أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام نوار - مشروع الحزب اليساري الكبير بتونس : منبر الإصلاحية















المزيد.....


مشروع الحزب اليساري الكبير بتونس : منبر الإصلاحية


هشام نوار

الحوار المتمدن-العدد: 6820 - 2021 / 2 / 21 - 17:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


دعت أصوات من داخل أحزاب و حركات يسارية بتونس بضرورة تأسيس حزب يساري كبير و ساندها في ذلك جمع من غير المتحزبين .
جاءت هذه الدعوة على أساس توحيد القوى السياسية اليسارية للقطع مع المشهد السياسي " الدكاكيني " و لحل معضلة انحسار الحركة اليسارية و تأمين عملية الانغراس صلب الفئات الشعبية و لعل اندثار الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة أعطى " مشروعية " لضرورة مشروع الحزب اليساري الكبير .
ما هي معالم هذا المشروع ؟
لتوضيح هذه المسألة لا بد من تحليل الدعامات النظرية و السياسية و التنظيمية لهذا المشروع .

1) الوحدة النظريّة :
إنّ جلّ الكتابات ، مع اختلاف المرجعيّات لأصحابها ، نادت بضرورة تأسيس حزب يساري كبير كحزب جامع و متنوّع ، غير إيديولوجي ، يجمع كلّ تعبيرات اليسار بعيدا عن سجن الأصوليّة الماركسيّة .
يكتب الطّاهر شقروش حول الحزب اليساري الكبير كحزب متنوّع و متفتّح يجمع كلّ أطياف اليسار السّياسي و النّقابي و الجمعيّاتي دون مرجعيّة فكريّة موحّدة : " إنّ الحزب المنشود هو حزب جامع متنوّع و متفتّح يجمع اليسار السياسي و النّقابي و الجمعيّاتي ... و هو حزب متنوّع يجمع كلّ أطياف اليسار : الشّيوعي و الاشتراكي الدّيمقراطي و القومي التّقدّمي ... و حتّى يستطيع أن يكون حزبا جامعا و متنوّعا لا بدّ أن يكون منفتحا بمعنى أن يكون حزبا غير عقائدي ... لا ّيتبنّى فكرا محدّدا يكون مرجعه . إنّ هذا لا ينفي أن يكون لأعضائه و منتسبيه فكرا بعينه على مستوى الأفراد و المجموعات المتشكّلة في تيّارات منظّمة صلبه شريطة انضباطها لقرارات الأغلبية . "
و يكتب بيرم ناجي حول الحزب اليساري الكبير كحزب يستند إلى رؤية اشتراكيّة ديمقراطيّة بعيدا عن سجون الأصوليّة الماركسيّة اللّينينيّة و الاشتراكيّة : " يمكن للمؤتمر القادم للحزب " حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد " أن يكون فرصة لإعادة النّظر في الرّؤية الفكرية و البرنامج السّياسي باتّجاه اشتراكي ديمقراطي جذري بعيدا عن سجن الأصوليّة الماركسية ــ مع الاستفادة من الماركسيّة و من غيرها ــ لكن بعيدا أيضا عن الاشتراكيّة الدّيمقراطيّة اليمينيّة المنهزمة مسبّقا أمام وحشيّة رأس المال المحلّي و الأجنبي ... يجب أن يكون الحزب اليساري الكبير غير إيديولوجي بالمعنى الماركسي للكلمة ... بمعنى أن يكتفي بتبني العلوم ( على اختلافها ) بين طبيعي و إنساني و اجتماعي و اختلاف مدارسها النّقديّة ( اجتماعيّا ) كمرجعيّة نظريّة فيكون متفتّحا على ماركس و برودون و على تشومسكي و بورديو و نيغري و هاردت و جيجيك و على سلامه موسى و شبلي شميل و أنطون سعادة و الحدّاد و الحامّي و غيرهم أي على كلّ مفكّري اليسار بمعناه العام جدّا ... لم أعد أرى مشروع توحيد اليسار بمعنى توحيد الماركسيّين أو الشّيوعيّين ( اللّينينيّين أو غيرهم ) . توحيد اليسار يجب أن يستفيد من الماركسيّات و لكن لا يمكن أن يكون حزبا ماركسيّا لينينيّا كبيرا . هذا سيعيد النّاس إلى النّقطة الصّفر و يعود الانقسام التّاريخي و التّقييم التّاريخي . "
و يكتب مصطفى علوي حول الوحدة النظريّة صلب الحزب اليساري الكبير كأكبر عائق يحول دون وحدة اليسار و هي الّتي تعرقل الوحدة السّياسيّة و الوحدة التنظيميّة . لذا وجب التّوحيد في حزب اشتراكي ديمقراطي ، حزب غير إيديولوجي : " إذا حاولنا النّظر في أكبر عائق يحول دون وحدة اليسار التّونسي فسنجده يكمن ــ ظاهريّا ــ في ما يسمّى ــ الوحدة النّظريّة ــ التي تعرقل الوحدة السّياسية و التّنظيميّة ... الاعتماد على العلوم الطّبيعيّة الصّحيحة و على الفلسفة و العلوم الانسانيّة و الاجتماعيّة النّقديّة ( التي من بينها الماركسيّة ) و ليس على إيديولوجيّة ارتودوكسية محدّدة .
وهذا يتطلّب التركيز على ضرورة أن يكون الحزب اليساري حزبا سياسيّا اشتراكيّا ديمقراطيّا جذريّا يكون عماليّا شعبيّا و ليس حزبا إيديولوجيّا بالمعنى الضّيّق للكلمة " .

