فؤاد أحمد عايش
كاتب وروائي أردني
(Fouad Ahmed Ayesh)
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 11:11
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
لم تكن دراسة القانون بالنسبة لي مجرد اختيار أكاديمي، بل كانت قرارًا مصيريًا شكّل مسار حياتي وفكري. دخلت هذا المجال وأنا مدفوع بإيمان عميق بأن القانون ليس نصوصًا جامدة، بل أداة لتنظيم العدالة، وحماية الدولة، وصون كرامة الإنسان. غير أن الطريق لم يكن سهلًا، فقد وجدت نفسي منذ البداية أمام تحديات فكرية وإنسانية قاسية، جعلت من دراسة القانون تجربة وجودية بقدر ما هي علمية.
منذ الأيام الأولى لدراسة القانون، أدركت أن هذا العلم يتطلب عقلًا منضبطًا وصبرًا طويلًا. كثافة المواد، ودقة المصطلحات، والالتزام الصارم بالتحليل القانوني، شكّلت صدمة حقيقية لي. لم يكن الحفظ وحده كافيًا، بل كان المطلوب فهم النص، وربطه بالسياق التاريخي والسياسي، واستيعاب فلسفته العميقة. هنا بدأت أولى المواجهات مع نفسي: هل أملك القدرة على الاستمرار؟
مع مرور الوقت، تحوّلت دراسة القانون من عبء ثقيل إلى مدرسة فكرية. تعلّمت كيف أفكّر بمنطق، وكيف أوازن بين النص والواقع، وبين العدالة المجردة ومصلحة الدولة. القانون علّمني أن الحقيقة ليست دائمًا بسيطة، وأن الحكم السليم يحتاج إلى رؤية شاملة ومسؤولية أخلاقية عالية. لقد غيّر القانون طريقة نظري إلى العالم، وإلى السلطة، وإلى الإنسان.
لم تكن الصعوبات أكاديمية فقط، بل رافقتها تحديات إنسانية ونفسية. الغربة، وضغط الدراسة، والشعور الدائم بارتفاع سقف التوقعات، كلها عوامل اختبرت قدرتي على الصمود. ومع ذلك، أدركت أن القانون لا يُدرَس في ظروف مثالية، بل في قلب الواقع بكل تعقيداته، وأن المحامي أو القانوني الحقيقي هو من يستطيع الوقوف ثابتًا تحت الضغط.
كلما تعمّقت في دراسة القانون، ازداد إحساسي بالمسؤولية. فالقانون يمنح صاحبه سلطة معرفية خطيرة، يمكن أن تُستخدم لحماية الحق أو لتبرير الظلم. هذه الفكرة جعلتني أكثر وعيًا بدوري المستقبلي، وأكثر حرصًا على أن يكون طموحي المهني مرتبطًا بالقيم، لا بالمصلحة الضيقة فقط.
إن تجربتي في دراسة القانون الروسي ما زالت مستمرة، لكنها شكّلتني إنسانيًا وفكريًا قبل أن تشكّلني مهنيًا. لقد اخترت طريقًا صعبًا، لكنه طريق يستحق العناء، لأنه يصنع إنسانًا قادرًا على الفهم، والمسؤولية، والدفاع عن الحق في عالم معقّد. وأؤمن اليوم أكثر من أي وقت مضى أن القانون، حين يُدرَس بوعي وضمير، يصبح رسالة لا مجرد شهادة.
#فؤاد_أحمد_عايش (هاشتاغ)
Fouad_Ahmed_Ayesh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