|
|
ألكسندر دوغين - الشعب الروسي يطالب بالعدالة
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 12:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر مقابلة صحفية
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
3 آذار/مارس 2026
سؤال — نودّ أن ننطلق من أطروحات خطابكم في ديسمبر 2025 خلال منتدى الدراسات المستقبلية الذي نظّمته مجلتنا بعنوان «الآثار العالمية للأزمة الأوكرانية». لقد صرّحتم، على وجه الخصوص، بضرورة الإستعداد لحرب طويلة وجدية، وتحويل البلاد إلى نمط التعبئة العسكرية، وإجراء إصلاح عميق للغاية في المجتمع والرؤية الفكرية والأيديولوجيا والفضاء الإعلامي. لكننا الآن نوجّه ضربات نشطة للبنية التحتية للطاقة في أوكرانيا؛ وهناك مفاوضات جارية — وإن كانت غير مثمرة كثيرًا — كما بدأت تظهر في أوروبا دعوات ضعيفة للتعاون مع روسيا. فمثلًا، إيمانويل ماكرون أرسل بالفعل ممثلًا إلى موسكو. ألا ترون أن مصطلح «الحرب الطويلة» فيه شيء من المبالغة؟
جواب — بالطبع، نحن لا نعرف كيف سيتشكّل المستقبل. لكن إذا أخذنا الأهداف التي وُضعت في بداية العملية العسكرية الخاصة على محمل الجد، فإن نزع سلاح أوكرانيا وإجتثاث النازية فيها مستحيلان دون السيطرة الكاملة والشاملة على كامل أراضيها. وبعبارة أخرى، فإن هذه الأهداف تفترض إستسلام أوكرانيا.
كحدٍّ أدنى، يجب أن يوجد هناك نظام موالٍ لنا يوافق على تغيير أيديولوجية أوكرانيا الحالية بالكامل، ويجرّد أوكرانيا التي تم «إجتثاث النازية» منها من القدرة على أن تشكّل تهديدًا عسكريًا لنا (أي نزع سلاحها).
إلى أي مدى نحن قريبون من تحقيق هذه الأهداف بعد أربع سنوات من الحرب؟ لقد كنّا نسيطر على مساحة واسعة في الأسابيع الأولى من العملية. ثم تراجعنا. ثم عوّضنا. ثم حدث التوغّل في مقاطعة كورسك. وحتى الآن ما زلنا بعيدين نسبيًا عن تحقيق تلك الأهداف.
وإذا أوقفنا هذه الحرب دون تحقيق الأهداف التي حدّدها رئيس روسيا فلاديمير بوتين، فسيطرح الجميع السؤال: «إذن لماذا سفكنا الدماء؟». نحن لا نتحدث هنا عن الخسائر، لكنها موجودة وهي كبيرة. إن فقدان مقاتل واحد فقط يُعد خسارة فادحة لعائلته. أنا شخصيًا فقدت إبنتي في هذه الحرب. لقد قتلها إرهابيو كييف وكانوا يريدون قتلي أيضًا. كما قُتل بافل كانيتشيف، أحد قادة «إتحاد الشباب الأوراسي»، في المعارك. كل إنسان هو عالم كامل، ونحن نخسر عوالم.
أكرر: إذا لم نحقق أهداف هذه الحرب، فسيكون كل شيء بلا جدوى. وهذا خطير للغاية بالنسبة لنا. لا يمكن إطلاقًا تقديم أي هدنة على أنها نصر. فهذا سيكون جريمة بحق الذين سقطوا بعد أن ضحّوا بكل شيء. وبالتالي، إذا لم نكن قد إقتربنا كثيرًا من النصر، فإن الحرب في أوكرانيا ستستمر طويلًا.
بل إن أوروبا تريد الدخول في الحرب ضدنا بشكل مباشر. فهي تفكّر في كيفية عزل إقليم كالينينغراد، وتصادر ناقلاتنا النفطية. وهناك «تحالف الراغبين» الذي يستعد لإرسال قوات إلى أوكرانيا. وإذا كان العدو يستعد لقتالك، فليس من الحكمة أن تتهيأ للسلام. نحن لا نريد الحرب مع الإتحاد الأوروبي. لكن ماذا نفعل إذا كان هو يريدها؟
سؤال — هل يعني ذلك أنهم جادون؟
جواب — بالتأكيد. يمكن السخرية من أوروبا، فهي ليست في أفضل حالاتها، لكنها تضم 400 مليون نسمة وهي منطقة قوية إقتصاديًا. دعم الأوروبيين لأوكرانيا يجعل هذه الحرب أكثر تعقيدًا بالنسبة لنا، فضلًا عن المساعدة الأمريكية.
