|
|
التحرر (الموت والحياة) _كاملة
الحسين سليم حسن
كاتب وشاعر وروائي
الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 20:13
المحور:
الادب والفن
التحرر الموت والحياة رواية
أمل _١_ حين تناولت جرعة زائدة من المهدئات في تلك الليلة التي تغيرت حياتي من بعدها كليا" في بيروت، كنت على يقين تام بأنها لن تتسبب في موتي. استيقظت حينها امرأة أخرى، وأدركت بأنه علي التحلي بالقوة حين نظرت إلى زوجي السطيح في فراشه بعد إصابته بكسور خطيرة إثر سقوطه من فوق ظهر صقالة في مكان عمله في مجال الجيبسينغ بورد، العمل الوحيد الذي أتيح له في بيروت بعد أن اضطررنا إلى مغادرة بلادنا سوريا بعد تهديدات من نظام الأسد لخروجنا في المظاهرات السلمية المطالبة بإسقاطه في ربيع ٢٠١١ حين انطلقت أولى شرارات الثورة السورية. كان زوجي (ساري) مصورا" يوثق انتهاكات أمن نظام الأسد وشبيحته بحق المتظاهرين، وكنت أنا إلى جانب عملي كطبيبة ومسعفة للمتظاهرين أنشر مقالات الكترونية أوثق فيها جرائم النظام في حق المتظاهرين. كنا نعمل سوية أنا وزوجي، إلا أنني حين وصلنا بيروت أصبت بالإحباط و انزلقت بالاكتئاب وأصبحت عاجزة عن فعل أي شيء، حين اصطدمت بواقع جديد من العدم، وشعرت بظلم كبير بأننا غادرنا بلادنا وبيتنا وكل ما نحب بسبب نظام فاشي مجرم. زوجي كان أقوى مني، احتواني ولم يضق بي ذرعا". كان يعمل دون كلل، وحين يعود إلى المنزل يعتني بأطفالنا الثلاثة ويحتمل نوبات بكائي وضعفي ونومي الطويل وهشاشتي النفسية. كنت بيني وبين نفسي أدرك بأنني أحمله عبئا" ثقيلا" إلا أنني كنت مطمئنة بأنه لن يتوان عن الوقوف إلى جانبي كما وقف دوما"، فقد كان دوما" المضحي في علاقتنا وعكازا" لي وذلك لطبيعته الصبورة بينما كنت أنا نظرا" لكثرة معارفي والمجالات التي ولجتها وضغوط عملي أقل تحملا". وكان أكثر ما جمعنا ووحدنا هي الثورة ضد نظام الأسد الديكتاتوري والذي نشأنا على معارضته في عائلتينا اليساريتين المعارضتين لنظام البعث الأسدي منذ بدايات ذلك النظام الوحشي. ولم نكن نخشى حتى الموت معا" في إحدى المظاهرات إلا أن ما دفعنا لعبور الحدود خوفنا على أطفالنا، تلك الغريزة البشرية الأقوى بين كل الغرائز. حين نظرت إليه في ذلك الصباح، كان منهكا" وكأن كل قواه خارت فجأة، رأيت في عينيه كل ما تحملناه معا" وكل ما عشناه، جميع الكتب التي قرأناها وكل الأمسيات الشعرية والحفلات الموسيقية التي حضرناها في صبانا، وكل الهتافات التي هتفنا بها في المظاهرات للحرية. ثم لمحت في عينيه وعدنا القديم بأن يكون كل منا عونا" للآخر. تفقدت أدويته فكانت على وشك أن تنضب، فقد كان يعيش على المسكنات الأفيونية نتيجة للألم الشديد الذي تسبب فيه تهشم عظام ساقيه و تعرض إحدى أضلاعه للكسر. كان أطفالي الثلاثة حينها يلعبون فوق سطح البناء في خيمة صيفية يجلس فيها صاحب المبنى وأحفاده حيث استأجرنا شقة صغيرة لديه، كما كل السوريين المحيطين بنا هنا في بيروت. في الشقة المقابلة لنا يعيش عجوزان سوريان، رجل وزوجته لم يتسن لي التعرف بهما من قبل إلا أن زوجي كان صديقا" لهما. كنت دوما" انطوائية بعد وصولي بيروت، ولم أكون أية علاقات جديدة في الغربة أو بالأحرى في منفانا القسري الذي فرض علينا،ربما بسبب الشعور بالظلم الكبير والغير مبرر الذي تعرضنا له طوال حياتنا كمعارضين للنظام الأسدي، وفوق كل الخوف والتوتر الذي فرضه علينا ذلك النظام في جميع مراحل حياتنا، أرسلنا قسرا" إلى المنفى حاملين معنا حيوات منقوصة، ملأى بالحسرات والقهر و الصدمات التي ليس من السهل الشفاء منها أو تجاوزها. لذلك شعرت بأنني كسيرة في المنفى ولولا وجود زوجي بقربي لما استطعت الصمود، و شاء الله أن تتبدل الأدوار وكان علي هذه المرة أن أنهض به. اتصلت بإحدى صديقاتي القديمات والتي نفيت قسريا" من قبل نظام الأسد حتى قبل اندلاع الثورة في ٢٠١١ و أعلمتها بأنني بحاجة عمل. كانت روز صديقتي تعمل في دار نشر كمنضدة ومخرجة فنية للكتب قبل الطباعة، وطلبت مني عبر الهاتف بأن أزورها في مكان عملها ونتحدث، اتفقت معها على موعد للقاء ثم أغلقت الهاتف. شعرت بحر شديد فجأة، كان ساري نائما" بعمق فخرجت إلى الشرفة، فأطلت لي من الجانب الآخر ( أم عمار) السورية المستأجرة في الشقة المجاورة. ألقيت عليها التحية فرحبت بي بشدة كما لو أنها تنتظر منذ زمن التعرف بي، شعرت بارتياح كبير منحته لي ابتسامتها المؤهلة وكأنها ابتسامة صباحية لأمي قادمة من طفولتي. دعتني لشرب فنجان من القهوة فلبيت دعوتها فورا". حكت لي كيف فرت هي وزوجها من قصف طيران نظام الأسد ولاذا ببيروت، ثم أجهشت في بكاء غزير. فكرت في أنني لو قبلت في العمل في دار النشر، فسوف أوثق قصص المنفيين والمبعدين عن سوريا من قبل نظام الأسد الديكتاتوري. أمالت أم عمار رأسها إلى الأسفل فجأة، وقالت بأنها تشعر بدوار في رأسها، طلبت منها إحضار جهاز قياس الضغط الدموي فيما لو كان متوافرا" لديها، وأعلمتها بأنني طبيبة. قست لها ضغط دمها وصنعت لها كأسا" من العصير وراقبت وضعها حتى استعادت قواها. اقترحت علي بعدها بأن أترك أطفالي في عهدتها ريثما أعود من موعد العمل بعد أن أخبرتها عنه وعن وجوبي المغادرة، فشكرتها كثيرا" لأنها حلت لي مشكلة لم أكن لأجد لها حلا"، فعهدت بالأطفال الثلاثة لديها. فكرت بعدها وأنا في طريقي إلى موعد العمل في أنه ليس فقط يتوجب علي تحمل المسؤولية تجاه زوجي وإنما تجاه جميع أبناء بلدي الذين نفاهم نظام الأسد، وأن لي دورا" في الثورة سألبيه هنا من بيروت.
كتاب أمل _1_ ركنت ذات ليلة إلى طاولتي وحبري ، وصرت أمرر بريشة قلمي على راحتي يدي ، دون أي مخطط مسبق لإنتاج عبارة ذات معنى ،و ما حثني على هذا سوى التململ والضجر من صمت الحياة الطويل والمكشر عن أنيابه في ظل طغيان لا مناص منه سوى بأمرين : الصمت والعيش كحيوان أليف ، أو حمل السلاح وتصويبه إلى آلته الفولاذية التي قد تبتلعك حتى قبل أن تحظى بفرصة تصويب بندقيتك . كان ذلك ذات ليلة في أحد الفصول ، و إن معرفة الزمان بدقة غير ذات أهمية طالما أن الفصول كلها متشابهة ،كما الضجر ذاته الذي يقود بك نحو تشكيل الكلمات كتدوين للنفس ورأفة بها . الشوارع كانت معتمة كعادتها ،وصفير السكون والهلاوس تملأ المكان والأمكنة كلها ،وتمدني بنشوة ناعمة من الوهم المخملي الذي لا يعرفه سوانا نحن أصحاب القلم في حقبة الطاغية الأسدي. ما أذكره حينها أنني ورغم كل محاولاتي في ألا أكتب شيئا" ذا معنى ،إلا أنه في النهاية وحين تجرأت على النظر إلى راحة كفي قرأت كلمة شعرت للمرة الاولى بأنها هي من كتبتني ولست أنا من كتبها . كانت الكلمة أشجع مني لذلك أسميتها في ما بعد (العرابة)، وأصبحت منذ ذلك الحين عرابتي هي( الحرية) .
في اليوم الأول بعد تلك الحادثة ،مشيت بكبرياء غير معهود في طريقي إلى الجامعة، ومازلت أحتفظ بتلك الكلمة على راحة كفي ، ورحت أدس كفي في جيب سترتي على الدوام حرصا" على الكلمة من ضوء الشمس أو التعرق لا خوفا" من أن يراها أحد ، فقد جعلتني تلك الكلمة بولادتها أدفن خوفي كليا" وأجعله ينصرم مع تلك الليلة المظلمة ، آخر ليالي الصمت اللائذ بالهامش ،أو بالتغزل بالكتب والأشياء التي تكسب للوقت قيمة و تجعل منك بطلا" وهميا" ارتأى بالسلام خيارا" عن كل القصد ،إلا أنه في الحقيقة أنه لم يملك بين يديه خيارا" آخر سواه . وحين وصلت البهو الأوسع في جامعتنا ثارت الكلمة العرابة على كفي ،ودفعته لأن يقبض عليها بكل قوة ،ثم أن يرفعها نحو السماء و يحرض اللسان على الهتاف بها :(حرية ..حرية). وحين التفت إلى ضوء الشمس وجدته محجوبا" عنا بقبضات أياد كثر ،تماما" مثلي تهتف للحرية ولإسقاط الطاغية الأسدي .. كان هذا في ربيع عام ٢٠١١ .. ولم تتوان قوى الأمن حينها عن محاولة فض التظاهر ،واعتقالنا جميعا" .
قبل أن نتكلم عن المعتقل الحقيقي ،علينا التحدث عن المعتقل الكبير الذي عشنا فيه في ظل حكم الأسد . كنت أعيش حياة فتاة عادية أو ربما أقل من عادية ،فتاة تخرجت من قسم الأدب العربي، وراحت تنسج الشعر وتكتب روايات فانتازية تجنبا" لغضب السلطة . كنت واحدة من اللواتي لا تشغل حياتها بالضجيج ،وطغى على نمطها اللون الواحد حتى في اللباس تقريبا" . الشوارع التي أسلكها كانت ذاتها ،شوارع فقيرة تقتات لبضعة هنيهات على الشمس المتاحة لها ثم تصر ما تبقى من قوت يومها من الجرأة و تفر ببطء متقية شرا" قد يحيط بها في أي لحظة ،في ظل النظام الأسدي . وكنت أنا واحدة من أولئك الناس الذين كانوا الأغلبية ،فلم يكن متاحا" لي بأن أكون غير ذلك ،مجرد مصححة لغوية ترتاد عملها في إحدى الجرائد الحكومية لتصحح أردأ المقالات ربما كي تؤمن قوت يومها ،فقد كنت أعيش وحيدة في المدينة بعد مغادرتي قريتي وأهلي مخالفة لرغبتهم في بقائي بقربهم وعدم الالتحاق بالجامعة ،و تذرعهم بعدم تحملهم لضغوط أخرى من قبل النظام البعثي ،خصوصا" بعد اعتقال أخي في الماضي بتهمة الانضمام إلى حزب ممنوع سياسيا" و الذي منعته السلطة البعثية آنذاك وقمعته بكل قسوة وإجرام خوفا" على بقائها في السلطة لكونه المعارضة الأشد تنظيما" وفعالية سياسية ضدها . ورغم كل ذلك سافرت إلى المدينة لتحقيق حلمي ،أو ربما كمحاولة أخيرة للقيام بفعل متمرد علني ذات يوم أشهره كسيف في وجه السلطة الأسدية التي حرمتني شقيقي ، وجعلتني أعيش وسط عائلة تقتات على الحزن والذكريات والرعب من كل ما يحيط بها . ما أذكره عن والدتي مثلا"،أنها كانت تجلس كل ليلة تنسج فرضيات عن مصير شقيقي ،ثم تركن إلى الصلاة طوال الليل حتى يبزغ الفجر إلى أن تسقط فوق سجادة الصلاة منهكة القوى مع طلوع الشمس . ظل ذلك يتكرر كل يوم مع فارق بسيط أن قواها كانت تضعف أكثر عن اليوم الذي قبله وتسقط أبكر فوق سجادة الصلاة ،إلى أن سقطت ذات ليلة وغفت إلى يوم الدين . أما والدي الذي عاش حياته ذليلا" كسيرا" يلهث خلف أثر أخي من فرع أمني إلى فرع آخر ،بعد أن باع نصف ثروته ليقدمها لضباط وأناس مقربين من سلطة الأسد العسكرية خدعوه بإطلاق وعود عن عودة شقيقي أو حتى معرفة أي شيء عن مصيره . إلى أن أستيقظ ذات يوم ،بعد أن سأم من كل هذا ،وبدا وكأنه قد ولد من جديد ،إلا أنه ولد صامتا" حزينا" على الدوام يحمل في يده منجله كل صباح ويغيب طوال النهار في زوايا مجهولة من القفار الموحش ،ليعود في المساء خرير القوى ،ويطلب مني تحضير الشاي لنا سوية ،لنجلس دون أي كلام بجانب مدفأة الحطب وأحيانا" على صوت عبد الباسط عبد الصمد وهو يتلو علينا آيات من القرآن الكريم . في تلك الليالي وحين كان والدي يغفو جالسا" ،كنت أنا أجلس وأتفكر وإلى جانبي كتبي المدرسية ويراودني سؤال ملح : بأي سلاح يمكن للإنسان مواجهة الأسد ؟ وظل هذا السؤال يراودني إلى أن عرفت إجابته بعد حين ..
حين اعتقلت ذلك اليوم في عام ٢٠١١،لم أكن وحيدة ،كنت أسمع أصوات بشر بقربي يتنشقون بصعوبة هواء لا يعيه سوانا ،وسمعت صوت نبضات قلوبهم المميزة ،كلغة تستعصي على الجميع إلا نحن أول من تجرأ على الهتاف بالحرية وإسقاط الأسد. بالرغم من كوني معصوبة العينين حينها تمكنت من رؤية هالة الضوء المحيطة بنا جميعا" ،الضوء الذي انبثق منا كردة فعل لظلمة العصابة التي عصبت بها أعيننا ،كما ظلمة السنوات التي حكم علينا بعيشها نظام الأسد الفاشي . حين زجننا في زنزانة ضيقة جميعا" ،وأزيلت العصابات عن أعيننا ،حملقنا جميعا" ببعضنا البعض ،وابتسمنا من كل قلوبنا . كنا مجموعة من الطلاب والأساتذة ،و لغرابة المصادفة أنه لم يكن أي منا يعرف الآخر ،و أدركنا أننا هتفنا للحرية معا" دون مخطط مسبق ،لذا ابتسمنا رغم كل القهر الذي كنا نعيشه . كنا رجالا" ونساء" وشبانا" وشابات، ولم يكن أحد منا ليخمن أن لقاءنا الأول هذا في هذه الزنزانة الصغيرة ،لن يكون سوى مجرد بداية لحكاية طويلة سنلتقي ونتفرق فيها كثيرا" ،وأنها ستقودنا في النهاية إلى الحرية حقا" مهما كانت الخسائر .
