هشام نوار
(Naouar Hichem)
الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 12:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تثير قضية استغلال الشركات الأجنبية للثروات الطبيعية في تونس الكثير من الجدل في الأوساط السياسية والشعبية وأصبح استيلاء الرأسمال الأجنبي على موارد البلاد قضية محورية وعنوانا لسياسة التفويت في السيادة الوطنية التي انتهجتها مختلف الأنظمة السياسية المتعاقبة منذ استقلال 1956 المزعوم إلى يومنا هذا وتبقى "الشركة العامة للملاّحات التونسية" المثال الساطع لذلك.
تمّ، يوم 6 أكتوبر 1949، إبرام اتفاق بين المقيم العام الفرنسي جان مونس ومحمد الأمين باي أسفر عنه منح شركة فرنسية لزمة لاستغلال الملح التونسي وقد مثّل الباي في هذا الاتفاق مدير المالية و مدير الأشغال العمومية، فرنسيان يعملان ضمن حكومة الحماية الفرنسية.
رسخ اتفاق 1949، في جانبه الأول، ما تم الاتفاق عليه من استغلال الملاحات، في جانبه الأول، ما تم الاتفاق عليه من استغلال الملاحات بمنطقة غار الدماء سنة 1826 وملاحات خنيس سنة 1903 وملاحات سيدي سالم ومنطقة طينة سنة 1929 تدوم الاتفاقية لمدة 50 سنة بعد توقيعها في 6 أكتوبر 1949 بين الطرفين وتنص على أن تمدد آليا لمدة 15 سنة إذا لم يطلب أحد الطرفين إبطالها قبل 10 سنوات من انتهاء فترة التمديد كما تتضمن الاتفاقية بندا مهينا ألا وهو تسعير استغلال الهكتار الواحد بفرنك فرنسي واحد يتواصل العمل به ولم يخضع قط للتعديل ولم يقع مراجعته طوال 77 عاما، في الوقت الذي بلغت فيه تسعيرة الهكتار عالميا حدود 14 و15 دولارا.
في ظل هذه الاتفاقية، في سنة 1949 وإثر اندماج أربع شركات كانت تستغل الملاحات في البلاد التونسية، تأسست الشركة العامة للملاّحات التونسية (كوتوزال) والمعلوم أن هذه الشركة فرع من "مجموعة سالان" الفرنسية والمتخصصة في استخراج الملح وتمليحه ولديها فروع في عدة دول وتعتبر من أكبر منتجي الملح في العالم وتستحوذ على %65 من رأس مال الشركة العامة للملاّحات التونسية بينما تتوزع ال35% المتبقية على أشخاص طبيعيين وشركات تونسية منهم البنك التونسي والشركة التونسية للبنك وتأمينات كارت والبنك الوطني الفلاحي وشركة البنيان.
تحتكر شركة "كوتوزال" قرابة ثلاثة أرباع إنتاج الملح في تونس حسب عقود حررت زمن الاستعمار الفرنسي ويراوح إنتاج الملح في تونس بين 1.5 مليون طن و2 مليون طن سنويا، يخصص منها 100 ألف طن للاستهلاك المحلي وتستحوذ شركة "كوتوزال" على 70% من السوق المحلية، بينما تخصص الجزء الأكبر من إنتاجها للتصدير.
تستغل الشركة ثلاث ملاحات:
ــ ملاحة الساحلين في المنستير: تمتد على أكثر من 1100 هكتار وتنتج حوالي 125 ألف طن ملح في السنة.
ــ ملاحة طينة في صفاقس: تمتد على أكثر من 1700 هكتار وتنتج حوالي 300 ألف طن ملح في السنة، إلى جانب 30 ألف طن من مياه الكلوريد في السنة.
ــ ملاحة جرجيس: أسست سنة 1993 على سبخة المالح، وتنتج أكثر من 500 ألف طن في السنة.
بالإضافة الى استغلال الشركات الأجنبية لثرواتنا الطبيعية من الملح بعقود مجحفة وأسعار بخسة تعكس تواصل سياسة استعمارية فإن الملح التونسي الذي يصنف من أجود الأملاح في العالم يقع تصديره خاما إلى البلدان المركز التي التي تقوم بمعالجته لتستخرج منه قرابة 14 الف
مادة كيميائية وصيدلية تستوردها تونس بالعملة الصعبة والحال أنها صاحبة المنتج الأصلي.
وحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، فإن واردات الملح التونسي في سنة 2017، بما في ذلك ملح الطاولة والملح المستخدم في الصناعة وكلوريد الصوديوم، تكلف الدولة 1859675 دينار أي ما يعادل 600 مليم للكيلوغرام الواحد.
والغريب، أن تونس صدرت خلال نفس السنة كميات من الملح بقيمة 41042391 دينار، اي بـ 39 مليما، فقط، للكيلوغرام الواحد علما أن الملح الذي يتم تصديره من تونس يباع بما لا يقل عن 1 اورو للكيلوغرام الواحد.
يكلف عقد نهب الملح، منذ إبرامه سنة 1949، الدولة خسائر تقدّر بنحو 9 مليارات دينار سنويا ولا تحصل تونس في المقابل إلا على قرابة 30 مليون دينار سنويا وفق بيانات رسمية وبذلك لا تتحصل الدولة التونسية على مستحقاتها من الأتاوات المتفق عليها في هذا التعاقد المهين ولا على حقها في التصرف الحر في هذا المورد الوطني.
حسب وزارة الصناعة، كوتوزال هي الشركة الوحيدة التي لا تخضع لـمجلة المناجم التي تنظم عملية استغلال الثروات الطبيعية في تونس، بحكم أنها بدأت عملية الاستغلال قبل "الاستقلال" سنة 1956، وبهذا أصبحت غير ملزمة بقوانين استغلال الثروات التي تخضع لها بقية الشركات. زد على ذلك ما يكتنف الملف المالي لهذه الشركة من غموض وريبة خصوصا بعد الكشف عن وثيقة تتعلق بتهرب ضريبي بلغ 5.7 مليون دينار وكان بإمكان الدولة التونسية إلغاء العقد وفقا لما ينص عليه فصله الثامن عشر.
تواترت الحكومات في ظل النظام البورقيبي 1956–1987 ثم أعقبها نظام بن علي 1987–2011 وجاءت حكومات الثورة الثلاث ، ولم يتم تأميم الملاحات أو على الأقل إعادة صياغة عقود استغلالها وفق شروط غير مهينة لذلك تم تمديد الاتفاقية آليا في 1999 و2014. اعتبرت كوتوزال أنها لا تتحمّل مسؤولية ذلك حيث طالبت سنوات 2006 ـإ 2014 بمراجعة بنود الاتفاقيّة إلا انها جوبهت بتجاهل السلطات التونسيّة مما أجبرها على مواصلة التعامل وفق اتفاقية 1949.
عندما أثيرت قضية شركة كوتوزال ورخص استخراج الملح عموماً، حاولت حكومة المهدي جمعة امتصاص الأزمة عبر التعهد بإعادة التفاوض مع الشركة المعنية. لكن بعد أشهر تراجعت عن تعهداتها ومنحت الشركة العامة للملاحات التونسية رخصة جديدة لاستغلال الملح إذ أمضى وزير الصناعة والطاقة والمناجم، يوم 14 مارس 2014، أمرا أسند بمقتضاه امتياز استغلال سبخة الغرة الممتدة على ولايتي المهدية وصفاقس والتي تغطي مساحة تبلغ 11200 هكتار للشركة العامة للملاحات التونسية (كتوزال) وتدوم صلاحية هذا الامتياز 30 سنة ولم يتم عرض الاتفاقية على مجلس النواب، كما ينص
عليه الفصل 13 من الدستور، بحجة أن العقد تمت صياغته في أواخر
2013 أي قبيل دخول أحكام الدستور الجديد حيز التنفيذ.
و يشار الى أن حزب التكتل رفع قضية لدى المحكمة الإدارية يوم 21 ماي 2014 لنقض عقد منح حكومة مهدي جمعة الاستغلال الحصري لسبخة الغرة لفائدة الشركة العامة للملاحات التونسية.
كما أن الجنوب التونسي شهد حركة احتجاجية دارت أحداثها في منطقة الكامور البترولية من ولاية تطاوين وذلك بين 23 أفريل و16 جويلية 2017 واندلعت الاحتجاجات في الولاية للمطالبة بالتنمية والتشغيل والتوزيع العادل للثروات الطبيعية.
