أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعاد الراعي - عاشق على أسوار القدس: الغوص في تجليات الهوية وتغريبة الذات الفلسطينية















المزيد.....


عاشق على أسوار القدس: الغوص في تجليات الهوية وتغريبة الذات الفلسطينية


سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)


الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 20:12
المحور: قضايا ثقافية
    


1ـ استهلال: في سوسيولوجيا العشق السردي
تنبثق الرواية الفلسطينية من رحم الفقد الكوني، لا لتوثق عذابات الشتات فحسب، بل لتعيد رتق الوجود وصياغة الكينونة؛ فهي لم تكن يوماً ترفًا أدبيًا، بل هي فعل مقاومة أبدي، وانبثاق وجودي يواجه محنة المحو وسطوة النسيان. وفي لب هذا المتخيل الروحي والسياسي، تتربع "القدس" عرش السرد؛ فلا تتبدى في النصوص كحيز جغرافي من حجر وزواريب عتيقة فحسب، بل تتجلى "أيقونة ميتافيزيقية" باذخة، تتلاحم فيها تراتيل السماء بآهات الأرض، وتغدو في المتن الروائي المعاصر بوصلة للهوية، وقبلة للصراع الحضاري الذي لا يهدأ.

وإذ تنوعت المقاربات السردية في محاورة "زهرة المدائن"، نجد أن الرواية العربية قد رصدت ملامحها من "خارج الأسوار" كقضية قومية وأفق إنساني رحب، غير أن الرواية الفلسطينية ـ باعتبارها "رواية الذات عن ذاتها" ـ ظلت الأقدر على ملامسة الجرح الغائر في التفاصيل اليومية، وهي التي اجترحت المعجزة حين حولت "المخيم" من زنزانة الجغرافيا إلى فضاء فسيح للنضال، وجعلت من "العودة" حقيقة مقدسة تسبق في يقينها ضجيج الواقع.

وفي هذا المدار الكفاحي، يبرز الروائي عادل سالم في عمله المتقن "عاشق على أسوار القدس"، ليغزل من شريان العشق وأوردة السياسة ثوباً صوفيًا للمدينة الجريحة، إنها رواية ترفض الركون إلى دور "الوثيقة" الصماء، بل تختار أن تكون "نبضًا" حيًا تتدفق في عروقه إرادة التحدي؛ ففي كنف سرديته، تتحول الأسوار من أدوات للعزل والقهر إلى قلاع صامدة، ويغدو "العشق" خيارًا نضاليًا، وتجسيدًا أسمى لدرجات الانتماء والحلول في الأرض.