عندما وصل دونالد ترامب إلى السلطة قبل عام، كان لديه تصور مختلف عن الحرب: «هذه حرب بايدن». بدأ التواصل مع روسيا، ودعا رئيسنا إلى أنكورادج. أي أن هناك إشارات بدت وكأنها تدل على أنه أقل إهتمامًا بالحرب من دول الإتحاد الأوروبي أو قادة كييف «النازيين». لكن إذا نظرنا إلى خطواته العملية، فسنجد أن كثيرًا منها ليس وديًا.
العقوبات مستمرة. وهو يضغط على الهند وحتى الصين لوقف شراء نفطنا. أي أنه يريد إجبارنا على إتفاق يناسبه. ويبدو أننا وافقنا على ذلك. هل هذا صحيح أم لا — ليس لنا أن نقرّر. لكن حتى الشروط التي طرحتها الولايات المتحدة لا تلتزم بها هي نفسها، كما أن أوروبا وكييف تعرقلان عملية التفاوض.
بالطبع، أوكرانيا متعبة من الحرب وقد تكبّدت خسائر تفوق خسائرنا عدة مرات. لكنها ما تزال تمتلك موارد معينة لمواصلة القتال. وبما أن نهاية الحرب تعني بالنسبة لـ فولوديمير زيلينسكي نهاية مسيرته السياسية — وربما حياته — فسوف يواصلها لأطول فترة ممكنة.
في ظل كل هذه العوامل، من الصعب القول إن نهاية الحرب قريبة. نعم، سيكون هناك نصر لنا، لكن ليس الآن. ولتحقيقه يجب القيام بخطوات. وإذا أراد الاتحاد الأوروبي القتال معنا، فقد يتحول الصراع الأوكراني إلى حرب أوروبية شاملة. فكيف سيتصرف ترامب غير المتوقع في هذه الظروف؟ هذا يزيد المخاطر. يبدو أفضل من «العولميين»، لكننا نرى سلوكه العدائي تجاه فنزويلا وإيران.
لذلك علينا أن ننتصر في هذه الحرب. يجب تغيير العلاقات داخل المجتمع التي تعيق التقدم نحو النصر. ما الذي يعيقنا؟ رغبة النخب في إنهاء الحرب بأسرع وقت. عندما نقول «ليتها تنتهي سريعًا»، فهذا يعني أننا لا نتعامل معها بجدية، ونفكر في تسويات ونحلم بإستئناف التجارة مع الولايات المتحدة. وإذا إبتعدت الحرب عن الحياة السياسية والإهتمام العام، فإن فظائعها وتوترها يبهتان في وعينا.
وهذا خطير جدًا. لا يجوز إعلان أن الحرب ستنتهي قريبًا بينما هي لم تنتهِ بعد وقد تدخل مرحلة جديدة.
بالطبع، إذا تخلّت أوروبا عن سياستها العدائية، أو شننّا هجومًا واسعًا، أو حدث تغيير في السلطة بأوكرانيا بطرق شبيهة بأساليب الولايات المتحدة وإسرائيل، أو أصبح ترامب أكثر إتساقًا — فسيكون ذلك هدية لنا. لكن لا يمكن التعويل على ذلك. يجب الإستعداد لإستمرار الوضع الحالي. وكلما أسرعنا في إعادة هيكلة البلاد على النمط العسكري، قلّ إحتمال الحرب مع أوروبا. أما كثرة الحديث عن السلام فستطيل أمد الصراع.
سؤال — إسمحوا لي أن أقدّم حجة مضادة. أنا بطبيعة الحال ذات توجه وطني، لكن كمواطنة عادية أشعر من أسعار المتاجر بأن البلاد في حالة حرب. ميزانية الدفاع الروسية تضاعفت أربع مرات منذ 2021. فمن أين سنحصل على الموارد لمواجهة طويلة مع أوكرانيا والغرب؟
جواب — نحن نعيش ضمن نموذج الإقتصاد الليبرالي. هناك مفهوم يسمى «مجلس العملة» (Currency board)، حيث ترتبط كل الأموال في العالم بعملة الإحتياط العالمية — الدولار. هذا الدولار تطبعه مؤسسة خاصة هي الإحتياطي الفيدرالي، الذي يمتلك حق الإصدار: يطبع ما يشاء ويحدد الفائدة كما يشاء.
