحقوق المادية والسياسية لعموم الشغالين في تعارض تام مع خيارات المنظومة السياسية القائمة وعلى طرفي نقيض مع البيروقراطية الضاربة لأبسط قواعد الديمقراطية داخل المنظمة. 5) مسألة الدولة: وهم استكمال "المسار الديمقراطي" لبناء الجمهورية الديمقراطية الشعبية من أهم المسائل النظرية التي رسمت الخط الفاصل بين النهج الثوري و الخط الإصلاحي هي مسألة الدولة. يعتبر الماركسيون اللينينيون أن الدولة ليست قوة مفروضة على المجتمع من خارجه بل هي نتاج استعصاء التناقضات الطبقية وهي هيئة للسيادة الطبقية ، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى . فإن كانت مصالح البورجوازية وامتيازاتها تتناقض مع مصالح الطبقة العاملة ومصالح الفئات الشعبية من فلاحين فقراء وبعض شرائح البورجوازية الصغيرة وصغار المنتجين فإن الدولة هي جهاز تنصبه البورجوازية لضمان استغلالها و قهرها للجماهير الشعبية التائقة للتحرر من الظلم . تسخّر الطبقة البورجوازية جهازا كاملا لبسط سيطرتها وقهر أعدائها الطبقيين : القوة المسلحة (قوات الأمن والجيش)، المؤسسة السجنية، المؤسسة القضائية، المؤسسة البرلمانية، مؤسسات حكومية، هيئات سياسية ومدنية،، مؤسسات إعلامية، أحزاب سياسية ... يزعم الإيديولوجيون البورجوازيّون والبورجوازيّون الصغار أن الدولة جهاز اجتماعي بالأساس وهي هيئة للتوفيق بين الطبقات، هيئة فوق الطبقات، لذا يكتفي الإصلاحيون بالمطالبة بتحييد الجيش والإدارة عن السياسة واستقلال السلطة القضائية والمطالبة بأمن جمهوري. كما يكتفي الإصلاحيون بالمطالبة بدمقرطة السلطة التشريعية و يبثون الأوهام حول المؤسسة البرلمانية. وإذ ينص برنامج الحزب الثوري أن من أول الإجراءات التي تتخذها السلطة الثورية بعد افتكاك الحكم مصادرة جميع أملاك البورجوازية الكبيرة العميلة وحل جميع مؤسساتها وأحزابها وهيئاتها فإن حزب العمال ارتأى أن يعدل برنامجه السياسي وذلك خلال مؤتمره الوطني الخامس فأدرج حذف نقطة تخص العقيدة الدفاعية لدولة العمال والفلاحين وتنص على الاستعاضة عن قوات البوليس والجيش بالتسليح العام للشعب وتغييرها بـ : إعادة تنظيم المؤسستين الأمنية والعسكرية وفق عقيدة جديدة تقوم على خدمة الشعب. كما أن كل أحزاب الجبهة الشعبية تعتبر أن الهيئات والمؤسسات السياسية والمدنية (الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ــ الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري ــ هيئة حقوق الإنسان ــ هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ــ الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب…) من إنجازات الثورة وهي دعائم الانتقال الديمقراطي وهي لا تعدو أن تكون، في الحقيقة، إلا هيئات لغو وتبديد للمال العام مهمتها الأولى والأخيرة بث الأوهام بأن النظام الرأسمالي، بمؤسساته ، يكفل الديمقراطية للشعب. III) المستوى التنظيمي: 1) الانتقال من السرية إلى العلنية: تفسخ الضوابط التنظيمية بعد الثورة وإثر الحصول على التأشيرة القانونية رمت الأحزاب اليسارية بجميع هياكلها وأطرها ومنظماتها في دائرة العمل العلني وانغمست في "المسار الديمقراطي" هاجسها الوحيد المساهمة في الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية فبدأت الضوابط والحدود التنظيمية في التداخل والتفسخ وعوض أن تكون الأحزاب اليسارية أكثر صرامة في العلنية منها في السرية أصاب قياداتها دوار العلنية فأصبح كل من يوافق على برنامج الحزب ويبدي استعداده لتسديد المساهمة المالية مرشحا للعضوية وغُيّب شرط النشاط في إحدى هياكله أو منظماته وكان للعمل الجبهوي، المتمحور أساسا في التوجه الانتخابي، الأثر السلبي على المستوى التنظيمي للأحزاب اليسارية إذ تفتشت الانتهازية والزعامتية والوصولية والتناحر على ترؤس القائمات الانتخابية. 