أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - فؤاد أحمد عايش - القانون كثقافة: كيف تعلّمت فهم روسيا من قاعات الدراسة لا من نشرات الأخبار














المزيد.....

القانون كثقافة: كيف تعلّمت فهم روسيا من قاعات الدراسة لا من نشرات الأخبار


فؤاد أحمد عايش
كاتب وروائي أردني

(Fouad Ahmed Ayesh)


الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 14:15
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


لم أصل إلى روسيا محمّلًا فقط بحقائب السفر، بل محمّلًا أيضًا بتصوّرات جاهزة عن دولة كثيرًا ما قُدّمت لنا في الإعلام على أنها قاسية، مغلقة، ومهووسة بالسلطة. كنت أظن أنني قادم لدراسة القانون في بلد قوي سياسيًا، لكنني لم أكن أدرك أنني سأدخل في تجربة أعمق بكثير: تجربة فهم القانون بوصفه ثقافة، لا مجرد نصوص.

منذ الأيام الأولى، بدأت ألاحظ أن القانون في روسيا لا يُحصر في قاعات المحاضرات أو في صفحات الدساتير الروسية، بل يتجلّى في تفاصيل الحياة اليومية: في احترام الوقت، في صرامة الإجراءات، في طريقة مخاطبة المؤسسات الحكومية والخاصة، وحتى في نظرة الناس إلى الدولة نفسها. هنا، لا يُنظر إلى القانون كعبء مفروض، بل كإطار ضروري لحماية الكيان الجماعي.

كطالب قانون، كنت معتادًا على النظر إلى القانون باعتباره منظومة قواعد تُحفظ وتُفسَّر. لكن التجربة الروسية كشفت لي بعدًا آخر: (القانون كذهنية عامة). في الجامعات الروسية، لا يقتصر التعليم القانوني على تلقين المواد، بل يركّز على بناء عقلية قانونية منضبطة، تؤمن بأن النظام ليس عدوًا للحرية، بل شرطًا من شروطها.

الطالب يُطالَب بالجدية، بالالتزام، وباحترام التسلسل الأكاديمي. الأستاذ ليس مجرد ناقل معرفة، بل ممثل لهيبة العلم والنظام. هذه الصرامة، التي قد يراها البعض قسوة، هي في الحقيقة انعكاس لرؤية أوسع: الدولة لا تقوم على العاطفة، بل على المؤسسات.

لفهم القانون الروسي، لا بد من فهم الثقافة الروسية ذاتها. روسيا دولة تشكّلت عبر قرون من الصراعات، الغزوات، والانكسارات، ما جعل فكرة الدولة القوية مسألة وجودية لا ترفًا فكريًا. في الوعي الجمعي الروسي، الدولة ليست خصمًا يجب كسره، بل كيانًا يجب الحفاظ عليه، حتى لو تطلّب الأمر تضحيات فردية. هذا لا يعني غياب النقد أو التنوع الفكري، بل يعني أن هناك إجماعًا غير مكتوب على أولوية الاستقرار. ومن هنا، يصبح القانون أداة حماية، لا وسيلة قمع كما يُصوَّر خارجيًا في كثير من الأحيان.

لم تكن التجربة سهلة. اللغة، الطقس، النظرة الاجتماعية، وحتى أسلوب التعليم كلها تحديات يومية. شعرت أحيانًا أنني غريب داخل منظومة لا تشبه ما اعتدته في العالم العربي. لكن مع الوقت، بدأت أفهم أن الصعوبة ليست في روسيا، بل في الانتقال من ثقافة قانونية هشة إلى ثقافة قانونية صلبة جدا. في روسيا، لا مكان كبيرًا للارتجال. الإجراءات واضحة، والعواقب معروفة، والالتزام ليس خيارًا بل قاعدة. هذا الانضباط علّمني أن القانون لا يكون فعّالًا إلا إذا كان محترمًا اجتماعيًا، لا مجرد نص يُستدعى عند الحاجة.

في كثير من دول الشرق الأوسط، يُنظر إلى القانون بوصفه مشروعًا مؤجلًا أو شعارًا سياسيًا. نتحدث عنه كثيرًا، لكننا نمارسه قليلًا. أما في روسيا، فالقانون ليس خطابًا، بل ممارسة يومية، حتى وإن اختلفنا مع بعض تطبيقاته.