طالما نقبل هذه القواعد، فإن ثرواتنا كلها — الموارد والإقتصاد والبشر — مرتبطة بنظام لا نملك فيه صوتًا حاسمًا. نحن في موقع المتأخرين.
ما هي إحتياطياتنا من الذهب والعملات؟ إنها وعود يمكن تصفيرها أو مصادرتها. وطالما نحن داخل هذا النظام، سيبقى سؤال تمويل الحرب حادًا دائمًا. ولتغطية العجز نلجأ إلى حيل مختلفة: نواصل المشاركة في الإقتصاد العالمي لكن نخفي مصادر دخل إضافية كي لا تخضع لرقابة المنظِّم.
بإختصار، نحن نحارب الغرب لكننا نستخدم تقنياته المالية.
سؤال — لكن لا يمكننا الخروج من هذا النظام فورًا، أليس كذلك؟
جواب — ماذا تعنين «فورًا»؟ منذ وصول بوتين إلى السلطة قبل 25 عامًا ونحن نتحدث عن السيادة، بما فيها المالية. واليوم نحارب من أجل هذه السيادة. خمس وعشرون سنة دون التحرر من الهيمنة المالية الغربية فترة طويلة.
من أين نأتي بالأموال؟ الحل بسيط: إعلان السيادة المالية. يخشى الجميع التضخم، لكنه يحدث فقط إذا طبعنا الأموال مع بقاء نظام مجلس العملة. أما إذا خرجنا منه وتعاملنا بعملاتنا الوطنية مع شركائنا، فلن تكون هناك مشكلة.
يُقال هذا كثيرًا لكن لا يُنفَّذ. لماذا؟ لأننا نحارب الغرب ونحن جزء منه. كأننا فرع لشركة كبرى تمرد على المقر الرئيسي. نحن عقدة نقل في الإقتصاد العالمي. نريد محاربته لكننا لا نعرف قواعد تدفق ما يدخل ويخرج من هذه العقدة.
نحن غير سياديين في وعينا ونظامنا المالي وتقنياتنا وتعليمنا. وقبل الدفاع عن السيادة يجب تشكيلها. لكن في وعينا الكسول تتكوّن مبررات عديدة لعدم فعل ذلك. من السهل الإنزلاق إلى الأسفل، ومن الصعب التسلق عكس الإتجاه. ولا نرى ثمن هذا السهولة.
هذه المشكلة كانت موجودة حتى في العهد السوفياتي. أخذنا أيديولوجيا غربية وعدّلناها. فالشيوعية ليست فكرة روسية أصلًا. وفي عهد بطرس الأول إستوردنا أشكالًا ثقافية ودينية من الغرب. لقد إنزلقنا نحو الغرب عدة مرات، ومع ذلك لا يزال يغوينا. في التسعينيات أصبحنا جزءًا عاديًا منه. يبدو الأمر سهلًا في البداية، لكن لاحقًا يجب التسلق مجددًا.
والغرب نفسه يسير في طريق الإنحدار. نرى ذلك في «ملفات إبستين». إنه يبني حضارة «شيطانية» تعد الجميع بكل شيء، ثم تتحول تلك الوعود إلى سراب.
لم نستطع بعد أن نحدد وجودنا المستقل. ولو فعلنا ذلك لإنعكس على السياسة والنظام المالي. الخروج من هذا الوضع صعب، لكننا نسير نحوه تدريجيًا. ومن يفضّل «الطريق السهل» يجب أن يدرك أننا إستنفدنا طاقة الحركة بالقصور الذاتي. علينا إعادة بناء الدولة من جديد.