2) المركزية الديمقراطية تنظم المركزية الديمقراطية إدارة الحزب وسير أعماله وتعرّف، عموما، بانضباط الهياكل السفلى لقرارات الهياكل العليا والتزام الأقلية بموقف الأغلبية وديمقراطية النقاشات. فإذ تؤمن المركزية والديمقراطية مجتمعتين الوحدة السياسية والتنظيمية للحزب فإن الفصل بينهما أو تغول إحداها على الأخرى يحيل إلى البيروقراطية أو الديمقراطية الليبرالية أ) حرية النقد ومعالجة الخلافات داخل الحزب: معضلة تنظيمات اليسار إن من أهم مبادئ المركزية الديمقراطية ديمقراطية النقاشات أي حرية النقد وهي تضمن حق الاختلاف في الآراء والمواقف بحرية كاملة لا فقط خلال الاجتماعات الحزبية ( اجتماعات الهياكل ) بل أيضا خلال الاجتماعات الموسعة للحزب ومنع مثل هذا النقد سيضر أيما ضرر بالحزب وإذ أن الحزب الثوري يقوى بتجانسه وانضباطه الحديدي فهذا لا يعني انتفاء وقوع صراع في الآراء داخله ، بل على العكس من ذلك ، فالانضباط لا ينفي بل يفترض مقدما وجود النقد وصراع الآراء لكن بقدر ما تكون حرية النقد كاملة فإنه يتوجب وضع الصراع النظري والسياسي في إطار لا يمكن ضمنه مخالفة القانون الأساسي والنظام الداخلي أو تعطيل النشاط العملي. يمارس النقد، في حدود المبادئ الأساسية لبرنامج الحزب ولكن عند انتهاء صراع الآراء واستنفاد النقد واتخاذ القرار تكون وحدة الإرادة ووحدة الممارسة بين جميع أعضاء الحزب الشرط الذي لا غنى عنه والذي بدونه لا يمكن تصور حزب موحد ولا انضباط حديدي، يجب أن يكون التحرك السياسي موحدا وأي نداء يَكْسِرُ هذه الوحدة لا يمكن قبوله خلال الاجتماعات الموسعة و كذلك خلال الاجتماعات الحزبية أو في الصحافة الحزبية. يجب أن تكون حرية التعبير والنقد كاملة داخل الحزب لكن يجب أن تكون حرية التنظم أيضا كاملة، فالحزب باسم حرية التعبير يمنحك الحق الكامل في التعبير الحر بدون قيد ولو كان ذلك تجنيا وتهجما مجانيا وقلبا للحقائق لكنك مجبر، باسم حرية التنظم، الإقرار بحق الحزب في تقليص أو قطع العلاقة مع أفراد يناوؤونه. كيف تعاملت الأحزاب اليسارية مع الاختلافات التي شقتها؟ يبدو من أول وهلة أن حرية النقد مضمونة داخلها لكنها في حقيقة الأمر ليست كاملة فعند بروز خلاف نظري أو سياسي أو تنظيمي في هيكل حزبي تلجأ القيادة إلى قبر هذا الخلاف في حدود هذا الهيكل أكان قاعديا أو محليا أو جهويا أو وطنيا وساهم تغييب النشرية الداخلية أو عدم دوريتها في دفن الخلافات وعوض تعميم النقاش داخل الحزب تلجأ القيادة إلى تجاهل الخلافات لتهميشها وإن لم توفق في ذلك تلجأ إلى إشهار عصا الإجراءات التنظيمية التي تصل حد الطرد وذلك باسم المحافظة على وحدة الحزب وتطهيره من العناصر الانتهازية. ب) النقد والنقد الذاتي: سلاح ذو حدين قلّ وندر أن قدّم حزب يساري، علنا، نقده الذاتي جراء انسياقه لمواقف أو ممارسة سياسية خاطئة وفي أحسن الحالات يرد هذا النقد الذاتي، داخل أسوار الحزب، سطحيا وشكليا يُستعمل كمطية للتقصي من المسؤولية والتهرب من المحاسبة أو منمقا بالجمل الثورية دون قناعة حقيقية تتجسد في الممارسة النضالية اليومية ويعدّ ذلك إيذانا بتكرار الخطأ في أول مناسبة. وإن كان الحزب يقوى بتجانسه وانضباطه ولا