لحسن ايت الفقيه
(Ait -elfakih Lahcen)
الحوار المتمدن-العدد: 8624 - 2026 / 2 / 20 - 02:48
المحور:
الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
ارتقى الماء في المغرب منذ الثمانينيات من القرن الماضي إلى مستوى قضية بات يسمع حسيسها، ويصدع بكونها منذرة. فمنذ وقتها بدأ تعاقب الفيضان والجفاف، في وتيرة توحي باختلال التوازن في المناخ. أضحى الجفاف ينتقل، بشكل واضح، إلى قلب السنة الزراعية بالمفهوم الذي اكتسبته تلك السنة في المناخ المتوسطي ببلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط. فإذا استشهدنا بالمغرب، نقول: إن النطاق الممتد من السواحل الشمالية إلى شريط الواحات جنوب جبال الأطلس الكبير نطاق مهدد بالتقلبات المناخية من جفاف مفرط إلى فيضانات مهولة، مما يستلزم التفكير والتخطيط للتقليل من الأهوال. صحيح أن المغرب مجتهد في بناء السدود مقارنة مع البلدان الأخرى التي تقع في نفس العروض جنوب البحر الأبيض المتوسط، لكن ذلك لا يفيد أنه راكم دراية في عقلنة مستقبل الوضع المناخي، أو الاعتبار من ذاكرة المناخ في الماضي. فلا سياسة مائية واضحة المعالم، ولا ذاكرة يمكن الاعتبار منها أن الوضع يمكن أن يتكرر إذا تعلق بالطبيعة. الكارثة ثاوية، ومنتظرة، في حال الندرة، وفي حال الفيض لأن الطبيعة فقدت توازنها، مع استفحال التغيرات المناخية. وحينما نشخص الوعي في وجوب درء الأخطار، وحماية الحرث، والنسل، نجده في طور الإحساس بعيدا عن الفعل العقلاني، ولو لدى بعض المؤسسات الحقوقية، بما فيها تلك التي رفعت شعار «فعلية الحق!». وأما الصحافة الجادة فكانت على دراية بالخطر حيث باتت تشير إلى الماء في صلته بحياة الإنسان، في الحال، وبذاكرة الأماكن إن صح هذا التعبير.
لفت انتباهي ثلاث دراسات: ملفان صحافيان ودراسة تاريخية:
- الملف الأول، الطريق السيار الخاص بالماء «أطوروت الماء»، بما هو «درع المغرب في مواجهة الفيضانات»، نشر بالعدد 1112 من جريدة «الوطن الآن»، بتاريخ 5 من شهر فبراير( شباط) من العام 2026، وهي الجريدة التي يديرها الأستاذ عبد الرحيم أريري مناضل ديموقراطي تقدمي.
- الملف الثاني تطرق لفيضانات الغرب [سهل الغرب] المارد الذي حول القصر الكبير إلى مدينة الأشباح، مقال الأستاذ محمد لغريب المذيل بالسؤال: هل تملك الدولة رؤية استباقية؟ الملف مضمن بجريدة تادلة التي تصدر من مدينة بني ملال، والتي كان يديرها الفقيد محمد الحجام المتوفى قبل ست سنوات، وظل رفاقه أوفياء ملتزمين بخط الجريدة التحريري الذي ينصب حول قضايا التنمية والديموقراطية وحقوق الإنسان.
- المقال تحت عنوان «فيضانات الغرب والقصر الكبير بين ذاكرة التاريخ والحاضر» للدكتورة سعاد زبيطة باحثة في التاريخ، مبثوث في جريدة أخبار الفجر المغربية بتاريخ 5 من شهر فبراير (شباط) من العام 2026.
