أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - عماد حسب الرسول الطيب - 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة















المزيد.....

4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة


عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)


الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 16:13
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


ينتج نظام التراكم الحربي وعياً زائفاً بالقدر نفسه الذي ينتج به المقاتلين والأسلحة، لأن الأيديولوجيا في هذا السياق ليست مجرد تبرير لاحق للعنف، بل هي شرط إنتاج أساسي لاستدامته المادية. تتحول الأيديولوجيا هنا إلى قوة مادية فعالة تشكل وعي المقاتلين وتحولهم من بشر يملكون مصالح طبقية واضحة إلى أدوات مغتربة عن ذاتها، تقاتل ضد شروط وجودها باسم قيم مجردة وخادعة. وكما أكد ماركس: "الأيديولوجيا تصبح قوة مادية بمجرد أن تتملك الجماهير"، وهذا بالضبط ما يحدث في حقل الحرب السودانية، حيث تتحول الشعارات الوطنية والقبلية والدينية إلى آلات حقيقية لإنتاج الولاء المسلح.

تعمل داخل هذا النظام آليات خداع طبقية متعددة، تبدأ في المؤسسة العسكرية الرسمية حيث تستدعى الوطنية بوصفها أيديولوجيا تحويلية تجعل المجند المفقر يبدو كمدافع عن التراب الوطني، بينما يؤدي فعلياً وظيفة حماية مصالح نخبة عسكرية-تجارية تمسك بمفاصل اقتصاد الحرب. تختزل الأرض والسيادة هنا إلى شعارات تخفي واقعاً مريراً؛ الوطن يعاد تشكيله كمزرعة خاصة للنخبة، والدم المسفوك ليس دفاعاً عن الجماعة الوطنية بل استثماراً في دورة تراكم طفيلي عابر للحدود. تتحول الوطنية من قيمة تحررية إلى أداة قمعية، ومن فكرة جامعة إلى آلية تقسيم.

وتؤدي الثورية في خطاب قوات الدعم السريع والمليشيات الموازية وظيفة أيديولوجية لا تقل خطورة، حيث يعاد إنتاج المقاتل الفقير بوصفه مناضلاً من أجل التغيير، بينما يستخدم فعلياً كأداة لتمكين قادته من انتزاع نصيب أكبر في الغنيمة القومية. تسرق لغة التحرر وتفرغ من مضمونها لتغدو قناعاً لتمرد يستبدل نخبة بغيرها دون المساس بجوهر علاقات الإنتاج الاستغلالية. الثوري الحقيقي يريد تغيير النظام، أما الثوري الزائف فيريد مكاناً في النظام، وهذه هي المعادلة التي تحكم تحول خطاب التحرر إلى غطاء لتمرد طفيلي.

تأخذ القبلية والإثنية موقعها في هذا البناء الأيديولوجي كمخزون جاهز للتعبئة، حيث يدافع المقاتل عن الهوية في ظاهره، بينما يدافع عملياً عن مصالح وسطاء الحرب الذين حولوا العصبية إلى رأسمال سياسي يتاجرون به في سوق النزاعات. تتحول القرابة من رابطة اجتماعية إلى عقد عسكري، والانتماء القبلي من هوية ثقافية إلى بطاقة ولاء في شركة أمنية. تستغل النخب التنوع الثقافي ليس للتعايش، بل للتقسيم، ليس للثراء الحضاري، بل لإدارة الصراع الطبقي عبر قنوات هوياتية.

تتخذ الأيديولوجيا الدينية موقعها داخل هذا البناء بوصفها غطاءً إضافياً يشرعن الدمار، فتقدم الحرب كجهاد أو دفاع عن العقيدة، بينما تختزل المقدسات إلى سلعة في سوق الصراع الطبقي. يتحول القتل في هذا المنظور إلى عبادة، والنهب إلى غنيمة مشروعة، مما يسمح للنخب بذبح الجماهير باسم الله. إن الدين هنا يعمل كأفيون يعطل الإدراك النقدي للعلاقة بين العنف والربح، ويحول الاستلاب إلى فعل إيماني، والاستغلال إلى امتحان إلهي.