سؤال — ذكرتم أيضًا أن الحرب غير المحسومة تعني إستمرار الصراع ذاته. ماذا تقصدون بـ«الحرب غير المحسومة»؟ وما معايير التقييم؟
جواب — ربما لاحظتم أن قيادتنا تتحاشى بإصرار تحديد ملامح النصر. هذا مفهوم تكتيكيًا، لكن الوضوح غائب. ومع ذلك لا تستطيع السلطة تسمية أي نتيجة نصرًا، لأن هناك معايير تشكّل جزءًا مهمًا من وعينا التاريخي. كما أن الغرب سيصوّر أي نصر لنا على أنه هزيمة. ومع ذلك، فنحن لسنا في ظل دكتاتورية. رأي الشعب له أهميته بالتأكيد. والرئيس يُصغي إليه بعناية شديدة. إن فلاديمير بوتين هو بالفعل زعيم شعبي. نحن نحبه لكاريزميته. وهو يتخذ قراراته ليس فقط إنطلاقًا من الضرورة العملية، بل أيضًا مع الأخذ في الإعتبار كيفية تلقي المجتمع لها. لذلك فهو لن يعلن أبدًا نصرًا لشيء لا يُعد نصرًا في الحقيقة.
دعوني أطرح رؤية جيوسياسية وفلسفية لما يمكن تسميته «الحرب المحسومة». أرى ثلاثة أبعاد للنصر:
أولًا: تحرير الأقاليم الأربعة المنصوص عليها دستوريًا، إضافة إلى خاركيف وأوديسا ونيكولايف. وهذا يتوافق مع منطقتي سلوبوجانشينا ونوفوروسيا. ففي جنوب شرق أوكرانيا تسود الهوية الروسية الكبرى. ولولا «الديكتاتورية النازية» التي ترسّخت في كييف، لكان سكان هذه المناطق قد إنتقلوا إلى نوفوروسيا كما حدث في القرم ودونباس. لم تُتح لهم هذه الفرصة، لذلك كان لا بد من الحرب. وهذا هو الحد الأدنى للنصر، لكننا لا نزال بعيدين عنه.
ثانيًا: صيغة النصر المتوسطة: السيطرة على كييف والمناطق الشمالية والوسطى من أوكرانيا لإنشاء دولة صديقة لروسيا هناك مع ضمانات كاملة بألا يتكرر ما حدث في أوكرانيا الحالية. سيكون ذلك أمرًا بالغ الأهمية: إقامة عرض نصر في كييف، وتأسيس دولة إتحادية تضم روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا. أما مصير المناطق الغربية — باعتبارها مصدرًا لروسوفوبيا «سامة» — فسيُحسم بطريقة أخرى.
ثالثًا: النصر الكبير: أن تدخل أوكرانيا بأكملها، بما في ذلك المناطق الغربية، ضمن هذا التكتل. ليس بالضرورة أن تنضم كلها إلى الإتحاد الروسي، لكن يجب أن تكون دولة صديقة. لأن الحياد يمكن أن يتحول بسهولة إلى عداء، بالنظر إلى ما حدث.
إذا لم نحقق أيًّا من هذه السيناريوهات، فلن تكون الحرب محسومة. ولا يمكننا إطلاقًا الموافقة على هدنة وفق خط التماس. حتى لو حررنا خيرسون وزابوروجيا بالكامل، فلن يُعد ذلك نصرًا.
ولهذا أقول إن الحرب ستستمر طويلًا، خاصة أن بعض القرى الصغيرة يُستولى عليها أحيانًا بعد سنوات. ونحن نتحدث هنا عن تحولات إقليمية كبرى. وهذا — كما يقول — ليس طموحًا «إفتراسيًا»، بل يتعلق بضمان أمننا.
أذكّر بأن الأراضي الغربية والشرقية لروس الكييفية كانت منذ زمن التفتت الإقطاعي تتصارع للسيطرة على كييف. ومن كان يملك كييف كان يمتلك حق الحكم على عموم «روس». وبعد ذلك خضنا قرونًا من تاريخنا في صراع مع الغرب حول أوكرانيا. ورواية تاراس بولبا تدور تحديدًا حول هذا الموضوع.
كما أننا لا نأخذ في الحسبان عامل القوزاق خلال زمن «الإضطرابات الكبرى». فقد إعتمد كل أولئك المدّعين للعرش ليس فقط على البولنديين، بل أيضًا على تشكيلات القوزاق من «روسيا الصغرى». ومنذ القرن العشرين يحاول الغرب فصل أوكرانيا عنا ككيان حاجز لخنقنا. وهذه — بحسب قوله — بديهية تاريخية مستمرة.