لقد شكّل انهيار الاتّحاد السّوفياتي و تفكّك أنظمة الدّيمقراطيّات الشّعبيّة و ما رافقه من تراجع للحركة الشّيوعيّة العالميّة فرصة للتّهافت على الإيديولوجيا الماركسيّة اللّينينيّة و رفع منظّرو البورجوازيّة أمثال هنتنغتون و فوكوياما شعارات نهاية التّاريخ و نهاية عهد الثّورات و أزليّة النّظام الرّأسمالي القادر على تجاوز أزماته و أعلنوا بذلك نهاية الإيديولوجيا فسارعت بعض الفصائل الماركسيّة بالالتحاق بركب الدّيمقراطية البورجوازيّة وتنكّرت لمرجعيّتها الماركسيّة و أصبحت معادية لها زاعمة نهاية الإيديولوجبا و هي في حقيقة الأمر لم تفعل غير التخلّي عن الماركسيّة كمرجعيّة فكريّة و تبنّي الإيديولوجيا البورجوازيّة .
كما أنّ بعض الفصائل الماركسيّة الأخرى اعتبرت الماركسيّة مجرّد رافد ضمن روافد أخرى كالتّراث الإنساني التّقدّمي و التّقدّم العلمي و دعت لتجديد الفكر الماركسي و تخطّي " الماركسيّة الأرتودوكسيّة " أو " الماركسيّة الكلاسيكيّة " و دعت لماركسيّة " جديدة " و ذلك قصد إفراغها من جوهرها الثّوري كالدّور الطّلائعي لحزب الطّبقة العاملة وتحطيم جهاز الدّولة البورجوازيّة و استعمال العنف الثّوري و إقامة دكتاتوريّة البروليتاريا ...
الكلام عن حزب غير إيديولوجي هو من سبيل السّفسطة و المغالطة فإمّا إيديولوجيا سائدة (بورجوازيّة) و إمّا إيديولوجيا ثوريّة و لا مكان شاغر بين مقعدين محجوزين

