فؤاد أحمد عايش
كاتب وروائي أردني
(Fouad Ahmed Ayesh)
الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 09:10
المحور:
قضايا ثقافية
لا يُقرأ فيودور دوستويفسكي بوصفه روائيًا فقط، بل يُواجَه بوصفه تجربة فكرية وأخلاقية عميقة. فكتاباته ليست حكايات تُروى للتسلية، بل محاكمات داخلية تُجرى في أعماق النفس البشرية. لقد جعل دوستويفسكي من الأدب ساحةً لمساءلة الإيمان، والحرية، والذنب، والعدالة، حتى أصبح أحد أكثر الكتّاب تأثيرًا في الوعي الإنساني الحديث.
ينطلق دوستويفسكي من سؤال جوهري: ماذا يحدث للإنسان عندما يُترك وحيدًا أمام حريته؟
في عالمه الروائي، لا توجد شخصيات بسيطة أو أحادية، بل نفوس متصارعة، ممزقة بين الخير والشر، بين العقل والإيمان، وبين الرغبة والواجب. الإنسان عنده ليس كائنًا مثاليًا، بل مشروع سقوط ونهوض دائمين، وهو ما يمنح أعماله صدقًا إنسانيًا نادرًا.
احتلّ الألم مكانة مركزية في تجربة دوستويفسكي الشخصية والفكرية. فقد عرف السجن، والمنفى، والفقر، والمرض، ما جعله يؤمن بأن المعاناة ليست عبثًا، بل طريقًا لفهم الذات والآخر. في رواياته، لا يُقدَّم الألم كعقاب، بل كاختبار أخلاقي يكشف جوهر الإنسان، ويضعه أمام مسؤوليته الكاملة عن أفعاله.
يطرح دوستويفسكي رؤية عميقة للحرية، لا بوصفها حقًا مطلقًا، بل عبئًا ثقيلًا. فالحرية غير المنضبطة، في نظره، قد تقود إلى الفوضى الداخلية، وإلى تبرير الجريمة باسم العقل أو المصلحة. ولهذا نجد في أعماله محاكم غير رسمية، حيث يُحاكَم الإنسان من ضميره قبل أن يُحاكَم من القانون.
لم يكن دوستويفسكي كاتبًا دعويًا، لكنه كان منشغلًا بالسؤال الإيماني بعمق استثنائي. فقد صوّر الصراع بين الإيمان والشك لا كمعركة فكرية مجردة، بل كصراع وجودي يمزّق الروح. شخصياته لا تؤمن بسهولة، ولا تكفر بسطحية، بل تعيش التوتر الدائم بين الحاجة إلى الله والخوف من الصمت الإلهي.
يُعد دوستويفسكي أحد أبرز المعبّرين عن الروح الروسية، لا من خلال تمجيد الدولة أو التاريخ، بل عبر الغوص في الإنسان الروسي البسيط، ومعاناته، وأسئلته الوجودية. لقد قدّم رؤية حضارية ترى أن قوة الأمة لا تُقاس بالقوة المادية وحدها، بل بقدرتها على مواجهة أسئلتها الأخلاقية بصدق.
إن قراءة فيودور دوستويفسكي ليست تجربة مريحة، لكنها تجربة ضرورية. فهو كاتب يُقلق القارئ، ويضعه أمام مرآة لا ترحم، لكنه في الوقت ذاته يفتح باب الخلاص عبر الفهم والمسؤولية. ولهذا يبقى دوستويفسكي كاتبًا معاصرًا في كل زمان، لأن أسئلته لم تفقد حدّتها، ولأن الإنسان ما زال، حتى اليوم، يبحث عن معنى لحرّيته وألمه.
#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)
Fouad_Ahmed_Ayesh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