أوكرانيا هي، بطبيعتها، الإقليم الأكثر حساسية بالنسبة لسيادتنا. وقد كتب عن ذلك مؤسس الجيوبوليتيك هالفورد ماكيندر بوضوح: إن السيطرة على المجال بين بحر البلطيق والبحر الأسود تمكّن بريطانيا من التحكم في صعود روسيا البرية. وكان ماكيندر — الذي أدرك أهمية أوكرانيا — ممثلًا للوفاق لدى «البيض» الروس. كما قال الشيء نفسه زبغنيو بريجنسكي.
أكرر: أوكرانيا هي حدود موضوعية في تاريخنا. هناك مرّ خط الصدع بين حضارتين: الروسية وأوروبا الغربية. وهذا الصدع لا يمكن تثبيته نهائيًا بحدود مرسومة؛ إذ ستتسع هذه المنطقة أو تضيق تبعًا لمن هو الأقوى. لقد ضعفنا، ولذلك ظهر في أوكرانيا كيان «نازي» بقيادة الغرب.
لقد سلّمنا أوكرانيا بأنفسنا لأننا لم نفكر في السيادة ولم ننشغل بالجغرافيا السياسية. ظننا أنه بعد سقوط الأيديولوجيا الشيوعية سيصبح الغرب صديقًا لنا، وأننا سنشترك معه في أيديولوجيا ليبرالية واحدة. تبنّيناها على أمل أن نُقبل في «النادي» على قدم المساواة، لكنهم لم يفعلوا. أخذوا ما قدمناه لهم، ثم حاولوا أخذ الباقي. وقد تأخرنا في إدراك ذلك وخسرنا وقتًا طويلًا.
يقول البعض: «دعونا لا نلوم أحدًا على الظروف التي قادت إلى هذه المأساة الدموية». لكن إذا لم نحدد المسؤولين كي يتوبوا أو يُعاقَبوا، فلن نخرج من هذا المأزق. صحيح أن نخبة جديدة تتشكل؛ فكثير من أبطال العملية العسكرية الخاصة هم «أبناء بوتين»، نشأوا في روسيا التي إهتمت بالسيادة. لكن بقايا النخبة القديمة لا تتوب وتعيش براحة.
رئيسنا — بهذا المعنى — شخص لين. يريد أن يصل الجميع إلى الإستنتاجات الصحيحة بأنفسهم. الشعب وصل بالفعل، لكن النخبة تفسّر هذا التسامح بشكل مختلف. نعم، هرب بعض «الخونة»، لكن ماذا عن الذين بقوا؟ لم يُحاكم أحد على «الخيانة التاريخية» لمصالحنا، بل سُجن البعض فقط بتهم الفساد.
يجب أن يكون هناك — حسب قوله — «حكم للتاريخ». لا ينبغي أن يكون جماعيًا؛ إذ يجب مراعاة حالة الإرتباك الفكري التي أصابت البشرية كلها. لكنه يقول إنه ناقش الأمر مع مسؤولين كبار يرون أن بإمكانهم إدارة الدولة دون قمع لأن الجميع مطيعون أصلًا. وقد ردّ عليهم: «الأمر ليس حاجة للسلطة بل للشعب. فالمطالبة بالقمع هي مطالبة بالعدالة. يجب أن تُظهروا لا أخلاقية الخيانة والكوزموبوليتية والليبرالية. هذا مؤشر مهم لشرعية السلطة في نظر الشعب، وهو ضروري لإشباع الشعور الأخلاقي والوعي السليم للمجتمع».
ويصف ذلك بأنه مطلب «ديمقراطي»: فقلوب الناس — كما يقول — لا تطالب بالتغيير بل بالعقاب؛ بمعاقبة المسؤولين وتحقيق العدالة. ويجب «وَسْم» الذين أوصلوا البلاد إلى هذا الوضع الذي لم نتعافَ منه بعد. ويمكن العفو عنهم لاحقًا، لكن ينبغي إدانتهم أولًا.
سؤال — لقد بدأت بالفعل إجراءات ضد «العملاء الأجانب». ربما يكون ذلك بداية هذه العملية…
جواب — نعم. فلو لم نفعل حتى هذا، لما تمكنا من خوض الحرب أصلًا. القضية ليست أنهم يعرقلوننا، بل إن الشعب يطالب بتسمية العدو عدوًا.