2 ـعتبة الاستهلال: التضاد الوجداني بين شيكاغو والقدس

في البدء كان الغروب؛ لا بوصفه نهاية نهارٍ عابر، بل بوصفه مرآةً لروحٍ تتأرجح بين ضفّتين.
على شاطئ بحيرة ميشيغان في شيكاغو، كانت الشمس تنسحب ببطءٍ مهيب، تخلع ذهبها على صفحة الماء، وتترك للغيوم وشاحاً أحمراً كأنها براكين صامتة تقذف حممها في فضاءٍ بعيد. هناك جلس سرحان، متكئاً إلى صخرةٍ وادعة، يراقب زوجته وأطفاله وهم يركضون خلف الطيور، يضحكون، يمدّون أكفّهم الصغيرة بحبّات القمح. كانت الطيور تحوم حولهم، أو لعلّ الأطفال هم الذين كانوا يحومون حول الطيور، في لعبةٍ بريئة تتبادل فيها الكائنات الثقة.
مشهدٌ يفيض سلاماً. يقطر ألفةً وطمأنينة. غير أنّ سرحان، وهو يتأمّل تلك البراءة، كان يسمع في داخله صدى المفارقة التي لا تفارق الفلسطيني حيثما ارتحل: "يطاردون الطيور ليطعموها، فيما آخرون يطاردون الناس ليسلبوها أعز ما لديها "حياتهم"." كان يرى المشهد بعينين؛ عينٍ تبتسم لما ترى، وأخرى تدمع لما تعرف.
كان أيار من عام 2005 سخياً على شيكاغو، صافياً كما لو أنّ المدينة قرّرت أن تعتذر لسكانها عن شتاءٍ طويل. ناطحات السحاب تنتصب كأعمدة زجاجٍ تلامس السماء، وزرقة البحيرة تمتدّ بلا ضفاف. لكن سرحان، وهو يمتع ناظريه بذلك الأفق الفسيح، لم يكن يرى ما تراه عيناه. كان يرى مدينةً أخرى تنهض من داخله.
كان يرى مدينته القدس.
يرى حجارتها العتيقة، وأزقّتها التي تحفظ وقع خطوات الصبا. يرى جبل الطور، حيث كان يقف فتىً نحيفاً، يتأمّل المدينة عند المغيب كما يتأمّل عاشقٌ وجه حبيبته. في داخله تمتم: "جبل الطور، كيف أنساه؟ أليس على قمته كنت أقف دائمًا أشاهد القدس عند المغيب؟ وعند شروق الشمس، عندما كنت أسكن هناك قبل ربع قرن؟ كيف يمكن أن أنسى ما رسخ في الذاكرة في سنوات الطفولة والشباب؟"
لم تكن تلك الأسئلة حنيناً عابراً، بل كانت محاكمةً صامتةً لسنواتٍ امتدّت حتى كادت تصير عمراً كاملاً. خمسة وعشرون عاماً وهو يعبر الشوارع نفسها، يفتح مكتبه صباحاً، يراجع القضايا، يربح الدعاوى، ويعود مساءً إلى بيتٍ أنيق في منطقة تينلي بارك، حيث زوجته إلهام، رفيقة اختارها عن حبٍّ ونضج. لم يكن مهاجراً مسحوقاً يبحث عن لقمة؛ كان محامياً ناجحاً، صنع لنفسه اسماً ومكانة. غير أنّ النجاح، على صلابته، لم يكن قادراً على رتق ذلك الشقّ الخفي في روحه.
زواجه الأول من أمريكية من أصل إيطالي كان درساً قاسياً في معنى الاقتلاع. تعلّم يومها أنّ الحبّ وحده لا يكفي إن لم يسنده جذرٌ مشترك، وأنّ الأطفال حين يقفون بين عالمين متباعدين، قد تتشظّى هويتهم بين لغتين وذاكرتين. لم يخرج من تلك التجربة مكسوراً، بل أكثر وعياً؛ أدرك أنّ الإنسان لا يعيش بالفرص وحدها، بل بالانتماء أيضاً.
وُلِد سرحان في البلدة القديمة من القدس عام 1960، في زمنٍ كانت فيه المدينة تتنفّس على مهل. وبعد حرب 1967 انتقلت عائلته إلى الطور، حيث ترعرع بين صرامة الواقع ونداوة الحلم. ثم جاءت المنحة، كنافذةٍ فُتحت على عالمٍ بعيد.
سافر إلى شيكاغو عام 1980 ليلتحق بكلية الحقوق في جامعة إلينوي، وفي ظنّه أنّ الغياب مؤقّت، وأنّ الطريق ستقوده عائداً بعد سنوات قليلة. غير أنّ السنوات، حين تبدأ، نادراً ما تستأذن قبل أن تطول.
في ذلك المساء، بينما كانت ضحكات أطفاله تتطاير في الهواء كعصافير صغيرة، شعر سرحان بأنّ الزمن لم يعد رحباً كما كان. أنصاف القرارات لم تعد تليق برجلٍ عبر الأربعين، وأنّ الروح التي تؤجّل شوقها كثيراً قد تذبل. التفت إلى إلهام، وكانت تشاركه صمته العارف، وقال بصوتٍ لم يخالطه تردّد: "سنحسم هذا التردد. سنعود هذا العام."
لم يكن القرار اندفاعاً عاطفياً، بل خلاصة صراعٍ طويل بين الامتنان لما منحته الغربة، والوفاء لما زرعته الأرض الأولى في دمه. للمرة الأولى لم يكن في صوته ارتعاش السؤال، بل يقين العائد. خمسة وعشرون عاماً في الولايات المتحدة؛ ربع قرنٍ من الإنجاز والتجربة والنضج. وحان وقت أن يختبر معنى آخر للنجاح:
أن يعود لا هارباً من وطن، ولا باحثاً عن خلاصٍ شخصي، بل مصالِحاً بين الرجل الذي صار إليه، والفتى الذي ما زال يقف على جبل الطور، يراقب القدس عند المغيب.