أمل _٢_ كنا قد تزوجنا أنا وساري بعد قصة حب طويلة في الجامعة رغم أنه لم يتابع دراسته في الطب والتفت لشغفه في التصوير الفوتوغرافي والتوثيق. حدث ذلك بعد وفاة أبي الشيوعي في أحد سجون نظام الأسد، بفترة قصيرة. شعرت برغبة بأن أكون إلى جانب ساري على الدوام وأترك حياتي الآمنة التي تزخم بالعمل في الطب البعيدة عن السياسة كما كان والدي يطلب مني على الدوام. لكن بوفاته وزواجي من ساري شاركت زوجي كل نشاطاته السياسية المعارضة للنظام الأسدي رغبة بالاحتذاء بأبي واستكمالا" لحلمه في تحرير هذه البلاد التي أنهكتها الديكتاتورية. كنت أرغب في أن أعيش وساري حياة واحدة بكل تفاصيلها، لأنني وجدت فيه كتفا" أستند إليه لنعبر معا" عن كل ما منعته عنا سلطات الأسد ولكي نقول كل ما حاولوا دوما" أن يكموا أفواهنا عنه. فقد عشت طوال حياتي وحيدة مع أمي نترقب خروج والدي وكنا نخشى من كل شيء حتى من اليوم القادم، وكان عليها أن تعمل على الدوام لتأمين مصروفنا، وأنا كان علي الدراسة فقط وعدم الالتفات سوى لمستقبلي المهني. أذكر أننا حين سجن والدي انتقلنا لفترة إلى قريته للعيش هناك، لكننا لم نحتمل أقاويل الناس عن والدي ووصفه بالخائن ونعتي أنا بابنة الخائن و ووالدتي بزوجة الخائن من قبل أقربائه الذين ينتمون لحزب البعث المنافق. فقفلنا راجعتين إلى المدينة تاركتين خلفنا رزقا" وفيرا" من حق والدي من أراض زراعية وحظائر مواشي وبساتين تزخر بشتى أنواع الفاكهة والخضار،لنعيش حياة العوز في المدينة لكن مع الاحتفاظ بكرامتنا كما كانت والدتي تردد على الدوام. لم ألج في مجال الكتابة الصحافية سوى بعد زواجي من ساري، فقد شجعني ومنحني القوة لأبدأ، فحين تحب شخصا" من كل قلبك وتشاركه كل ما يفكر ويحلم لا تهاب أي طغيان. كتبت بداية مقالات عن المعتقلين السياسيين في سجون نظام الأسد منذ عهد الديكتاتور الأب، وحين انطلقت الثورة السورية اتجهنا أنا وزوجي إلى المظاهرات لتوثيق الانتهاكات التي تحدث هناك بحق المتظاهرين من قبل أمن الأسد وشبيحته. وشهدنا هناك كيف كان يضرب المتظاهرين بالعصي والأسلحة البيضاء من قبل رجال متوحشين يعملون إلى جانب النظام الأسدي، وكنا دائمي الحذر من أن نعتقل، خصوصا" وأنني كنت أنتظر حينها طفلي التوأم الأكبرين ( لين و كرم). لكن كل ما أذكره هو رغبتنا في إيصال ما وثقناه إلى الصحف الإلكترونية وإصرارنا على ذلك، وكان الحب الذي جمعنا والروح الثورية المشتركة هي ما جعلتنا ننجح في ذلك،بالرغم مما خلفه ذلك من تهديدات لنا بالقتل وصلتنا من قبل نظام الأسد المجرم. وحين وضعت طفلي التوأم قررت وساري زوجي أن نغادر سوريا بعد ما رأينا ما يمارسه نظام الأسد من توحش، فخفنا على ولدينا، وخصوصا" بعد إلحاح والدتي علينا بالمغادرة. حين غادرت البلاد كنت مثقلة بالجراح الجسدية والنفسية، ووصلت إلى بيروت محطمة كليا". راودتني كل تلك الذكريات حين استقليت الباص في طريقي لموعد العمل لدى روز صديقتي القديمة، نظرت حينها إلى بيروت عبر النافذة وكأنني أراها للمرة الأولى. شاهدت الأطفال السوريين المشردين تحت جسر الكولا، واللافتات المعادية للسوريين في الأشرفية نظرا" للماضي السلطوي الفاشي لنظام البعث الأسدي في لبنان. شعرت بالغربة أكثر لبرهة، وبخوف مما أنا مقدمة عليه، خوف من المجهول أو ربما من تحمل المسؤولية بمفردي، أنا التي كنت أستند دوما" على أمي ثم على ساري. كنت في تلك اللحظة وحيدة وكأنني منفصلة عن الزمن وعن الأشياء، امرأة تكتسحها مشاعر الاغتراب وسوء الفهم و شعور بظلم كبير ورغبة في الانتقام والبكاء معا"، تهيم في هذا العالم الهش. لكنني سرعان ما استعدت قواي، و فكرت بأنني رغم وحدتي وعجزي علي أن أكون أقوى من النظام الأسدي الذي تسبب في كل هذا، أنا قوية وقادرة على أن أهزمه رغم كل شروره، صرت أردد هذا في سري. حين وصلت دار النشر، التقيت بروز فأخبرتني عن شاغر العمل لديهم، وبأنهم بحاجة إلى مدونة في الصفحة الطبية تقدم معلومات صحية مبسطة وجذابة للقراء. صدمت بهذه الفرصة، فقد كنت مقبلة بقوة من أجل أن أكتب في المجال السياسي، وأن أعود لتوثيق قصص المنفيين والناجين من سجون ومعتقلات الأسد والمتواجدين هنا في بيروت. أردفت روز بأن المجلة لا تتعامل في المواضيع السياسية، قالت ذلك متأسفة لأنها تعلم كم أنني جدية وثورية وكم لدي رغبة في توثيق جرائم الأسد. في البداية أردت رفض فرصة العمل ثم تذكرت أنني تركت ثلاثة أطفال وزوج سطيح في الفراش دون طعام، فقبلت بتلك الفرصة على أن تعدني روز بأنها ستنشر لي كتابا" أوثق فيه قصص المنفيين والمبعدين عن سوريا وأوثق فيه جرائم نظام الأسد في حق السوريين. فقالت لي بأنها ستساعدني على نشر هذا الكتاب في دار نشر أخرى تملكها صديقة لها وأنها مهتمة في النشر بالمجال السياسي والحقوقي وخصوصا" فيما يخص بنظام الأسد الوحشي وجرائمه. شعرت حينها بسعادة غامرة لم أشعر بها في حياتي كلها، سعادة من وجد معنى لحياته،وأنني لم أخذل الثورة و سأقوم بدوري فيها من هنا من بيروت،رغم كل الصعوبات وما تتطلب مني مسؤولية الاعتناء بأطفالي و زوجي المريض الذي أحبني دوما" و علي ألا أخذله أبدا".
كتاب أمل _٢_ حين خرجت من قاعة المحكمة في ذلك اليوم الربيعي من عام ٢٠١١ ،بعد أن أعلن القاضي عن نتاج جلسة طلاقي وزوجي ،بتطليقنا دون أية حقوق عائدة لي ،وانتصار زوجي اللئيم والقذر علي بفضل ما دفعه من رشاوي للقاضي ،وبدعم من شهادات زور حصل عليها بفضل ماله الذي لا ينضب لكونه ضابطا" كبيرا" مقربا" من سلطة الأسد اللصة والفاسدة ،صرت أدخن بنهم ،واكتسحتني رغبة بالبكاء الشديد ،لكنها سرعان ما حالت إلى غضب ورغبة بالصراخ والاحتجاج . توجهت بعدها إلى عملي في الجامعة ،حيث كنت عضوة في هيئة التدريس في كلية الأدب الإنجليزي ،ورحت أستذكر في طريقي خطئي الفادح بالزواج من ذلك المعتوه . كان والدي شيوعيا" معارضا" فذا" لسلطة الأسد الإشتراكية المنافقة ولطالما جر إلى معتقلاتهم في فترة الثمانينات وزج إلى جانب أصدقائه من المعارضة بكل أنواعها في زنزانة واحدة ،وفي آخراعتقال له برز زوجي كالمخلص البطل له ،حين ذهبت أنا للبحث عن والدي في المعتقلات والسجون والأفرع الأمنية . حينها عرض علي الزواج مقابل إخراج والدي ،هكذا بكل وقاحة عرض صفقته . حين خرج والدي وكنت أنا قد تزوجت من ذلك القذر،مات والدي فور معرفته بذلك بالسكتة القلبية . وحين ضجر مني ذلك البائس ،راح يلفق أقاصيصا" عن خيانتي له مع حراسه و رجالاته الذين يستعملهم في الأعمال القذرة كتعذيب المعتقلين ،وجلب بائعات الهوى والممثلات السينمائيات الحسناوات له ،والذين شهدوا إلى صفه بعد أن لفق لي مشهدا" مشبوها" مع أحدهم وشهد الباقون بذلك . حمدت الله وأنا في طريقي إلى الجامعة بأن ذلك الرجل كان عقيما" جراء تعاطيه المفرط للمخدرات والعقاقير المهدئة ،مما حال دون أن أحظى بطفل منه . لقد خرجت من هذا الزواج أو (الصفقة القذرة) وحيدة لا كمثل ما كنت قبله ،وإنما على نحو أشد وحشة ،دون أب و دون عائلة ،كسيرة دون حتى سمعة جيدة ،لقد خرجت ببساطة مشوهة ،يتملكني القهر والغضب . حين دخلت الجامعة لم أحتمل نظرات جميع من حولي في مركز عملي فخرجت إلى البهو وأطلقت صرخة غاضبة تطالب بإسقاط نظام الأسد الفاسد ،فإذ بها تصير صرخة جماعية ،تلاها اعتقالنا جميعا" من قبل عناصر أمن الأسد الباطش .
أمل _٣_ حين وصلت المنزل كان ساري زوجي يهلوس في نومه ويتأوه، تأملت جبينه الواسع المشرق كشمس ورحت أستحضر ما رواه علي ذات ليلة عن طفولته ومراهقته. لقد عانى ساري ما عاناه بداية في بلدته إثر اعتقال والده من قبل أمن الديكتاتور الأب حافظ الأسد المجرم، متذرعين بانضمامه إلى حزب ممنوع سياسيا" آنذاك، وكيف هجرتهم والدتهم بعد ذلك و أودع ساري و أشقته في مركز لرعاية اليتامى،ولقي هناك ما لقاه من سوء معاملة و تعذيب جسدي ونفسي. مددت ذراعي وكأنها المرة الأولى التي ألمسه فيها وربت عل جبينه بحنو أنثوي، مشحون بعاطفة كل الأمهات الثكالى والأمهات المنتظرات أبنائهن ليعودوا من معتقلات الأسد و سجونه الوحشية أو ربما من الموت. جهزت فطورا" لنا جميعا" بفضل ما اشتريته بالمال الذي أقرضتني إياه روز صديقتي، وعزمت على إيقاظه وجلب أطفالي من منزل الجارة. فتحت نافذة المطبخ المطلة على شارع يزدحم بالناس أكثرهم من السوريين المطرودين من بلادهم أو الذين اختاروا الهجرة طواعية هربا" من بطش النظام البعثي الأسدي. كان أغلبهم قد وجد عملا" أو تعلم صنعة ما يسترزق منها كالنجارة والحدادة والجيبسينغ بورد كزوجي مثلا". زوجي الذي كان للتو قد استيقظ وراح ينادي علي وعلى الأطفال، وكان هذا هو السلوك الاعتيادي له مذ وصلنا بيروت، كان ينادي علينا جميعا" في كل مرة يعود فيها إلى المنزل من عمله، كما لو أن عائلتنا تحولت في الغربة إلى شخص واحد، ولا مجال لأحد بأن ينفصل عن الآخر، نتنفس معا" ونعيش معا" كل لحظة، أما بالنسبة لي فتعهادنا أنه إذا متنا سوف نموت معا" وإذا كتب لنا الحياة سنحياها معا"، وأننا سنفدي أطفالنا بحيواتنا ودمائنا. توجهت إليه وقبلته من جبينه وسألته عن حاله، فقبل يدي وأومأ برأسه وهو يقول بتلعثم أنه بخير. سألني عن الأطفال فأخبرته أنني أودعتهم عند الجارة، ريثما رحت أبحث عن عمل. غضب محاولا" النهوض إلا أنني أمسكت بذراعيه وترجيته بأن يحافظ على هدوئه،ثم حاولت إقناعه بضرورة أن أعمل وأنه حان الوقت الذي أصبح فيه من واجبي أن أرد له الجميل، وكل ما كان يتحمله من أجلي ومن أجل أطفالنا. ثم استأذنت منه بالمضي إلى الجارة لإحضار أطفالي الثلاثة، التوأم (لين وكرم) و تالا التي تصغرهم بقليل. حين طرقت الباب على الجارة، فتحت لي وأهلت بي بكل حنان وتعاطف. ركض الأطفال من خلفها تجاهي عند سماعهم صوتي، وقفزت تالا في حضني، فشعرت بألم حاد في ظهري فصرخت متأوهة. أمسكت أم عمار بذراعي وساعدتني على الدخول إلى منزلها، وأجلستني إلى الأريكة. عرضت علي بأن تعطيني مسكنا" فقبلت، غابت لهنيهة قفزت فيها تالا في حضني مما جعلني أتألم مجددا"،ثم عادت أم عمار محضرة حبة دواء في صحن صغير وكأسا" من الماء. تناولت المسكن، ثم نصحتني بارتياد عيادة طبيب أخصائي، فمن المحتمل بأن أكون مصابة بانقراص أو انزلاق بالفقرات،فتلقت مني وعدا" بذلك. بعدها شكرتها ومضيت مصطحبة أطفالي إلى والدهم. كنا كلانا نعلم مايعنيه غياب الأب، وكيف تكون غريبا" في وطنك دون أب ودون حقوق ودون انتماء في بعض الحالات، طالما احتكر الانتماء إلى النظام الأسدي الفاشي الذي تماهى مع مفهوم الوطن لسنين طوال. عشنا نكتب على دفاتر زاخرة بصور القائد الذي منحوه الخلود و أنشؤوا له التماثيل في كل حدب وصوب، وكانت صوره في كل مكان تلاحقنا ثم جاء دور الإبن الذي ألهه الموالون له وجعلوا منه كنبي معصوم عن الخطأ. عشنا في الرعب، رعب القائد الديكتاتور الذي يفصل الأبناء عن آباءهم، ويحول حيواتهم إلى جحيم، يتمنون ربما الموت مع طلوع كل صبح. وأي صبح ؟ صبح تملؤه خفافيش الظلام بدلا" من الطيور، خفافيش تمسك بفريستها بكل ما أوتيت من شر وتحلق بها وراء الشمس التي تطلع فقط لتحنو على هذه البلاد بدفئها، شمس حزينة على أبناء هذا البلد، تحاول بكل قواها شحنهم بالأمل والترقب عسى أن يأتي يوم الخلاص، و أن يظهر مسيح ما ينقذ هذه البلاد من بطش نظامها وإجرامه وقمعه، مهما كانت طائفته ومن أين سيأتي، و كل ما يهم هو أن يأتي أخيرا" ليخلص الناس المتعبة المنهكة من القمع، وأن يخلص هواء البلاد من ذلك السم الذي انتشر فيه وخنق الجميع دون رأفة. لذا كان علينا أنا وساري أن نغادر البلاد ريثما يأتي المخلص، بعد سنوات من التيه بحثا" عما يربطنا ببلاد لم تقدم لنا سوى الحرمان من الأب والإنهاك أمام بطش القبضة الحديدية للنظام الأسدي البعثي المجرم. وكان علينا أن نحضن أطفالنا دون أي تقاعس، كي لا يعيشوا الاغتراب الذي عشناه. مازلت أذكر والدي حين رأيته للمرة الأولى، كنت في الخامسة من عمري، كنت أرتدي فستانا" أبيضا" لؤلؤيا"، قالت والدتي يجب أن تظهري بمظهر الملاك، لأن من ستقابلينه ملاك. ومنذ حينها انطبعت في وجداني صورة أبي الملاك، الذي لا نراه و نتحدث معه سوى عبر القضبان الحديدية العريضة لسجون الأسد الأشبه بالمسالخ. لكنه رغم ذلك كان يقبلني من جبيني دوما" ويوصيني بأن أهتم بدروسي، ثم لما كبرت قليلا" صار ينصحني بالابتعاد عن السياسة و يتلقى وعدا" مني بذلك، لكنني لم أستطع أن أفي بوعدي له، من أجله، من أجل ألا تذهب تضحيته سدى. كان علي أن أجلب له حقه في العيش بكرامة والذي حرمه منه النظام الأسدي الفاشي. أطفالي اليوم يعرفون جدهم عبر الصور، ويسمونه بالملاك أيضا" الملاك الذي يحميهم من كل كرب أو ضرر. أما ساري والذي لم ير والده قط، حيث كان والده من المغيبين قسريا"، عاش في الميتم حياة بائسة، فلم يتسن له التعبير عن حقه في امتلاك أب، قضى كل طفولته دون أن يحتج على شيء إلا أنه حين كبر و عرف بما فعله النظام الأسدي بوالده، وأنه اعتقل ذات ليلة من قبل أمن نظام حافظ الأسد و لم يعد بعدها وأصبح في عداد المفقودين. جمعتنا الثورة السورية أنا وساري، كما جمعنا قبلها حبنا و السعي نحو العدالة، وكما جمعنا أبناؤنا، كانوا أغلى ما لدينا، لأنهم جيل المستقبل الذي سيعود ويبني بلادنا،دون أي خوف أو قمع أو شعور بالقهر والاضطهاد. ولد توأمنا ونحن في سوريا، بينما ولدت تالا في بيروت في فترة صعبة للغاية، حيث كنت لا أغادر سريري وألقيت كل هشاشتي وضعفي على كاهل ساري، وكنت دائمة القلق، وشعرت بحنين إلى بلادنا،. لم يحكي ساري لي بتاتا" عما يعانيه لتأمين حياة لنا، وتركني في عالمي الذي نسجته والذي شعرت فيه بأنني بلا وطن، ظنا" منه ربما بأنني لن أحتمل المزيد من التعب النفسي الذي عشته في حياتي. لكن بعد إصابته كان علي أن أنهض مجددا " و أن أنجح في العيش في المنفى، من أجل أطفالي ومن أجله، من أجل حكايتينا المتماثلتين، منتظرين قدوم المخلص الذي سيتزامن مع انتصار الثورة السورية، وكنت على يقين تام بأن ذلك سيحدث ذات يوم، يكون فيه صوت الحق مسموعا".