يمكن تصور الانضباط دون تكريس النقد والنقد الذاتي الذي يبقى الوسيلة والأداة لتجاوز الأخطاء وتقويم السلوكيات فإن الواقع يؤكد عزوف بعض الإطارات الحزبية عن ممارسة النقد الذاتي صونا لـ"هيبتهم" التنظيمية ويعتبرون أن كل نقد يوجه لهم عبارة على تطاول وحط من قيمتهم ويتناسون أن كل الرفاق سواسية أمام النقد والنقد الذاتي. كما أن الواقع يؤكد أيضا عزوف عموم الأعضاء الحزبيين عن النقد الذاتي لأنهم ليسوا واثقين في وجود روح العدالة والإنصاف لدى الحزب الذي لا يوفر لهم الشروط التي تمكنهم من التعبير بكل حرية عن الأخطاء التي ارتكبوها وخوفا من أن يكتسب نقدهم طابع التوريط أو التشفي أو تصفية الحسابات أو الحط من القيمة وبذلك يغيب الجوهر التربوي للنقد والنقد الذاتي. ج) المبدأ الانتخابي يطبق مبدأ الانتخاب على كل الهياكل المسؤولة في الحزب وجميع الكوادر الحزبية مطالبون بتقديم تقارير عن عملهم ويخضعون لآلية مراقبة وإمكانية سحب المسؤولية منهم. لا يمكن الجزم بأن مبدأ الانتخاب معمم صلب الأحزاب اليسارية خصوصا على مستوى جهوي أو محلي وهو مغيب تماما على مستوى جبهوي كما أن انتخاب القيادة الوطنية للأحزاب اليسارية تتم غالبا عبر المصادقة على القائمة المقدمة من طرف القيادة المتخلية وذلك بتعلة حماية الحزب والمحافظة على وحدته. د) الهياكل التنفيذية والهياكل التقريرية للحزب: الخلط يولّد العجز الميداني والتغول يولّد البيروقراطية تتفرع القيادة المركزية لحزب ماركسي لينيني، عموما، إلى فرعين: ــ هيكل مركزي تقريري يسهر على تطبيق مقررات المؤتمر الوطني ويضمن الوحدة النظرية والسياسية والتنظيمية للحزب ويحرص على تطبيق القانون الأساسي والقانون الداخلي وإصدار الجريدة والمنشورات الحزبية. ــ هيكل مركزي تنفيذي مسؤول على تكريس الخط السياسي للحزب في النضال الميداني أي الممارسة الملموسة عبر رسم خطط عملية نابعة من تكتيك الحزب مع متابعة ومراقبة تنفيذها. وإن اختلفت الهيكلة التنظيمية للأحزاب اليسارية إلا أنها تشير لبعض الإخلالات فازدواجية الانتماء للهيكلين المركزيين التقريري والتنفيذي يشل العمل لتعدد مهام الإطار الواحد كما أن التداخل بين الصلاحية التقريرية والصلاحية التنفيذية تخلق لخبطة تنظيمية تضرب وحدة الحزب وإذا تغول الهيكل التنفيذي وسطا على السلطة التقريرية فذلك إيذان بإحلال البيروقراطية. هـ) ضرب القيادة الجماعية: تصدير المواقف من الهياكل العليا إلى الهياكل السفلى الهياكل الحزبية ليست مجعولة لتزكية قرارات القيادة المركزية كما أنه ليست هنالك آلية تجبر الأعضاء الحزبيين على الموافقة العمياء لكل مشاريع قراراتها فالنقاش الحر هو الفيصل على أي مستوى تنظيمي والحسم للأغلبية لكن يجب إيلاء الأقلية المعارضة اهتماما خاصا وذلك بتوفير كل الوسائل الممكنة (الجريدة الحزبية، نشرية ولو في عدد خاص، ندوات جهوية أو وطنية...) للموقف المخالف وأثناء ذلك يجب أن تكون الممارسة موحدة هياكلا وأعضاء. ما دأبت عليه جل الأحزاب اليسارية هو أن القيادة الوطنية تصوغ موقفا لتنزّله للهياكل الجهوية ولا تنتظر إلا الانصياع والموافقة وعلى هذا المنوال تتصرف القيادة الجهوية مع الهياكل المحلية ولا يقتصر تصدير المواقف من الهياكل العليا نحو الهياكل الدنيا فحسب، فغالبا ما تلجأ القيادة الوطنية المتخلية إلى تمرير مواقفها خلال مؤتمر وطني بعد عمل تمهيدي يسبقه قوامه الموالاة و"الشرعية النضالية" و"الهيبة التنظيمية" و"السلطة المعنوية" وهكذا تتشكل بيروقراطية تتأتى دوما