"سنحسم هذا التردد. سنعود هذا العام."
كانت المرة الأولى التي يتخذان فيها قرار العودة دون تردد. خمس وعشرون سنة في الولايات المتحدة. ربع قرن كامل. وحان وقت العودة.

3 – نضال الهوية المسلوبة بين المواطنة والفيزا
ما إن وطئت أقدامهم أرض مطار تل أبيب – أو مطار اللد كما يسميه الفلسطينيون، لأنه بني على أراضي مدينة اللد قبل نكبة 1948؛ حتى بدأت رحلة العذاب. كان المطار مختلفاً عما يتذكره سرحان. أكبر، وأكثر نظامًا، وأكثر رعبًا. وعيون الجنود لا تفارق المسافرين العرب، ترقب تحركاتهم، جلوسهم، وقوفهم، حتى ذهابهم إلى الحمام.
في قسم الجوازات، وقف سرحان في طابور "الإسرائيليين" – فهو ليس سائحاً، هذه بلده – لكن الموظفة اليهودية نظرت إليه ببرود، وسألته: "أين بطاقة هويتك الفلسطينية؟"
"ليس لدي جوازات سفر فلسطينية."
رفعت سماعة الهاتف، وتحدثت مع مسؤول بالعربية، خافضة صوتها. ثم أغلقت الشباك، وأخذتهم إلى القسم الخاص. وبعد انتظار طويل، خرجت موظفة كبيرة السن، وأعادت الجوازات، وفي داخل كل جواز ورقة بيضاء. اعتقد سرحان أن الأمور بخير. لكنه حين فتح الجوازات ليتأكد من الأختام، صعق: كلها مختومة بخاتم "فيزا سياحة".
"سياحة؟! ولكني لست سائحاً؟!"
أسرع إلى الموظفة يسألها: "لماذا فيزا سائح؟"
كان الجواب كالصاعقة: "لأن بطاقة هويتك أنت وإلهام ملغية، والأولاد ليس لهم سجل لدينا."
سكت سرحان. كان يتوقع ذلك. معركته ليست هنا. معركته في القدس. فليس أسهل من إعادته من المطار
في مكتب الداخلية بالقدس، اكتشف سرحان معنى جديداً للإذلال.
كان ذلك في صباح الأول من آب (2008). وصل الساعة السابعة صباحاً، قبل افتتاح المكتب بساعة، ليتفاجأ بطابور من المنتظرين يمتد لعشرات الأمتار. "يا إلهي.. لأول مرة أرى الطابور بهذا الطول. كان في العادة، قبل خمس وعشرين سنة، عشرين أو ثلاثين شخصاً، ولكن ليس مائة".
سأل أحد الواقفين: "منذ متى جئتم؟"
ضحك الرجل: "منذ الرابعة صباحاً، وكان أمامي حوالي خمسين شخصاً. أما أول الطابور فقد جاء منذ العاشرة مساءً، ونام أمام المكتب بعد أن أسند رأسه إلى الحائط".
هز سرحان رأسه متمتماً: "إن كانت هذه البداية، فكيف تكون النهاية؟"
لم يكن الطابور مجرد ازدحام إداري. كان مدرسة في إذلال الإنسان. تحت أشعة الشمس آب الحارقة، وقف سرحان ساعات وساعات. الباعة المتجولون يفرشون بضاعتهم؛ ماء بارد، سكاكر، شطائر. كأنه سوق هرج، لكن تحت الشمس اللاهبة، وفي انتظار "حق" من أبسط الحقوق: إثبات أنك مواطن في وطنك.
في هذا الجحيم اليومي، اكتشف سرحان ظاهرة أكثر إيلاماً: تجارة "الدور". بعض الشباب العاطلين عن العمل يجعلون من الوقوف في الطابور مهنة.
ينامون أمام المكتب، وفي الصباح يبيعون مكانهم لمن لا يرغب بالانتظار تحت الشمس. "أحياناً مائة شيكل (25 دولاراً)، وأحياناً مائة دولار. كل زبون وله سعره، وكل مكان وله سعره أيضاً".