كتاب أمل _٣_ كان بحوزتي مجموعة من المجلات الثقافية والكتب الدينية حين خرجت من الكنيسة في ذلك اليوم الربيعي من عام ٢٠١١ وجلست في البهو على مقعد خشبي أنضدها تحضيرا" لنقلها إلى الغرفة المعدنية التابعة للدير ،والتي خصصتها لهذا المشروع الذي اقترحته على القس بأن أجعل من تلك الغرفة ملاذا" للقراء الذين يرغبون كل الرغبة بالقراءة المكثفة لكن لم يتسن لهم ذلك ليتمكنوا فيها من استعارة ما يطيب لهم من الكتب. جلست أتأمل قبة الكنيسة بعد أن أرهقني التعب ،كان العشب نديا" في الحديقة المجاورة للكنيسة ومثله أنا كانت عيناي . أخرجت الكتاب المقدس من حقيبتي ، وقرأت أول ما ظهر لي : ((سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَمَتَى كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَمَتَى كَانَتْ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ يَكُونُ مظلما" )). ثم حملقت مجددا" بالعشب الندي ،وفكرت في كم كنت على الدوام بعين بسيطة وكم أن أحلامي وطموحاتي لم تتخط خدمة هذا المكان ،وكم أنني كنت مكتفية وراضية على الدوام . ورحت أتساءل من هم ياترى أولئك الأشرار الذين تحلو في أعينهم الدنيا إلى الحد الذي يغدو معه عالمهم مظلما" وأجسادهم ملعونة ؟! لم يكن ليخطر في بالي هكذا سؤال من قبل ،سوى بعد أن عملت بين الكتب فقد كنت أظن على الدوام أن كل البشر طيبون ويتبعون ما جاء به الإنجيل ،لكن الكتب أخبرتني بأشياء لم أكن لأتوقع أنها موجودة . رأيت أطفالا" ينسقون أكاليلا" من زهر ،استعدادا" لجنازة ربما ،ثم تيقنت من ذلك حين سمعت أحدهم يقول بأن تابوتا" يحمل شابا" في مقتبل العمر سيصل عما قريب . صلبت على وجهي مذعورة ،ورحت أتمتم :يا رب ،شاب في مقتبل العمر ،لماذا ليس شخصا" في عمري ؟! أنا الخمسينية التي لم تكتشف بعد شر هذا العالم ،أليس حريا" بي أن أرحل أنا بدلا" عنه هكذا ناصعة الإيمان بعد أن خدمت هذا الدير لسنوات ؟ انتفضت حينها عن المقعد وشعرت برغبة كبيرة في الخروج إلى الشارع المجاور . (الزمن ليس خطا" مستقيما" ،إنه أقرب إلى المتاهة ) قرأت ذلك في ديوان شعري لشاعر سويدي يدعى توماس ترانسترومر . وهذا ما شعرت به حين خطوت أولى خطواتي في الشارع المحاذي للكنيسة المؤدي إلى الجامعة ،حين عدت تلك الفتاة التي توفيت والدتها حين كانت في الخامسة عشرة من عمرها ،ولم تجد سوى الدير ملجأ لها ،متخلية عن حلمها في الدراسة في الجامعة . ساقتني قدماي نحو الباب الرئيسي للجامعة ،كان ثمة شجرة ضخمة هناك لطالما اعتدت على الجلوس في ظلها إلا أنني اليوم كنت أراها مختلفة ،فقد شعرت بأنني شابة في الثلاثين من عمري و أطلقت لخيالي العنان بأن تكون هذه الشجرة هي التي ستزهر لي بأحلامي الضائعة مجددا" . لكن سرعان ما تحول الحلم إلى كابوس ،حين خرجت من عالمي التخييلي للواقع مجددا" حين سمعت فتاة بقربي تخبر صديقتها :(لقد أخذوهم إلى وجهة مجهولة ،أتعتقدين أنهم سيعودون أحياء؟) . (احمدي الله أننا كنا في قاعة المكتبة المركزية ،ولم نسمع شيئا" ،لكنا اعتقلنا معهم ) . حين سمعت عن اعتقال طلاب جامعيين من قبل أمن الأسد ،ركضت مسرعة مجددا" باتجاه الدير ،متأكدة تماما" بأنني لا أرغب في العودة بالزمن إلى الوراء لا لأكون طالبة جامعية ،ولا حتى للتفيؤ بشجرة عجوز ،وأنني لا أرغب مطلقا" في معرفة شيء عن عالم الأشرار ،وأن تأمل العشب الندي وتوزيع الكتب في الغرفة المعدنية التابعة للدير ،أشياء أكثر جدوى ونفعا" .
أمل _٤_ استيقظت في اليوم التالي وجهزت نفسي للذهاب إلى عملي في اليوم الأول، عازمة على أن ألحق التوأم بمدرسة ابتدائية، و تالا بروضة للأطفال. وأن ذلك أول ما علي الاهتمام به وأخذه على محمل الجد. فكرت في أن تلك المدرسة ستكون حتما" أفضل من المدارس التي تعلمنا فيها في ظل نظام الأسد الديكتاتوري الفاشي، حيث كنا نشعر بأننا نشحذ العلم من مؤسسة يملكها ذاك النظام البعثي القمعي، والذي جعل منا طلائع له يرتبط وجودنا حتما" بوجوده ومن أجله فقط ندرس و نتعلم و ننشد، كان هذا ما أقنعوني به كنا عبدة صغارا" لدى ذاك النظام، عبدة أفكاره ومايدريك عن العبودية الفكرية، إنها تحول البشر وخصوصا" الأطفال إلى آلات بلا روح، نمضي وحياتنا ملك لنظام أسر أفكارنا و خدرنا ربما في مرحلة ما. لقد أنقذتني مكتبة والدي لاحقا"، وعدم الإنصات لنصيحته في الابتعاد عن السياسة، فرحت أقرأ عن كل شيء، روايات عالمية، وعربية، أدب رحالة، تنظير سياسي، فلسفة وعلم اجتماع، وحتى أدب سجون.،شعر ومسرح عربي وعالمي. كان والدي قد ترك مكتبة ضخمة ملأى بالكتب من كل بقاع الأرض، بالرغم من أنها كانت كتبا" تندرج تحت بند المسموح به بالنسبة لنظام الأسد القمعي. وذلك لأن عناصرا" من أمن الأسد الفاشي هجموا على منزلنا كالبرابرة المغول، و صادروا جميع الكتب التي لا تلائم حكم البعث وأفكاره. أخبرتني أمي بذلك ذات يوم، وحينها عزمت في سري على كتابة كتاب لا يتلائم مع أفكار البعث، نكاية بهم، ونوعا" من رد الاعتبار لوالدي الملاك كما كنت أسميه. لذا عزمت على أن أحث أطفالي على أولى خطواتهم في طريق الصواب، طريق العلم والثقافة الحقيقيين، لأنني رغبت في ألا يعيشوا كما عشت أنا، خائفة مما أقرأه وما أفكر به وما أحاول كتابته. مازال في رأسي ذلك اليوم الذي أخبرونا فيه بموت والدي في السجن، حينها شعرت بالغضب أكثر منه الحزن، وحاولت كتابة قصة عنه، أطالب فيها بنهاية عادلة، بأن يحاكم جلادوه، أولئك الذين أبعدوه عنا، لكنني لم أجرؤ على إطلاع أحد بها. اكتفيت حينها بما أكدت عليه أمي دوما":(والدك هو ملاكنا الحارس، ولكي تجعليه سعيدا" حيث هو في السماء عليك أن تدرسي وتتفوقي). و اليوم كان على أطفالي أن ينشؤوا على العلم الجيد و أن تبنى شخصيتهم دون أن تمسها الإهانات والقمع والتخويف الذي كان يمارسه النظام الأسدي علينا في طفولتنا. اصطحبت الأطفال برفقتي في يومي الأول للعمل، وقصدت مدرسة ابتدائية بداية لتسجيل التوأمين، إلا أن المديرة التي قابلتني في مكتبها رفضت تسجيلهما، متذرعة بأن عدد الطلاب قد اكتمل. لكنه كان من الواضح أن السبب الحقيقي هو أنهم سوريون، لم ألمها على رفضها حتى بيني وبين نفسي، لأنني كنت على دراية تامة بما فعله جيش نظام الأسد الأب باللبنانيين حين اقتحم لبنان بذريعة إيقاف الحرب الأهلية، بعد أن اعتبر الديكتاتور الأب حافظ الأسد من نفسه وصيا" على لبنان. لذا قصدت مدرسة أخرى تلو أخرى، هكذا حتى وافقت إحدى المدارس بانضمام التوأمين إليها. ثم توجهت إلى روضة أطفال وسجلت تالا فيهالأصبح جاهزة الآن للذهاب لعملي في يومي الأول. حين وصلت دار النشر كانت روز قد دخلت للتو إلى مكتبها، فأطلعتني على الصفحة التي سأتولى مهمة كتابتها، بإطلاعي على بضعة أعداد قديمة من المجلة. قالت بأن مالك المجلة يهمه في النهاية جني الأرباح، وأنه يستحسن مني أن أكتب مقالات مبسطة وسلسة للقارئ بأن أتحدث عن مواضيع رائجة كالطب التجميلي والرشاقة واليوجا. حين اطلعت على المقالات الصحية القديمة في المجلات شعرت بصراحة بتفاهتها، إلا أنني فكرت في أن ذلك لن يمنعني من العمل ملبية جميع شروطهم من أجل أطفالي ومن أجل ساري. اصطحبتني روز بعدها إلى مكتبي الخاص، الذي كان مكتبا" غريب الأطوار لصق على جدرانه ملصقات مصورة لصور فتيات حقن مؤخراتهن بالبوتوكس وأخريات نفخن شفاههن بالمادة نفسها. رغم ذلك ومع ملاحظة روز لدهشتي الكبيرة، اتخذت مكاني وراء مكتبي الخاص، ثم سألتها عن وعدها لي بأن تتواصل مع دار نشر أخرى توافق على نشر كتاب لي أوثق فيه جرائم نظام الأسد عبر قصص المنفيين والمبعدين السياسيين والمختفين قسريا" أو الذين قتلهم هذا النظام المجرم، نظام الأسد الفاشي الذي لم يمر له مثيل في التاريخ. لكن ردها صدمني، حين أخبرتني بأن عملي هنا في المجلة هو ما تستطيع خدمتي فيه وغير ذلك لا يد لها فيه. أصبت بإحباط شديد، وأبديت انزعاجي، إلا أن روز لم تتفوه بكلمة أخرى، وبدت بأنها واثقة من أنني لن أغادر مكاني وأنني سأقبل العمل رغم خذلانها بالعهد الذي تعاهدنا به حين زرتها للمرة الأولى،وكأنها تشير في صمتها إلى أنها تملكني الآن وأن القرار في يدها طالما أنه لا خيار لي سوى قبول العمل. لذا استدارت محافظة على صمتها وغادرت مكتبي الخاص. بقيت بعدها صامتة تكتسحني مشاعر من الغضب والقهر إلا أنني شرعت في انتقاء موضوع صحي للمقالة الأولى لي في هذه الجريدة. بعد مرور عدة ساعات من العمل والبحث طرق باب المكتب، فإذ بامرأة قريبة من عمري من تطرقه، أطلت علي بابتسامة ودودة وعرفتني بنفسها، كانت تدعى (إلهام ) وهي سورية الجنسية غادرت سوريا إبان الثورة السورية هربا" من بطش أمن الأسد ومن زوجها الذي كان يعمل مخبرا" لهم. قصت لي حكايتها مع نظام الأسد الفاشي، وكيف تزوجت بعد أن كبرت في السن من مختار أحد البلدات واكتشفت بأنه مجرد مخبر للنظام الأسدي البعثي، وأنها مدرسة للغة الفرنسية في الأساس، وأنها تعمل في المجلة كمترجمة من اللغة الفرنسية كي تعيل نفسها، إلا أنها لا توافق كثيرا" على سياسة المجلة التجارية والاستهلاكية وتتمنى لو أنها تحظى بعمل حقيقي تخدم به وطنها وتفضح ممارسات نظام الأسد المجرم. فبحت لها بذات المشاعر وبرغبتي الملحة في فضح نظام الأسد وممارساته الشنيعة، وتساءلنا كلانا فيما لو يمولنا أحدهم لنشر كتاب باللغتين العربية والفرنسية يتضمن شهادات موثقة لأناس تضرروا من ذلك النظام الفاشي. تنبهنا معا" بعدها أننا بدأنا أولى خطواتنا في تحقيق هذا الحلم لتحويله إلى حقيقة طالما أصبحنا اثنتين تحلمان الحلم ذاته، ولا بد حينها للحلم أن يتحقق ذات يوم.
كتاب أمل _٤_ ستصبحين كاتبة مبدعة … قالت لي مدرستي ذات يوم معلقة على موضوع تعبير كتبته في الصف الثالث على حسب ما أذكر .. وفي الحقيقة أصبحت كذلك ،بحسب رأي المجتمع الأدبي المحيط بي في الجامعة والصالون الثقافي الذي أرتاده ،وبين طلابي الجامعيين . إلا أنني وحيدة ،كما كل الكاتبات أو بالأحرى كما كل الشاعرات . وكما كل الشاعرات أحب الاستماع إلى الأغنيات الرومانطيقية ،فمثلا" يأسرني شارل أزنافور ،وكمثل كل أنثى تستهويني الملابس والحلي ولدي خزانة تكتظ بالأزياء ،وصديقات كثر ،جميعهن أصبن بالاكتئاب ذات مرة . كنت منهمكة بمشروع كتابة سيناريو فيلم قصير حين بدأت الثورة عام ٢٠١١ . حينها أفلت كل ما بيدي وتركت خلفي كتبي المبعثرة وفوضى سريري حيث أعيش وحيدة ،ونزلت لأتظاهر إلى جانب أهل بلدي. كنت قد ضجرت من السكوت على نظام الأسد الديكتاتوري ،ولم ينفع معي بعد تأمل الغروب من فوق سطح منزل أو قضاء العطلة في مزرعة أو حتى تضييع الوقت وتبديد غضبي في العيادات التجميلية ،أو في معارض الكتب . نصف حياة عشتها قبل الثورة مع أم تقضي معظم وقتها في الصلاة لأبنائها الثلاثة الذين اختاروا المنفى موطنا" لهم بعد ضغوطات أمنية عليهم وإغلاق مراكز صحفهم الخاصة التي افتتحوها واعتقال معظم الصحفيين العاملين فيها . نصف حياة مع نصف أم مشتتة بين الوطن والغربة ،بين الذكريات والحاضر ،وبين الغضب والتعايش . لحسن حظي أنني لم أعتقل في المظاهرات كغيري ،أو ربما لسوء حظي فلو اعتقلت لما رأيت ما رأيته من مشاهد مفجعة عن النازحين باتجاه المخيمات والأطفال الحيارى خلف أسيجة الحدود . وحين لم نجد لصراخنا أي نفع ،صرنا نلتقي نحن أصدقاء الطفولة الذين وللصدفة المحضة غدونا كتابا" ،صرنا نلتقي في المقاهي الثقافية ونستذكر حفلات تخرجنا من المراحل التعليمية الأولى في المطاعم الريفية حين كنا نقطن الأرياف ونعيش بكل هدوء وسذاجة . تعلمت اللغة اليابانية ،وقمت بترجمة رواية جميلة لياسوناري كاواباتا تدعى (ضجيج الجبل) ،الذي يشبه ما أنصت إليه في وحدتي و خنوعي . وحين أشعر بوحشة الوحدة كنت أتخيل أنني أجلس برفقة أخوتي الغائبين لنحتسي القهوة ونتحادث كأشقاء في كل ما يخطر في بالنا ،وأستمع إلى أغنيات جان فيرا كما كنا من قبل . تعلقت بالكتب أكثر وقضيت وقتي بينها وبين عملي ،قرأت لكاتبات معارضات للنظام الإيراني ،بعد أن جلب الأسد إيران إلينا لتنهشنا وترمي بظلمتها فوق رؤوسنا . قراءة ماركيز ،وأرونداتي روي ، ومحمد شحرور و جورج أورويل و روايته عن النظام الشمولي الديكتاتوري كنظام الأسد أو الاستماع لداليدا في مقهى رصيفي كئيب . محادثات مع كتاب وكاتبات نفاهم الأسد خارج البلاد عبر السكايب بكل سرية . الانهيار أمام مشاهد النزوح والغرق في البحار ،دون أن نملك في اليد من حيلة لفعل شيء . علاج النفس بروايات الطفولة أمثال هايدي وتوم سوير وأحزان صوفي وروايات كونتيسه دي سيغير وأحدب نوتردام وكوخ العم توم وكتاب الأدغال …. كلها أشياء كنت أعيشها في أوقات وحدتي وعجزي .