يكتب محمود مطير : " إن توحيد أحزاب قائمة عبارة عن تكوين حزب جديد لذا فإنّ التّوحيد لا يمكن أن يتمّ إلّا على أساس إيديولوجي فاعتقادي الشّخصي و ما استنتجته من تجربتي و قراءاتي و التّجارب في العالم أنّ بناء حزب ( خاصّة حزب ثوري يدافع عن مصالح الطّبقة العاملة ) مثل توحيد أحزاب ( من قبيل ما ذكرت ) لا يتمّ و خاصّة لا ينجح إلّا إذا تمّ على أساس إيديولوجي صلب .
لذا لا يمكن توحيد الماركسي اللّينيني مع الإصلاحي الاشتراكي الدّيمقراطي و إن تمّ التّوحيد فإنّه لن يدوم و سرعان ما يتلاشى الحزب و يذهب أشلاء هنا و هناك أو يصبح حزبا إصلاحيّا ... " .
يكتب حبيب الزرقي : " فعن أيّ يسار نتحدّث و نحن نريد بناء تنظيم / حزب يساري واحد له ؟ أليس الحزب هو وحدة نظريّة و سياسيّة و تكتيكيّة و تنظيميّة ؟ هل يمكن أن تكون هذه الوحدة بيسار ذو مرجعيّات فكريّة و نظريّة و فلسفيّة مختلفة بل حتّى متناقضة ؟ هل ينفع الحديث عن تجاوز الأسس الفكريّة و الفلسفيّة لليسار ــ الماركسي منه خاصّة ــ و الدّعوة للالتقاء حول مجموعة من القيم العامّة من خارج أيّ تموقع اجتماعي طبقي ؟ أليس بناء الأحزاب الثّوريّة هو إنجاز نظري و سياسي لينيني بالأساس ؟ ... هل ينفع أن ننطلق منذ البداية بتجاوز للفكر الثّوري العلمي ؟ ... " .
يضيف حبيب الزرقي : " إنّه من الانتهازيّة محاولة الجمع بين أكثر من توجّه نظري فلسفي أو محاولة التّوفيق بين المفاهيم و التّصوّرات الأكثر تنافرا و تعارضا من داخل " الوحدة " أو إبقاء الخلافات النّظريّة مجرّد خلاقات نظريّة لتبقى ملتبسة عامّة و مجرّدة لا تشير إلى اتّجاه محدّد في العمل العيني و تقبل جميع التّأويلات ... إنّ الوحدة النّظريّة و السّياسيّة بهذا المعنى هي العنوان الأبرز للوحدة التّنظيميّة . "
يكتب حسين الرحيلي : " إنّ وحدة اليسار اليسار التّونسي لا يمكن أن تكون إلّا على قاعدة الإيديولوجيا الماركسيّة و الفكر المنبثق عليها وفق آليّات التّحليل الجدلي للمادّة و التّاريخ و على قاعدة الصّراع الطّبقي في عمليّة التّغيير الحقيقي في المجتمع . "

2) الوحدة السّياسيةّ
و إن غلب على الحزب اليساري الكبير المزمع تأسيسه الطّابع اللاّإيديولوجي بنفي وحدة نظريّة أو بالسّماح لتواجد كل المناهج الفكريّة صلبه فإنّ جهود المؤسّسين ستتركّز على بعث حزب لا يحدّده إلّا برنامجه السّياسي و السّياسي فحسب .

يكتب الطّاهر شقروش حول الحزب اليساري الكبير : " بمعنى أن يكون حزبا غير عقائدي ، بمعنى أنّ قاعدة الانتماء هي المصادقة على البرنامج السّياسي للحزب و لوائحه التّنظيمية . "
يكتب بيرم ناجي : " يجب أن يكون الحزب اليساري الكبير غير إيديولوجي بالمعنى الماركسي للكلمة بل حزبا سياسيّا . "

مغالطة أخرى تكمن في الحديث عن برنامج سياسي بمعزل عن مرجعيّة إيديولوجيّة إذ أن كلّ موقف سياسي ينبع من مرجعيّة فكريّة و ما اختلاف الرّؤى السّياسيّة إلا تعبير عن اختلاف مصالح طبقيّة و عندما يعلن البعض عن حزب يساري لا يحدّده إلّا برنامجه السّياسي فهم لا يفعلون غير طمس هويّة الحزب و النّأي به عن النّهج الماركسي اللّينيني و الالتحاق بإسطبل الأحزاب البورجوازيّة في إطار اللّعبة الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة و الاكتفاء باللّعب في المربّع الّتي خصّصته لها البورجوازيّة الحاكمة .