الفرق الجوهري ليس في وجود القوانين، بل في الإيمان بها. حين يؤمن المجتمع بأن القانون هو أساس الدولة، يصبح تطبيقه مسألة طبيعية، لا صراعًا دائمًا بين السلطة والمجتمع.

ما الذي تعلّمته من روسيا، وهذا هو الشيء المهم في حياتي؟
تعلّمت أن الدولة ليست مجرد حكومة، وأن القانون ليس مجرد عدالة مثالية.
تعلّمت أن الواقعية السياسية ليست نقيضًا للأخلاق، بل محاولة لحمايتها في عالم غير مثالي.
وتعلّمت أن احترام الدولة لا يعني التخلي عن التفكير، بل فهم السياق التاريخي والثقافي الذي أنتجها.

روسيا لم تغيّر قناعاتي فقط، بل غيّرت أدوات تفكيري. جعلتني أدرك أن القانون لا يُستورد جاهزًا، بل يُبنى من داخل الثقافة، من الذاكرة الجماعية، ومن التجربة التاريخية.

لم أفهم روسيا من نشرات الأخبار ووسائل الإعلام، ولا من التحليلات السطحية، بل من خلال دراسة القانون والعيش داخل المجتمع.

هنا أدركت أن القانون ليس حيادًا مطلقًا، بل مرآة لهوية الدولة. وأن الدولة القوية لا تُبنى بالشعارات، بل بالانضباط، والصبر، والإيمان بالمؤسسات.

بالنسبة لي، كانت روسيا مدرسة فكرية قبل أن تكون محطة دراسية. مدرسة علّمتني أن أفهم العالم لا كما أريده أن يكون، بل كما هو ثم أفكّر في كيفية تغييره بوعي، لا بوهم.



#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)       Fouad_Ahmed_Ayesh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدبلوماسية الروسية من أجل السلام
- أنطون تشيخوف: سيد المسرح الروسي والروح الإنسانية
- ليف تولستوي: عبقري الرواية الروسية وصوت الإنسانية
- قلعة بطرس وبولس _ سانت بطرسبرغ
- فيودور دوستويفسكي: حين يتحوّل الأدب إلى محكمة للروح الإنساني ...
- تجربتي في دراسة القانون الروسي
- بحيرة بايكال: حين تتجلّى روح روسيا في الماء
- صناعة السلام الثقافي كأداة لحفظ الذاكرة التاريخية
- مبادرة مُمكّن للغة العربية
- الدبلوماسية الثقافية العربية في القرن الحادي والعشرين
- ألكسندر سيرغييفيتش بوشكين
- مبادرة مُمكّن للغة العربية تنطلق قريبًا لدعم اللغة العربية و ...
- ثلج موسكو … عندما تتحول المدينة إلى قصيدة بيضاء
- الثقافة والدبلوماسية الإنسانية: لغة الحوار بين الشعوب
- أهمية الحوار الثقافي ودور مبادرة الجسر الثقافي الروسي العربي
- لغة الحوار الثقافي: الجسر الثقافي الروسي العربي
- أهمية اللغة العربية في زمن التحوّلات العالمية
- المنهج القانوني الروسي في رحم الأزمات
- الإعلام الغربي وروسيا ، أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ التضليل ...
- أهمية العلاقات الثقافية الروسية


المزيد.....




- نجل مروان البرغوثي يدعو بريطانيا لدعم مطالب الإفراج عن والده ...
- وول ستريت جورنال: الحصار الأمريكي يخنق الحياة في كوبا
- رئيس تايوان: نرفض أن نكون -ورقة مساومة- بين بكين وواشنطن
- ماذا قال آبي أحمد عن لقاء وزير خارجية السعودية؟
- تصاعد الضغوط على موانئ دبي العالمية إثر مزاعم بارتباط رئيسها ...
- مجلس النواب الأمريكي يرفض رسوم ترمب على كندا
- إسرائيل تفوض مليشيا أبو شباب تفتيش المسافرين في معبر رفح
- الحكومة اللبنانية تناقش المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح ال ...
- طحنون بن زايد يبحث مع رئيسة شركة -ميتا- فرص التعاون
- الإمارات ترسخ مكانتها كأحد أبرز قادة الذكاء الاصطناعي عالميا ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - فؤاد أحمد عايش - القانون كثقافة: كيف تعلّمت فهم روسيا من قاعات الدراسة لا من نشرات الأخبار