وقد قال مرارًا إن هناك نوعين من «أنصار الغرب » في روسيا: «الطابور الخامس» و«الطابور السادس». فالخامس هم المهاجرون والعملاء الأجانب الذين لم يكتفوا بالهمس بل إتهموا الرئيس والشعب علنًا بكل الخطايا، وهم خصوم صريحون. أما السادس فلا يعلن ذلك، لكنه متخفٍ داخل النظام نفسه، وهو أصعب بكثير. لذلك يرى أنه من المناسب تحويل بعض أبرز ممثلي «الطابور السادس» إلى وضع «الطابور الخامس» ليكون ذلك درسًا للآخرين.
أنظروا إلى ما حدث في فنزويلا. فالغرب — عبر ما يسميه «الطابور السادس» — يُحضّر لتغيير النظام هناك. إن ديلسي رودريغيز، التي كانت تُعد سياسية مناهِضة للولايات المتحدة، أصبحت فجأة موالية لـ دونالد ترامب. وقبل فترة قصيرة أُحبطت في الصين محاولة إنقلاب عسكري. وفي إيران — بحسب رأيه — يوجد أيضًا «غربيون» يشغلون مناصب رفيعة في القيادة، وكان يُراد إيصالهم إلى السلطة عبر الإحتجاجات، لكن ذلك لم ينجح.
ويرى أن هذا يشكل تهديدًا خطيرًا لرئيس روسيا ولنظامها السياسي. وحتى لو لم نكن نعلم بوجود مثل هذا التهديد، فإنه — بحسب طرحه — كان سيبقى قائمًا موضوعيًا.
سؤال — لقد ذكرتم «أبناء بوتين». بالفعل، كثيرًا ما أسمع من خبراء وبعض السياسيين أن المجتمع الروسي بعد إنتهاء العملية العسكرية الخاصة سيحصل — بل يحصل بالفعل — على نخبة ذات نزعة وطنية قوية، وأن هؤلاء هم من سيُصلحون النظام البيروقراطي في روسيا. لكن هل سيتمكنون أصلًا من تولّي مناصب قيادية إذا واجهوا بيروقراطيين مهرة و«طابورًا سادسًا»؟
جواب — هذه مشكلة كبيرة. فالشخص القادر على العمل الإداري يتشكل من عدة عوامل، وغياب أيٍّ منها قد يكون خطيرًا.
أحد هذه العوامل هو الوطنية والنزاهة والشجاعة. فأبطال العملية العسكرية الخاصة الذين يرون هذه الحرب واجبًا ونداءً لهويتهم الروحية يمتلكون هذه الصفات. لكن لا بد أيضًا من إمتلاك مستوى معين من التعليم والكفاءة.
أولًا، يجب أن يفهموا العالم ككل: قيمه وتاريخه وفلسفته. ثانيًا، لا غنى لهم عن المهارات المهنية. وهنا قد تنشأ مشكلة: فقد يواجه شخص رائع مهام كبيرة بينما يفتقر إلى سعة الأفق اللازمة.
صحيح أن برامج رئاسية قائمة حاليًا لمساعدة قدامى المحاربين على التحول إلى نخبة، إذ تتاح لهم فرص التعليم والدورات المهنية ورفع المستوى الثقافي. لكن هناك عنصرًا آخر: فالقيادة أيضًا موهبة. قد تكون وطنيًا صادقًا ومتعلمًا ومثقفًا، لكن يجب أن تستطيع تطبيق ذلك عمليًا.
وإذا طبقنا هذا المعيار على ممثلي النخبة الحالية فسنرى أن بعضهم يمتلك الصفات الثلاث، بينما يفتقر آخرون إلى الوطنية أو الثقافة، لكن القدرة التنظيمية موجودة لدى الجميع.
لماذا يمكن للبيروقراطية أن تتغلب على من عادوا من الجبهة؟ لأن البيروقراطيين الحاليين يشكلون بالفعل نخبة راسخة. والسؤال هو: هل سيتمكن الأبطال من التكيف مع الحياة السلمية؟ هل سيرفعون مستواهم الثقافي؟ وهل سيُظهرون قدراتهم الإدارية؟ هذه المتطلبات الثلاثة يجب أن تُفرض على الجميع. لكن عامل حب الوطن — كما يرى — قادر على تغيير المعادلة، إذ إن حتى الإداريين الحاليين أصبحوا مضطرين إلى التحول نحو "الوطنية" تحت ضغط التحولات الجديدة.
