أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدو اللهبي - حين يدفع الأثرياء ثمن تحالفهم مع الشعبوية: ترامب نموذجًا














المزيد.....

حين يدفع الأثرياء ثمن تحالفهم مع الشعبوية: ترامب نموذجًا


عبدو اللهبي
(Abdo Allahabi)


الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 04:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن دعم شريحة واسعة من الأثرياء ورجال الأعمال في الولايات المتحدة لدونالد ترامب تعبيرًا عن قناعة أيديولوجية أو إيمانًا برؤيته السياسية، بقدر ما كان تحالفًا نفعيًا مؤقتًا، قائمًا على مصالح مالية مباشرة. تخفيضات ضريبية، تقليص القيود التنظيمية، وتحرير السوق من تدخل الدولة؛ تلك كانت العناوين التي جذبت رأس المال إلى معسكر ترامب. غير أن هذا التحالف، الذي بدا في لحظته صفقة رابحة، سرعان ما كشف عن خلل بنيوي عميق، دفع الأثرياء أنفسهم إلى دفع ثمن سياسي واقتصادي باهظ.
تعامل ترامب مع الاقتصاد الأمريكي بعقلية رجل الصفقات لا بعقلية رجل الدولة. فالسياسات الاقتصادية لم تُصغَ ضمن رؤية شاملة طويلة الأمد، بل جاءت كردود أفعال آنية، غالبًا مدفوعة برغبة في إرضاء القاعدة الانتخابية أو تصفية حسابات سياسية. هذا النمط من الحكم، القائم على المفاجأة وعدم القابلية للتنبؤ، خلق مناخا اقتصاديًا مضطربًا، لا يتناسب مع متطلبات الأسواق العالمية التي تحتاج إلى الاستقرار والوضوح والحرية.
الأثرياء الذين راهنوا على ترامب افترضوا أن الفوضى السياسية يمكن احتواؤها، وأن تأثيرها سيبقى محصورًا في الخطاب، لا في البنية الاقتصادية. لكن الواقع أثبت أن غياب الاستقرار السياسي يترجم سريعًا إلى تراجع في الثقة الاستثمارية، وإلى اهتزاز في الأسواق، حتى لو ترافقت تلك السياسات مع تخفيضات ضريبية مغرية.
مثلت الحروب التجارية، خصوصًا مع الصين والاتحاد الأوروبي، إحدى أكثر السياسات الترامبية تكلفة. فبدل أن تعيد هذه الحروب التوازن التجاري كما وُعِد الأمريكيون، أدت إلى نتائج عكسية. الرسوم الجمركية رفعت أسعار المواد الخام، وأثقلت كاهل الصناعات المحلية، ودفعت الشركات إلى البحث عن بدائل خارج الولايات المتحدة لتقليل الخسائر.
كما تضررت الزراعة الأمريكية بشكل مباشر، بعدما فقدت أسواقًا رئيسية نتيجة السياسات الانتقامية للدول المتضررة. المزارعون الذين شكّلوا جزءًا مهمًا من القاعدة الانتخابية لترامب، وجدوا أنفسهم بحاجة إلى دعم حكومي لتعويض خسائر سبّبتها سياسات يفترض أنها جاءت لحمايتهم.
لم تكن الخسائر محصورة في الشركات الكبرى، بل امتدت إلى الولايات الأمريكية نفسها. الولايات الصناعية والزراعية، التي عانت أصلًا من آثار العولمة، لم تستفد من الخطاب القومي الاقتصادي بقدر ما تضررت منه. إغلاق المصانع، تقليص الوظائف، وتراجع الإيرادات الضريبية المحلية، كلها عوامل زادت من هشاشة الاقتصادات المحلية، وفاقمت الفجوة بين الوعود السياسية والواقع المعيشي.
في كثير من الحالات، أدّى عدم الاستقرار إلى هروب الاستثمارات بدل عودتها، وهو عكس ما رُوِّج له في الحملات الانتخابية.
شكّلت الهجرة أحد أعمدة الخطاب الترامبي، لكن تحويلها إلى سياسة أمنية صارمة كانت له كلفة اقتصادية مباشرة. ملاحقات شرطة الهجرة خلقت حالة من الخوف وعدم اليقين في قطاعات تعتمد بشكل كبير على العمالة المهاجرة. الزراعة، البناء، الخدمات، والرعاية الصحية، كلها قطاعات شهدت نقصًا حادًا في الأيدي العاملة.
المفارقة أن الشركات التي دعمت هذا الخطاب، أو سكتت عنه، وجدت نفسها لاحقًا عاجزة عن ملء الوظائف الشاغرة، ما أدى إلى تراجع الإنتاجية وارتفاع التكاليف. هنا، تحوّل الخطاب الشعبوي من أداة سياسية إلى عامل اختناق اقتصادي.
على الصعيد الدولي، ساهمت سياسات ترامب في تآكل موقع الولايات المتحدة كشريك موثوق. العلاقات مع كندا، أحد أهم الحلفاء التجاريين، دخلت مرحلة من التوتر. الاتحاد الأوروبي، الذي طالما شكّل ركيزة أساسية في النظام الاقتصادي الغربي، بدأ يبحث عن بدائل استراتيجية تقلل من الاعتماد على واشنطن.
في هذا السياق، لم يكن تقارب بعض الدول الأوروبية مع الصين خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان ضرورة اقتصادية. فحين تصبح الولايات المتحدة شريكًا غير مستقر، يصبح تنويع الشراكات خيارًا عقلانيًا، حتى لو كان مع خصم استراتيجي سابق.
حتى الشركات التكنولوجية العملاقة، التي يُفترض أنها أكثر قدرة على التكيّف، بدأت تشعر بثقل هذه التحولات. فشركات مثل تسلا وسبيس إكس تعتمد على أسواق عالمية، وعلى علاقات دولية مستقرة، وعلى سلاسل توريد معقدة لا تتحمل الصدام السياسي المستمر.
تكشف تجربة ترامب حقيقة غالبًا ما يتم تجاهلها: الشعبوية لا تخدم رأس المال على المدى الطويل. صحيح أنها قد توفر مكاسب آنية، لكنها في جوهرها معادية للمؤسسات، وللاستقرار، وللقواعد التي يحتاجها الاقتصاد الحديث.
الأثرياء الذين دعموا ترامب لم يخسروا لأنهم لم يفهموا الاقتصاد، بل لأنهم أساؤوا تقدير السياسة. ظنّوا أن الشعبوية يمكن توظيفها ثم احتواؤها، لكنها بطبيعتها قوة انفلات، لا تعرف حدودًا، ولا تميّز بين الخصوم والحلفاء.
خاتمة
ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة رئيس مثير للجدل، بل أزمة نموذج سياسي واقتصادي كامل، يقوم على مقايضة خطيرة بين المال والخطاب الراديكالي. هذه المقايضة قد تنجح انتخابيًا، لكنها تفشل تاريخيًا.
والدرس الأوضح من تجربة ترامب هو أن الاقتصاد لا يمكن أن يزدهر في بيئة سياسية تقوم على الخوف، والانقسام، وعدم اليقين، مهما كانت التخفيضات الضريبية مغرية..!!!



