أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء عدنان عاشور - بين واقعية الدولة الواحدة وأزمة الحكم الفلسطيني














المزيد.....

بين واقعية الدولة الواحدة وأزمة الحكم الفلسطيني


علاء عدنان عاشور
محامي وكاتب وباحث في السياسة والأدب والفلسفة والإقتصاد والقانون .

(Alaa Adnan Ashour)


الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 19:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وأنا أقرأ في جريدة القدس الفلسطينية مقالًا معاد نشره من عام 2019 يتناول فكرة حل الدولة الواحدة، استوقفني الطرح طويلًا؛ إذ أسهب الكاتب في شرح نموذج دولة تقوم على حقوق متساوية للعرب واليهود ضمن كيان سياسي واحد. لم يكن المقال عابرًا، بل أعاد فتح سؤال ظلّ مؤجلًا في الوعي الفلسطيني: ماذا نريد فعلًا؟ وأيّ الحلول أقرب إلى الواقع؟

قد يتهمني البعض بالخيانة العظمى إن قلت إن الفلسطينيين، قبل اتفاقيات أوسلو ومجيء قوات منظمة التحرير إلى الأراضي الفلسطينية، عاشوا وضعًا اقتصاديًا أفضل نسبيًا من حيث فرص العمل والانضباط الإداري وسيادة القانون. لم يكن ذلك واقعًا عادلًا سياسيًا، ولا يمكن تبرئة الاحتلال من جوهره القائم على السيطرة، لكن المقارنة هنا مؤسساتية لا أخلاقية؛ مقارنة بين أداء إداري سابق وواقع مؤسساتي حالي يرزح تحت أعباء الترهل والفساد.

اليوم نعيش بيروقراطية متضخمة، وفسادًا مستشريًا، وانقسامًا سياسيًا أرهق الروح الوطنية قبل أن يرهق الجغرافيا. في غزة، قيادة فصيل تتحمل مسؤولية خيارات مصيرية أدخلت القطاع في كوارث متلاحقة، وفي الضفة قيادة تآكل رصيدها الشعبي لصالح طبقة من المتنفذين والمنتفعين.

الأجهزة الأمنية، التي يفترض أن تكون عماد النظام وحارسة القانون، تحوّلت إلى بنية متخمة بالرتب العسكرية في قوات شرطية بأسلحة خفيفة؛ مئات من الضباط برتب لواء وعميد وعقيد ومقدم ورائد، في مشهد يعكس تضخمًا إداريًا أكثر مما يعكس حاجة مهنية حقيقية. الرواتب مرتفعة، والإنفاق جارٍ، بينما الإنتاجية ضعيفة، والثقة الشعبية تتآكل.

أما ملف الأسرى، الذي كان ينبغي أن يبقى عنوانًا للنضال والتضحية، فقد أثار جدلًا واسعًا في الشارع الفلسطيني. لسنوات طويلة تقاضى بعض الأسرى رواتب مرتفعة وامتيازات مالية معتبرة، حتى شاع في الوعي العام أن بعضهم أصبح مالكًا لعقارات وهو داخل السجن، وأن الخارجين منهم يحصلون على وظائف وامتيازات ورواتب مستمرة مدى الحياة. وعندما يخرج بعضهم من السجن، تستحوذ عليهم حسابات المال والوظيفة والامتيازات، فيتراجع حضور الوطن في خطابهم وسلوكهم، ويصبح النضال ذكرى أكثر منه مشروعًا مستمرًا. هذا الواقع — سواء في حجمه الفعلي أو في صورته المتداولة شعبيًا — أحدث شرخًا أخلاقيًا في فهم العدالة الاجتماعية، وأضعف صورة القضية في أعين كثيرين.

ومؤخرًا جاءت ترتيبات جديدة لإعادة هيكلة هذا الملف، مع إنشاء مؤسسة تمكين كخطوة إصلاحية متأخرة لضبط الرواتب وربطها بمعايير اجتماعية واقتصادية أكثر عدالة وشفافية، في محاولة لمعالجة التشوهات السابقة وفصل البعد الاجتماعي عن الاستخدام السياسي للملف. غير أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بالقرارات الإدارية وحدها، بل بمدى استعادة الثقة العامة وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة بين أبناء الشعب الواحد.

إسرائيل كمؤسسة حكم :
رغم أنها تقع جغرافيًا في الشرق الأوسط، تُدار إسرائيل بعقلية دولة ذات مؤسسات غربية: انتخابات دورية، تداول سلطة، قضاء فاعل، وآليات لمكافحة الفساد — بطبيعة الحال حين يتعلق الأمر بالمواطن الإسرائيلي. وفي المقابل، يدرك الجميع طبيعة النظام التمييزي الذي يُمارَس بحق الفلسطينيين.

غير أن السؤال الواقعي الذي يطرح نفسه: هل يمكن توظيف التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي لصالح مقاربة سياسية جديدة؟ هل يمكن مخاطبة اليسار ويمين الوسط بلغة المصالح المشتركة والحوار والدبلوماسية بدل الاكتفاء بمنطق الصدام؟

بين الدولتين والدولة الواحدة :
إذا كان حل الدولتين ما يزال مطروحًا وفق قرارات الأمم المتحدة، وإن تحدّث عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سياقات سياسية مختلفة، فإن قبوله فلسطينيًا مشروط بإصلاح داخلي جذري. لا يمكن لدولة أن تقوم على أسس مهترئة. المطلوب قيادة تكنوقراطية منتخبة، غير مرتهنة للفصائل، قادرة على بناء مؤسسات كفؤة واقتصاد منتج ونظام مساءلة حقيقي. هذا ليس ترفًا فكريًا، بل شرط بقاء.