بعلاقة بالبرنامج السّياسي للحزب اليساري الكبير نتطرّق لمسألتين من دعامتيه ألا و هما مفهوم الدّولة و مقولة التّغيير السّلمي .

أ) مفهوم الدّولة
حول مفهوم الدّولة يكتب مصطفى علوي : " إعادة النّظر في مفهوم الدّولة بوصفها جهازا اجتماعيّا في الأساس و لكن يقع استغلاله حتما و دائما من قبل الطّبقات و الفئات المسيطرة من خلال السّيطرة على السّلطة و ليس بالنّظر إليها كجهاز طبقي جوهراني يتكوّن من فيالق أمن و جيش و إدارة طبقيّين حصريّا و بالتّالي المطالبة بتحييد الجيش سياسيا و دمقرطة الأمن و الإدارة مثل المطالبة بدمقرطة السلطة التشريعية و استقلال السّلطة القضائيّة . "

يعتبر الماركسيّون اللّينينيّون أنّ الدّولة ليست قوّة مفروضة على المجتمع من خارجه بل هي نتاج استعصاء التّناقضات الطّبقيّة داخله وهي هيئة للسّيادة الطّبقيّة ، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى .
فإن كانت مصالح البورجوازيّة و امتيازاتها تتناقض مع مصالح الطّبقة العاملة و مصالح الفئات الشّعبيّة من فلّاحين فقراء و بعض شرائح البورجوازيّة الصّغيرة و صغار المنتجين فإنّ الدّولة هي جهاز تنصّبه البورجوازيّة لضمان استغلالها و قهرها للجماهير الشّعبيّة التّائقة للتّحرّر من الظّلم .
تسخّر الطّبقة البورجوازيّة جهازا كاملا لبسط سيطرتها و قهر أعدائها الطّبقيّين : القوّة المسلّحة ( قوّات الأمن و الجيش ) ، المؤسّسة السّجنيّة ، المؤسّسة القضائيّة ، المؤسّسة البرلمانيّة ، مؤسّسات حكوميّة ، أحزاب سياسيّة ...
يزعم الإيديولوجيّون البورجوازيّون و البورجوازيّون الصّغار أنّ الدّولة جهاز اجتماعي بالأساس وهي هيئة للتّوفيق بين الطّبقات ، هيئة فوق الطّبقات لهذا يكتفي الإصلاحيّون بالمطالبة بتحييد الجيش و الإدارة عن السّياسة و دمقرطة السّلطة التّشريعيّة و استقلال السّلطة القضائيّة مع أمن جمهوري .

ب) التّغيير السّلمي
يكتب بيرم ناجي حول مسألة الثّورة و التغيير السّلمي : " رفض فكرة الثّورة المسلّحة مبدئيّا و نهائيّا و تبنّي التّغيير السّلمي الدّيمقراطي الّذي يفضّل التّغيير الانتخابي و أقصى ما قد يضطرّ إليه هو الإضراب السّياسي العام و العصيان المدني السّلمي في أقصى أقصى الأزمات ولكن دون نسيان الحقّ قي الكفاح المسلّح دفاعا عن الوطن في حالات الاستعمار طبعا فذلك يكفله حتى القانون الدّولي . "
يكتب مصطفى علوي حول مسألة الثّورة : " إعادة النّظر في مفهوم الثّورة الاجتماعيّة في اتّجاه جماهيري سلمي ديمقراطي لا يقبل بالسّلاح إلّا ضدّ الاستعمار المباشر و العدوان العسكري و يفضّل الانتقال الانتخابي و لا يلجأ في أقصى الحالات إلّا إلى الإضراب السّياسي العام و العصيان المدني عند احتدام الأزمات . "
يكتب عبدالسّلام البغوري حول التّغيير السّلمي الدّيمقراطي : " إنّ اعتماد المقاومة السلميّة المدنيّة الجماهيريّة و المؤسّساتيّة خيار نعتبره الشّكل الّذي يلائم الظّروف الرّاهنة نظرا لاختلال لموازين القوى لصالح القوى الرّجعيّة و الامبرياليّة .
إنّ مسألة التّغيير السّياسي و الاجتماعي و الثّقافي ، تلك العملية المعقّدة ، تستدعي اعتماد المقاومة الجماهيرية المدنيّة و السّلميّة و استغلال أقصى ما يمكن من الجهد للعمل داخل المؤسّسات ( البرلمان ، المجالس الجهويّة و المحلّية ،البلديّات ... ) و النّقابات و الجمعيّات بالتّوازي مع اعتماد المسيرات و الضّغط الجماهيري وصولا إلى الاضراب السّياسي العام و العصيان المدني السّلمي في أقصى الأزمات . "

