أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - عباقرة الكلمة: ثلاثية الروح في الأدب الروسي














المزيد.....

عباقرة الكلمة: ثلاثية الروح في الأدب الروسي


حسين محمود التلاوي
(Hussein Mahmoud Talawy)


الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 09:33
المحور: الادب والفن
    


يتبوأ الأدب الروسي في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين مكانةً استثنائية في الوجدان العالمي؛ إذ لم يقف عند حدود الحكي أو استهدف التسلية، بل اتخذ من الرواية والمسرح مختبرًا وجوديًّا لبحث الأسئلة الكبرى: ماهية الخير والشر، وجدلية الحرية والقدر، وصراع الإيمان والشك وسط ثنائية الفقر والعدالة. لذلك كانت نصوص تلك المرحلة مرآةً لتمزقات مجتمعٍ ينتقل بعنف من ركود الإقطاع إلى صخب الحداثة الصناعية؛ فجاءت الشخصيات الأدبية تجسيدًا لتلك "الروح الروسية" القلقة.
وفي هذا الفضاء، بزغ فجر ثلاثة عمالقة صاغ كل منهم فلسفةً متفردة للإنسان؛ وهم أنطون تشيخوف، وفيودور دوستويفسكي، وليو تولستوي. وفي الأسطر التالية رصد سريع لخلفيات كل منهم، وأبرز أعماله، وملامح من سماته الأسلوبية.

أنطون تشيخوف: شاعر التفاصيل المُهمَلة
نشأ تشيخوف في كنف أسرة كابدت العوز؛ فكان عليه أن يصارع مبكرًا لإعالة أهله. وبالتوازي مع ذلك، صقلت دراسة الطب وممارسته رؤيته للحياة؛ فلامس أوجاع البسطاء عن قرب. منحه هذا التكوين العملي نظرةً هادئة، متعاطفة، ومترفعة عن البطولات الزائفة.
وفيما يخص سمات الأسلوب، آثر تشيخوف التكثيف والإيحاء، مبتعدًا عن الحبكة التقليدية المتفجرة، ليجعل من اللحظة العابرة نافذةً على أعماق النفس.
ولما كان يكتب بعين الطبيب الفاحصة، لا نجد لديه صراعًا صاخبًا، بل رصدًا لحياةٍ تبدو ساكنة، لكنها تغلي بالخيبات المكتومة. وقد تجلت عبقريته في مسرحيات مثل "بستان الكرز" و"الخال فانيا"، وقصصه القصيرة التي أرست دعائم الفن القصصي الحديث. وفي مقابل ما وُجِّه إليه من نقدٍ بدعوى "البرود العاطفي" أو "ضعف الحدث"، أنصفه التاريخ باعتباره المُبتكِر الذي نقل مركز الثقل الدرامي من الفعل الخارجي إلى التوتر النفسي الصامت.

فيودور دوستويفسكي: غواص الأعماق المظلمة
تشكل وجدان دوستويفسكي بين صرامة والده الطبيب العسكري، وقسوة تجربة الاعتقال والنفي إلى سيبيريا؛ فقد وقف على حافة الموت، وعانى المرض والفقر؛ فجاءت كتاباته مفعمةً بالقلق الروحي المحموم، والبحث المضني عن الخلاص والذنب.
يتسم سياق أعمال دوستويفسكي، في المجمل، بالتوتر والاعتماد الكثيف على الحوار والمونولوج الداخلي، محولًا الرواية إلى ساحة للسجال الفلسفي. وبوجه عام، تتحرك شخصياته دومًا على "الحافة": بين التوبة والجريمة، أو الإيمان والعدمية، أو الجنون والوعي المطلق.
خلَّد اسمه بروائع أدبية؛ مثل "الجريمة والعقاب" و"الإخوة كارامازوف". وبينما انتقد البعض ما اعتبروه "اضطرابًا" في البناء الفني أو "تجريدًا" للشخصيات لتصبح أفكارًا تمشي على قدمين، كان هذا التعمق النفسي ما منح أعماله صبغتها العالمية كتشريح غير مسبوق للنفس البشرية.

