أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - نجوى بركات في روايتها (غيبة مي)















المزيد.....

نجوى بركات في روايتها (غيبة مي)


مقداد مسعود

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 16:08
المحور: الادب والفن
    


كينونة مشطورة
نجوى بركات في روايتها(غيبة مي)

قرأتُ للرواية نجوى بركات، في سنوات خلت (باص الأوادم) (لغة السر) (يا سلام)، وهمشّتُ على صفحات روايتها الثلاث بالقلم الرصاص ولأسباب مجهولة لم تتحول هوامشي مقالاتٍ. بداية هذا العام 026 قرأتُ (غيبة مي) مرتين في القراءة الأولى تعاملت ُ مع (غيبة مي) كرواية لكن في قراءتي الثانية، نضدتُ قراءتي ضمن مشروعي عن (الرواية المشطورة) ولي في هذا المجال عدة كتابات نقدية. نشرتها في المواقع الثقافية، منها موقعي في الحوار المتمدن، وموقع الحزب الشيوعي العراقي، وبصرياثا، وكتابات.
(*)
حين انتهيت ُ من قراءتي الأولى، كرهتُ التوأمين ولديّ مي اللذين يعيشان في دولة ٍ بعيدة، ما الذي يجعلهما لا يمنحان أمهما دفء البنوة واقتصرا في الوقت نفسه، على دفء الدولار. فقد جعلوها تعيش برفاهية ٍ تستحقها. لكن ليس بالمال وحده يعيش الإنسان.
(*)
تتمسك الروائية نجوى بركات بالسرد البطيء المتمهل، الذي يتحرك على رؤوس أصابع قدميه في رواياتها، تتكون الرواية من ثلاثة فصول:(مي) وهو أطول الفصول والفصل الثاني (هي) والثالث(يوسف) القراءة النوعية للرواية تجعلني أرى ان سرد الفصل الأول يتسع لشخوص عائلة مي، لأبويها وعماتها وبقية اقاربها، وتكون سعة السرد بفعل التداعيات في ذاكرة مي وهذا يعني ان عدسة السرد تتراجع نحو الماضي وبين الحين والأخر تعود للمربع الأول أعني لوحدة مي في شقتها
(*)
زمن الرواية بتوقيت جائحة كورونا وتفجير ميناء بيروت.
(*)
من هي مي؟ نحصل على الجواب الموجع من مي نفسها
حين تخاطب نفسها (انا العجوز المستوحدة التي لا سند لها
في الحياة/ 106)
(*)
مي كانت مرآة لعماتها، فقد سبق والدها شقيقاته الثلاث، نحو الموت، وهو الأصغر سناً منهن، تخبرنا مي عنهن: (فكن كلّما رأينني يتذكرنه ويفضن بدمعٍ اشعره ُ خارجاً من مواضع عدة ٍ في اجسامهن، كن يبكين كالنوافير/ 73)
(*)
التداعي الثاني حين تمرض القطة التي اقتحمت شقتها، أعني لم تقتحم شقتها، هي محاولة نظيفة من حارس العمارة لتخفيف الوحدة عن السيدة العجوز مي، تخاطب مي القطة المريضة بمرض خبيث
تخاطبها بحنو إنساني شفيف وهي تذيب الأسبرين في الماء لتشربه القطة، فتتداعى ذاكرتها نحو أمها (حين مرضت امي، توقفتُ عن التعاطي معها، صرتُ انظر إليها من بعيد ولا أقترب منها إلاّ مجبرة.. كنت ُ مرتعبة ً مما تؤول إليه، إلى درجة رفضها والنفور منها/ 117) سؤالي هنا اليس موقف مي من أمها يجسد عقوق البنت؟ لذا ستذوق مي من نفس الكأس لكن بطبعة مخففة من ولديها؟ الولدان تركا امهما في بيروت، لم يزرها احدهما وتعويضا عن ذلك غمرا أمهما بالدولارات، الدولارات وفرّت لمي على المستوى الاقتصادي حياة كريمة، لكن الحياة ليست فقط قيمة وفائض قيمة. وكلام العجوز مي، افصح بلاغة ً من كتابتي فلنسمعها:(انا انعم بالكهرباء 24 ساعة ً في اليوم بفضل دولارات توأمي / 122)
(*)
العلاقة ملتبسة، بل اقرب إلى العطل بين مي الأم وولديها ومي تسال نفسها وتجيب على السؤال(الست ُ احبهما؟ اسال نفسي هذا السؤال ولا ادري له جواباً حاسماً، شافيا، كان اجيب بنعم أولا، أحيانا افكّر انّ مخزوني من الحب كان قد نفد قبل ولادتهما، او انني انا ولدت ُ بقلبٍ يشكو عطباً بالتصنيع او ان الحب كما يعرفه الناس/ 43)
(*)
في ص55 تفلسف موتها (انيّ اقف على ناصية سفينة ٍ تعبر عباب بحر ميتٍ لا اثر لحياة فيه. اتأمل حياتي من عل ٍ فلا اشعر بندم ولا احزن على فوات شيء، لا اشتاق احداً ولا آمل او اتوقّع ان يحدث امرٌ، باستثناء الموت. لستُ انتظره بالفعل، إذ لم َ يكون انتظارٌ وانا على يقين انه قادمٌ لا محالة) ومي هنا تتملك وعيا ساخنا بالوجود وبذاتها(فانا ما زلت في كامل وعيي، ممتلكة ً حواسي ووظائفي، بذاكرةٍ ابقيتُها متماسكة ً برغم كل ما اعترها من ثقوب / 52) لكن حيوية الذاكرة وحدها تصيبها بمرض تثبيت السعادة، وحتى لا تمرض بهذا المرض، على مي ان تمد جسوراً اجتماعيةً مع الناس. ان عزلة مي ليست بالعزلة المبصرة او المؤتلفة، بل هي عزلة منكمشة على ذاتها.
(*)