يتجلّى جوهر الإصلاحيّة في اختزال النّهج الثّوري في استلام السلطة عبر الانتخابات ( الرّئاسة ، البرلمان ، المجالس الجهويّة و المحليّة ... ) و اعتماد " المقاومة " المدنيّة و السلميّة في الصّراع ضدّ الأعداء الطبقيّين و تعدّ البرلمانيّة انحرافا عن النّهج الثّوري إذ أنّ متّبعيها يطرحون النّضال البرلماني كالوسيلة الأساسيّة لخوض الصّراع السّياسي إن لم يكن الشّكل الوحيد الذي يجعل مسألة العنف و الاستيلاء على الحكم دون جدوى فعليّة ممّا ينتج عنه التّخلّي عن الفكر الثّوري و الإكتفاء بـ " النّضال " في المربّع " الشّرعي " الّتي ترسمه البورجوازيّة الحاكمة عبر دستورها و قوانينها ، مربّع النّضال الدّيمقراطي السّلمي و المدني و المتحضّر ، المربّع الّذي ارتضته جميع الأحزاب الإصلاحيّة بما فيهما حزب الوطد الموحّد و حزب العمّال اللّذان يدّعيان تمثيل مصالح الطّبقة العاملة و لم يتحرّجا من الجلوس مع الحبيب الصّيد لنقاش تشكيل حكومة رجعيّة ولم يمنع قبول منجي الرّحوي لمنصب وزير للفلاحة ، إثر لقاء ودّي و بنّاء جمعه مع يوسف الشاهد ، إلاّ رغبته الصّادقة في عدم إحراج بقيّة رفاقه في الجبهة الشّعبيّة .

