أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - قصي مسلط الهويدي - بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي














المزيد.....

بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي


قصي مسلط الهويدي

الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 16:52
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


تمهيد

موت الوظيفة لا تعثّر المؤسسة

لا يواجه التعليم المعاصر أزمة جودة، ولا خللاً تقنياً، ولا حتى فشلاً إصلاحياً.
ما يواجهه اليوم هو انقراض وظيفته التاريخية بوصفه وسيطاً ضرورياً بين الإنسان والمعرفة.

لقرون، تأسست شرعية المؤسسة التعليمية على فرضية واحدة: المسافة.
كانت هناك فجوة مكانية، وزمنية، وتقنية بين الفرد والمعرفة، وكان التعليم هو الجسر الوحيد لعبور هذه الندرة.
المعلّم، المنهج، والجامعة—لم يكونوا مجرد أدوات نقل، بل بنى وسيطة لا يمكن تجاوزها فردياً.

اليوم، لم تتعثر هذه البنية؛ بل تلاشت شروط وجودها.
حين تختفي المسافة، يفقد الجسر معناه.
وحين تنتفي الضرورة، لا يعود الإصلاح ممكناً، لأن ما انهار ليس الأداء، بل الوظيفة ذاتها.

نحن لا نعيش أزمة تعليم.
نحن نعيش لحظة انقراض الوسيط كقاعدة حضارية.



1. الانهيار الكبير

المعرفة كبيئة لا كهدف

في الواقع الأُسّي، لم تعد المعرفة موضوعاً يُطلب أو هدفاً يُحصَّل، بل تحوّلت إلى بيئة كاملة يُغرق فيها الإنسان.

• سابقاً: كانت المعرفة نادرة، فكانت المؤسسة حارساً.
• الآن: المعرفة فائضة، فغدت المؤسسة عائقاً.

الأنظمة التعليمية صُمّمت لمعالجة الندرة:
تجميع، تصنيف، تبسيط، وتدرّج.
لكنها اليوم تواجه طوفاناً معرفياً لا يُدار بالتراكم، ولا يُضبط بالتسلسل.

تفككت قدسية الشهادة لا لأن قيمتها الرمزية تراجعت، بل لأن زمن إنتاجها أطول من زمن صلاحية ما تحتويه.
العطالة هنا ليست تقنية، بل زمنية.
وما يخرج من الزمن، يخرج من التاريخ.



2. سقوط الأوهام

زيف «تعلّم كيف تتعلّم»

حين بدأت البنية التعليمية بالاهتزاز، لجأت إلى شعار بدا ثورياً:
«لا تلقّن الطالب، بل علّمه كيف يتعلّم».

كان هذا الشعار اعترافاً بانتهاء صلاحية المحتوى،
لكنه ظل أسير وهمٍ أعمق: وهم التنظيم.

هذا الشعار يفترض:
• وجود زمن آمن للتجريب،
• وجود منهجية مستقرة للتعلّم،
• ووجود فجوة يمكن عبورها تدريجياً.

الواقع الأُسّي لا يمنح شيئاً من ذلك.
أنت مطالب باستخدام الأداة قبل اكتمال تعلمها،
وبالاستجابة للواقع قبل اكتمال فهمه.

• المؤسسة بطيئة، والواقع متسارع.
• المنهجية جامدة، والاشتباك المعرفي اليوم لحظي وبراغماتي.

«كيف تتعلّم» لم تعد مهارة تُدرَّس،
بل تحوّلت إلى غريزة بقاء لا تتكوّن إلا تحت الضغط.



3. الداروينية المعرفية

من التراكم إلى الاستجابة المناعية

في العصر الأُسّي، لم يعد التعلّم عملية إضافة (Addition)،
بل صار عملية تصفية، وهدم، وإعادة تشكيل (Unlearning).

الخطر الأكبر اليوم ليس الجهل،
بل الامتلاء بمعرفة فقدت علاقتها بالواقع.

التعليم التقليدي يحاول تزويدك بـ خريطة لعالم انتهى.
أما السيادة المعرفية، فتتطلب بناء بوصلة لحظية لعالم يتشكّل الآن.

المهارة الحاسمة لم تعد الحفظ، ولا حتى البحث،
بل القدرة على إعدام الأفكار الميتة فوراً
لإفساح المجال لتدفّقات جديدة.

التعليم لم يعد إعداداً للحياة.
لقد أصبح اختبار البقاء نفسه.

ومن لا يمتلك جهازاً مناعياً معرفياً—
يفكك، يتحقق، ويعيد التوظيف ذاتياً—
سيتحوّل إلى كيان مثقل بالماضي،
حاضر شكلياً،
لكن مغترب زمنياً.



4. السيادة التشغيلية

الإنسان كوحدة معالجة مستقلة

نحن نغادر عصر «القطيع المعرفي»،
وندخل عصر السيادة التشغيلية.

السيادة هنا ليست سياسية ولا قانونية،
بل سيادة على إيقاع التعلّم والاستجابة.