ويعنينا من الموارد المتوافرة بصدد الفيضان أنه بين الذاكرة والراهنية تطفو المسؤولية على السطح، ويفرض سؤال عريض نفسة: ماذا ينبغي فعله لمواجهة استفحال أهوال الماء؟
«كشفت الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير، وتهدد بشكل كبير مناطق العرائش، وسيدي قاسم، ومشرع بلقصيري، أن هناك فجوة واضحة بين الخطاب العمومي حول الوقاية والتدبير المندمج للمخاطر، وبين ما يتحقق فعليا على الأرض، وهي الفجوة التي حولت في لحظة الفيضانات إلى مأساة إنسانية لا يمكن تبريرها برداءة الطقس»، بهذا الموقف استهلت جريدة «الوطن الآن» ملف الفيضان. معنى ذلك أن لا تناسب بين «فعلية الإجراء» في متن الخطاب العمومي عامة وضمنه الخطاب الحقوقي. فلا سياسة تنصب حول الكوارث الطبيعية، ولا أحد يعتبر منها، بل لا ذاكرة يعتمد عليها في تهيئة المجال بشكل يستحضر الكوارث بالأمس. لا جدال في كون السلطات ملزمة «على إطلاق أكبر عملية إجلاء جماعي بالمنطقة، شملت آلاف السكان المهددين بمحاصرة مياه السيول». ولئن «نجح المغرب عبر تدخلات منسقة بين السلطات المحلية، ومصالح الوقاية المدنية، والقوات المساعدة، والدرك الملكي، في تنفيذ عملية إنقاذ، وإجلاء معقدة، حدت من الخسائر البشرية، وأنقذت أرواح كثيرة، في مشهد عكس جاهزية ميدانية واستجابة سريعة لحالة طوارئ غير مسبوقة» فإن ذلك النجاح لحظي غير مؤسس على تخطيط أو مرجعية. لذلك حدث « مع اتساع رقعة الأضرار في القرى والمداشر المحيطة.... تصاعدت الدعوات المدنية والحقوقية نحو تعميم تصنيف عدد من الأقاليم المتضررة مناطق منكوبة»، ورد ذلك في جريدة ملفات تادلة. ويبدو أن حصر الكارثة في مجالات الأقاليم الإدارية يتنافى والمنطق الجغرافي الذي يقضي توزيع الظاهرة في المجال، مادام الإشكال غير محصور في الحدود الإدارية، وكاد أن يسائل الدولة حول العدالة المجالية، ويختبر بعض المؤسسات الحقوقية في شعارها «فعلية الحق»، الحق في الأمن والحماية الشخصية. والمطلوب «إدراج كل المناطق التي تكبدت الأضرار ذاتها ضمن برامج الدعم والتعويض وإعادة الإعمار»، تضيف الجريدة.
اعتمدت «ملفات تادلة» على تقرير تحليلي صادر عن المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمية «CAESD»، و«الذي قدم خريطة طريق لتعزيز حكامة الماء والشفافية والتدبير». ويستفاد من التقرير الذي أحسن استثماره الأستاذ محمد لغريب ما يلي:
- النجاح المذكور استثناء ظرفي، وليد تعبئة طارئة، «وليس نتيجة وجود منظومة جاهزة أو بنية قانونية صلبة». ولقد جرى كسب الفعل «تحت ضغط زماني، وبغياب دورات إنذار مبكر فعالة، أو خطط تفصيلية جاهزة».
- سجل التقرير «قصور تصريف المياه وضعف تجانس المشاريع الهندسية».
- «غياب قواعد بيانات دقيقة حول المخاطر، واعتماد قرارات ظرفية أكثر من اعتماد منهج علمي مستدام».
وتكاد خلاصات التقرير أن توافق ما أشارت إليه الدكتورة سعاد زبيطة في مقالها المشار إليه، أنه «من الصعب أن يستوعب مغاربة اليوم ما وقع في الأسبوع الأخير»، من شهر يناير (كانون الثاني)، و«يقع في مجموعة مناطق شمال المغرب من غضب الطبيعة وتقلبات مناخية حادة بتوالي سنوات جفاف طويلة تليها فيضانات مفاجئة وسيول». والأمر ليس مفاجئا حسب الباحثة إذا استحضرنا التاريخ، تاريخ صراع السكان مع دورات الطبيعة، وطبيعة مناخ المنطقة متوسطي ساحلي ذي تأثيرات محيطية». والظاهرة «ظاهرة قديمة عرفتها الحضارات والدول المتعاقبة على تاريخ المغرب منذ العهد الفينيقي والروماني وما تلته من دول إسلامية مغربية». وقدمت الدكتورة سعاد إشارات للحسن الوزان (ليون الأفريقي)، وما ورد لدى الرحالة والمكتشفين الأوروبيين وما حوته التقارير العسكرية والمراسلات، وفصلت في ذلك قولا، وأوردت أدلة من القرن التاسع عشر إلى استقلال المغرب من الحماية الفرنسية، دون أن تغفل تاريخ الزمان الراهن في الستينيات من القرن الماضي والسبعينيات، «فيضانات يناير 1970 وبعدها 2009، و2010» لتخلص إلى أن الأمر متصل بالذاكرة، أي: إن «الماء لا ينسى مجراه والطبيعة تستعيد مسارها الأصلي»، و«الأودية تنام ولا تموت». يكمن الإشكال، أيضا، في التغافل عن الاعتناء بالذاكرة، بل «في سوء التعامل مع مخاطر المنطقة والاستقرار بها كأنا استثناء، وليس كجزء من واقع مغربي معروف بتقلباته المناخية».