3) الوحدة التّنظيميّة
يقترح الطّاهر شقروش تشكيل تنسيقيّات محلّيّة و جهويّة لنقاش المسائل الفكريّة و السّياسيّة و التّظيميّة : " لئن كان بناء حزب يساري كبير أمر أكيد ضروري ، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّه سينجز بقرار صادر عن اجتماع لقيادة هذا الفصيل أو ذاك أو مجموعة من الفصائل . إنّ بناء حزب يساري كبير يستوجب جهدا فكريّا و تنظيميّا طويل النّفس أي أنّه صيرورة تتضمّن جملة من المراحل لا بدّ من ضبطها و تحديد خصائصها ، إنها مراحل تتداخل فيها النّقاشات الفكريّة و النّشاطات النّضاليّة ... إيجاد فضاءات للحوار ( منتديات ، حلقات نقاش ، مجلّة ، بوّابة إلكترونيّة ، ندوات ، لقاءات ... ) تكون هذه الفضاءات متعدّدة الاختصاصات و متواجدة في مختلف مراكز الولايات منها ما هو خاصّ بالسّياسيّين و منها ما هو خاصّ بالنّقابيّين أو المثقّفين و منها ما هو خاصّ بالنّساء أو الشّباب أو العاطلين عن العمل و في هذا الإطار تناقش القضايا الفكريّة : القضايا السّياسيّة و التّنظيميّة ، المسائل التّكتيكيّة و الاستراتيجيّة و كذلك الأنشطة العمليّة النّضاليّة من خلال اقتراح برامج نضال و تشكيل تنسيقيّات قاعديّة و جهويّة . "
حول المسألة التّنظيميّة ، يقترح بيرم ناجي تحويل حزب الوطنيّون الدّيمقراطيّون الموحّد إلى نموذج أوّلي لحزب الاشتراكيّين الدّيمقراطيّين الجدد الموحّد تلتحق به بقيّة الأطراف : " طريقتان لطرح مشروع توحيد اليسار:
ـ عبر التّجميع الكمّي ( توحيد ما هو موجود في تنظيم واحد ) و هو سيفشل باعتقادي ... فإنّ تجميع اليسار كمّيّا سيفشل حتما ... و قد يكون المشروع وقتها وقتيّا و مقدّمة لانقسام جديد لاحق لا غير .
ـ عبر التّجمّع النّوعي ( توحيد الرّؤى الفكريّة و البرامج السّياسيّة و التّصوّر التّنظيمي ) و هو المطلوب حسب رأيي لكن بشرط : خلق رؤية فكريّة و برنامج سياسي و صيغة تنظيميّة جديدة نسبيّا .
هذا يعني أنّه لا سبيل إلى جمع حزب لينيني مع حزب تروتسكي مع حزب ماوي ... إلخ في حزب واحد يساري . هذه الإحزاب موجودة في الجبهة و خارجها أصلا ، و علاقاتها تتوتّر من حين لآخر و سيكون من العبث و الوهم القفز إلى الإمام و طلب توحّدها ــ كما كانت عبر التّاريخ و كما هي الآن ــ في حزب يساري موحّد .
يبقى حلّ واحد إذن : طرح الموضوع في نفس الوقت الذي يطرح فيه تحويل حزب الوطنيّين الدّيمقراطيّين الموحّد إلى نموذج أوّلي لحزب الاشتراكيّين الدّيمقراطيّين الجدد الموحّد، بمعنى أن تقوموا داخلكم بما ترغبون من اليسار أن يقوم به مجتمعا ، هكذا تكونون مبادرين من ناحية ، و نموذجا يحتذى به من ناحية ثانية و في نفس الوقت .