تنتج هذه الآليات مجتمعة حالة من الاغتراب المسلح، حيث ينفصل المقاتل عن فعله وعن نتائجه الاجتماعية، فهو لا يرى في القتل الذي يمارسه جريمة ضد طبقته، ولا يرى في الغنائم التي يكدسها قادته سرقة منظمة لثروة المجتمع، بل يتماهى كلياً مع دور آلة العنف التي تعمل ضد ذاتها ومستقبلها. الاغتراب هو أن تصبح غريباً عن نفسك، وهذا هو الجوهر المادي لعمل المقاتل في النظام الرأسمالي التابع، حيث يتحول الصراع الطبقي الحقيقي إلى صراعات وهمية بين قبائل أو مناطق أو أديان، محققاً بذلك أعظم انتصارات البرجوازية المسلحة.

تستثمر النخبة هذه الآليات لتجميل الاستغلال وتحويله إلى فضيلة أخلاقية، فيدفع الجندي للموت باسم الوطن والوطن ينهب أمام عينيه، ويساق المقاتل للقتل باسم القبيلة والقبيلة تستنزف لصالح شيوخها المتحالفين مع شبكات التراكم. يمثل هذا الولاء الأيديولوجي أقوى قيد يكبل وعي المضطهدين ويحول الضحايا إلى جلادين لأنفسهم، حيث يقتل المقاتل الفقير أخاه في الطبقة والفقر تحت رايات مختلفة، مدمراً بذلك إمكانية تحرره المشترك.

يجب فهم نقد هذه الأيديولوجيات لا بوصفه رفضاً للهويات في ذاتها، بل فضحاً لاستغلالها الطبقي من قبل النخب، فالهوية الجوهرية للبروليتاريا الرثة المسلحة هي هويتها كطبقة منتجين جردوا من وسائل إنتاجهم وحولوا إلى سلع قتالية. إن الوعي الطبقي الحقيقي يبدأ عندما يكتشف المضطهدون هويتهم المشتركة خلف كل الأقنعة الزائفة، وهذا يفترض عملاً مضاداً يهدف لبناء جسور بين المقاتلين في مختلف المعسكرات لكشف وحدة مصيرهم في الاستغلال.

تعمل هذه الأيديولوجيات كأدوات لإدارة التناقض الرئيسي وتحويله إلى تناقضات ثانوية، فبدلاً من مواجهة النظام الطبقي الذي ينتج الفقر والعنف، يواجه المقاتلون بعضهم البعض كأعداء وجوديين. تصبح الهوية القبلية أو الدينية أو الإقليمية بديلاً عن الهوية الطبقية، والولاء للقائد بديلاً عن الولاء للمصلحة الجماعية. ينتج عن هذا تشتيت للطاقة الثورية وتحويلها إلى صراعات جانبية تخدم النظام القائم.

تكمن خطورة هذه الأيديولوجيات في قدرتها على تحويل الحقائق رأساً على عقب، فالمستغل يصبح بطلاً، والنهب يصبح جهاداً، والتخلف يصبح أصالة، والفقر يصبت قدراً إلهياً. تعمل هذه الآليات على تبرير الوضع القائم وإضفاء الشرعية عليه، وجعل الخضوع له واجباً أخلاقياً أو دينياً أو وطنياً. تصبح المعركة ضد النظام خيانة، والولاء له فضيلة، والموت في خدمته شهادة.

يجب أن ينطلق النقد الماركسي من كشف الوظيفة الطبقية لهذه الأيديولوجيات، فكل خطاب يخدم مصلحة طبقة معينة، وكل هوية تُستدعى في سياق الصراع تحمل في طياتها مشروعاً طبقياً محدداً. الوطنية التي يدعو إليها الجنرالات تختلف جذرياً عن الوطنية التي يناضل من أجلها العمال والفلاحون، فالأولى تعني حماية امتيازات النخبة، والثانية تعني الدفاع عن حق الجماهير في العيش الكريم.

يتطلب كسر هذه الأيديولوجيات بناء وعي طبقي مضاد يعيد ربط المقاتلين بواقعهم المادي، ويكشف عن المصالح المشتركة التي تجمعهم رغم اختلاف انتماءاتهم الظاهرية. يجب أن يبدأ هذا العمل من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، عبر تنظيم سري يكشف كيف يسرق القادة ثروات البلد باسم الوطنية، وكيف يستغلون دماء الجنود لتحقيق مصالحهم الشخصية.