ولم يدرأ المسؤولون «الزحف العمراني قرب مجاري المياه والأنهار والأودية.... رغم تحذيرات البعثة الفرنسية قبل قرن من الزمان». هنا يلتقي تقرير المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمية (CAESD) والذاكرة. وفضلا عن وجوب الاعتناء بالذاكرة وتجنب التوسع العمراني في مناطق مصنفة حمراء، لزم « تفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية.... بدل انتظار المساطر الطويلة»، عن جريدة ملفات تادلة. و«إطلاق منصات تواصل رسمية لطمأنة السكان، وصرف الدفعة الأولى من التعويضات». وإن «نجاح عملية إنقاذ الأرواح في فيضانات القصر الكبير لا يجب أن يغطي على حقيقة مؤلمة»، مفادها الحاجة إلى نظام وطني قوي لإدارة المخاطر.... والانتقال من التدبير الارتجالي إلى حكامة مبنية على العلم»، وحسبنا، انسجاما مع ورد في جريدة الوطن الآن، «أن غرق الأحياء الشعبية لم يكن مفاجئا لمن يتابع التحولات العمرانية»، عن قرب. فقد لوحظ «التغاضي عن تحذيرات الخبراء، وتأجيل إنجاز مشاريع الحماية من الكوارث أو تنفيذها بشكل جزئي. وتضيف جريدة الوطن الآن، فضلا عن بعد الذاكرة ومحتوى (CAESD)، أن الفيضانات عمقت الإحساس بغياب العدالة المجالية، «وأن السلطة تحضر بعد الكارثة أكثر مما تحضر قبلها». ومن المؤاخذات، أيضا، أوردت «الوطن الآن»، قصور الوقاية الهيكلية وفعالية منظومة الإنذار والاستجابة المحلية، وتداخل المسؤوليات بين الجماعات، والعمالة، والمصالح التقنية، وغياب المقاربة التشاركية كإدماج السكان في منطق الوقاية، وضعف التوعية، وغياب إدماج البعد الاجتماعي في الوقاية. وعلى الرغم من ذلك اظهرت الفيضانات إشكال الحكامة المحلية ودور الجماعة الترابية في تدبير المخاطر. ولا غرو فهذا الإحساس والإدراك «قاد السلطات إلى إعادة التفكير في السياسة العمومية من أساسها.....»، والتركيز على الخطوات التالية:
- التخطيط الاستباقي القائم على المعرفة العلمية.
- جعل أنظمة الرصد المبكر والإنذار تحتل موقعا محوريا في مواجهة الفيضانات.
- اعتماد التدخل الميداني بما هو ركيزة أساسية في السياسة العمومية.
- الانتباه إلى البنية التحتية وبناء السدود وتهيئة مجاري الأودية وإنجاز قنوات تصريف المياه.
- إنجاز مقطع من الطريق السيار المائي يمتد على مسافة 67 كيلومترا لغاية تحويل فائض المياه حوض سبو عبر سد المنع إلى سد سيدي محمد بن عبد الله بحوض أبي رقراق.
ذاك هو شأن الماء في سمة الفيض والمتأرجح بين جهل الذاكرة والسياسة الارتجالية والتدخل العشوائي لإنقاذ الأرواح على وفق ما تقتضيه المقاربة الأمنية المعتمدة في المغرب، وتأسيس الوعي حول ما ينبغي فعله في الحال والمآل على وفق المقاربة التنموية والحقوقية. واعترافا بجدوى الاستفادة والفائدة لزم شكر الأستاذ محمد لغريب عن جريدة ملفات تادلة الوطنية والأستاذ عبد الرحيم أريري مدير جريدة الوطن الآن، والأستاذة سعاد زبيطة التي دفعها حسها بالذاكرة ووعيها التاريخي لإضافة بعد طالما تغافل عنه المهتمون بأهوال الفيضانات.
#لحسن_ايت_الفقيه (هاشتاغ)
Ait_-elfakih_Lahcen#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