هذه الطّريقة ستحرج البقيّة من غير المتحمّسين للمشروع و ستحمّس المتحمّسين للالتحاق بالمشروع ربّما من خلال الالتحاق بكم ... على شرط البقاء في الجبهة ( مع نقدها و نقد مكوّناتها ) و عدم مصادرة المشروع و ادّعاء امتلاك حقوق اختراعه . "
يقدّم عبدالسّلام البغوري تصوّرا تنظيميّا يتمثّل في عقد ندوة وطنيّة كبرى حول توحيد اليسار تتشكّل إثرها لجنة مشتركة تتكفّل بصياغة مبادرة جامعة يقع نقاشها في الجهات و تمرّ إلى الإنجاز الفعلي بعقد مؤتمر توحيدي : " و لكي لا نسقط في التّسرّع و نتّقي الانتكاسات القاتلة و نؤمّن بناء وحدويّا صلبا لليسار على قاعدة الرّؤى الفكريّة و البرامج السّياسيّة و التّصوّر التّنظيمي يضمن التّجميع النّوعي و يجنّبنا التّجميع الكمّي ( توحيد ما هو موجود في تنظيم واحد ) لأنّه مقدّمة لانقسام جديد لا غير ... عقد ندوة وطنيّة كبرى حول توحيد اليسار تشارك فيها الأحزاب و المجموعات و الشّخصيّات اليساريّة على قاعدة الملامح السّياسيّة و الفكريّة العامّة الّتي تمّ طرحها سابقا في هذه الورقات .
إثر اختتام أشغال النّدوة الوطنيّة تتشكّل لجنة مشتركة تتكفّل بـ :
ــ صياغة مبادرة جامعة مؤقّتة تأخذ بعين الاعتبار أهمّ الأفكار و الأطروحات الواردة في النّدوة .
ــ عقد لقاءات جهويّة لطرح المبادرة و نقاشها و تعديلها .
ــ الصّياغة النّهائيّة للمبادرة .
ــ تحديد الأطراف المنخرطة في المبادرة .
ــ مرحلة الإنجاز الفعلي بانعقاد مؤتمر توحيدي يولد من رحمه حزب اليسار الكبير .
ملاحظة : نقترح المحافظة مؤقّتا على الحالة التّنظيميّة و الهيكليّة السّابقة و كبديل مرحلي يسبق مرحلة التّوحيد النّهائي نقترح الآليّات التّالية :
ــ تكوين مركز دراسات ...
ــ تكوين تنسيقيّة سياسيّة مركزيّة و تنسيقيّات جهويّة تتعهّد بالعمل المشترك .
ــ تشبيك عمل المنظّمات و المؤسّسات و توحيد ممارستها ( المنظّمات النّسويّة ، الشّبابيّة ، النّقابيّة ، الثّقافيّة ، الجمعيّات ... ) .
ــ تكوين لجنة تحكيم لفضّ الخلافات و النّزاعات يشهد لها بالنّزاهة و الكفاءة و الإيمان الفعلي بإنجاز المشروع .
ــ تكوين واجهة إعلاميّة موحّدة ...
ــ لا تتجاوز مدّة المسار التّوحيدي سنتين على أقصى تقدير انطلاقا من تاريخ النّدوة الوطنيّة حول توحيد " اليسار التونسي الجديد " .