لكن الوقائع على الأرض تزداد تعقيدًا. قرارات الكابينيت الأخيرة، وتغوّل السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، خاصة في مناطق (أ) و(ب)، جعلت من أوسلو واتفاقية الخليل إطارين شبه منتهيين. نحن أمام ضمّ فعلي متدرج، وتوسّع استيطاني، وتكريس لوقائع يصعب التراجع عنها. وغزة التي دُمّرت عن بكرة أبيها تقف شاهدًا على عمق المأزق.

في ظل هذه المعطيات، قد تصبح الدولة الواحدة واقعًا يُفرض بالقوة القاهرة لا بالاختيار الحر. وهنا يبرز سؤال: إن كانت الدولة الواحدة قادمة بحكم الأمر الواقع، فهل تكون دولة مساواة أم دولة تراتبية دائمة؟

المشهد السياسي الإسرائيلي بدوره ليس ثابتًا. أسماء مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير تمثل تيارًا متشددًا، فيما يظل بنيامين نتنياهو لاعبًا أساسيًا رغم عدم حسمه الدائم للعتبة اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة وفق استطلاعات الرأي. غير أن التحولات داخل المجتمع الإسرائيلي، وصعود قوى أكثر براغماتية في بعض المراحل، يفتحان نافذة — ولو ضيقة — لإعادة التفكير في مسارات الحل.

الواقعية كخيار لا كاستسلام :
كثير من الفلسطينيين باتوا أكثر واقعية وبراغماتية. لم يعد الخطاب الأيديولوجي الصرف يقنع أحدًا، بل البحث عن حلول تحفظ الحقوق الواقعية والمشروعة ضمن ميزان قوى مختل. غير أن الواقعية لا تعني الاستسلام، بل تعني إعادة ترتيب الأولويات: إصلاح الداخل أولًا، بناء مؤسسات قوية، إنتاج نخبة سياسية جديدة، وتفعيل وعي جمعي يدرك تعقيدات الجغرافيا والسياسة معًا.

إما أن نذهب إلى حل الدولتين وفق إطار قانوني دولي واضح، وإما أن نفرض — أو يُفرض علينا — نموذج الدولة الواحدة، وفي هذه الحالة لا بد من نضال سياسي ودستوري طويل لضمان مساواة كاملة غير منقوصة.

القضية لم تعد فقط قضية حدود، بل قضية حكم رشيد.
ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: أيّ حل نريد؟
بل: هل نحن مستعدون لبناء نموذج حكم يستحق أن يُدافع عنه؟



#علاء_عدنان_عاشور (هاشتاغ)       Alaa_Adnan_Ashour#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السعودية وإتفاقيات أبراهم
- تموجات أزلية
- العاشق الناضج
- نرجيلة السعادة
- أحبها وهي لا تدري
- رسمة بقلم رصاص
- أردوغان من إمام المستضعفين إلى رهينة المصالح ، غزة تكشف زيف ...
- قراءة نقدية لكتاب كن جريئا للكاتب المغمور همام طوباسي .
- ماذا أفعل في حياتي ؟؟؟
- الحب مدرسة ....
- رسالة إلى برجوازية فتية .
- تنظيم النسل ضرورة وطنية لا ترف فكري
- في حضرة الطغيان
- في غزة ....
- الإسلام السياسي ومعضلة الأمن القومي العربي .
- بين وهم الجهاد والانتحار الجماعي: من يسرق الحياة من الفلسطين ...
- ال ثقافة استعراض: عندما تصبح الكتابة زيًّا اجتماعيًا
- نعيق النوارس
- هل تحتاج فلسطين إلى عملة وطنية؟ المفاضلة بين السيادة النقدية ...
- السياسة أولا ولتذهب المحاماة للجحيم .


المزيد.....




- الذكاء الاصطناعي: كيف يمكن الموازنة بين فوائده والمخاوف المج ...
- الجيش الأمريكي ينسحب من قاعدتين في سوريا، ماذا نعرف عنهما؟
- بعد إزاحة مادورو.. ماتشادو تتوقع سقوط حليفتي فنزويلا الإقلي ...
- العلاقات عبر الأطلسي.. مؤتمر ميونيخ يكشف خطوط الصدع الجديدة ...
- قطاع غزة: 11 قتيلا على الأقل في ضربات إسرائيلية
- نتنياهو يشدد على ضرورة تفكيك البرنامج النووي الإيراني مع است ...
- -ثورة استيطانية-.. ماذا يعني قرار إسرائيل تسجيل وتسوية أراضي ...
- الرجل وضغوط رمضان.. عندما تصطدم -قيمة الكرم- بحدود الدخل
- عضو بالكنيست ومستوطنون يقتحمون الأقصى وإبعاد 8 فلسطينيين عنه ...
- -كأن الحصار لم يرفع-.. سكان كادوقلي في السودان يفقدون الأمل ...


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علاء عدنان عاشور - بين واقعية الدولة الواحدة وأزمة الحكم الفلسطيني