في هذا العصر،
الذكاء الاصطناعي لا يستبدل العقل البشري،
بل يستبدل الزمن الذي كان الإنسان يحتاجه ليتعلّم.
إنه يختصر المسافة إلى الصفر،
وبذلك يقتل دور «المعلّم الوسيط» نهائياً.

في هذا الواقع:
• لا توجد مؤسسة تحميك من الصدمة،
• ولا منهج يعيد ضبط الإيقاع نيابة عنك.

القاعدة القاسية:

الواقع لا يشرح نفسه،
والذكاء الاصطناعي لا ينتظر استيعابك.

إما أن تكون قادراً على الاستخلاص السريع،
والتحقق، والتحويل الفوري للمعلومة إلى فعل—
أو تصبح فائضاً عن الحاجة.

الفشل هنا ليس نقصاً في الذكاء،
بل بطء في التحديث الذاتي.



5. ما بعد التعليم

عالم منزوع الوساطة

انهيار الوسيط التعليمي ليس حادثة معزولة،
بل الزلزال الأول في سلسلة انهيارات أوسع.

كما فقدت المدرسة دورها كوسيط معرفي،
تفقد الدولة دورها كوسيط تنظيمي وزمني.

نحن ندخل عالماً:
• بلا وساطة معرفية،
• بلا وساطة تنظيمية،
• وبلا زمن مشترك قابل للضبط.

في هذا العالم،
المعرفة ليست حقاً تمنحه المنظومة،
بل قدرة تُنتزع لضمان البقاء
في واقع لا يمنح مهلة لأحد.



الخاتمة

حرق المراكب

إن إنفاق الموارد على إصلاح المنظومات التعليمية الحالية
ليس استثماراً في الإنسان،
بل ضريبة جهل تُدفع لتهدئة القلق الاجتماعي
أمام واقع لم تعد هذه المنظومات قادرة على التعامل معه.

السؤال الحقيقي ليس:
«كيف نطوّر المدارس؟»

بل:

كيف نُهيّئ الإنسان للعيش
بلا حماية،
بلا مرجعيات نهائية،
وبلا وسطاء يخففون صدمة الواقع؟

نحن لا نُخرّج طلاباً.
نحن نلقي بكيانات بشرية في قلب إعصار.

الناجون لن يكونوا الأكثر تعلّماً،
بل الأكثر قدرة على إعادة توليد أنفسهم
وهم داخل العاصفة،
لا خارجها.

ملاحظة أخيرة:
ما لم يُعاد التفكير في وظيفة الوسيط ذاتها—
لا في شكله، ولا في أدواته—
سيستمر هذا الانقراض بصمت.
وسيُستهلك الإنسان في ترميم بنى
سقط سبب وجودها،
قبل أن يسقط هو معها
خارج الزمن.



#قصي_مسلط_الهويدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأحزاب السورية خارج الزمن في الانفصال البنيوي بين النخب وال ...
- من الجماعة الصفرية إلى الدولة الاسمية في تطابق البنية الاجتم ...
- الفرقة الحزبية ومؤسسات الدولة السابقة تفكيك التشغيل السلطوي ...
- ما بعد الأيديولوجيا في أزمة المعنى حين يفقد العالم قابلية ال ...
- بعد استنفاد الأدوات كيف يفكّر صانع القرار العالمي حين تنهار ...
- الشرق الأوسط في طور الحسم: حين تتشابك الملفات ويغيب البديل
- الرقة كذريعة: كيف يُقلب اتفاق الجزيرة دون إعلان
- الخضوعية والخلاصية دراسة إبستمولوجية–قيميّة في البنية التكوي ...
- الفجوة، محاذاتها، وتثبيتها. نحو تشخيص تكويني للذات والانتظام ...
- سوريا – السياسة و -المقامرة-
- سوريا و مستويات الصراع السياسي


المزيد.....




- شركة تقنية أخرى تُسرح الآلاف من موظفيها.. والسبب -الذكاء الا ...
- لغز الفرعون: هل رمسيس الثاني هو فرعون موسى الذي تحدث عنه الك ...
- دور الـ 16 يشعل أوروبا: كلاسيكو مدريد ومان سيتي يتجدد وباريس ...
- اشتباكات على الحدود بين باكستان وأفغانستان وغارات جوية تستهد ...
- أخبار اليوم: -إيران خزنت يورانيوم عالي التخصيب تحت الأرض-
- المغرب: رمضان بلا مذاق.. النازحون بسبب الفيضانات يستقبلون ال ...
- أفغانستان - باكستان: حرب مفتوحة وقصف متبادل واشتباكات عسكرية ...
- بعد توقف طويل.. إعادة افتتاح مسرح الطفل في طرابلس تعيد البسم ...
- عليكم المغادرة فورا.. أمريكا والصين تحذران رعاياهما في إسرائ ...
- خريطة تفاعلية تكشف بنك الأهداف المتبادل بين باكستان وأفغانست ...


المزيد.....

- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - قصي مسلط الهويدي - بيان انقراض الوسيط سيادة الإنسان في العصر الأُسّي