دون الدّخول في الأمور التّفصيليّة في كيفيّة بعث الحزب اليساري الكبير يتّضح أنّ هنالك تمشّيان كلاهما أسوأ من الآخر .
يتمثّل الخيار الأوّل في توسيع حزب الوطد الموحّد بأحزاب و مجموعات و شخصيّات يساريّة و هذا شأن داخلي يخصّ الوطد الموحّد .
يندرج الخيار الثّاني في البناء الأفقي للحزب اليساري الكبير حيث يفتح نقاش على مستوى الجهات صلب ندوات و اجتماعات و ورشات و لجان مختصّة و منتديات و حلقات نقاش و مجلّة و بوّابة إلكترونيّة ... ينبثق عنها صياغة مشاريع للّوائح التّأسيسيّة و تعرض على ندوة وطنيّة للمصادقة و يتمّ بذلك توحيد اليسار .

الحزب اليساري الكبير : منبر الإصلاحيّة
إنّ الهدف من استعمال مصطلح " اليساري " هو إغراق الحزب في معمعة تضمّ الماركسي اللّينيني و الماركسي الماوي و الماركسي التروتسكي و الماركسي الغيفاري و الماركسي القومي والاشتراكي الدّيمقراطي و لما لا الإسلامي اليساري .
تصبح عندئذ كلمة " اليسار " فضفاضة و لا يقتصر دورها إلاّ على ستر عورة الحزب اليساري الكبير المتمثّلة في تعايش خليط إيديولوجي هجين لن يفرز وحدة إيديولوجيّة ، هذه الوحدة التي تمثّل أهمّ ركيزة لحزب الطّبقة العاملة .
المرجعيّة الإيديولوجيّة لحزب الطّبقة العاملة هي الماركسيّة اللّينينيّة و حزب الطّبقة العاملة يوصّف باليساري لأنّه يتبنّى الماركسيّة اللّينينيّة فحسب كمنهج فكري و دليل للممارسة .
و لقد اندرج توصيف الحزب اليساري بـ " الكبير " للتّأكيد على تنوّع مكوّناته و كثرتها و الإيحاء بـ " القوّة " .
إن " يساريّة " و " كبر " الحزب اليساري الكبير لن يساهما إلا في إنجاب مولود ميّت أو في أحسن الحالات مولودا لن يتخطّى حدود طفولته .
هل يتحتّم إذن على الأحزاب و الحركات الماركسيّة بمختلف مرجعيّاتها و الحركات الوطنيّة و التّقدميّة أن تبقى معزولة عن بعضها أمام عدوّ طبقي أكثر تنظيما ؟
هنا تندرج التّحالفات الّتي تتراوح من أدناها و هي التّقاطعات الميدانيّة حول مسألة معيّنة إلى أقصاها وهي الجبهة السّياسيّة حول أدنى سياسي مشترك ، جبهة سياسيّة يحافظ صلبها حزب الطّبقة العاملة على استقلاليّته النّظريّة و التّنظيميّة و برنامجه السّياسي المباشر و العام الغير وارد في الأرضيّة السّياسيّة للجبهة .
إن كل متحزّب نادى بضرورة إنجاز مشروع الحزب اليساري الكبير إنّما يعبّر عن عجز حزبه و فشله في الانغراس في صفوف الطّبقة العاملة و في صفوف الفئات الشّعبيّة و هو يلهث وراء وحدة مع أحزاب أخرى لتخطّي هذا العجز لكنّه لن يجني من ذلك إلا الإصابة بـ " التوحّد " السّياسي .
كما لا تفوتني الإشارة لبعض الرّفاق الّذين يطنبون في تقديم حزب الطّبقة العاملة الماركسي اللّينيني على أنّه الحزب اليساري الكبير لكن الطّابع " اليساري " و " الطّابع " الكبير" سرعان ما يطفو ليدلّ دلالة قاطعة أنّ الحزب اليساري الكبير ، كما بشّر به مهندسه ، لن يكون البتّة حزب الطّبقة العاملة .

و لهذا ، لا بدّ من التيقّظ للخطّ الفاصل بين كيانين مختلفين و متباينين : الحزب اليساري الكبير وحزب الطّبقة العاملة .
و حان الوقت أيضا لليقظة التامة للخطّ الفاصل بين الحزب الشّعبي ، و هو تخريجة أخرى للحزب اليساري الكبير ، و حزب الطّبقة العاملة .
حزب الطّبقة العاملة ليس " الحزب اليساري الكبير " و ليس " حزب اللّقاء الشّعبي "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة : الاستشهادات الواردة أعلاه تضمّنتها ورقات قدّمها أصحابها للنّدوة المذكورة حول الحزب اليساري الكبير أو اندرجت كمقالات نشرت بموقع الحوار المتمدّن أو نشرت في مجلّة " الفكريّة " في عددها الثّامن و العشرين لشهري جويلية ـ أوت 2016 .




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,226,669,737
- قراءة في الوثيقة التأسيسية للحزب الشيوعي قيد التأسيس بتونس ح ...


المزيد.....




- لأول مرة في عهد بايدن.. جيش أمريكا يقصف ميليشيات تدعمها إيرا ...
- لأول مرة في عهد بايدن.. جيش أمريكا يقصف ميليشيات تدعمها إيرا ...
- فورد تطرح نسخة فاخرة من Explorer الجبارة
- ملكة بريطانيا تتحدث عن تجربتها الخاصة مع لقاح كورونا 
- برلماني روسي: الناتو سيبدأ في الانهيار إذا تخلى عن مفهوم -ال ...
- عباس يدعو  للالتزام بالتفاهمات و-فتح- ستخوض الانتخابات بلائح ...
- تمديد العقوبات على شخصيات يمنية... ومجلس الأمن يضيف اسم مدير ...
- أكبر لوحة في العالم ستباع بالمزاد بدبي لتمويل أعمال خيرية لأ ...
- مصر القديمة: كيف كان يشرب الفراعنة البيرة؟
- لماذا تثير صفقة المقاتلات الروسية لمصر قلق واشنطن؟


المزيد.....

- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هشام نوار - مشروع الحزب اليساري الكبير بتونس : منبر الإصلاحية