أمل _٥_ في نهاية يومي الأول في العمل، خرجت من مقر المجلة برفقة إلهام، فقد وعدتني مسبقا" باصطحابي إلى امرأة سورية تدعى (ليلى) تعيش هنا في بيروت استشهد زوجها على يد عصابات الأسد المجرمة، وهي تعيش برفقة ولدها الوحيد عمر في غرفة صغيرة على سطح أحد الأبنية في منطقة برج حمود، المنطقة التي أعيش فيها برفقة زوجي وأطفالي حيث يعيش أغلب السوريون الفارون من بطش نظام الأسد وإجرامه. مررنا في شوارع برج حمود المكتظة بالأرمن والسوريين، في طريقنا إلى ليلى وطفلها. كانت إلهام قد وجدت لليلى عملا" جيدا" بعد أن عملت لسنين طوال في بيوت الناس كخادمة، حيث عهدت إليها بوظيفة في الدار تقوم بها من منزلها، بأن تصحح المقالات لغويا"،بعد أن أخبرتها بأنها تحمل إجازة في اللغة العربية،لتتمكن بفضل ذلك من استئجار غرفة ملائمة لها ولولدها بعد أن عاشا لسنين طوال في بيوت بلا جدران، أو سيئة الخدمة. قابلناهما كلانا، الأم والطفل و سمعنا قصتها مع بطش نظام الأسد الفاشي، و طلبنا منها الإذن بنشر قصتها في الكتاب الذي نحلم بنشره ذات يوم، فوافقت بكل حماس. افترقنا بعدها عند الطريق الفاصلة بين الأشرفية وبرج حمود، فاتجهت إلهام نحو الأشرفية وأكملت طريقي باتجاه منزلي على أطراف برج حمود قريبا" من منطقة تدعى النبعة. حين وصلت منزلي وجدت زوجي ساري مستيقظا" يتحدث إلى صاحب المنزل الذي جلس بكل وقاحة على إحدى الأرائك ونظر إلي كمن ينظر إلى عبدة لديه وراح يردد : الحياة صعبة، لا يمكنني الانتظار أكثر، يجب دفع ثمن إيجار المنزل وسوف أزيده الشهر المقبل، أنتم أدرى بالأزمة الاقتصادية التي تمر بلبنان. حينها شعرت بأنني تحولت إلى امرأة أخرى، امرأة لم أعرفها من قبل، تلك المرأة التي تصرخ للمرة الأولى في وجه كل شيء، تلك المرأة التي سرق نظام الأسد منها حياتها بكل مراحلها، وصرخت في وجهه :لا يمكننا دفع الإيجار، نحن اطمئننا أننا نستأجر لدى سوري فيرحمنا، كيف لو استأجرنا لدى لبناني؟! ألا تخجل من نفسك نحن سوريون مثلك في النهاية، وتعلم بأننا منفيون قسريا" من قبل نظام الأسد الفاشي والمجرم. في تلك اللحظة فوجئت بالخالة أم عمار خلفي تردد : سأدفع أنا ثمن الإيجار عنهم. كنت قد تركت باب شقتنا مفتوحا" فدخلت الخالة أم عمار دون أن أشعر وفي يدها ظرف مليء بالمال. قالت بأن أولادها يرسلون المال لها من لوكسمبورغ وألمانيا ومن ادلب المحررة من قبل الثوار. حاولت ردها عن دفع المال، لكنها سبقتني في وضع الظرف بيد صاحب المنزل، الذي انتشل الظرف منها كمن يرى المال للمرة الأولى، على نحو مقزز. أخرج المال من الظرف وراح يعد الدولارات، فأخذ منها إيجار المنزل لثلاثة أشهر إضافة إلى الشهر الذي لم ندفعه ثم ترك الباقي في الظرف. أخبرت الخالة أم عمار بأنها غير مضطرة لدفع الإيجار عنا، فقالت بأن الدفع قد تم وطلبت مني بألا أجادل في الموضوع أكثر. عرضت علي ما تبقى من المال في الظرف، فأخبرتها بأنه لدي بعض المال وأنني لست بحاجة الآن وأن الوضع المالي لا بأس به. فوضعت الظرف في جيب جلبابها، بعد أن حلفتني بأن أطلب منها المال حين أحتاجه. كان صاحب المنزل منشغلا" حينها بعد النقود مرة أخرى للتأكد، فالتفتت إليه أم عمار وصرخت بوجهه : والآن ما الذي يستلزم وجودك بعد هنا؟ هيا غادر.. غادر وهو لم يزل يعد النقود، على نحو يبعث المرء على استفراغ ما في معدته. بعد مغادرته شكرت الخالة أم عمار وشكرها ساري أيضا" وقفز الأطفال الثلاثة في حضنها، حيث لحقوا بها من منزلها حيث كنت قد عهدت إليها مهمة جلبهم من المدرسة والروضة و إيوائهم لديها ريثما أعود من العمل. مساء ذلك اليوم، ركنت إلى طاولتي وقلمي، وبدأت بكتابة أولى مسودات مقالاتي الطبية في صفحتي الخاصة للمجلة، ورحت أفكر عما يمكن أن يدور موضوعها، هل عن سوء استخدام المضادات الحيوية؟ أم سوء استخدام أشكال فيتامين A بغرض تنقية البشرة وإزالة حب الشباب؟ أو الأدوية المنحفة أو المسمنة؟ جعلني ذلك أسترد ذكريات مؤلمة وأخرى جميلة مما عشته في حياتي الجامعية حين درست الطب في جامعة مدينتي.
كتاب أمل _٥_ كنت شيوعيا" في شبابي ،ثم تعرفت إلى الإسلام واعتنقته ،لأحذو بذلك حذو الكاتب الفرنسي روجيه غارودي . وقبل الثورة كنت مجرد شاب طائش على وشك أن يطرد من جامعته يقضي جل وقته في المقاهي والخمارات . قرأت في بداية حياتي كتاب الثالوث المحرم لبو علي ياسين عن الدين والجنس والسياسة ،وكانت أمور من قبيل أجراس الكنيسة أو سماع تلاوة آية قرآنية على سبيل المثال :(فأما اليتيم فلا تقهر ) لا تؤثر بي مطلقا" ! لكنني كنت جيد التأقلم مع أي جديد ،حتى مع أي عمل إلى الحد الذي عملت فيه ذات مرة حارسا" لمقبرة ومرة حارسا" لمستشفى مجانين ! قرأت هرطقات جورج طرابيشي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة ،وتشاجرت مع أبي بعد وفاة والدتي وزواجه حين أزال صورتها من المنزل ورمت زوجته الجاهلة بكتب مكتبتي الصغيرة في صناديق ونقلتها إلى السقيفة ،ثم هجرت المنزل بمن فيه . عملت بداية في مكتبة خارجية ونمت فيها ،وكنت أقضي ليال كثار أستمع إلى أغنيات شارل أزنافور العاطفية ،وقراءة أعمال آرثر ميللر مثل أي صبي حالم . حين اعتنقت الإسلام لاحقا" تعلمت احترام جميع الطوائف وعدت إلى منزل والدي وطلبت الصفح منه وجلبت معي صورة لي برفقة والدتي وأنا أضم عنقها بكلتا ذراعي . صرت أصوم رمضان ،وألتزم المنزل خلاله ،وأقرأ أعمال نجيب محفوظ لتؤنسني في لياليه . وحين انتفض الشعب في وجه الظلم ،بسطت جناحي كفراشة خبيئة في الشرنقة وانطلقت نحو الحرية ،بقلب مؤمن ورغبة جامحة في الدفاع عن الشرف والفضيلة والحق بعد المجازر التي ارتكبها النظام الأسدي ،وسارعت للانضمام إلى الثوار ،لأحمل السلاح والذي به فقط سيعلو صوت الحق و تكلل حياتي أخيرا" بالمعنى الذي أضعته كثيرا" من يدي بملء إرادتي . أمل _٦_ التحقت بالجامعة بكلية الطب حين بلغت العشرين من عمري، كان هذا التأخر مرده إلى تأخر تسجيلي دوما" كنتيجة مقيتة كعادتي مع كل ما يتعلق بأوراق الدولة، لكون والدي معارضا" سياسيا" يقبع في سجون الأسد المجرم. ولذلك لم أحظ بصداقات حقيقية ربما، وكنت وحيدة على الدوام، وأذكر أنني في الأوقات التي تفصل مابين المحاضرات كنت أقضي وقتي متأملة أشجار السرو والحور الشامخة في حديقة الجامعة، وتمايل أغصانها مع النسيم، أنسج شعرا" ما في رأسي. إلا أن ذلك لم يدم طويلا"، فقد تعرفت بأصدقاء لي وصديقات معارضات للنظام البعثي الأسدي، إلا أنهم كانوا يخشون الإفصاح عن مواقفهم خوفا" وذعرا" من بطش هذا النظام. كان أصدقائي يصغرونني بعامين، وسبب ذلك لي نوعا" من الشعور بعدم الانتماء، كنت نصف منتمية، إلى أن رسمت لي أيامي معهم حالة معينة أعيشها حين أكون بقربهم، وكأنني ملكت مع الوقت أكثر من شخصية، في كل شخصية بدوت فيها متأقلمة مع من أعاشرهم. في الجامعة لم يعرفوا عني شيئا" ولا عن مواقف والدي السياسية عدا ساري الذي تعرفت به ذات يوم من أيام وحدتي، حين كنت واقفة أتأمل لوحة العقاقير النباتية في جناح الصيدلة من كلية الطب، وجاء هو متأخرا" في تسجيله تماما" مثلي ولكن لسبب آخر، أو ربما لنفس السبب فهو أيضا" ابن معارض لنظام الأسد المجرم وغياب والده سبب رئيسي لقضاء حياته في ميتم سيء السمعة وسيء الخدمة الأمر الذي أدى به إلى التأخر عن التسجيل في الجامعة. أذكر ذلك اليوم بوضوح، وكيف أنساه وهو اليوم الذي لم أضطر فيه إلى أن أكون فتاة أخرى، وأن أكون على طبيعتي عفوية بكل جوارحي. استأذنني بأن أدله عن مكتب شؤون الطلاب الخاص بتسجيل الطلاب الجدد في كلية الطب، فكان له ما أراد. بعدها قصصت له حكايتي مع التأخر في التسجيل تماما" مثله، وشعرت لأول مرة بأنني أحظى بصديق حقيقي. وهكذا أصبحنا صديقين، ثم حبيبين بكل بساطة الوقوع في الحب، ومعه فقط شعرت بأنني انسانة طبيعية كبقية الناس ونسيت اختلافي عن أقراني. نظرت إليه وتأملته وهو نائم في اليوم التالي، كنت قد غفوت فوق أوراقي المبعثرة على سريري الصغير في غرفة نومنا المتواضعة، نهضت قلقة بشأن تأخري عن عملي في يومي الثاني للعمل، كنت قد أنهيت مقالتي عن كيفية اختيار الواقي الشمسي المناسب للبشرة، والتي وجدت بأنها تتلائم مع توجه المجلة. لمست جبين ساري وتحسست حرارته، فبدا وكأن النار تشتعل في رأسه، فشعرت بذعر كبير. توجهت نحو صيدلية المنزل وأحضرت ميزان الحرارة، استيقظ الأطفال الثلاثة على وقع خطواتي وقفزوا من الأسرة بفضول طفولي، ولحق التوأم بي بينما أمسكت تالا بطرف فستاني مندهشة. حملتها بين ذراعي وأكملت طريقي نحو ساري، كان قد استيقظ للتو محاولا" الجلوس في سريره، فوصلت في اللحظة المناسبة لمنعه عن القيام بذلك، بكيت وترجيته بأن يسمح لي بقياس درجة حرارته حين وجدته غاضبا" من الحال التي وصل إليها. مد يده وراح يمسح بها دموعي عن وجنتي، وهدأ. قلت له بأنها فترة عصيبة وستمر و ستنتصر ثورتنا ونعود لبلادنا، وأنه عليه أن يلتزم بكل ما قاله الطبيب حتى يسارع في الشفاء ويتعافى. قست درجة حرارة جسمه، فأعطاني ميزان الحرارة رقم 40، جلبت فورا" من الصيدلية حبتين من خافض حرارة، بينما كانت تالا قد أجهشت بالبكاء وهي تحاول عدم الإفلات بفستاني حتى كادت أن تتعثر وتسقط. بعد أخذه الدواء احتضنني ساري وبكى بشدة، وشعرت حينها كم أن وجودنا معا" هو ما كلل حياتي بالمعنى، بأن نهزم نظام الأسد ذات يوم، لقد كان هذا معنى حياتنا وسوف يتحقق، نعم سوف يتحقق... قال ساري وهو يقرب جسدي إليه أكثر وأطفالنا يتحلقون حولنا كالملائكة.
كتاب أمل _٦_ احتفلت بزواجي على الطريقة الريفية ،على نحو بسيط للغاية بعد أن تأخر زواجي لسنوات ،لكوني امرأة مثقفة وعاملة لا يفضلها الرجال . كان خطيبي يملك سلطة ونفوذا" في قريته التي نصب مختارا" لها ،وكنت أنا بالنسبة له زوجة لائقة تكمل صورته البراقة التي عليه أن يظهر بها على الدوام أمام أبناء بلدته . وبعد زواجي به اكتشفت بأنه مخبر ينقل كل ما يحصل في بلدته إلى الأفرع الأمنية التابعة للنظام الفاشي الأسدي . كنت أشاهد التقارير التي يكتبها في دروج مكتبه ،وأحيانا" كان يلفقها للقضاء على من لا يستسيغه . انزويت بنفسي بداية وانشغلت بعملي كمدرسة للغة الفرنسية وهواياتي بالاستماع إلى ماكسيم لافوريستيير وقراءة دواوين شارل بودلير . لكنني لم أكن لأحتمل السكوت عن الحق مطولا" والبقاء كزهرة مقيدة لا تفوح بعطرها وبأسرارها . كنت أرغب في أن أملك شجاعة سكارلت أوهارا بطلة مارغريت ميتشل في روايتها الشهيرة وأمسك بزمام الأمور . كان لي صديقاتي وأصدقائي نجتمع في مجالس مسائية أغلبهم يحملون أفكارا" شيوعية ،نتكلم فيها عن فاشية نظام البعث وبيروقراطيته ،كاسرة بذلك خوفي من زوجي المخبر . تمنيت لو أخوض في غمار السياسة أو أتجرأ على الولوج في عالم الصحافة إلا أنني كنت أضعف مما اعتقدت ،كنت كغيري مجرد عبدة اعتادت على العبودية ،وكنا جميعا" نحتاج شخصا" كنيلسون مانديلا ينقذنا من عبوديتنا . كان زوجي كغيره من رجالات السلطة الأسدية يجمع ما بين الجهل والتعصب الطائفي مع الانحلال الأخلاقي وسوء استخدام حريته المنفلتة وسوء استخدام سلطته . كان كاذبا" ومنافقا" مثله مثل رجالات الدين المقربين من سلطة البعث ،همهم الوحيد التنعم بغنائم السلطة متسترين على إجرامها وفسادها . ولكن ورغم كل ذلك كنت على يقين بأن الآية الكريمة :((ولا تحسبن الله غافلا" عما يفعله الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار )) ستتحقق لا محالة . رغم ظن البعض بأنني شيوعية إلا أنني كنت أثق بالقرآن الكريم . أتعلمين ماهي الحياة ؟ كان زوجي يسألني ،ثم يجيب بأنها القوة كما يقول نيتشه ،بالقوة وحدها يا زوجتي تعاش الحياة ولا شيء أهم من القوة . ماذا عن الحقيقة والأخلاق والحق والضمير ؟ كنت بداية لا أجرؤ على النطق بهذا السؤال أمام زوجي المقيت ،إلا أنني ذات يوم انتفضت كما كل الشعب السوري وسافرت إلى المدينة للخروج في المظاهرات الاحتجاجية ،وأنا كلي ثقة بأن الحق سينتصر يوما" مهما ملأ الفساد البر والبحر .
أمل _٧_ لم تعجب روز بالمقالة التي كتبتها والتي عرضتها عليها حال وصولي مقر المجلة، قالت بأن موضوعها قديم وغير جذاب وأنه قد تم نشر مقالات مشابهة لذلك في أعداد سابقة، فوعدتها بإضافة ملحق للمقالة أتحدث فيه عن نصائح عن إضافة سيرومات مع الواقيات الشمسية بما يجعل المقالة أكثر جاذبية، فبدت مهتمة بالفكرة. ثم اقترحت عليها بأن أجزأ مقالاتي دوما" بحيث يكون نصفها يتحدث عن نصائح تغذوية والنصف الآخر عن نصائح تجميلية، فأومأت برأسها على نحو يفهم منه أنها ستحكم على الأمر بعد أن ترى النتيجة التي سأخلص لها. شعرت برغبة في ترك كل ما بين يدي والركض باتجاه منزلي لأضم ساري وأطفالي لكنه كان علي المقاومة. جلست حينها خلف مكتبي ورحت أبكي، واستذكرت كلام جدي والد أبي حين كنت صغيرة واصطحبتني والدتي إلى بلدة والدي حيث جربنا العيش هناك لكننا لم نتأقلم مع إهاناتهم لشخص والدي ووصفه بالخائن. كان جدي هو الشخص الوحيد الذي لم يطلق الأحكام على والدي، بل بالعكس كان يشجعه واعتبره بطلا"، فكان يمسد كل ليلة على شعري و يردد كلماته التي مازالت محفورة في صميمي : أنا فخور بوالدك يا أمل، تعرفين لماذا؟ لأنه صادق، لأنه لم يبع مبادئه ولم يساوم عليها، إن الإنسان الذي يتلون مع الريح لا يستحق الاحترام، أما والدك فيستحق كل التقدير والفخر، لأنه دفع من حياته وعمره ثمنا" لمبادئه. فكرت في أن جدي كان محقا"، فقد عاش والدي قرير النفس حتى ولو قضى جل عمره في السجن، بينما عاش أقرباؤه حياة مزيفة رغم استمتاعهم بثروته. حين مات جدي بعد عام من وصولنا البلدة، وتم تشييعه في جنازة لم يحدث لها مثيل بين جميع البلدات المجاورة، تأكدت من كلامه. كان جدي أيضا" مثالا" للرجل الملتزم بمبادئه، كان مزارعا" كادحا" ورغم أنه انتمى في فترة من حياته لحزب البعث إلا أنه غادره حالما اكتشف وأدرك نفاقه و محاولته السيطرة على كل مافي البلاد بحجة الاشتراكية الواهية. عاش جدي بعدها حياة عملية بحتة، كان يخرج كل صباح إلى الحقول ليتفقد الأرزاق، وليعمل بيديه وبقي هكذا حتى آخر يوم من عمره، لذا حظي باحترام الجميع، ولم يكن ليرضخ لأي كان مقابل المال. حاول كثر بأن يجعلوه يبيع حصصه من الأراضي، أو ضمها للمستثمر الأكبر في البلدة، (سجيع) المنضم لحزب البعث من أجل التمتع بالسلطة والنفوذ. لم يرضخ لأحد طوال حياته، وعاش بين من يحبوه ويحبهم، وحين شتموه لأجل مواقف ولده( أي أبي) لم ينصت لأحد ولم يغير من موقفه تجاهه، وعلى العكس خاصم كل من يتكلم عنه،أو يطلق عليه صفات غير لائقة. كان يدخل إلى غرفتي بعد عودته من الحقل فيجدني أشاهد التلفاز، فيستشعر وحدتي، فيحملني بين ذراعيه القويتين و يمضي بي بين الحقول، يقطف لي التين والعنب والتفاح والخوخ ويطعمني إياها،ثم يقبلني بحب ويضمني إلى جسده، فأشتم رائحة شماخه التي تشبه إلى مدى" بعيد رائحة أبي. فكرت و أنا جالسة خلف مكتبي، فيما كان سينصحني به جدي لو كان مازال على قيد الحياة، حتما" كان سيقترح علي ترك العمل، مهما كانت حاجتي للمال. زارتني إلهام وأنا سارحة في تفكيري، وجلبت معها مفاجأة جميلة للغاية. قالت بأنها وجدت ممولا" مستعدا" لتقديم المال لنا من أجل طبع كتابنا، وأنه صار بإمكاننا الشروع في كتابته. سألتها فيما لو يمكنه الدفع لنا سلفا"، بحيث نستطيع ترك عملنا في المجلة، فأخبرتني بأنها اتفقت معه على ذلك. لم أتوان عندها ولو للحظة واحدة في تقديم استقالتي وإعادة المال الذي اقترضته من روز،ثم المضي برفقة إلهام_ بعد أن نفضنا عن عاتقينا عبئا" ثقيلا_وذلك نحو تأليف كتابنا الذي سنحفظ به كرامتنا و نلبي من خلاله نداء ثورتنا.