بل وأكثر من ذلك، فإن أبناء دونباس و«نوفوروسيا» — حسب وصفه — مختلفون جذريًا. يقول إنه يتعامل معهم كثيرًا، وإن الحوار معهم يبدأ من الجملة الخامسة عشرة، لأنهم قد مرّوا في حياتهم فعلًا بأول أربع عشرة تجربة قاسية. لا يحتاجون إلى شرح معنى روسيا؛ فهم يعرفون ثمن الخيانة وثمن العودة إلى الوطن. إنهم — بحسب تعبيره — أشخاص «حقيقيون». ويرى أنه ينبغي إيلاءهم إهتمامًا خاصًا، لأنهم غالبًا أكثر إنفتاحًا على إكتساب المعرفة الجديدة مقارنة بسكان المناطق الهادئة، وينطبق الأمر ذاته على سكان المناطق الحدودية.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران: من -فات الأوان- إلى -
...
-
العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران: من «الغضب الملحمي» إل
...
-
زئير الأسد ودرع يهوذا: العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران
...
-
التعددية زمن الحروب: قراءة واقعية في الجدل الإعلامي الروسي و
...
-
1956: اللحظة التي أطلق فيها خروشوف الرصاصة الأولى على الإتحا
...
-
بإنتظار العاصفة: كيف يقترب الشرق الأوسط من لحظة الحرب الكبرى
-
حرب أوكرانيا وإعادة تشكيل روسيا: قراءة في النتائج المرحلية و
...
-
ألكسندر دوغين - وراء العمليات الإرهابية في روسيا صراع النخبة
...
-
ألكسندر دوغين: ما الذي يجب أن يحدث كي يشعر الغرب بالخوف؟
-
هل يندفع ترامب نحو مواجهة مع إيران تحت ضغط إسرائيلي؟
-
أربع سنوات على الحرب في أوكرانيا: قراءة تحليلية للمعركة الكب
...
-
هاكابي، التوراة المزيفة، وذاكرة كنعان المنسية
-
تاكر كارلسون والتحوّل في الخطاب الأميركي حول إسرائيل
-
كابوس نتنياهو الذي لم ينتهِ: كيف تحوّل إنذار مبكر إلى أخطر ص
...
-
لماذا تريد الولايات المتحدة وقف الحرب في أوكرانيا؟
-
ألكسندر دوغين: الأطلسية الجديدة لماركو روبيو ألكسندر دوغين
-
الطاقة: سلاح الشتاء الذي يعيد رسم خريطة الحرب في أوكرانيا –
...
-
ألكسندر دوغين - ترامب يُمزّق الغرب إلى خمسة أجزاء
-
إيران بين عقيدة الهجوم ومنطق المناورة: قراءة تحليلية في تحوّ
...
-
الإستدارة الروسية نحو الشرق: سيبيريا في قلب الرؤية الإستراتي
...
المزيد.....
-
الحرب تُشعل الاحتجاجات والمظاهرات في جميع أنحاء الولايات الم
...
-
-فجوة في الأجواء-.. هكذا تؤثر عمليات إغلاق المجال الجوي بالش
...
-
سلطنة عُمان تُوقف تصاريح تشغيل الأنشطة الجوية
-
للمرة الثانية.. إعلام عُماني رسمي: استهداف ميناء الدقم بطائر
...
-
ماهي أهداف ترامب النهائية من الحرب مع إيران عقب تضارب التصري
...
-
نتنياهو: هذه حرب حاسمة وصواريخ حزب الله تصل إلى شمال إسرائيل
...
-
حرب تتدحرج إقليميًا.. إغلاق سفارات وضربات متبادلة في الخليج
...
-
التلفزيون الرسمي الإيراني يؤكد استمرار بثه رغم انفجارين في م
...
-
الحرب في الشرق الأوسط: الكويت.. -واحة سلام- في مرمى نيران إي
...
-
رسالة مزدوجة.. هذا ما أراده ترمب بعد حديثه عن مخزون الذخائر
...
المزيد.....
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
المزيد.....
|