لكن المفاجأة الكبرى كانت تورط الحراس اليهود أنفسهم في هذه التجارة. بل إنهم يبيعون الأماكن بأسعار أعلى.
احتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يصادر كرامة الإنسان، ويحوِّل حاجاته الأساسية إلى سلع تباع وتشترى.
سأل سرحان بمرارة: "كيف أكون محامياً وأقوم بدور الراشي؟"
صمت طويلاً. ثم أجابته الأيام: القدوة عليه دائماً أن يدفع ثمن مبادئه وأخلاقه.
في قلب هذه المعاناة، برزت شخصية "ريا". موظفة عربية تعمل في مكتب الداخلية منذ ثلاثين عاماً. ليست مجرد موظفة عادية، بل هي "مديرة المكتب" التي تتمتع بسلطة واسعة. السكان المحليون يحذرون سرحان منها: "إياك أن تصدق ريا... هي تحاول دائماً الإيقاع بالمواطنين العرب، لتسحب منهم بطاقات الهوية... يقال – والله أعلم – أنها تتقاضى مبلغاً عن كل بطاقة تستردها أو تلغيها".
ريا تثير سؤالاً وجودياً مؤلماً: كيف يمكن لإنسان أن يكون أداة لقمع أبناء شعبه؟ إنها تجسيد لحالة "الاستلاب الكامل"، حيث تتحول الوطنية إلى خيانة، والوظيفة إلى وسيلة لتدمير الذات الجمعية. ليس شريرة أحادية البعد، بل نتاج سياسة الاحتلال التي تخلق عملاءها من أبناء الشعب نفسه.
"كيف يسمح لها أهلها بذلك؟" يتساءل سرحان بمرارة. والجواب يأتي من الواقع المر: أهلها غير مبالين، يعتقدون أن ابنتهم تعمل موظفة فقط. لكن الحقيقة أن ريا ليست موظفة عادية، بل هي جزء من آلة التهويد، تحمل الجنسية الإسرائيلية وكانت من حزب الليكود.
في الانتظار الطويل، استمع سرحان إلى قصص المواطنين.
كل واحد يحمل مأساة خاصة، لكنها تشترك في الجوهر نفسه:
سياسة ممنهجة لتفريغ القدس من سكانها العرب.
أحدهم، يسكن في "ضاحية البريد"، يروي قصته المؤلمة. هذه الضاحية كانت تعتبر جزءاً من حدود القدس، حتى أن سيارة النفايات التابعة لبلدية القدس كانت تجمع النفايات من هناك. لكن بعد عودة السلطة وازدياد عدد السكان العرب، قامت إسرائيل بتعديل الخريطة، ففصلت الضاحية عن حدود القدس وعدّتها تابعة لمنطقة رام الله، مع أن مستوطنة "نيڤي يعقوب" بجانبها تماماً. "قريباً سيعتبرون كل عربي بأنه غير مقدسي أينما سكن".
مواطن آخر ظل يتابع قضيته منذ عامين، وفي كل مرة يطلبون منه أوراقاً جديدة. "كأنك تسكن بالتهريب"، يعلق سرحان. "هكذا يشعروننا"، يجيب الرجل.
هذه القصص المتعددة ترسم صورة بانورامية لمعاناة جماعية، حيث يصبح المواطن الفلسطيني غريباً في وطنه، وحيث تتحول حقوقه الأساسية إلى مطاردات لا تنتهي.
بعد سبع ساعات من الانتظار تحت الشمس الحارقة، جاء دور سرحان ليواجه ريا. قدم لها الرقم المكتوب على الورقة، فتطلعت إليه وقالت: "بطاقتك ملغاة؛ لقد عشت خارج القدس معظم الوقت، مركز عملك وحياتك خارج القدس لذلك فقدت حق الإقامة فيها. أنت الآن سائح هنا. بعد انتهاء مدة زيارتك عليك مغادرة البلد".