كتاب أمل _٧_ كنت دوما" ناشطة نسوية ملتزمة ،إلى الحد الذي وصفت به على الدوام بالنسوية الفظة ،رغم أنني كنت أعمل موسيقية لا أكثر،وحين كانوا يضيعونني كانوا يجدونني في المستشفيات ومراكز التأهيل النفسي للمغتصبات في السجون . نشأت في منزل علماني مع أب كاتب ومفكر غيب قسريا" من قبل أمن الأسد فتربينا أنا و أخي على حب الأدب والفن والثقة بأنهما الوسيلة الوحيدة لمواجهة ديكتاتورية الأسد . اعتقلت و أخي ونحن نحتفل بتوقيع روايته الأولى في مقهى ثقافي ،بتهمة التعامل مع منظمات متطرفة . التقيت في المعتقل بشابة تبدو عليها أمارات الثراء والجاه ،كانت معتقلة للسبب نفسه ،واستطاعت إقناع السجان بالمال بتمرير الكتب إليها . كانت تقرأ على الدوام كتبا" صوفية ،وكتابي القصص القرآني والكتاب والقرآن لمحمد شحرور ،وأحيانا" كانت تقرأ الإنجيل المقدس . قالت بأنها خريجة كلية الطب وأنها اعتقلت من الجامعة نفسها في يوم الاحتفال بتخرجها ،بعد أن اجتمع جميع الخريجون لأخذ صورة جماعية تذكارية وهم يرمون بالمراويل البيضاء في الهواء الطلق احتفالا" بالتخرج . حين خرجت من المعتقل بحثت عن شقيقي لكن لم ألق له أثر مع أنه كان لا أدريا" و حتى ملحدا" على نحو أشد مني ولم يكن يشغله سوى استعادة معشوقاته الكثيرات . وحين يئست من العثور عليه قررت أن أرحل إلى بلدة والدي الكاثوليكية على الحدود السورية أعالج بها روحي المحطمة . حين وصلت سحرت بأزقتها القديمة التي تشبه شوارع إيطاليا أو اسطنبول العتيقة . تعرفت بنسوة عجائز هناك سافر أبناؤهن هربا" من بطش الاستبداد ،وصرت أجتمع بهن وأقرأ لهن مقاطعا" من غراتسيا ديليدا وإيزابيل ألليندي وآليس مونرو ،حيث تسنى لي العيش وفق حياة نسوية لطالما حلمت بها . كنت أقرأ إيميلي برونتي في الشتاء إلى جانب مدفأة الحطب في منزل أجدادي الريفي و أبكي حزنا" على فراق أخي . أسست مكتبة في الريف وجمعية للنساء القارئات وعرفتهن على الأدب العالمي ،فتغيرت حياتهن وخرجن من حزنهن وعزلتهن وغدون واعيات لما يحصل حولهن وكيف يمكنهن مواجهة ديكتاتورية الأسد التي لا تتلائم معها سوى صورة المرأة المنحطة ،أو النسوة اللواتي بعن شرفهن من أجل التنعم بخيرات السلطة الفاسدة .
أمل _٨_ شعرت بتوعك وصداع في الرأس حالما وصلت المنزل، فتناولت مسكنا" وتوجهت نحو زوجي ساري لأطمئن عنه، فإذ به قد نهض بمفرده وزحف نحو درج الخزانة حيث يحتفظ بكاميرته الخاصة التي كان يوثق بواسطتها انتهاكات وجرائم النظام الأسدي بحق المتظاهرين. كان جالسا" على الأرض يحضن كاميرته ويبكي بحرقة، لعجزه عن النهوض وعجزه عن فعل شيء يلبي فيه نداء الثورة. ركضت إليه لأساعده على النهوض، ورحت أمسح له دموعه بيدي بكل ثقة، وأنا أزف له الخبر السعيد بأننا وجدنا طريقة لخدمة الثورة من هنا، وبأنه يمكنه بالنسبة له ولي أن نشارك مشاركة فعالة في الثورة ضد نظام الأسد الفاشي. سرعان ما هدأت نفسه حين أخبرته بذلك، وبعد أن أجلسته على نحو صحي على الأريكة، أردفت: سننشر ما كتبناه وماصورته في كتاب باللغتين العربية والفرنسية بالإضافة إلى قصص المنفيين والمبعدين سياسيا" والنازحين هنا في بيروت، كلها سننشرها، لن يذهب كل ما فعلناه سدى"، سنفضح ذلك النظام البائس، نظام الأسد القادم من الجحيم.. صدقني يا حبيبي.. حينها ضممنا بعضنا بكل ما أوتينا من توق وبكينا فرحا" بأن صوتنا سيسمع أخيرا"، وأنه أصبح لوجودنا معنى بعد أن كنا قد بدأنا في الغوص في اليأس والشعور باللاجدوى. ثم أردفت : سوف تشارك أنت أيضا" في توثيق قصص النازحين والمنفيين قسريا" هنا في بيروت، سأصحبك معي حين تتحسن على كرسي متحرك، لتوثق بالصوت والصورة، تماما" كما كنا نفعل حين بدأت الثورة. ساعدته بعدها على النهوض، و مددته في سريره، وصرت أغني له أغاني الثورة التي كنا نغنيها في المظاهرات السلمية التي خرجنا فيها في بداية الثورة، بينما راح هو يبتسم من كل قلبه و يقبل يدي، فعاد ذلك الحماس الذي جمعنا في الماضي وكأنه نبت في تلك اللحظة من الزمن، كاسرا" الأرض الحديدية التي تحول دون ظهوره للضوء، من بين أيدينا نبت هذا الحماس، قلناها معا"، من بين أيدينا ومن عناقنا ولد هذا الغصن الثائر والذي سيثمر بأطفالنا، من بين أيدينا نبتت الثورة وكبرت و تعاظم شأنها، من بين أيدينا أمسى الحلم حقيقة.. من بين أيدينا..
كتاب أمل _٨_ درست الطب مثل أي شاب يحلم بمستقبل جيد يليق بإسم عائلته ويحقق طموحاتها في ولدها الوحيد ،وافتتحت مخبرا" للتشخيص وفق اختصاصي . وذات يوم زارتني سيدة أنيقة المظهر مضطربة الأوصال برفقة حارس شخصي وطلبت مني إجراء تحاليل عامة لها . راحت تغازلني أثناء أخذ عينة الدم وقالت بأنني أشبه ملوك جمال الكون الذين ينتخبونهم في المسابقات العالمية وأنها ترغب إن لم يكن لدي مانع في أن أصاحبها ،فأخبرتها بأنه ليس لدي مانع بأن نكون صديقين . اتصلت بي ذات يوم وطلبت أن نلتقي في المركز الثقافي لحضور فيلم سينمائي ،وهناك طلبت مني بأن أكتب تقريرا" طبيا" يقر بأن دمها خال من المواد المخدرة ،وأنها مستعدة أن تغدق علي بالمال الوفير إن استجبت لطلبها . بكت وهي تخبرني بأنها ابنة ضابط كبير في مخابرات الأسد وبأنه يهددها بإيداعها في مركز إعادة تأهيل وحرمانها من كل حقوقها . لم تسمح لي أخلاقي المهنية طبعا" بأن أتلاعب بنتائج التحاليل الطبية ورفضت طلبها ،حينها أخبرتني بأنني من جنى على نفسه . في اليوم التالي جاءت دورية من أمن الدولة تابعة لنظام الأسد الهستيري و فتشت المخبر وعثرت على مخدرات تعطى عبر الحقن الوريدي فيه ،كانت قد وضعتها لي حتما" تلك الساقطة فاتهمتني بتحويل المخبر إلى مركز لبيع المخدرات و تعاطيها سرا"،وقبضت علي . في الزنزانة حيث زججت فوجئت بتلك المرأة في الزنزانة تنتظرني ،وعقدت معي صفقة بأن تخرجني مقابل الرضوخ لطلبها ،فقبلت بعرضها . حين خرجت أطلقت صرخة من القهر وبكيت بشدة ،واتخذت قرارا" سريعا" بمغادرة البلاد . بعد أسابيع من وصولي اسطنبول ،سمعت بأن المظاهرات المطالبة بإسقاط نظام الأسد قد ملأت شوارع البلاد ،فقفلت راجعا" للمشاركة فيها . اجتمعت بداية بأصدقاء لي في مقهى ثقافي في اللاذقية ،وانطلقنا منه ،وبعد عدة أيام اتجهنا صوب حمص للمشاركة في مظاهراتها وهناك قتل الكثير من المتظاهرين عراة الصدورعلى أيدي شبيحة النظام الأسدي . قررت بعدها الانضمام إلى الثورة المسلحة وحمل السلاح في وجه هذا النظام البربري ،نظام الأسد القادم من الجحيم .
أمل _٩_ اتصلت بإلهام في اليوم التالي، لتحديد موعد من أجل مقابلة فتاة سورية نفيت قسريا" من قبل نظام الأسد الفاشي هنا ليؤول بها الأمر لأن تعمل كمصححة لغوية في بيروت ولها وعائلتها ماض من الاضطهاد من قبل نظام الأسد المجرم منذ عهد الديكتاتور الأب. نظرت في المرآة فبدوت كامرأة تسللت الحياة أخيرا" إلى التجاعيد التي رسمها اليأس على سحنتها، امرأة لم تعد تعرف الخوف أو التردد أو الهشاشة. نظرت في عيني ساري فوجدت ذات المشاعر، كانت هناك مخبأة خلف جراحه التي سينتصر عليها لا محالة، جراح الروح والجسد. وشعرت بما يتأجج في داخله وكان حتما" رغبة في الصراخ في وجه كل من سكت على ممارسات نظام الأسد المجرم، النظام الذي كان السبب في أن يحيا حياة مختلفة و قاسية لم يشعر بطعمها الحلو يوما". حين خرج ساري من الميتم راح يفتش عن أشقائه في عرض البلاد وطولها إلا أنه لم يعثر على أثر أي منهم، فحكم نظام الأسد المجرم عليه بالوحدة مجددا"، بعد أن أخفى أشقته عنه و شتت عائلته. ثم ارتحل غريبا" في هذا العالم، كرحيل عيسى الناصري ابن مريم، يروي قصته بغصة لن تزول سوى بزوال هذا النظام الوحشي الأسدي البعثي. ثم عاد إلى منزل والديه فوجد أناسا" قد استحوذوا عليه، والذين بلغوه ما قامت به حكومة الأسد من مصادرة جميع أملاك والده لمعارضته السياسية لحكم حزب البعث. حينها قرر العودة إلى والدته، عاد إليها بقلب محب وصدر منشرح، مقررا" الصفح عنها، إلا أنها قابلته ذلك بكل جحود، كانت قد بنت حياة أخرى برفقة زوجها رجل الأعمال المقرب من سلطة الأسد. رمته في غرفة جانبية من الفيلا التي تعيش فيها، وأخبرته بأن كل شيء سيصل إليه، دون أن تضطر للتعامل معه، قالت بأنها لا ترغب بشيء يذكرها بمعاناة الماضي مع والده على حد تعبيرها، و بأن وجوده بين عائلتها الجديدة سيعرض ربما العائلة للمساءلة أو فقدان الثقة وربما للخطر! عاش ساري هكذا قانعا" بما تقدمه والدته الجحودة من مشاعر بين الحين والآخر حين تزوره في الغرفة، ولم تبدي طوال تلك السنين له أية رغبة في معرفة مصير أشقائه. إلى أن استيقظ ذات يوم على فاجعة كبيرة، حيث اقتحم مسلحون من شبيحة أحد القادة الكبار في النظام الأسدي وقاموا بتصفية عائلة والدته برمتها، بمن فيها والدتها وأطفالها وزوجها تاجر الكبتاغون وذلك لأسباب لم يعرفها أحد، قد تكون لخلافات مالية بينهما، أو كتصفية لطرف قرر أن ينشق عنهم. كان ساري حينها نائما" في غرفته المنعزلة، ولكونهم لا يعلمون عن وجوده أصلا" فقد نجا من تلك المجزرة. وهكذا انتهت والدته نهاية فظيعة على أيدي نظام الأسد المجرم الذي أعلنت ولائها له طوال تلك السنوات التي عاشتها. إلا أنني حظيت بوالدة لا تشبه بتاتا" والدة ساري، كانت من نوع الأمهات اللواتي تضحين حتى بأنفسهن من أجل أطفالهن، وتستشرسن في الدفاع عنهن، وأحبت والدي على الدوام، رغم طول غيابه عنها في السجن. كانت دائمة الوصف له بالملاك، و عملت على أن أراه في أجمل صورة، كما كان هو حقا". أحبت والدتي والدي حين كان يدرسها في الثانوية العامة، بعد أن كلف بالتدريس في مدرسة بلدتها المجاورة لبلدة أبي. كانت واحدة من بين صديقات ثلاث يعرف عنهن حبهن وإقبالهن على الحياة، وافتعال المقالب مع المدرسين، وكان المدرسون يتقبلون منهن كل مايصدر عنهن من مزح أو مقالب. إلا أن والدي لم يتقبلهن بداية حين بدأ التدريس في تلك المدرسة، وكان شابا" قويا" مقبلا" على الحياة ولم يكن قد تخرج بعد من الجامعة إلا أنه رغب في الحصول على المال من عرق جبينه بما يتوافق مع مبادئه اليسارية، هو القادم في الأصل من عائلة ثرية لكنها تقدس العمل وتؤكد على وجوب أن يأكل المرء من عرق جبينه. وذات يوم وحين كانت تلك الطالبات التي من بينهن أمي تتهامسن على وسامة أستاذهن الجديد، غضب والدي وطردهن من الصف، فجاءت إليه والدتي بعد انتهاء الصف واعتذرت له، ومنذ ذلك اليوم أحب والدي والدتي وصار يسمح لها بأن تطلق ما تشاء من نكات ونهفات بما لا يتعارض مع فهمها للدرس الذي يشرحه. ثم أصبحت حبيبته ورفيقة حياته في كل خطوة يخطوها في هذه الحياة،بالرغم من انها لم تكمل تعليمها وتفرغت للإنسان الذي أحبته وكلل حياتها بالمعنى وخلصها من قسوة وجبروت أخيها المتطوع في جيش الأسد الفاشي، والذي حول حياتها لجحيم بشكوكه المرضية ومحاولة السطو على كل ماتملك بعد وفاة والدها. لقد وجدت أمي من قبلي المعنى لحياتها في الحب والثورة على كل ظلم، وهذا ما وجدته مع ساري وروحه الثورية ضد نظام لم يمنح بلادنا سوى الشقاء والقهر والذل و القمع.
