أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي غريب - قراءة في مقولة العروبة الناعمة














المزيد.....

قراءة في مقولة العروبة الناعمة


قصي غريب

الحوار المتمدن-العدد: 8622 - 2026 / 2 / 18 - 19:27
المحور: قضايا ثقافية
    


تكمن إحدى التحديات في العالم العربي ومنه الجمهورية العربية السورية، في فئة من الأكاديميين والمثقفين والصحفيين والكتاب والباحثين الهشين فكرياً والوصوليين سلوكاً، الذين يفتقرون إلى المعايير الأخلاقية الضابطة للعمل المعرفي، ويغلبون المنفعة الذاتية على العلمية والموضوعية دون تفكير بالأضرار التي تلحق بثقافتهم وحضارتهم وبشعوبهم ومجتمعاتهم، فهم يعيشون أسرى مآربهم الشخصية، فضلاً عن عقدة الشعور بالدونية أمام الثقافة المهيمنة عالمياً. فهؤلاء لا يكتفون بالاطلاع على ما ينتجه فكر الآخر، بل يتعاملون معه بوصفه حقيقة معرفية كونية مطلقة يجب الأخذ بها، فينهلون منه كل رأي أو فكرة أو نظرية دون تمحيص، ويسارعون إلى استيرادها وترويجها داخل مجتمعاتهم دون أدنى اعتبار لاختلاف الحالة الثقافية والحضارية بين الشعوب.
فمن الترويج الأعمى لكل ما يصدره فكر الآخر المهيمن، ولا سيما ما يستهدف الإسلام وتشويه منظومته القيمية، انتقل هؤلاء المقلدون اليوم إلى استيراد مفاهيم دخيلة لا رصيد لها في أدبيات المعرفة العربية، ولا تنسجم مع الواقع العربي الراهن، ومن بينها ما سمي بـ ((العروبة الناعمة)).
ويأتي هذا المفهوم محاكاة لمفهوم ((القوة الناعمة)) الذي صاغه المفكر السياسي الأميركي جوزيف ناي عنواناً لكتابه ((القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية))، بوصفها قدرة على تحقيق الأهداف عبر الجاذبية والإقناع بدلاً من الإرغام، وذلك من خلال استثمار جاذبية ثقافة الدولة، وقيمها السياسية، وأخلاقية سياساتها الخارجية.
بيد أن استيراد هذا المفهوم عربياً هو محاولة لترويج معرفة مشوهة توحي ضمناً بوجود عروبة خشنة متهمة ترتكز على أدوات السيطرة والهيمنة، وتستخدم العنف والردع والقهر، وفي هذا موقف سلبي من العروبة ودس عليها، وتبعية فكرية ودونية معرفية وخلط معرفي مضلل بين العروبة بوصفها هوية وانتماء، وبين تجلياتها الحزبية أو أنظمتها السياسية القومية، بينما الحقيقة أن العروبة ماهية ثقافية وحضارية، وعاؤها وحاملها الإسلام، وليست مجرد كيان حزبي أو نظام سياسي قومي.
ومن هذا المنطلق فإن الترويج لمفهوم العروبة الناعمة ليس اجتهاداً فكرياً في تطوير مفهوم العروبة، بل هو نتاج تبعية ودونية وتضليل وإساءة معرفية للعروبة كونها هوية ثقافية وحضارية مرتبطة بالإسلام، وللعرب بصفتهم انتماءً بشرياً وإنسانياً، وهو اختزال متعسف ومشوه لهما، وترديد لمفهوم مستورد صنع في بيئة ثقافية أخرى مختلفة، لا يخدم تغيير الواقع العربي ونهضته بقدر ما يهدف إلى إعادة صياغته وفق معايير لا تخدم خصوصيته الثقافية ولا تعبر عن حقيقته الموضوعية.
إن مواجهة هذه التبعية الفكرية والدونية المعرفية لا تتوقف عند حدود الرفض، بل تقتضي كشف طروحات الفئة الهشة فكرياً والوصولية سلوكاً ودحضها، فهي في الوقت الذي تتنطع فيه لتأسيس معرفة عربية، تزعم أنها لا ترى على سبيل المثال في مصطلح ((الهيرمينوطيقا)) ما يقابله في اللغة العربية، مع أن أصلها يرجع إلى فعل يوناني يعني التأويل والتفسير، كالديمقراطية التي تعني حكم الشعب أو سلطته. وما هذا العجز عن إدراك سعة اللسان العربي إلا تجل لحالة اغتراب عن حقيقة العروبة، تلك التي تشكل في جوهرها انتماءً جامعاً ووعاءً ثقافياً حضارياً حياً يتخذ من الإسلام روحاً ومنبعاً للقيم، وهي إذ تتجاوز طروحات المراهقة الفكرية وتصنيفاتها الطارئة، لا تحتاج بوصفها هوية وثقافة إلى صفات مستوردة كالنعومة أو غيرها لتأكيد حضورها، فهي حقيقة وجودية أصيلة ومكتملة بذاتها.
ولذلك تقع المسؤولية اليوم على عاتق المثقف العربي في صياغة خطاب يفكك هذه التبعية الثقافية ويعالج الشعور بالدونية الفكرية، ويعتز بالذات والهوية والثقافة العربية الإسلامية، ويستوعب معطيات العصر بعقلية راشدة تفرق بين الاستفادة من تجارب الآخرين المعرفية والثقافية الإيجابية، وبين الذوبان في أفكار لا تشبه خصوصية الواقع العربي، لبناء نهضة تنبع من مرجعيته العقدية والفكرية، ولا تتكئ أو تعتمد على هوامش ما ينتجه فكر الآخر ومراكز دراساته الثقافية أو توابعها من المراكز العربية التي تقتات عليها.