كانت الكلمات كالصاعقة. لم تلغ بطاقته فقط، بل ألغت تاريخه وهويته وانتماءه. صرخ محتدًا: "أنا مواطن مقدسي منذ آلاف السنين، واحتلت إسرائيل القدس وأنا فيها، فكيف أصبح غير مواطن؟ بأي قانون هذا؟"
الجواب جاء بارداً كقطع الجليد: "حسب القانون الإسرائيلي".
هنا تبرز المفارقة الكبرى: القانون الذي يشرعه المحتل يصبح أداة لشرعنة الاحتلال نفسه. منطق الغابة يلبس ثوبًا قانونيًا على هواه.
أصر سرحان على مقابلة مدير المكتب. دخل إلى مكتبه، فرأى الرجل يجلس واضعاً "الكوفع" (طاقية اليهود الدينية) على رأسه، وخلفه صور ثيودور هرتسل وبن غوريون ورئيس الوزراء. الحوار كان قاسياً:
"أنت حسب القانون الإسرائيلي مقيم في القدس، ولست مواطناً لأنك لا تحمل الجنسية الإسرائيلية".
"ولكنني مواطن حتى قبل احتلالكم للقدس، وفرضتم علينا البطاقة الزرقاء كمواطنين، فكيف الآن تسحبونها؟"
"لست مسؤولاً عن التشريع. أنا هنا أنفذ القرارات فقط".
سأله سرحان إن كان يطبقون الشيء نفسه على اليهود. جاء الجواب صريحاً:
"لا طبعاً، فهؤلاء مواطنون. لو كنت تحمل الجنسية الإسرائيلية لما منعك أحد".
قانون للعرب، وقانون لليهود. هذا هي "الديمقراطية الإسرائيلية" في أوضح تجلياتها.
بعد خروجه من مكتب الداخلية، التقى سرحان بمواطن فلسطيني يحمل الجنسية البريطانية، يدعى تحسين المغربي. قصتهما متشابهتان؛ عاد بعد خمس عشرة سنة في بريطانيا، ليفاجئ بأنهم يعتبرونه سائحاً ويلغون حقه في المواطنة.
لكن تحسين روى تفاصيل أكثر إيلاماً. عندما قال لريا: "خذي جواز السفر البريطاني أنا لا أريد الجنسية البريطانية"، فوجئت بقراره، فدخلت إلى مكتب المدير وعادت لتقول: "حتى لو تنازلت عن الجنسية البريطانية، فقد فقدت حقك في الإقامة في القدس". وعندما اقترح: "حسناً أنا موافق. أعطني الجنسية الإسرائيلية. المهم أن أبقى في بلدي"، كان الجواب: "كان عليك أن تقدم طلباً للحصول عليها سابقاً. اليوم لا نستقبل طلبات للتجنيس".
فخ محكم. فلسطيني يبحث عن أي طريق للبقاء في وطنه، لكن كل الطرق مغلقة في وجهه. "إنهم يطردوننا بصمت، دون أن ينتبه لنا أحد، أو يسمع بنا".
لم يستسلم سرحان. بدأ نضالًا متعدد المستويات؛ قانونيًا من خلال المحامي عزرا جولدمان (راندي فلدمان سابقًا، زميله القديم في شيكاغو)، وشعبيًا من خلال التنسيق مع المواطنين المتضررين، وإعلاميًا من خلال التظاهر أمام القنصلية الأمريكية.
لكن النضال القانوني اصطدم بحائط مسدود. المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت قرارًا "مفاجئاً": الموافقة على إعادة بطاقة الهوية لإلهام وعبير وبلال لمدة عامين، ورفض الطلب لسرحان وحسن الذي تجاوز السادسة عشرة من عمره.
قرار يقسم العائلة نصفين؛ نصف يبقى ونصف يرحل. تجسيد للسياسة الإسرائيلية التي تريد تفكيك العائلة الفلسطينية كما تفكك الأرض. سرحان علق بمرارة: "يريدوننا مقسمين ليس كشعب فقط، بل وكعائلة".