كتاب أمل _٩_ حين قصفت قريتنا بطيران نظام الأسد المجرم ،بعد اندلاع الثورة توجهنا أنا وزوجي وطفلي باتجاه الأراضي اللبنانية ،ثم انضم زوجي إلى الثوار وغادرنا أنا وطفلي ولم يعد بعد ذلك ،وقيل بأنه استشهد في إحدى المعارك . صرت بعدها في كل ليلة أضم ملابسه إلى صدري وأبكي وتراودني رغبة في أن أحمل السلاح وأحارب عصابات الأسد بنفسي انتقاما" لزوجي . كان يأتيني في الحلم ليطمئنني أنه بخير وهو ينعم في جنات الخلد والنعيم ،وتارة كانت تراودني ذكرياتي معه في فرحنا وخصامنا ،وحين كان يلقي لي قصائدا" من شعر نزار قباني . أنا اليتيمة التي وجدت فيه الأب والصديق والحبيب ،الذي رعاني و شجعني على إكمال دراستي الجامعية ،حتى حصلت على شهادة في الأدب العربي ،وأهداني في حفل تخرجي مجموعة كتب للروائي السوري خيري الذهبي. تزوجته وعشت معه حياة بسيطة في منزل صغير كان قد استأجره ،لكن رغم كل الفقر كنت سعيدة معه وكنت على ثقة تامة بأنني لن أجد زوجا" أفضل منه وأنني لن أعرف السكينة والراحة إلا بين يديه . كنا مختلفين في الثقافة بأميال ،فعلى الرغم من أنه توقف عن الدراسة عند المرحلة الثانوية ،إلا أنه كان يكلمني على الدوام بأشياء لم أسمع بها من قبل كجدار برلين ،وأهمية حدث سقوطه وأنه يمثل علامة فارقة في التاريخ ،وكان يشبه الأسد المجرم بهيرودوس قاتل أطفال بيت لحم . حين انتفض الجميع ضد الظلم بكى ،وحين سألته عن السبب قال بأننا أخيرا" تحررنا من الخوف وهو أعظم ما قد يحصل لشعب مقهور . وكم تذكرت كلامه وأبقاني قوية في سنوات النزوح في بيروت ،حيث عملت في بيوت كثيرة واضطررت أحيانا" لدفع طفلي للعمل أيضا" ،وكنا نسكن أحيانا" في بيوت بلا جدران في أقصى شهور الشتاء بردا" . لم يتسن لولدي (عمر ) أن يلتحق بمدرسة إلا أنني علمته بنفسي واشتريت له مجلات أطفال ،وروايات لما كبر سنه ،كما وعدت والده . وكنت حين يطيب الزمن معي ،أصطحبه في نزهة إلى مار مارون وشارع مار الياس التجاري وأشتري له كل ما يطيب له. مر بائع أزهار سوري بقربنا ذات يوم فاشتريت لولدي زهرة ،فأخبرني بأنه سيزرع مثلها في أرض سوريا حين يعود إلى سوريا و يهديها لوالده ،مهما تأخرت هذه العودة . زرع كلامه الأمل في قلبي بأننا سننتصر لا محالة ذات يوم على نظام الطاغية الأسدي ونعود لبلادنا الغالية .
أمل _١٠_ كان قد مضى أسبوع واحد على بدء التحضيرات للكتاب الذي سنوثق فيه أنا وساري قصص الفارين من بطش نظام الأسد إلى بيروت، وستقوم إلهام بترجمته إلى اللغة الفرنسية. استيقظت في ذلك اليوم وأيقظت أطفالي لتجهيزهم قبل أن يأتي الأوتوبيس الخاص بنقلهم إلى مدرستهم. وتوجهت نحو سرير ساري لإيقاظه، فقد كنا قد عهدنا دوما" أن نعيش كل تفاصيل حياتنا مع بعضنا كعائلة وألا نفترق يوما". ظننت ساري نائما" بداية" كعادته، لكنني تنبهت إلى أنه تأخر عن موعد استيقاظه المعتاد، لذا عزمت على إيقاظه بنفسي. حاولت بالفعل إيقاظه إلا أنه لم يستيقظ، أصبت حينها بذعر كبير، فهززت جسده بقوة كي يصحو ورحت أردد : ساري، ساري... لا تتركني بعد أن صار لحياتنا معنى.. اتجهت مثقلة الرأس وغير متوازنة حافية القدمين إلى منزل الخالة أم عمار وطرقت الباب عليها. حين فتحت استنجدت بها كي تساعدني وأخبرتها بأن ساري لايستيقظ. طلبت مني الانتظار بقربه ريثما توقظ هي زوجها العم أبو عمار، فقفلت راجعة إلى حبيبي ورفيق دربي ساري. بعد دقائق صعدنا جميعنا إلى سيارة الفان الأجرة التي أحضرها العم أبو عمار، بعد أن قام شبان لبنانيون من الحي بمساعدتنا على حمل ساري إلى السيارة. في الطريق إلى المستشفى أخبرنا العم أبو عمار أنه والخالة أم عمار لن يتمكنوا من ولوج المستشفى لأنهم لا يملكون أوراق إقامة. ورحت أنا أتمتم بتلعثم وأدعو :إلهي لا تأخذه مني،يارب أبقه لي، أبقه لأولاده.. أرجوك يارب.. وشعرت بأنني أضعف امرأة على وجه الأرض، أو كأنني كنت وحيدة في هذا العالم الواسع والكبير أتخبط كسمكة غادرت مياه المحيط. للمرة الأولى شعرت بأنني أخاف الموت، لا منه على نفسي وإنما منه على ساري، وعلى موتي المحتم الرمزي من بعده. سيتعين علي بأن أعيش كامرأة أخرى لو رحل لا سمح الله ساري عنا، سأفقد كل الشغف بالعيش وستسوء حالتي من بعده أكثر مما ساءت حين غادرنا بلادنا وقدمنا إلى بيروت. بدون ساري سأتحول إلى أخرى، امرأة بلا روح ولا مشاعر، سأعود تلك الطفلة التي تزور والدها وتقبله من وراء القضبان، سأعود تلك الحزينة والحذرة على الدوام، سأعود تلك الخائفة، وتلك المراهقة التي تبحث عن معنى لحياتها، وعن صديق يرافقها الدرب المختلفة التي تسلكها. (هيا، عد إلي يا حبيبي لأننا لم ننهي دورنا بعد في هذا العالم يا حبيبي) . وحين وصلنا المشفى ركض السائق ليحضر مسعفين من الداخل حينها أجهشت بالبكاء و سقطت دموعي فوق جبين ساري بينما كان أطفالنا الثلاثة قد تسلقوا ظهري والمقعد يبكون أيضا"، كنا جميعا" نحتاجه، وأدركنا في تلك اللحظة كما كل لحظة بأنه لا قيمة لحياتنا من دونه.
كتاب أمل _١٠_ أنجبت طفلي في يوم عيد المولد النبوي الشريف فأسميته( محمد) وحين كبر أصبح صديقا" ومؤنسا" لي بعد غياب والده في إحدى دول الخليج ليؤمن لنا حياة كريمة. تخرج محمد من الجامعة وأصبح معيدا" قبل أن يحصل على الدكتوراة ويصبح ضمن أعضاء هيئة التدريس. كان محمد طموحا" ورغب في إدخال مفاهيم جديدة في التعليم الجامعي كاتباع طريقة جون ديوي في التعليم و ربط العلم بالتجربة. اصطحب طلابه في محاضرات في الهواء الطلق،ودمج العلم النظري بالعملي. إلا أنه سرعان ما تم التضييق عليه من قبل نظام الأسد القمعي والرجعي، وأصبح ولدي دائم الصمت إلا أنني كنت على يقين بأن شيئا" ما يضايقه. (نحن نعيش تحت رحمة بعض أنواع الصمت) كما يقول موديانو. إلى أن جاء ذات يوم ليخبرني بأنه ينوي الاستقالة من العمل والسفر إلى والده، وأنه لم يعد يحتمل مضايقات تلك العصابة الجامعية من الفاسدين وأنه يتعرض لمضايقات من قبل أبناء مسؤولين تابعين لنظام الأسد البعثي الفاشي والفاسد وإلى ضغوطات من قبلهم لإنجاحهم مقابل رشاو مالية، وأنه حتى يتعرض للعنصرية من جميع الطاقم الجامعي. وبما أنه لا يمكن التجادل مع عنصري كما تقول دوريس ليسينغ فقد قرر ولدي أن يستقيل و يغادر البلاد. وفي غضون أيام جهز نفسه للسفر دون حتى أن يؤمن وظيفة لائقة هناك، وقال لي بأنه سيعمل إلى جانب والده في مجاله التجاري ريثما يعثر على عمل في مجاله. (الأنا عكس المعرفة كما يقول أينشتاين، فكلما كثرت المعرفة صغرت الأنا وتواضع الإنسان) كان يقول لي. لكن قبل أيام قليلة من موعد سفره اعتقلته سلطات الأسد المقيتة في أحد الشوارع. وحين انتفض الجميع ضد نظام الأسد خرجت في المظاهرات للمطالبة بولدي كما كثيرات من الأمهات اللواتي كن في الصفوف الأولى في أولى مظاهرات الثورة السورية العظيمة عام ٢٠١١.
أمل _11_ حين أدخلوه غرفة العناية المشددة شعرت بأنني أرغب في مرافقته، فنحن لم نفترق يوما" منذ أن عقدنا ميثاق حبنا. قال الطبيب بأنه دخل في حالة من السبات السكري، والذي يصيب مرضى السكري الذين يهملون أنفسهم نتيجة ارتفاع سكر الدم على نحو كبير. السكري؟ تساءلت، لم نكن نعلم لا أنا ولا ساري بأنه مصاب به. سألني الطبيب :منذ متى وهو سطيح الفراش؟ فأخبرته بأنه سقط عن الصقالة وتعرض لكسور كبيرة في الأضلاع والأطراف وكان ذلك منذ حوالي ستة أشهر إلا أنه لم يتماثل في الشفاء حتى الآن، لسوء التغذية ونقص الدواء أحيانا". فأخبرني بأنه مصاب بالسكري من النمط الثاني وهو يصيب المرء الذي في وضع الخمول وعدم الحركة، لو ترافق ذلك مع عامل وراثي مؤهب لذلك. وأن إهمال تلك الحالة وصلت به إلى هنا، ثم طمأنني مردفا" :لا تقلقي في مثل هذه الحالات نعطي المريض السوائل و الأنسولين عبر الوريد، ونعوض أملاح الدم بالإضافة لإعطائه أدوية منظمة لسكر الدم، و بإذن الله سوف يتعافى. جلست بعدها وأطفالي قد تحلقوا حولي على مقعد في الممر، ورحت أفكر بكلام الطبيب وأدعو الله بأن يستجيب لدعائي بأن يتحقق ما قاله الطبيب. نظرت في وجوه أبنائي، كانوا يترقبون عودة أبيهم تماما" مثلي، وبدوا وكأنهم يفهمون كل ما يدور حولهم، وبخاصة ما يعنيه غياب والدهم، وما الذي سيحدث لنا بدونه. شعرت بذات الصداع الذي أشعر به في العادة والذي يترافق مع ألم في الظهر وشعور بانخفاض في ضغط الدم. مرت ممرضة بجانبي في هذه الأثناء، فسألتني إن كنت في حاجة للمساعدة، فأخبرتها بأنني بخير. لكنها أصرت بأنني بحاجة لمساعدتها و طلبت مني مرافقتها والأطفال لإجراء تحاليل عامة لي. رضخت لطلبها، بعد أن أكدت لي بأنني لست على مايرام، و هناك في المخبر في الطابق السفلي سحبت عينة من دمي و طلبت مني أن أمر لأخذ النتائج في صباح الغد. عدت بعدها برفقة الأطفال إلى الطابق العلوي، فإذ بالطبيب يبحث عني ليخبرني بأن زوجي ساري قد استيقظ من سباته. لم تسعني الدنيا من الفرحة، وهرولت مسرعة إلى غرفة العناية فأوقفني الطبيب وأخبرني بأنه لايمكنني الدخول هكذا دون لباس خاص معقم. بعد أن جهزوني في الغرفة المجاورة، وألبسوني زيا" معقما" وكمامات خاصة، دخلت غرفة العناية المركزة. كان هو ، ساري الذي عرفته دوما"، لم تغيره الغيبوبة القصيرة التي دخل فيها، كما لم تغيره من قبل كل المصائب التي حلت عليه. استقبلني كعادته بابتسامة ودودة. حبيبي ساري كان قد عاد إلي مجددا"،عاد إلينا كلنا، لأن دورنا في هذه الحياة لم ينتهي بعد، سنعيش، سنعيش معا" ونكتب ونوثق ونحلم من جديد، وسنرى أطفالنا يبنون بلادنا.. لأن هذا ليس مجرد كلام.. لأن هذا سيتحقق لا محالة...
كتاب أمل _11_ افتتحت صيدليتي بعد تخرجي من كلية الصيدلة في منطقة شعبية، وأثقلتها بالعمل، بما جلب لي السعادة كما آمنت دوما". غرقت بين الألوفيرا والمراهم والكريمات المحضرة يدويا" وسرعان ما تحولت إلى صيدلانية مشهورة وناجحة. عكفت عن الزواج، ورحت أملأ وقتي كله بالعمل، والاستماع إلى أغاني الطرب بصوت هالة مالكي، وقراءة الروايات. كان مجتمعي رغم ذلك يصر على ضرورة زواجي، وأن كل ما أقوم به سيذهب سدى مادمت لم أتزوج بعد،لكننا نعيش في مجتمع جاهل، وهذا ما آمنت فيه دوما". حين تشير إلى القمر ينظر الجاهل إلى الإصبع كما يقولون. ما أهمية وجود رجل بقربي طالما أنني سعيدة بدونه؟ إلا أن ما حدث بعدها معي جعلني أعيد التفكير، فمهما بدت المرأة قوية ومستقلة، فربما تظل بحاجة إلى رجل يحميها. نعم فعل الحماية مهما تبدل الزمن من اختصاص الرجال ربما، ولن يتغير ذلك. حين تهجم البرابرة على الشعوب كلها عبر العصور كانت الضحية هي المرأة، استعملوها كالدواب في روسيا القيصرية، قرأت ذلك في رواية للكاتبة اللبنانية هدى بركات. أدركت بعد ما حصل معي أن المرأة القوية التي تصورها إيزابيل ألليندي في رواياتها ربما غير موجودة. أعتقد أنكم أيها القراء قد بدأتم تسألون ما الذي حصل معي؟ كنت أسكن في منزل يبعد عن صيدليتي مسافة لا بأس بها، مما كان يضطرني لاجتياز طريق زراعية مختصرة ملأى بالورود والصبار، ففرحت لذلك، لشغفي الكبير بالطبيعة. كنت أحب الورد والأشجار والكتب، وكنت لو ضيعتني ستلقاني في أحد معارض الكتب أو بين الحقول والزهر، هذه هي الأشياء التي تملأ أوقات فراغي إلى جانب عملي، كنت ببساطة مكتفية وقنوعة بحياتي. لكن أن يصطدم أحد من نظام الأسد الرجعي بامرأة مكتفية بذاتها ومثقفة ومستقلة فإن ذلك سيزعجه حتما" ويسعى إلى تدميرها بكل بساطة،هذا الأمر أشبه برواية (أن تقرأ لوليتا في طهران) للإيرانية آذر نفيسي. جاء إلي في صيدليتي ذات ليلة رجل متطوع في الدفاع الوطني لنظام الأسد المجرم، وكان مطلبه أن أعطيه دواء منوما" دون وصفة، وطبعا" لم أقبل بذلك. في ذات الليلة وأنا عائدة إلى منزلي عبر تلك الطريق الزراعية مصطحبة معي كتبا" جديدة لبول أوستر ونوال السعداوي وبيتر هاندكه وأولغا توكارتشوك، ورغم كل شقاء حمل الكتب لم أعكف عن المضي في الطريق الزراعية بدلا" من أن أستقل سيارة أجرة. هجم علي عدة رجال ضخام، وراحوا يكيلون علي بالضرب المبرح، شدوا شعري، وضربوني بالعصي على رأسي حتى فقدت الوعي. حين استيقظت كنت في المستشفى وأهلي يتحلقون حولي، و هم بأشد حالاتهم سوءا". قال والدي :لن تبقي في هذه البلاد ولو للحظة أخرى، ما إن تتعافي حتى أرسلك لبيروت. نعم يا أصدقائي، حادثة واحدة واصطدام واحد مع نظام الأسد الفاشي قد يفقدك الثقة ببلدك ويجعلك تلوذ بوطن آخر، كما حادثة واحدة غيرت قدر الإنسانية حين قتل قابيل أخاه هابيل. أما بالنسبة لي فقد قتلوا في داخلي كل رغبة في البقاء، كان علي الرحيل، إنه خيار العقلاء على أمل أن نعود ذات يوم بعد أن تنتصر الثورة.