ليو تولستوي: مؤرخ الروح والمجتمع
على النقيض من العملاقيْن السابقيْن، وُلد تولستوي في رغد الأرستقراطية، لكن حياته كانت رحلة من التحولات؛ من الجندية وصخب المجتمع إلى أزمة روحية عميقة، دفعته إلى الزهد والدعوة للقيم الأخلاقية الفطرية.
تميز أسلوب تولستوي بواقعية ملحمية تمزج بين الوصف التفصيلي الدقيق والرؤية البانورامية للمجتمع الروسي بكل أطيافه.
في أعماله، تتشابك مصائر الأفراد مع حركة التاريخ الكبرى، مع انحياز واضح للقيم الروحية والصدق الإنساني. ولا تُعد روايتا "الحرب والسلام" و"آنا كارنينا" أبرز أعماله فحسب، بل من ذرى الأدب العالمي كذلك. وبينما أُخذ عليه الإطالة والوصف الزائد، أو الميل إلى الوعظ المباشر في سنواته المتأخرة، يظل المعلم الأول في تصوير الالتحام بين الذات والتاريخ.

خاتمة
اشترك هؤلاء الثلاثة، رغم تباين مشاربهم، في جعل "الإنسان" بوصلتهم الوحيدة؛ فبينما رصد تشيخوف شجن الحياة اليومية، غاص دوستويفسكي في جحيم الضمير وصراعاته، ورسم تولستوي لوحةً كونية للإنسان في مهب التاريخ. هذا التكامل ما جعل الأدب الروسي منهلًا لا ينضب للفكر الإنساني المعاصر، وجعل هؤلاء الثلاثة من أبطال "العصر الذهبي" للأدب الروسي.



#حسين_محمود_التلاوي (هاشتاغ)       Hussein_Mahmoud_Talawy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسماء عبد الخالق في (كتاتونيا).. عندما -تتخشب- المشاعر
- أدب إفريقيا المكتوب بالإنجليزية وترجمته إلى العربية: تحديات ...
- عن الرواية والأدب.. وظاهرة -كُتَّاب المهرجانات-
- حكايات إفريقية: بوركينا فاسو وساحل العاج.. شكوك تاريخية وإصب ...
- عن تيك توك وغسيل الأموال والفقر الحضاري: هل نحن مجتمع -تافه- ...
- حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
- حكايات إفريقية: الرجل الذي جعل بلاده أرض النُّزَهاء..
- حكايات إفريقية: لوران كابيلا.. الموت يأتي من قمم الأشجار
- هل من جديد؟!
- قراءة سريعة في خطاب الحزب الشيوعي الأمريكي إلى الحزب الشيوعي ...
- هاري بوتر... ما لم تقلْ رولينج في قصصها
- إيلا المسحورة.. بحث عن الذات وإثبات الهوية
- الاشتراكية الديمقراطية في مصر.. أبرز النقاط
- مخيم النصيرات: نظرة في عدوان أعمى
- نفسي الأمارة بك.. بطاقة تعريف أدبية
- دون جوان موليير.. خواطر سريعة عن تحفة إبداعية
- غزة والسيناريوهات اللبنانية
- لسان الدين بن الخطيب
- أدب أفريقيا السوداء.. تتبع وآفاق
- شجاعة (قصة قصيرة)..


المزيد.....




- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
- -عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن ...
- 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- عندما يرفض الفنان موقع الحياد الكاذب: التونسية كوثر بن هنية ...
- حكاية مسجد.. -باب السلام- في عُمان ينقل المصلين من الضجيج إل ...
- -غلطة شنيعة-.. مرشد يشوه هرم أوناس بمصر والمنصات تتفاعل
- نحو موقف معرفي مقاوم: في نقد التبعية الثقافية والبحث عن -الم ...
- بعد -عاصفة غزة-.. اجتماع طارئ لبحث مستقبل مهرجان برلين السين ...
- محمد القَريطي.. -بشير الإفطار- الذي وحّد وجدان اليمنيين لـ6 ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين محمود التلاوي - عباقرة الكلمة: ثلاثية الروح في الأدب الروسي