4 ـ القدس: من المكان الجغرافي إلى الفضاء الميتافيزيقي
في هذه الأثناء، كانت القدس تعيش في وجدان سرحان ككائن حي.
المسجد الأقصى هو "قلب القدس ومركز ثقلها"، والمدينة بدونه "قطعة جرداء، كلوحة فنية بلا ألوان، أو كآلة موسيقية بيد عازف لا يعرف كيف ينطقها. جبل الطور يقف "شامخاً كشموخ أهلها، كأنه حارسها الأمين". سلوان والمكبر وصور تتراقص في الذاكرة.
تتجلى عبقرية عادل سالم في تصوير القدس بهذا العمق. المكان ليس مجرد جغرافية، بل هو "شخصية" قائمة بذاتها، لها روحها ونبضها وحضورها. العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة وجودية متجذرة، حيث يصبح الجبل امتداداً لصمود البشر، والبشر امتداداً لصمود الجبل.
في خضم هذه المعركة الوجودية، كان على سرحان أن يتعلم درساً قاسياً:
النضال ليس فقط في ساحات المحاكم، بل في كل تفصيل صغير من تفاصيل الحياة اليومية. إنه في الصمود في القدس رغم كل شيء، في فتح مطعم صغير لبيع الفلافل بعد أن كان محامياً كبيراً، في تسجيل الأولاد في المدارس، في المشاركة في المظاهرات السلمية، في تحمل الإهانة اليومية على الحواجز.
"ضريبة الوطن"، هكذا سمّاها. عندما سأله أحد معارفه مستغرباً: "من محام كبير إلى بائع فلافل؟!"، أجاب بابتسامته الحزينة: "وما المانع؟ يكفي أنه الأكثر شهرة، وطلاب المدارس يتسابقون إليه كل صباح. إنها فلافل سرحان الذي يضع على سندوتشاته السلطة والبطاطا والشطة. إنها الفلافل الممزوج ببهارات الغربة والبعد عن الوطن".
هل يستحق الوطن منا أن نضحي من أجله بشهاداتنا؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه سرحان على نفسه، وعلى القارئ. أم علينا البكاء على أطلاله، وشرب نخب حبنا له في بارات الغربة وحانات الغرب والشرق؟!
في نهاية هذه الرحلة المريرة، يدرك سرحان أن معركته ليست للحصول على وثيقة، بل هي معركة وجودية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إنها معركة ضد سياسة ممنهجة تهدف إلى "تهويد القدس بالقوة"، وضد آلة بيروقراطية تبتكر يومياً أدوات جديدة لتعذيب الفلسطينيين وإذلالهم.
لكن سرحان يخرج من هذه المعركة وقد تعلم درساً مهماً: الهوية المسلوبة تتحول إلى حافز للنضال، والمواطنة المنهوبة تتحول إلى وقود للصمود. يظل نموذجاً للفلسطيني الذي يرفض أن يكون "سائحاً" في وطنه، ويصر على أن يكون "مواطناً" مهما كلفه ذلك من ثمن.
"سنظل شوكة في حلوقهم. سنصمد في هذه الأرض على الرغم من كل مضايقتهم". هذه الكلمات التي قالها له الأستاذ نهاد، مدير الكلية الإبراهيمية، تختصر روح النضال الفلسطيني التي لا تنكسر.