إن تحرير البروليتاريا الرثة المسلحة من الاغتراب الأيديولوجي هو شرط لا غنى عنه لتحرير المجتمع السوداني من نظام التراكم الحربي، فطالما ظل المقاتلون أسرى لهذه الأوهام، سيبقون أدوات طيعة في يد النخب، وسيبقى العنف يعيد إنتاج ذاته كمهنة وحيدة للفقراء. "تحرير الوعي هو بداية تحرير الوجود"، والوحدة الطبقية تبنى بالممارسة المشتركة ضد المستغلين الحقيقيين في كل الأطراف.

كما كتبت روزا لوكسمبورغ: "الوعي الطبقي الحقيقي يبدأ عندما يكتشف المضطهدون هويتهم المشتركة خلف كل الأقنعة الأيديولوجية". هذا الاكتشاف هو الخطوة الأولى نحو تحويل الحرب الأهلية إلى صراع طبقي، وتحويل المقاتلين من أدوات في يد النخب إلى فاعلين في تحرير أنفسهم ومجتمعهم.

النضال مستمر،،



#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)       Imad_H._El_Tayeb#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 3. اقتصاد الحرب كنمط تراكم موحد
- 2. الآليات الموحدة لإنتاج الفقراء المسلحين
- البروليتاريا الرثة المسلحة في السودان – تشريح نظام التراكم ا ...
- 11. نحو كسر الحلقة - إمكانيات التحول واستحالة العودة
- 10. الحياد المستحيل: تشريح التراتبية الجغرافية-الطبقية
- 9. الأجيال الضائعة: هندسة الوعي المكسور
- 8. الحياة بلا دولة: إعادة هيكلة السوق وبروز الرأسمالية الملي ...
- 7. حرب أبريل 2023: انكشاف الدولة الوهمية
- 6. تطبيع القسوة: تفكيك المجتمع وتحويل الفقر إلى سلاح
- 5. الجهل المُنتَج: تحويل التعليم إلى أداة طبقية
- 4. تفكيك المجتمع وصناعة الميليشيا: كيف حوّلت الدولة الفقر إل ...
- 3. النخب وإعادة إنتاج الإخفاق: دور البرجوازية الكومبرادورية ...
- 2. الدولة التي وُلدت مُشوَّهة: البنية الاستعمارية للتبعية (1 ...
- حرب السودان: تشريح التخلف وبنية العنف الطبقي
- 16. نحو أممية نسوية ثورية – دروس من السودان لحركات التحرر في ...
- 15. إعادة الإعمار الطبقي – من أنقاض الحرب إلى تنظيم المجتمع ...
- 14. تفكيك اقتصاد الحرب – العدالة الانتقالية الطبقية ومحاكمة ...
- 13: ما بعد الدولة الميليشياوية – نحو دستور شعبي يُكتب من الم ...
- 12. تعاونيات الإنتاج الذاتي – بناء اقتصاد موازٍ خارج سيطرة ا ...
- 11. الإضراب النسوي: الهجوم الطبقي على عصب اقتصاد الحرب الخفي


المزيد.....




- تشبه رئيسة الوزراء.. ترميم لوحة في كنيسة بروما يثير ضجة بإيط ...
- فيضانات خطيرة في شمال المغرب تشرد أكثر من 50 ألف شخص
- ترامب يتوعد بمقاضاة نواه بعد نكاته عن جزيرة إبستين
- -لعبه وقلبت بجد- مسلسل مصري يتناول مخاطر روبلوكس والحكومة تح ...
- -أصبحت أشبه نفسي- ما قصة أول زراعة وجه من متبرعة ميتة؟
- ما الذي يحدث مع رونالدو في السعودية؟
- منسيّون فوق الأمواج.. أكثر من 6000 بحّار تُركوا لمصيرهم في 2 ...
- إنفانتينو يدعم إنهاء منع مشاركة روسيا في البطولات الدولية وم ...
- أبرز محطات المفاوضات الإيرانية الأمريكية منذ 2018
- نجوم هوليود يقاطعون الولايات الحمراء


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - عماد حسب الرسول الطيب - 4. الاغتراب المسلح والأيديولوجيا الزائفة