فؤاد أحمد عايش
كاتب وروائي أردني
(Fouad Ahmed Ayesh)
الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 23:01
المحور:
قضايا ثقافية
ليست روسيا مجرد دولة تمتد على نصف الكرة الأرضية، ولا مجرد قوة سياسية تتصدر نشرات الأخبار، بل هي قبل كل شيء تجربة إنسانية كاملة، تختلط فيها القسوة بالجمال، والصمت بالحكمة، والتاريخ بالإرادة.
من يقرأ عن روسيا من بعيد قد يراها باردة، صارمة، مغلقة، لكن من يقترب منها يكتشف أن هذا البرد ليس إلا قناعًا لدفء عميق، وأن الصرامة ليست قسوة بل انضباط، وأن الصمت الروسي الطويل هو لغة أخرى للتأمل والصبر.
روسيا أمة لا تعيش على هامش التاريخ، بل تسكنه. من القياصرة إلى الثورة، ومن الحرب العالمية إلى مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي، تشكّل وعي الإنسان الروسي في ظل صراعات وجودية جعلته شديد الارتباط بفكرة الدولة، والسيادة، والاستقلال.
التاريخ في روسيا ليس ماضيًا يُنسى، بل حاضرًا يُحترم. ولهذا يفهم الروسي دولته لا كجهاز إداري، بل كـكيان أخلاقي يجب الدفاع عنه، حتى في أصعب الظروف.
الأدب الروسي ليس ترفًا ثقافيًا، بل مرآة للروح.
دوستويفسكي لم يكن روائيًا فقط، بل قاضي ضمير، وتولستوي لم يكتب عن الحرب والسلام، بل عن الإنسان حين يُمتحن.
في روسيا، الثقافة لا تُستهلك، بل تُعاش.
المسرح، الموسيقى الكلاسيكية، الشعر، وحتى النقاشات اليومية، تحمل بُعدًا فلسفيًا نادرًا في عالمٍ أصبح سريعًا وسطحيًا.
أكثر ما يلفت الانتباه في روسيا هو الإنسان. قد يبدو قليل الكلام، لكنه حين يتحدث يكون صريحًا. لا يجيد المجاملة الزائدة، لكنه يحترم الجدية والعمل والالتزام.
الإنسان الروسي لا يمنح ثقته بسهولة، لكنه إذا منحها كان وفيًا. وهذه الصفة تحديدًا هي ما جعلت روسيا تصمد عبر قرون من الحروب والعقوبات والانقسامات.
في عالمٍ تتنازل فيه دول كثيرة عن هويتها مقابل القبول الخارجي، تصر روسيا على أن تكون نفسها.
قد يختلف البعض معها، لكن لا يمكن إنكار أنها دولة تمتلك رؤية ذاتية واضحة، وتؤمن بحقها في اختيار طريقها.
السيادة في روسيا ليست شعارًا سياسيًا، بل قناعة ثقافية متجذرة في الوعي الجمعي.
العيش أو الدراسة في روسيا لا يغيّر المكان فقط، بل يغيّر الإنسان. يتعلّم المرء الصبر، احترام الوقت، قيمة القانون، ومعنى أن تكون الدولة فكرة قبل أن تكون سلطة.
روسيا لا تمنحك نفسها بسهولة، لكنها إذا فعلت، غيّرت نظرتك للعالم.
روسيا ليست كما تُقدَّم في الإعلام المختزل،
ولا كما يتصورها من لم يقرأ تاريخها ولم يسمع صوت مثقفيها.
إنها دولة تُفهم بالعقل، وتُحترم بالإرادة،
وتُحبّ حين تُعرف من الداخل.
#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)
Fouad_Ahmed_Ayesh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