5 ـ الرسائل الضمنية: الهوية في مواجهة التيه

يحاول الروائي عادل سالم عبر هذا العمل توجيه رسائل متعددة، تنساب في النسيج السردي دون صخب أو ادعاء.

الرسالة الأولى والأهم هي "استمرارية الهوية". فمن خلال حوارات سرحان مع زوجته وأولاده، يتأكد أن الغربة مهما طالت لا يمكن أن تمحو الانتماء الأصيل. الذاكرة المشتركة تصبح "الوطن البديل" الذي يحمي الأسرة من الذوبان في الثقافة الغربية.

الرسالة الثانية تتعلق بـ "قدسية الأرض". الصراع في الرواية ليس سياسياً فقط، بل هو صراع على "الوجود" و"المعنى". عندما يتحدث الكاتب عن القدس كـ "قمة تاريخ الإنسانية وحضاراتها"، فإنه ينتقل بالصراع من دائرة السياسة اليومية إلى دائرة التاريخ الممتد. هذه النظرة تجعل من الانتماء للقدس/ فلسطين قدراً لا مفر منه، ومصيراً لا مفر منه.

الرسالة الثالثة تتجلى في إهداء الرواية "إلى زملاء الدراسة الذين فرقتهم الأيام، وتبدلت مواقع إقامتهم، ولكن موقعهم في القلب والذاكرة لم يتغير". هذا الإهداء يضع الرواية في سياق "الرواية الفلسطينية" التي تكتب الذات عن ذاتها، موثقة شتات الأرواح قبل شتات الأجساد. إنه اعتراف بالانكسار، وفي الوقت نفسه، إعلان عن الصمود.

6 ـ الخاتمة: بين وجع الفرد ومصير الجماعة
تقف خاتمة الرواية كشاهد على عبقرية الربط بين الوجع الإنساني الفردي والمصير الجماعي للقضية الفلسطينية. ليست مجرد نهاية لسرد حكائي، بل هي تكثيف رمزي للواقع الفلسطيني في تجلياته الأكثر قسوة ونبلاً.
على المستوى الواقعي، تجسد الخاتمة مأساة المقدسي/ الفسطيني الذي يحاصره الجدار وتنهكه الحواجز، ويغدو الوصول إلى "قلب المدينة" رحلة شاقة قد تنتهي بالشهادة أو الانكسار الجسدي. هذه هي واقعية الجغرافيا المقهورة، حيث يصبح العناق الأخير للتراب هو الوسيلة الوحيدة لاسترداد الأرض التي سلبها الاحتلال.
أما على المستوى الرمزي، فالعشق يتحول إلى "فعل استشهاد". سرحان يتحول من شخصية درامية إلى "رمز للعودة المستحيلة الممكنة". الأسوار في الختام ليست حجارة صماء، بل هي "الرحم" الذي يعود إليه العاشق. العشق الصوفي للوطن يذيب الأنا الفردية، ليتحد الجسد بالروح الجماعية للمدينة.
ورغم المسحة الحزينة التي تغلف الخاتمة، إلا أنها تحمل في طياتها رمزية "البقاء". فالأسوار باقية، والعشاق يتناوبون على حراستها. إنها رسالة ضمنية بأن الصراع ليس صراع لحظة، بل هو صراع "نفس طويل"، حيث يسلم كل عاشق الراية لمن يليه، وتظل الأسوار هي الشاهد الأبدي الذي لا يشيخ.
رواية "عاشق على أسوار القدس" هي إضافة نوعية للمكتبة العربية والفلسطينية. نجح الكاتب في جعل القارئ يشعر بثقل "الأسوار" ليس كجدران عازلة، بل كشواهد على حب لا يموت. الصياغة الفنية الدقيقة، والنبرة الإنسانية الصادقة تجعل من هذا العمل مرجعاً جمالياً لكل من يريد أن يفهم "روح القدس" بعيداً عن صخب الشعارات.
إنها رواية تقاوم بالانكسار كطريق للصلابة، وبالحب كفعل تحرر نهائي. تظل القدس هي البطل الحقيقي، هي العشق والمعشوق، هي الأم والطفل، هي الداء والدواء، هي الحلم الذي لا ينتهي والحقيقة التي لا تموت.
"كانت الأدعية تختلط ببعضها وهي في توجهها إلى السماء، فلا أحد يعرف صاحب كل دعاء سوى الله الذي يكرم فقط من اتقى". في هذه الجملة القصيرة، يختزل عادل سالم جوهر القضية:
صراع ليس فقط من أجل أرض، بل من أجل كرامة وهوية ووجود. صراع لا ينتهي، لأنه صراع من أجل الحق.
***