#قصي_غريب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا هاجم تنظيم داعش القوات الأميركية في تدمر في هذا التوقي ...
- العلاقة بين الدين والدولة
- مراحل التحولات السياسية في الجمهورية العربية السورية 1946 - ...
- الدولة المدنية بين المبدأ والتوظيف الطائفي: قراءة في الحالة ...
- فرق جوهري بين حق الشعوب في تقرير المصير وحقوق الأقليات
- الثورة المضادة في سورية
- شرعية السلطة الثورية المؤقتة في تمثيل الدولة
- تداعيات الإفراط في المرونة السياسية مع حركات التمرد
- عقل وسلوك استعماري
- البحث عن المكانة والشهرة
- التضليل !
- الايديولوجيا ركن من أركان الدولة
- سوريا ليست دولة أقليات وفسيفساء أو موزاييك!
- الهَذَّاء
- هوية الأغلبية في الدستور لا تعني انتهاك حقوق الأقليات
- شعوبية تتغلف باليسار !
- الدساتير لا تكتب بالرغبات
- الحسكة ودير الزور والرقة أهمية اقتصادية وقيمة بشرية !
- صاحب الهوى
- مشروع اعلان دستوري


المزيد.....




- حريق هائل بأمريكا يلتهم مساحة تعادل مدينة شيكاغو في غضون ساع ...
- بزشكيان: نسعى لإبعاد شبح الحرب عن إيران
- وسط جدل بشأن طبيعة دوره، اجتماع أول لـ -مجلس السلام- في واشن ...
- أحمد الشرع يصدر مرسومًا بالعفو العام.. ما هي الاستثناءات؟
- مـسـلـمـو فـرنـسـا: اخـتـلاف حـول بـدايـة رمـضـان
- إجلاء الآلاف وانقطاع واسع للكهرباء.. عواصف وفيضانات تجتاح عد ...
- اجتماعه الأول غدا.. لماذا لم يجد مجلس السلام إجماعا دوليا رغ ...
- عاجل | البيت الأبيض: ترمب سيعلن في اجتماع مجلس السلام عن تعه ...
- هاتفك يقرأ فمك قبل أن تنطق.. ماذا اشترت آبل من إسرائيل؟
- -الصهيونية عنصرية-.. عريضة حزب الخضر تكسر محرمات لندن السياس ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - قصي غريب - قراءة في مقولة العروبة الناعمة