#عبدو_اللهبي (هاشتاغ)       Abdo_Allahabi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليمين المتطرف: الخطر الذي يولد داخل الديمقراطيات الحديثة
- حين يصوّت المهاجر ضد نفسه: تحالف قاتل مع اليمين الأمريكي
- الترمبية: ظاهرة اجتماعية ونفسية تعيد تشكيل أمريكا
- بين الأخلاق والسياسة: مأزق الهوية عند العربي الأمريكي
- العلمانية: من تراثنا المهمل إلى معركتنا المؤدلجة
- الشعوب العربية وأزمة الوعي السياسي: الخوف، الدين، والإستسلام ...
- ترامب والحرب التجارية: من القوة إلى العزلة الاقتصادية..!
- العقل العربي والطائفية: إشكالية المثقف بين الإرث والتحديث
- لماذا تستبدل الشعوب العربية الأنظمة الديكتاتورية بأخرى إسلام ...
- وقوع الأحزاب الليبرالية الغربية في فخ العنصرية تجاه القضية ا ...
- فشل أحزاب اليسار في العالم العربي.. وكيف يمكنها أعادت صياغت ...
- العلمانية هي نتاج التراث الفلسفي العربي والاسلامي قديماً..أه ...
- علاقة الشعوب مع الإستبداد السياسي، ورهانها على حرية لاتعرف م ...
- محاولات الفلسفة النهوض بالفكر الديني قديماً على يد أبن عربي ...
- استبدال الديكتاتوريات العسكرية بجماعات الإسلام السياسي والمي ...
- عند باب سجن (صيدنايا)
- تهديد المهاجرين لبقاء الغرب على ديمقراطيته وليبراليته..ودعمه ...
- مشروع 2025 المخاطر والتحديات التي يواجهها المجتمع الأمريكي و ...
- الإنتخابات الأمريكية، وإنتقال العرب الأمريكيين من الإنتماء ا ...
- العنصرية..بين الموروث ومتطلبات العصر..


المزيد.....




- لقاء مرتقب بين نتنياهو وترامب لبحث -ملف إيران-، وويتكوف من ط ...
- قتلى بانهيار جليدي بإيطاليا وعواصف قاسية تضرب إسبانيا والبرت ...
- مظاهرات في برلين وباريس تنديدا بالجرائم الإسرائيلية بغزة
- الدانمارك: موقفنا بات أقوى لكن أزمة غرينلاند لم تُحل بعد
- انتخابات مبكرة في اليابان.. وترجيحات بتعزيز موقع تاكايشي
- استقالة ناشر واشنطن بوست بعد أيام من تسريح ثلث موظفي الصحيفة ...
- لماذا أثار مقترح بإنشاء بنك للأنسجة البشرية والتبرع بالجلد ج ...
- أصفاد وطائرة خاصة: كواليس ترحيل فلسطينيين سرًا من الولايات ا ...
- ماهي اتفاقية خدمات النقل الجوي التي ألغتها الجزائر مع الإمار ...
- من هو جاك لانغ الرئيس المستقيل لمعهد العالم العربي؟


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدو اللهبي - حين يدفع الأثرياء ثمن تحالفهم مع الشعبوية: ترامب نموذجًا