---

• المرجع:
رواية "عاشق على أسوار القدس"، عادل سالم، دار الجندي للنشر والتوزيع، القدس، الطبعة الأولى (2012).



#سعاد_الراعي (هاشتاغ)       Suad_Alraee#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التاريخ مرآة للحاضر: البناء السردي والفلسفي في - قواعد العشق ...
- لا تستعجلي
- -حلم لم يولد-
- الماضي يطرق بابنا
- جدلية الخراب و المقدّس جدلية المقدّس والخراب في قصيدة -أقنعة ...
- جدلية الخراب والمقدس في قصيدة اقنعة المكائد للشاعر طارق الحل ...
- ثوب امي
- عقدة كاتب
- محمصة العم صالح
- في حضرة الأستاذة
- قصة- ولادة في مِهاد المسيح -
- هي أمي… وإن قست
- الانكسار
- سر الحرز: الورقتين التاسعة والعاشرة
- سر الحرز: الورقتين السابعة و الثامنة
- سر الحرز: الورقتين الخامسة والسادسة
- من رواية الحرز : الورقة الثالثة والرابعة من الحرز
- سر الحرز بأوراقه العشر / تابع لرواية الحرز
- الحرز الفصل الثامن
- الحرز. 8


المزيد.....




- بعد مقتل خامنئي.. ما خطة أمريكا وإسرائيل لمستقبل إيران؟ غانت ...
- نظرة على عدد القتلى في الشرق الأوسط منذ بدء الضربات في إيران ...
- إسرائيل توقف إمدادات الغاز لمصر.. والحكومة: اتخذنا إجراءات ا ...
- هل وصل الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى نقطة ...
- الإمارات تغلق سفارتها في طهران وتسحب بعثتها الدبلوماسية
- إسرائيل تحشد 100 ألف من الاحتياط وتعلن الاستنفار مع حدود سور ...
- هجمات إيران على الخليج.. قتلى بالإمارات وتصدٍّ في الكويت وقط ...
- نتنياهو يعلن تصعيد الضربات على إيران في الأيام المقبلة
- اتصال عراقجي والبوسعيدي.. مسقط تدعو للتفاوض وطهران منفتحة عل ...
- شهيدان في قصف للاحتلال شمال غزة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعاد الراعي - عاشق على أسوار القدس: الغوص في تجليات الهوية وتغريبة الذات الفلسطينية