أمل _١٢_ كان ساري نائما" وقد تحلق الأطفال حوله وغفوا إلى جانبه بعد إخراجه من غرفة العناية المركزة، حين دخلت الممرضة التي أخضعتني لتحليل في الدم، ووجهها يطفح بالقلق. طلبت محادثتي على نحو جانبي، فلبيت طلبها. قالت بأنه علي أن أخضع لتحاليل أخرى، وأنها تشك بإصابتي بمرض ما. لم أكترث كثيرا" لما قالته، وكنت مكتفية بأن ساري على مايرام، وأن ذلك كل ما يهمني في هذه اللحظة. لايوجد وقت للحزن بعد الآن، طالما أن ساري عاد إلينا. إلا أن الممرضة أصرت علي بأن تأخذ خزعة من بطانة رحمي، وفحص المفرزات المهبلية لي بعد أن سألتني عن وجود دم فيها فأجبتها بالإيجاب، وأردفت أن لها رائحة غير طبيعية وأنني أصاب من وقت لآخر بنزيف غير اعتيادي خارج أوقات الدورة الشهرية، وأنني أعاني من ألم في أسفل الظهر من حين لآخر. استسلمت لطلبها ورافقتها لأمنحها ما تريده من أجل صحتي. تأملت وجوه الناس في المشفى، كانت الأزمة الاقتصادية في بيروت لم ترحم أحدا" أبدا"، وكان واضحا" أن الجميع يعانون، ورغم أنني كنت غريبة هنا كغريب كامو، إلا أنني كنت قد تأثرت بهذه الأزمة كغيري، وخصوصا" بعد مرض ساري. (لا يمكنك أخذ شجرتك إلى الغربة لتستظل بها، فالأشجار لا تغادر) كما تقول الكاتبة السورية غادة السمان. فكيف وأنت في بلدك لم تملك يوما" شجرة تستظل بها، هنا حتما" الوطن والغربة سيكونان أصعب وأقسى، و خصوصا" في ظل الأزمة الاقتصادية في الغربة. لكننا طالما كنا سوية أنا وساري وأطفالنا فسنواجه معا" كل الصعاب مهما بلغ أوجها. جلست بعدها إلى جانب ساري، كان قد استيقظ للتو، فتلقيت منه وعدا" بزيارة السيدة حريصا في جبال لبنان حالما يستطيع النهوض على قدميه. ابتسمت ابتسامة منقوصة من أجله فقط، إلا أنني كنت قلقة في داخلي فيما يخص ما طلبته الممرضة من تحاليل. هل يعقل أن أنكث أنا بالعهد، وأرحل عن هذه الحياة قبل ساري؟ هل يعقل أن أترك ساري وأطفالي يعيشون كأناس آخرين من دوني؟
كتاب أمل _١٢_ بول جوجان العرب.. كان هذا لقبي دوما"، في المدرسة والجامعة، وفي كل مكان. جاء المثقف، ذهب المثقف، المثقف يقرأ لغادة السمان، المثقف لا يستسيغ رجال الدين، جاء الرسام الذي يرسم وجوها" حزينة على الدوام. المثقف المثلي الذي يضع مساحيق التجميل، السياسي الوحيد في هذه المدينة، تخيل يا صاحبي أنه يقرأ لحنه أرندت ويفهمها! هل تعرضت للاغتصاب في صغرك أيها المثقف؟ الجواب هو لا، تعرضت لتحرش جنسي، فصرت ما أنا عليه، والفاعل مازال يعيش حياته، لا وبل أصبح رجل أعمال كبير يستمتع بماله، وعضوا" في مجلس شعب الأسد الفاشي، ونسيت أن أخبرك بأنه رجل دين معروف! أنا أمثل أثينا، وأنتم اسبرطة، دعوني أثور على طريقتي، فأنا خلقت مسالما" وسأموت هكذا مسالما"، هل وجدت أحدا" يسامح مغتصبه؟!! أيها الخائن، صرخوا في وجهي، حين انتفضت، وحين قررت أنه لا بد من عدالة. قابيل لم يعاقب، وأنت تطالب بالعدالة، إن كنت تبحث عن العدالة فاذهب إلى السماء.. أرتدي بيجامتي الرياضية و أنزل إلى المظاهرات، وأبصق في وجوههم، وجوه من يردد لي تلك العبارات، وجوه الأسديين التعساء. في المظاهرة أكتب التاريخ، وأرسم اليوتوبيا، وأشعر بأنني سلطان الزمن، يؤذن الشيخ لإفطار رمضان،وعلى الرغم من أنني لست صائما" إلا أنني أفطر على رصاصة. رصاصة في القلب، غذاء روحي دائم، أنا الآن أفطرت، أنا الآن أحيا، بعد صيام عن الحياة. قتلني أحد أقربائي، كان متطوعا" في جيش الأسد المجرم، عداوة الأقارب أمر من لسع العقارب، كما يقولون. أكتب هذه الرسالة قبل موتي، لقد انتصرت، إنه انتصار المظلوم، الموت قد يغدو انتصارا" لو أرفق بهذه الرسالة. لا كاميرات توثق، مجرد أفكار ثورية تحولت إلي واقع لكنني وثقتها هنا بكلماتي وأنت الآن تقرأ، وهذا يكفي. (لاشي ء يدوم، حتى الأفكار التي برأسك) يقول بول أوستر. هذه الدنيا عاصفة من الخراء ولن نستظل إلا تحت راية الفن، يقول يوسا شيئا" مشابها".
أمل _١٣_ حين عرضت علي الممرضة نتائج تحاليلي في ذلك اليوم الذي يتزامن مع موعد خروج ساري من المستشفى، صدمت بها، إلا أنني عزمت على عدم إخبار ساري حتى يتماثل في الشفاء. سرطان في الرحم، لكنه نوع من الممكن أن يتعافى منه المرء لو استئصل الرحم. وصف لي الطبيب بعضا" من المسكنات والمضادات الحيوية لأعيش عليها ريثما أصبح جاهزة لإجراء العملية،فقد كنت أعاني مسبقا" من التهابات فظيعة وهي التي آلت بي نحو هذه الحال. صعدت بعدها إلى ساري وأطفالي لتجهيزهم لكي نعود لمنزلنا، فاختلفت نظرتي إليهم لأول مرة. تخيلتهم بدوني، هل سيعيشون ويكملون حياتهم؟ حتما" نعم، فميثاق الحياة يخرقه الموت حتما". حسدت حينها الراعي الذي يحيا حياة كاملة وحيدا" ولهدف واحد، يحيا حياة هادئة ثم يموت ميتة هادئة. ألا يستحق المرء فرصة ثانية ليحقق دوره في هذه الحياة، ولكي أحيا ضمن العائلة التي حرمت منها. أيعقل لأنني أردت أن أكون بطلة، سيكلفني هذا الموت، كما مصير كل البطلات اللواتي اقتربن من النبوة، ألم يكن هذا مصير جان دارك؟ هل أدعو للحب والسلام و أعكف عن كتابة الكتاب، لكن أليس في تأليفي للكتاب ونشره دعوة للحب والسلام؟ من قلبي سلام لبيروت.. يدندن هاتفي في اللحظة ذاتها، أجيب فتكون إلهام هي المتصلة. تسألني فيما لوكنت مستعدة للقاء الشهود على جرائم نظام الأسد فأجبتها بكل ثقة وحماس :أجل.
كتاب أمل _١٣_ أغرمت به في الثانوية العامة، كان يهديني روايات عبير الغرامية كتعبير عن الحب، ونمشي معا" تحت المطر صامتين. ضربني شقيقي ذات مرة من أجله، وفرقنا عن بعض يوم واحد. تخيلي يوم واحد قد يغير كل شيء، ورفضت أن يعزيني أحد، فلا عزاء ببطل، بشهيد للحق. رفض الانضمام لخدمة جيش نظام الأسد، فساقوه عنوة بعد أن ضربوه ضربا" مبرحا". وهناك حيث اصطحبوه، فر منهم وانشق عنهم وانضم إلى الثوار، واستشهد بعد يوم واحد. كان موته مشرفا"، ويوم واحد فصل مابين أن يموت عبدا" أو يموت حرا". كان شهيد الحرية.. كما ردد لي دوما"، أنه لا شيء يستحق أن يموت الإنسان لأجله سوى الحرية. وبعد استشهاده حققت حلمه، درست الإعلام وتخرجت، ورحت أكتب مقالات صحفية أفضح بها نظام الأسد، وأحيانا" أكتب له الشعر في الصفحات الثقافية. فحبيبي كان شاعرا"، ومن أجله أحببت الشعر.. الشمس ستشرق مجددا" يا خولة، و أحلامنا ستغدو حقيقة، ما شأننا بالعالم طالما نحن معا" على الدوام، وإن افترقنا يوما" سيجمعنا الشعر، فلغة الشعر لا تعرف الفراق أو الموت، إنما هي حية على الدوام. أقول له اليوم إنه كان على حق، أنا سعيدة رغم فراقنا، لأنه يعيش بين طيات قلبي، وبين سطور أشعاري، هو سيدي وحبيبي على الدوام. أنا خولة حبيبة خالد، هكذا فقط عرفوا عني، فهو هويتي، خالد الذي رفض العبودية دوما" وقال لا في وجه الظلم. الشر شر والخير خير، وكلاهما واضح يا خولة، وعلى الإنسان أن يقف إلى جانب الخير دوما" حتى ولو كلفه الأمر حياته. كم هو جميل هو وكلامه،، ومعه فقط بدوت جميلة، ولن أكون جميلة لأحد سواه. سأقف هناك على الجرف بجانب البحر وأنسج الشعر وهكذا سأمضي بقية حياتي إلى أن تلتقي روحينا.
أمل _١٤_ (من الصعب أن تكون مبصرا" في مجتمع أعمى) يقول ساراماغو في روايته الشهيرة العمى، فكيف لو كان العالم كله غافلا" عما يفعله نظام الأسدالفاشي. علي أن أستمر بفضحه من خلال كتابي، مهما كلفني ذلك من صحتي. لم أخبر ساري بمرضي، ولاحتى الخالة أم عمار أو إلهام. لو أخبرتهم لمنعوني من الاستمرار في عملي، سأنجز هذا الكتاب قبل أن أرحل، حينها فقط سأطمئن بأنني قمت بدوري في هذه الحياة. نزلت ذات يوم لمقابلة شاهد من الشهود، كانت صور المرشحين للنيابة تملأ الطرقات، ولاحظت عنصرا" نسائيا" جيدا" لا بأس به فيها، الأمر الذي لا نراه في بلادنا سوريا بسبب نظام الأسد الرجعي والمنافق. كانت شعارات كل هؤلاء تقريبا" القضاء على الفساد، نتيجة للفساد المستشري في هيكلية الدولة اللبنانية على غرار حالنا مع نظام الأسد البعثي الفاسد والهستيري. منذ طفولتي كان جدي يتقزز من فساد أعمامي وبقية أقربائي المنتمين إلى حزب البعث الفاسد، ولم يثق بأية مؤسسة من مؤسسات الدولة في عهد النظام البعثي الأسدي، وورثت ذلك منه، كما ورثت حب والدي القابع في سجون نظام الأسد القمعي. ثم جاء حبي لساري بعد أن حرمت من ذلك الأب، حب في زمن القمع والحزن والذعر، في ظل نظام لا يحترم المرأة بتاتا" على عكس ما يدعي، نظام رجعي، ووجه معاكس في المرآة للنظام الإيراني المعادي للمرأة، كان هذا هو نظام الأسد القادم من العصور الوسطى. كان علي أن أكون قوية وأن أظهر السعادة أمام كل أحبتي، ساري وأطفالي والخالة أم عمار وإلهام. لكنه توجب علي أن أتردد على المستشفى للبدء بالعلاج الإشعاعي والكيميائي، وذلك كله دون أن أخبر أحدا"،وذلك بعد أن أجري عملية الاستئصال. كنت أمشي حائرة، وكأنني لا أملك باليد من حيلة لإنقاذ نفسي، لأول مرة في حياتي، كان ما يحصل أقوى مني، لكنني لن أدعه يهزمني.
كتاب أمل _١٤_ عملت مدرسا" في الجامعة لسنوات في عهد نظام الأسد الفاشي والفاسد، ورفضت الخوض في منظومة الفساد التابعة له، فمكروا مكرهم، واتهموني بالتحرش بإحدى طالباتي، فتوجب علي مغادرة البلاد إلى دولة أوروبية. وهناك التمست الفرق مابين البلدين، فهناك كنا نعيش في سوريا في مملكة الأخ الأكبر كما في رواية ١٩٨٤ لجورج أورويل، نخاف من الحائط، فقد كنا تحت رحمة نظام استخباراتي وقمعي وفاشي لم يعرف له مثيل في العالم بكامله. كانوا يخدعوننا بفكرة الاشتراكية الواهية والمنافقة، ويتفنون بقتل المعارضين لهم و تلفيق التهم لهم. كما اتهموني أنا وعمموا صورتي في الجرائد الحكومية، و إصدار بطاقات البحث عني، بتهمة التحرش بطالبة لي كانت تعمل على مشروع التخرج لدي، وما أذكره أن مشروعها كان عن رواية الأمواج لفرجينيا وولف. كم هذا يحمل تناقضا" غريبا"، أن تكون الطالبة التي تواطأت معهم في الكذب والنفاق، بهذا الذوق الفني الرفيع، ولكن في بلادنا في عهد الأسد المجرم كل شيء يباع ويشترى، حتى الفن ومتذوقوه. لذا حملت كتبي ذات ليلة وغادرت البلاد،على أمل بأن تنتصر الثورة ذات يوم ونعود جميعنا إلى بلاد تقدر دورنا وأهميتنا.
أمل _١٥_ اشتغلت على كتابي متناسية ما أشعر به من ألم، بعد أن قمت بعملية الاستئصال دون إخبار أحد بداية. اصطحبت معي ساري على كرسي متنقل للتوثيق عبر الصور الفوتوغرافية أيضا" ، وزرنا عدة شهود واستمعنا إلى قصصهم. زرنا كتابا" منفيين، وأساتذة جامعيين، وآخرين. حتى أننا تحدثنا مع مقاتلين من الثوار عبر شبكة الانترنت. تحدثوا إلينا من أماكن تواجدهم في سوريا. وبعد عدة أسابيع من إجراء عمليتي الجراحية، أفصحت عن مرضي لساري وإلهام، فكانت ردة فعلهم هي التعاطف معي ولومي على عدم إخبارهم. وحينها توجب علي بأن أبدأ بالعلاج الكيميائي والإشعاعي. ضمني ساري إلى صدره وقال بأنه لن يتخلى عني يوما" كما كنا من قبل، وتحلق الأطفال حولنا،وذلك عشية عيد الأم. كنا قد أصبحنا أصدقاء كثيرين من الشهود الذين التقينا بهم، وصاروا يزوروننا في منزلنا المتواضع، في جلسات مسائية ملؤها الحب والهدف السامي ذاته، والروح الثورية وهي الأهم. كنا على يقين تام بانتصار ثورتنا يوما" ما على يد الثوار الشرفاء الذين سيسطرون المجد بسواعدهم ودمائهم المباركة الطاهرة، وسوف يلقنون المستبد درسا" في الكرامة والشجاعة والحرية لم يسمع به من قبل. بعد أن بدأت في العلاج الكيميائي والإشعاعي، خسرت شعري فوضعت شالا" مطرزا" بعلم الثورة السورية المباركة. ذات صباح من الصباحات المتشابهة منذ راح جسدي يضعف ويضعف، استيقظت وتوجهت نحو ساري وهمست في أذنيه : سنحيا ياحبيبي، كما كنا دوما" معا"،سنحيا لأن دورنا لم ينتهي بعد، سنحيا...
كتاب أمل _١٥_ كنت خطيبة أحدهم، ولن أذكر اسمه لأن ذلك يشعرني بالغثيان، فقد تطوع بعد فسخ خطوبتنا إلى جانب ميليشيات نظام الأسد المجرم وراح ينتقم مني على فسخ خطوبتنا. فسخت خطبتي معه بعد أن تأكدت من أنه مريض نفسي، حيث رغب على الدوام بأن يتملكني، كان مهووسا" بحب السيطرة، بينما أنا كنت نسوية على الدوام وخرجت في مظاهرات الثورة السورية من منطلق الدفاع عن حقوق المرأة المسلوبة في عهد نظام الأسد الفاشي الذي حول المرأة إلى سلعة سخيفة تباع وتشترى. كان لدي ثلاثة أصدقاء من الشباب الشيوعي، خرجوا معي في المظاهرات، إلا أن خطيبي الأسبق المجرم قام بإطلاق النار عليهم في المظاهرة انتقاما" مني، فاستشهد أحدهم وجرح الباقون. ثم راح يرسل لي التهديدات بأنه سيتفنن بقتلي مالم أغادر البلاد. كنت طالبة جامعية في كلية الأدب العربي، إلا أنهم طردوني من الجامعة بحجة أنني إرهابية، فقط لأن خطيبي السابق المتطوع في جيش نظام الأسد الرجعي اتهمني بذلك،وكتب تقريرا" عني. نظام توليتاري قادم من الجحيم، ذكورية شوفينية حتى في الجامعات والمدارس، ويجب نسفه من أساسه وجلب نظام آخر مختلف كليا". سافرت بعدها إلى ادلب المحررة من قبل الثوار،وقضيت ليال كثر قبل أن أصل إلى وجهتي، ملؤها الجوع والذعر والمشي في البراري. و هناك في ادلب المحررة التقيت بنساء ثائرات كثر تماما" مثلي، نساء آمن بالثورة ولم يرضخوا لديكتاتورية الظلم والجحود. نساء آمن بأن الليل سينجلي قريبا"، وأن الثوار سيحررون سوريا بأكملها عما قريب.