لأن مي لم تمد الجسور، داهمها ذلك الصوت في الصفحة الأولى من الرواية، في السطر الأولي، الكلمة الأولى (مي!) صوت ٌ مجهول وهي في شقتها المحصنّة، صوتها نادها باسمها، وتخبرنا عن صدى الصوت عليها (سقط الصوت عليّ مثل غلالة ٍ شفافة ٍ أوقفت شعر بدني وهزّت قلبي فطنّ في اذنيّ طبلاً اجوفاً قرياً) إذن كان الصدى سالبا مخيفا مرعبا، وبشهادتها (تسمّرتُ في مكاني وقطعتُ نفسي، فساد صمتٌ رحيم) وسيكون الصمت الرحيم وامضا، فهي ما ان حاولت الحركة لتقدم (حتى كرر الصوت اسمي بنبرة ٍ عاتبة ٍ) ان تكرار الصوت ونبرته، يعني ان المنادي على معرفة عميقة بالسيدة العجوز مي. هنا مي في حيرة من امرها هل تطلب النجدة من الجيران؟ هنا يتراجع السرد وتتذكر مي المرة الاولى لهذا الحدث ( سبق ان حصل هذا سمعتُ حركة ً في الشقّة، فأقفلتُ باب غرفتي عليّ واتصلتُ همسا بيوسف الناطور. انا لستُ خوّافة في العادة، لكني كنت متيقنة ً من وجودٍ غريب في البيت)
بعد ان يصعد يوسف ويفتش الشقة، ويثبت لها لا شيء ولا احد في شقتها سواها، تومض ذاكرة مي بيقظة حادة ٍ وتعد نفسها (لن اعرّض نفسي ثانية ً للموقف المخجل إياه . المرّة الأولى مرّت، الثانية ستدمغني وتُسجل عليّ، وفي الحالتين استجلب لنفسي شُبهة الخرف او الجنون/ 11) هنا لا يتوقف القارئ العادي وكذلك القراءة الأولى لا تتوقف عما تراه السيدة مي، لكنها حين تصر(انا لا اهذي، ثمّة امراة ٌ جالسة ٌ في صالوني، على كنبتي، ناظرة ً إليّ وكانني انا الكائن الدخيل الغريب الذي لا يفهم سبب وجوده هنا) ثم يتقرب السرد من فطنة القارئ حين تبوح مي ( لا بدّ وانها من كائنات الماضي) يبين لنا السرد، جانبا آخر من شخصية مي حين تخبرنا(لا أريد أن يطالبني أي مخلوقٍ بأي عاطفة ٍ أو عطف، أريد أن أشعر أنّي طليقةٌ، وألاّ أحد يقف في مرمى حركتي أو يُعيقها. أريد أن أتصرّف على هواي، متى شئت ُ وكيفما شئت/ 113) هنا كبرياء مي يتمرد على ضعفها، يتمرد على عطف يوسف نحوها وتراه يبالغ في عطفه عليها.
(*)
في ص25 تخبرنا مي عن جدتها، وعن غياب الجدة عن حياتها وهي في الحياة، فالجدة امحت ذاكرتها قبل موتها(شيئا فشيئا انسحبت جدّتي واكتمل غيابها، لتحلّ مكانها مخلوقة ٌ اخرى لا تعرفنا ولا نعرفها، ذلك ان جدراً زجاجيا سميكاً بات يفصل بيننا).
(*)
مع الفصل الثاني، المعنون(هي) يتضح انشطار شخصية (مي) وتظهر بوضوح شخصية مي الأولى، أعني المرأة التي نادت مي في السطر الأول من الصفحة الأولى للرواية، وهنا مع السطر الأول من ص129 تخاطب مي (أتذكرين، يا مي، كم أحببت المسرح والتمثيل؟) وهنا يلتبس الأمر لدى مي (لم أفهم أتتوجّه ُ إليّ بسؤالها أم تتكلم عن نفسها، أقالت كم أحببتُ أم كم أحببت ِ).سؤال المرأة الشبحية التي هي مي في زمان مضى كان له دويا في ذاكرة مي الحقيقية وبشهادتهاٍ (إنمّا في الحالتين، خبطت جُملتها تلك رأسي كنيزك ٍ آتٍ من البعيد) ولم يكتفِ شبح مي بخبط رأس مي بل جعلها في مركبة فضائية اعادتها إلى سنوات صباها: (فنقلتني فجأة ً سنوات ٍ ضوئية إلى الوراء، فإذا بي صبيّة في نفق مظلم يقف أبي في نهايته وهو يشير لي من خلال ضوءٍ يحرّكه رواحاً ومجيئا، أن تقدّمي ولا تخافي، ستُرفع الستارة بعد ثوان، وعند ما أصل إليه، يفسح لي المجال متراجعاً، فإذا أنا وحيدة ً فوق خشبة المسرح، أتلو بصعوبة ٍ نصّا من توقيع جان كوكتو) وهذا يعني أن مي كانت ممثلة مسرحية من الدرجة الأولى، وفي حوارها مع شبحها تقول مي ( كنت أقصد مسرحا، أكثر مما أقصد مسرحيّة) ما بين القوسين له دلالة مميزة، هي منجذبة لما لا يدركه ُ الآخرين من المسرح:(قد لا أستوعب شيئا من المشاهد، الأداء، وجوه الممثلين، القصة... إلاّ أن مجرد وجودي هناك كان يملؤني حبوراً، وأحسُ أنّي هنا في حلم، وأنّ هذا الحلم هو مكاني الطبيعي، وقد ألفتُ كلّ تفاصيله 132)
(*)
الفصل الثالث من الرواية السارد، هو يوسف ناطور العمارة، اسمه يعيدني إلى يوسف الموجود في السطر الأول من الصفحة الأولى من رواية نجوى بركات (باص الأوادم) الذي جاء يبحث عن باب المدينة الجنوبي، والذي يريد الذهاب إلى بني سلطان. أما في رواية (غيبة مي) فأن يوسف يحدثنا عن حيلهِ النظيفة في تخليص مي من وحدتها، حين يكذب عليها بخصوص القطة التي يدعي وجدها مصادفة ً، ويوسف أخلّص الناس في معاملته لها، يظهر يوسف بشكل واضح جدا بعد الغيّاب الأقسى لشخصية مي، وفصل يوسف يوجز كل ما جرى لمي من وجهة نظره.. وفصل (هي) يفعل الشيء نفسه، وكذلك فعل الفصل الأول الذي تكلمت فيه مي وأسهبت في سردها الجميل والمؤلم. وهنا تكون مهارة السرد العالية الجودة، فالرواية تقترب وتبتعد بين الحين والأخر، بمقدار موزون، من تقنية الروائي لورنس داريل في رباعية الاسكندرية (جوستن) (بلثازار)(ماونت أوليف)(كليا) وهذه الاستفادة لم تخفف من بصمة الروائية نجوى بركات التي تهب القارئ بهجة الامتاع والمؤانسة.
(1) نجوى بركات/ غيبة مي/ دار الآداب/ بيروت/ ط1/ 2025
(2) نجوى بركات/ باص الأوادم/ دار الآداب/ بيروت/ ط1/ 1996