بدورها، بادرت "المنظمة التونسية للدفاع عن الحق في السكن اللائق وحق الإنسان في العيش الكريم"، بعد تجاهل الحكومة التونسية لمراسلاتها خلال شهر جويلية 2016 حول إهدار الثروات الطبيعية التونسية، بتدويل الملف المتعلق بعقود استغلال الثروات الطبيعية التونسية بما في ذلك شركة كوتوزال ورفعت قضية، في 10 ديسمبر 2017، لدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بستراسبورغ ضد الدولة الفرنسية لانتهاكها الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان باستغلالها للموارد الطبيعية بتونس بموجب قوانين أبرمت في عهد الحماية، ولا يقتصر الملف على قضية كوتوزال بل شمل جميع العقود المتعلقة باستغلال الثروات الطبيعية كالنفط والغاز.
تعالت، أيضا، أصوات في مجلس نواب الشعب داعية الحكومة التونسية
إلى إلغاء الاتفاقية الممضاة سنة 1949 والتي تبيح لشركة "كوتوزال"
استغلال الملح التونسي بأسعار زهيدة جدا وأمضى، تباعا، عشرات النواب على عريضة بتاريخ 2 أكتوبر 2018 تطالب الحكومة إنهاء امتياز الشركة المستغلة للملح وذلك بموجب الفصل 13 من الدستور الذي ينص على أن الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي.
كما وجّه حزب التيار الديمقراطي لرئيس الحكومة يوسف الشاهد محضر تنبيه بواسطة عدل منفذ يوم 7 مارس 2018 لانهاء اتفاقية 1949 الممضاة مع شركة «كوتوزال» و ذلك في الآجال التعاقدية قبل تجديدها ويتضمن التبيه تحميل رئيس الحكومة المسؤولية القانونية واللجوء ضده لدى القضاء في حال عدم إنهاء الاتفاقية في آجالها المحددة وهو ما فعلته حكومة الشاهد في 27 فيفري 2019 وبذلك ينتهي مفعولها سنة 2029 ويحيل إلى عقد آخر من النهب وكان الأجدى المطالبة بتأميم قطاع استخراج الملح وتعويضات لجبر الضرر الذي لحق الدولة من جراء التسعيرة المهينة والتهرب الجبائي، وجاء قرار وقف التمديد متأخرا ولا يعدو أن يكون إلا في سياق حملة انتخابية سابقة لأوانها ورضوخا للضغط الإعلامي والسياسي ومهما كانت قرارات الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال إلى اليوم فإنها لم ولن تتخلى عن دورها في الذود عن مصالح الرأسمال الأجنبي والارتهان لإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي كما أن الدولة التونسية تبقى دوما رهينة معاهدة الاستقلال الصوري المبرمة مع فرنسا في 20 مارس 1956. حافظت اتفاقية الاستقلال الداخلي الممضاة بين تونس وفرنسا في 3 جوان 1955 على امتيازات الشركات الفرنسية في استغلال الثروات الطبيعية التونسية كالنفط والغاز والفسفاط والملح والماء وتكفلت حكومات ما بعد الاستقلال بتأمين المصالح الاقتصادية علاوة على المصالح الخارجية والعسكرية لفرنسا ولم تختلف معاهدة الاستقلال التام المبرمة في 20 مارس 1956 عن نظيرتها المبرمة سنة 1955 إذ سعت سلطات الاستعمار الفرنسي إلى تحصين مصالحها لافتصدية عبر فرض الإبقاء على الفصلين 33 و34 الواردين في اتفاقيّة الاستقلال الداخلي واللذين ينص الأول منهما على التزام الدولة التونسية بمنح حق الأفضلية للمشاريع الفرنسية عند تساوي الشروط للحصول على رخص التنقيب والاستثمار وعلى اللزم في حين ينص الثاني على منع الدولة التونسيّة من تغيير آجال اللزمات والاتفاقيات ورخص التفتيش والاستثمار المبرمة أو الممنوحة إلا بموافقة الطرف الفرنسي.
الملح ثروة طبيعيّة كانت شرارة مسيرة ضد الاحتلال البريطاني في
الهند وتحوّل نهب بريطانيا في ذلك الوقت لثروة البلاد من الملح عنوانا لمسيرة كبرى قادها الزعيم غاندي في مارس 1930، دامت 24 يوما وكانت حاسمة في إنهاء الاستعمار المباشر للهند.
تتغير الظروف السياسية والتاريخية، ولكن الشعب التونسي بقي دوما محروما من ثمار ثروته الطبيعية فهل لنا أن نأمل أن تكون السيادة الوطنية قادحا لمسيرة الانعتاق الاقتصادي والاجتماعي وأن تكون شعارا يتصدر مطالب ثورة هي حتما آتية.
#هشام_نوار (هاشتاغ)
Naouar_Hichem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