لرعاية خط إصلاحي وضمان الامتيازات والمصالح الشخصية للقياديين. عند معارضة بعض الأعضاء للموقف الذي تصدّره القيادة سرعان ما يتحلل الموقف المخالف ليذوب في الموقف الأغلبي مما يولّد لدى المعارضين إحساس بالغبن ومع تتالي وتكرر نفس التمشي لا يجدون بدا من الانسحاب من الحزب هذا إن لم تدهسهم الآلة التنظيمية، قبل ذلك، وتفصلهم من التنظيم وهذا ما جد بحزب العمال سنة 2018 حين انسحبت مجموعة لا يستهان بها من الحزب ومنظمته الشبابية رفضت التمشي البيروقراطي ولامست الخط الإصلاحي للحزب، كما شهد حزب العمال حملة ثانية من الفصل والانسحابات لمجموعة من مناضلي وكوادر الحزب واتحاد الشباب الشيوعي التونسي الذين وإن أشاروا إلى البيروقراطية التصفوية المتمثلة في اللجنة التنفيذية وعلى رأسها الأمين العام للحزب فإنهم استماتوا في التصدي للمنحى الإصلاحي داخل الحزب وبالأخص لخطاب الأمين العام والناطق الرسمي الذين طرحا مسألة التحالف مع حزب حركة النهضة للتصدي لسياسة قيس سعيد. و) منظمات الحزب: تدجين أدى إلى إفراغها تعتبر منظمات الحزب أذرعه الأساسية للاتصال بالجماهير وتأطيرها فتأسست لتكون جماهيرية، لذلك فهي تتمتع باستقلاليتها التنظيمية وبشروط عضويتها الخاصة وللحفاظ على جماهيرية المنظمات لا يجب على الحزب أن يبني معها علاقات تسلطية ليفرض عليها خططها العملية أو يتدخل في اختيارها لقياداتها. تتحدد علاقة الحزب بمنظمته عبر مندوبيه الذين يؤمّنون تبني المنظمة للخط العام للحزب وذلك دون الاعتماد على صفاتهم/سلطتهم الحزبية بل بصفتهم أعضاء بالمنظمة تقلدوا مهامهم في المنظمة بالانتخاب من أعضائها وليس بالتعيين الحزبي الفوقي. لم تتبع الأحزاب اليسارية هذا التمشي بل أخضعت منظماتها للتسيير الحزبي المباشر متعدية ومتجاوزة مهام مندوبيها وتدخلت لتفرض مواعيد مؤتمراتها وندواتها وتدخلت في أشغالها وأقدمت على تعيين قياداتها المحلية والجهوية وعملت بصفة مباشرة وغير مباشرة على تصعيد القيادة الوطنية لهذه المنظمات الشبابية والنقابية والنسائية مما ساهم في تعميق عزلتها.
#هشام_نوار (هاشتاغ)
Naouar_Hichem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السياسة المائية في تونس
-
تونس: السيادة الوطنية في مسلخ الشركة العامة للملاّحات
-
تونس : نموذج التطبيع الناعم مع الكيان الصهيوني
-
تونس : قانون المالية لسنة 2026 : العناوين الكبيرة والإجراءات
...
-
الجيل Z
-
الديمقراطية البورجوازية والديمقراطية الشعبية
-
تونس : نموذج للتطبيع الغير معلن مع الكيان الصهيوني
-
مشروع الحزب اليساري الكبير بتونس : منبر الإصلاحية
-
قراءة في الوثيقة التأسيسية للحزب الشيوعي قيد التأسيس بتونس ح
...
المزيد.....
-
بعد 13 عامًا.. ولادة أول فيلة في حديقة حيوانات فرنسية
-
في قطر.. هذه الجزيرة تضم -غابة- مكيفة تقي الزوار من حرّ الصي
...
-
نقل رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد دبيبة إلى م
...
-
أمريكا تعد أكبر حشد عسكري في الشرق الأوسط منذ عقود
-
طهران تعد مقترحا مضادا بشأن برنامجها النووي وترامب يدرس خيار
...
-
ترامب يفرض تعريفات جمركية جديدة بنسبة 10 في المئة
-
قتلى وجرحى في ضربات إسرائيلية جنوب وشرق لبنان
-
سريلانكا.. رهبان بوذيون يحتجون لإعطائهم دورا أوسع في شؤون ال
...
-
لولا في نيودلهي.. تحالف المعادن يعزز دبلوماسية القوى المتوسط
...
-
هل أصلح وزير الخارجية الأمريكي -الشرخ الكبير-؟
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|