#مقداد_مسعود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة بقلم أ.د علاء العبادي في قصيدة (أفول) للشاعر مقداد مسع ...
- رؤية مهيار
- رأي في (كناية الديالكتيك) بقلم الشاعر والإعلامي عبد السادة ا ...
- أ.د علاء العبادي (تعويذة المنوازي) قصيدة مقداد مسعود
- في حاسوبي
- أذن عصية لسان مقطوع
- صفاصف
- أ.د علاء العبادي/ قراءة في (المغيّب المضيء) للشاعر مقداد مسع ...
- جملة ٌ معدنية
- أطبخُ أحلامي
- ميخائيل نعيمة / نجوى بركات
- لينين / تولستوي
- قصي الخفاجي : عرّاب القصة القصيرة
- 14 شباط 1949
- حاوية
- قراءة الكاتب ماجد قاسم في (رأيته ُ يغسل الماء) : مقداد مسعود
- كوخٌ على موجة
- الشاعر جلال عباس يتنزه في (رأيتهُ يغسل الماء) للشاعر مقداد م ...
- الكاتب شاكر شاهين/ قراءة في (رأيته يغسل الماء) للشاعر مقداد ...
- ثم...


المزيد.....




- صدور كتاب -تأثير الإسلاموفوبيا على السياسة الخارجية الأمريكي ...
- 12 رمضان.. ابن طولون يستقل بمصر وجنازة تاريخية لابن الجوزي ف ...
- الذكــاء الاصطنـــاعي والتفكيـــر الناقــد!
- المدرسة كمجتمع صمود إيجابي: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الفع ...
- ضع في حقيبتك حجراً وقلماً ونكافة .. إلى صديقي الشاعر المتوكل ...
- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مقداد مسعود - نجوى بركات في روايتها (غيبة مي)