كتاب أمل _١٦_ صودرت أملاكنا من قبل نظام الأسد الفاسد والرجعي، وكان ذلك على خلفية مواقفنا من الثورة السورية وما وقعناه من بيانات ندين فيه قتل المدنيين العزل أنا وزوجي، ونطالب فيها بمحاسبة ضباط النظام المجرمين قتلة الأطفال والنساء في مجازر الحولة وكرم الزيتون و.. و.. غيرها الكثير.. وحين تم التضييق علينا ومراقبتنا من قبل أمن الأسد المجرم، وكان من يراقبنا شاب تطوع مع نظام الأسد الفاشي بعد أن عمل لسنوات في أحد متاجرنا. (اتق شر من أحسنت إليه) قال زوجي. وعندما ضقنا ذرعا" بالتضييق علينا وتركنا دون عمل ودون أملاك، قرر زوجي بأن نرحل إلى أحد أصدقائه في مدينة ادلب المحررة. استقبلنا هناك صديقه عمر، والذي كان ضابطا" منشقا" عن جيش النظام، وعهدنا إلى عائلته الكبيرة العدد بأن يهتموا بنا، فلم يقصروا معنا في شيء، إلا أن سمعنا خبرا" حزينا"، خبر استشهاد عمر في إحدى المعارك مع نظام الأسد المجرم. استشهد عمر وهو يقاتل بشرف وكرامة قبضة المستبد، تاركا" خلفه أطفالا" ينتظرون قدومه ليغطيهم في الليالي الباردة والموحشة. و لأجله ولأجل وعدنا له بأن نصون ذكراه ونرعى أطفاله الذين غدوا أطفالنا، بقينا إلى جانب عائلته حتى انتصار الثورة المباركة، ولم نتخل عنهم يوما".
كتاب أمل _١٧_ تزوجت كنسيا" بامرأة لا أعرف عنها شيئا"، قيل بأنها نشأت في دار للأيتام، وقضت نصف عمرها في السجون بتهمة السرقة وغيرها من الأفعال الإجرامية. ورغم ذلك ولإيماني بأن الإنسان قد يتغير، وأنه وليد ظروفه، وأنه لاوجود للمثالية كما آَمنت دوما"، وأن اليقين أشد خطرا" على الحقيقة من الكذب كما يقول نيتشه، فقد اتخذتها زوجة لي طوال الحياة أمام الرب و أمام القس والناس أجمعهم. لامني الكثيرون و قالوا لي بأنني جلبت مصيبة إلي، ولكن من حق الناس أن يهذوا. لكنهم كانوا على حق، فقد خانتني مرارا" وتكرارا"، وفي كل مرة كنت أسامحها. ويقول لي الناس، لم لا تطلقها؟ ماالذي يجعلك تصبر عليها؟ ورغم ذلك كنت أحتمل كل ما يأتي منها فضلا" عن لوم الناس. وفي يوم من الأيام اكتشفت بأنها تنصب لي فخا" مع عشيقها الجديد الذي يعمل ضابطا" في أمن الأسد الفاشي والمجرم، ليبتزوني مقابل أن أسجل لهم أملاكي كلها وإلا فسوف يلصقان بي تهمة التعامل مع اسرائيل. وبالفعل سجلت باسمها جميع أملاكي، كي لا أتهم بالخيانة العظمى. وعشت بعدها ألوم نفسي على ذنب لم أرتكبه، وإنما كانت نيتي منه أن أنقذ إنسانا" من شروره إلا أنني لم أنجح في ذلك، ثم عشت سنينا" طوال مطأطئ الرأس، أتجاهل ما ينعتوني به الناس وما يطلقون من صفات علي كالأبله، أو من ركبت له زوجته قرونا". لكن مع اندلاع الثورة السورية المباركة، كنت في الصف الأول من المتظاهرين للمطالبة بإسقاط هذا النظام الفاسد والمنافق والقذر.
كتاب أمل _١٨_ اعتقلت شقيقتي من قبل أمن الأسد المجرم، لمشاركتها في المظاهرات فدفع والدي آلاف الدولارات لاسترجاعها لحضن أمي. لكنها عادت إلينا فتاة أخرى، صامتة على الدوام، يصيبها الذعر من أبسط الأمور، إلا أنه ما كان الأسوأ هو صحتها الجسدية، حيث خرت أمامنا فاقدة للوعي ذات ليلة صادفت ليلة رأس السنة. توفيت شقيقتي في تلك الليلة في المستشفى، لسبب مجهول لم يعلمه الأطباء لولا قيامهم بإجراء تحاليل لها، فاكتشفوا أن دمها ملوث بجرثومة الزرقة المتقلبة.. وهكذا بدأنا عامنا الجديد بالحسرة عليها، على شقيقتي التي ذبلت مبكرا" بسبب نظام فاشي ومجرم. نظمت تظاهرة أنا وصديقاتي في الجامعة أطالب فيها بوقف قتل المعتقلين واستعادتهم إلى أهاليهم، لكن لم ينصت لنا أحد، فنحن شعوب مقهورة في النهاية والسلطة لم تكن يوما" في أيدينا ولا القرار، كان في أيدي قلة من البشر لا أكثر. لذا كان علي الانتقال إلى المناطق المحررة، وهناك بدأت العمل ضد نظام الأسد المجرم، وأسست جمعية للدفاع عن حقوق المعتقلين لإيصال أصواتنا للمجتمع الدولي. ورغم أن الكثير أخبروني بأن ذلك لن يجدي نفعا"، إلا أنني أصريت على ما أقوم به حتى انتصرت ثورتنا ذات يوم، وحينها نشرت كل ما وثقته من قصص المعتقلين وكان لي دور في العثور على كثير من المعتقلين وعودتهم إلى أهاليهم.
كتاب أمل _١٩_ بعد انتصار الثورة وسقوط نظام الأسد المجرم، زرت بلدتي في الشمال السوري، وقصدت المطعم الذي احتفلنا فيه بتخرجنا من الابتدائية، وزرت منزلي القديم وعثرت على مجلات الأطفال التي كنت أقرؤها في الخزانة الحجرية في غرفتي، وعثرت أيضا" على روايات الطفولة. شغلت تلفازنا القديم، وتذكرت ما كنا نشاهده في الصغر من مسلسلات للأطفال، كان يا مكان، وبنات الميتم... لقد كنت مختلفة على الدوام في صغري وبقيت هكذا، متمردة على كل ظلم، ولا أقبل بنصف العدالة. نشأت على الكتب التي تهدف إلى عالم أجمل، وربما هذا ما جعلني كاتبة ذات طراز حقوقي، وما شجعني أكثر زواجي بمحمد حبيبي الذي كان انسانا" رائعا" وهب حياته لخدمة المظلومين والمضطهدين من قبل نظام الأسد الفاشي والمجرم. كنا أشبه ببطلي رواية الحب والظلال لإيزابيل ألليندي، بحماسهما الثوري والانزياح نحو كفة العدالة، وجمعنا أيضا" مثلهما حب كبير. تطوعنا في أيام الزلزال وأنقذنا من تهدمت بيوتهم فوق رأسهم في المناطق المحررة، وولجت في دورات كثيرة لأتقن إسعاف المرضى أو المتضررين من الزلازل أو القصف. (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) كما تقول الآية الكريمة. كانت هذه حياتنا ببساطة، حياة كلها عطاء، فالعطاء يجمل المرء من الداخل والخارج، العطاء هو سر نجاح ثورتنا. العطاء يجعلك سعيدا " أيضا"، نوع من السعادة لا يوصف، شعور مختلف عن كل شعور، أن تقاوم نظام فاشيا" بابتسامة العطاء التي ترسمها على وجه أي مظلوم أو مضطهد أو متضرر.
كتاب أمل _٢٠_ لطالما كنت معارضا" سياسيا" لنظام الأسد الاشتراكي المنافق، وكنت معاديا" تماما" للرأسمالية الحديثة، وكنت أقرب للنظام الصيني. فمنذ البداية كنت مختلفا" عن القطيع، وكان لي رأي شيوعي في السياسة، ووصفت نظام الأسد البعثي بالاشتراكي المنافق. آينشتاين عصره، رينيه ديكارت الذي يشك في أي شيء ولا يقبل بالمسلمات،ويدعو لبناء أفكار جديدة. أطلقوا علي هذه الألقاب كلها. قرأت كتاب مهزلة العقل البشري فغير حياتي ذات يوم، إلى الحد الذي ترفض معه أن تحتفل بزواجك وتنظر إليه كترف لا ضرورة منه. إذا كان الحب هو احتفالنا الحقيقي، فلم نحتفل ونطبل ونزمر؟! ثمة سياسيون لا تغرهم المظاهر، ونحن نحول كل أمر عميق إلى سطحي وتافه. هاهي أنجيلا ميركل أروع مثال على سياسية تكره الاحتفاء والمظاهر البراقة. يقولون عني بأنني أهتم بالقشور، إلا أنني أؤمن أن كل شيء يرتبط بأشياء أخرى، وأن الاشتراكية دمرتنا و أن أول ما يجب علينا بعد انتصار ثورتنا غير إعادة قراءة تاريخنا هو شل هذا الحزب وحله، حزب البعث المنافق، الذي خيم بسواده وجثم على صدورنا طوال خمسة عقود.
كتاب أمل _٢١_ نشأت في بلدة كاثوليكية على الحدود السورية التركية، وكنت أنتمي لأقلية مسلمة تقطن هناك. وكما سافر أجدادنا إلى البرازيل و فنزويلا أيام السفربرلك، نزحنا هربا" من القصف الجائر لطيران الروس والنظام الأسدي الفاشي المدعوم من روسيا. حملت معي اهتماماتي الاعتيادية ككاتب وصحفي، والقضايا المهموم بها كمثقف معارض لنظام الأسد المجرم والفاشي. لطالما كنت أحضر مناسبات الدير الدينية في بلدتي، ولم أفرق يوما" بين دين وآخر، واعتبرت بأن الجميع ضحايا هذا النظام القمعي والفاسد والذي عمل دوما" على تغذية النعرات الطائفية وفي المقابل كان يمنع الحديث في موضوعة الأديان وخصوصا" في الكتب والبحوث. لذا منعت جميع كتبي التي تتحدث عن مقارنات بين الأديان والقوميات التي تزخر بها سوريا، وذلك من قبل رقابة الأسد الداعشية. تحدثت في كتبي عن ظهور داعش وحللت وجودها في هذه المنطقة بالذات وأرجعت سبب وجودها إلى أسباب تاريخية وأخرى إلى التغيرات التي عصفت بالمنطقة منذ سقوط صدام حسين في العراق. وشبهتها بأنها الوجه المعاكس للنظام السوري الأسدي في المرآة. و وضعت نظرية تتهم الأصولية الدينية بأنها السبب، فالإيمان بإله قاس يخلق إنسانا" قاسيا" كما يقول توماس مان. ألفت كتابا" عن داعش التقيت فيه الأيزيديات المغتصبات من قبل أفراد داعش والفارات من بطشهم. وبينما صدق بعض المثقفين بأن النظام السوري هو مخلصهم الوديع، فضلت أنا اللجوء إلى بيروت، وانتظار انتصار الثوار في عمليتهم العسكرية. هناك في بيروت اشتغلت على عدة كتب، وساعدني وجود دور نشر هناك تحترم المثقف و تمد يد العون في كل ما يحتاجه لنشر كتبه.
كتاب أمل _٢٢_ فات قطار الزواج مني دون أن أدرك ذلك، فارتأيت بأن أخدم الدير في بلدتي على الحدود السورية التركية في ادلب المحررة. وهل من شيء يفرح المرء بقدر العمل الإنساني. استقبلنا النازحين من المدن الأخرى والذين هربوا من بطش النظام، من جسر الشغور ومدن أخرى مجاورة، ومن مدن أيضا" بعيدة فروا من الإبادات التي يقوم بها النظام الأسدي المجرم ضد شعبه الأعزل. كنت أشعر بأنني ذات نفع حين أهتم بأطفال النازحين وأعلمهم في صفوف خاصة قمنا بإنشائها لهم بمساعدة الدير، وكان هذا بالنسبة لي أجمل وأعظم بكثير من أحظى بعرس بجانب البحر ككل الفتيات. لقد منحتني الثورة المعنى لحياتي، والعزة والكرامة طالما أننا نعيش في ظل من حررنا، ونعمل على تعليم وتأهيل أطفال من رفضوا الرضوخ لنظام الأسد المجرم.
كتاب أمل _٢٣_ كنا قد اجتمعنا بعد فراق طويل عن بعضنا البعض منذ تخرجنا في الجامعة، ونظرنا إلى بعضنا وتساءلنا كم غيرنا الزمن. (نحن لم نتغير بل استوعبنا) كما يقول نجيب محفوظ. كان هذا الاجتماع في منزلي بعد أن دعوت أصدقاء الجامعة للاحتفال في منزلي ذات ليلة، لم أكن أعلم بأنها الليلة التي ستفرقنا للأبد ربما. إذ ونحن نسهر ونسمر ونلقي الشعر دخل علينا أمن نظام الأسد الفاشي والرجعي واعتقل معظم أصدقائي دون أي سبب واضح. لم تحمهم صور تشيغيفارا وجورجي أمادو المعلقة على حائط منزلي، فنظام الأسد الفاشي لا تعجبه هذه الأسماء ولا تقدر المثقف ولا تمنحه أية قيمة تذكر، وعلى العكس تخاف منه، لأنها تخاف الأفكار الجديدة، وتخوفه كي لا يغلبها، كي لا تكون كلمته أقوى منهم، كما تخاف الإسلاميين وتخوفهم. كان فرانك سيناترا يغني لما هجموا علينا كالبغال المتشردة واعتقلوا أكثر أصدقائي حكمة وذوقا". معظمهم من الشيوعيين، وصديق واحد كان قد أصبح خطيبا" في أحد الجوامع التي لاتتبع لسلطتهم. لم يكن من الشيوخ الذين يروجون لهم والذين يحملون أفكار الخميني المتطرفة،بل كانوا شيوخا" حقيقيون ومعتدلون وهذا لم يناسبهم، والتهمة كانت جاهزة، الانتماء إلى حزب سياسي ممنوع. لم أكن شيوعيا" ولا من أولئك الملتزمين بالدين، كنت شخصا" عاديا" لي أخطائي وأعرفها ومتصالح معها. كنت أقرأ كتبا" دينية ولدي في المكتبة بعض منها، وكانت معظمها للمفكر محمد شحرور، كالقصص القرآني. لكننا كنا نعيش تحت رحمة أقذر الأنظمة التي عرفها العالم، نظام مفيوزي لا يعترف سوى بأفكاره البالية والتافهة، وهو حتى أسوأ من نظام تشاوشيسكو الشيوعي القمعي في رومانيا. وبما أنني كنت من أولئك المسالمين، فقد شاركت في الثورة بقلمي، حتى سافرت بيروت ورحت أقص على الجميع حكاية أولئك الشبان الذين اعتقلهم نظام الأسد الفاشي دون سبب واضح و لم يعودوا. ورحت أنشر كتبا" عن ديكتاتورية نظام الأسد وممارساته القمعية في الاعتقال الكيدي و التغييب القسري لمعارضيه. لقد آمنت بأن الكلمة بمقدورها أن تخدم الثورة كما السلاح الذي حمله الثوار.
كتاب أمل _٢٤_ كنت على يقين بأن نظام الأسد الرجعي الفاشي سيسقط لا محالة، كما سقط من قبله نظام هرلر، إنه حتى أسوأ من نظام هتلر الفاشي والنازي. كان مصيره السقوط لانتشار الجهل في صفوفه، هو الذي أصلا" عبارة عن نظام الحزب الواحد ذو الأفكار المقيتة، والذي لم يفارق بيئته أو منظومته الفكرية المتعفنة منذ سنين طوال، وكان يتعامل مع معارضيه بلغة الجهلاء، لغة الإقصاء، القتل أو التغييب القسري والاعتقال والتعذيب. كان نظاما" يدعي العلم والعلمانية إلا أنه كان متخلفا" بأفكار صدئة لا تصلح لزماننا قط. نظام لم يسمع بعد بأن الحرية فوق أي نقد كما يقول سلمان رشدي، حتى أنه غالبا" لم يسمع بنظرية داروين. لست شيوعيا"، لكنني أضرب أمثلة بسيطة يعرفها الجميع، ولم يعرفها نظام البعث الفاشي والجاهل والتافه. نظام فاشي يخاف من مجرد مقابلة بين المثقفين في كافتيريا صغيرة ويظنها تهدد أمنه القومي،وربما تراوده في دواخله رغبة عميقة في ذبحهم جميعا"! نعم إلى هذه الدرجة فهو لوضاعته يكره العظماء، ويخاف من لقاءات بين مثقفين حتى ليتناقشوا في أدب همنغواي مثلا". يخاف أيضا" من المتدينين ويمنع التحدث عن الدين، كل شيء ممنوع سوى ما يسمح هو به، ضمن حدود الأفكار التي يضعها هو. كتبت ذات مرة مقالة عن الإجهاض فاعتقلوني من أجلها بتهمة التحريض على فساد المجتمع، وكذلك لما كتبت عن فتوحات إسلامية قديمة، جعلوني أزورهم عنوة. كتب جبران خليل جبران مسموحة، لكن أن يكون ثمة جبران آخر في سوريا فهذا غير مسموح به. كتاب أولاد حارتنا ممنوع، لا نريد كتبا" تشجع على الشيوعية! كان حقا" نظاما" هيستيريا"!
كتاب أمل _٢٥_ عشت محروما" من والدي بعد أن غيبه نظام الأسد الفاشي والقمعي، لانتسابه لحزب العمل الشيوعي الممنوع من قبله. فعشت كما يعيش أولئك اليتامى الذين تشجعهم والدتهم على اللوذ بالعلم والدراسة، كي يعوضوا غياب والدهم في المستقبل،خائفين على الدوام من كل شيء. وبالفعل درست فرعا" جيدا" في الجامعة وهو الصيدلة، ولذت بكتب والدي الكثيرة في أوقات فراغي. لم أتعامل مع الحياة بعبثية ككامو، بل كان لدي هدف ومعنى فلسفي لها، وهو أن ننتصر يوما" على نظام القمع الذي جعلني أكبر خائفا" دون أب يسندني في الليالي الطويلة والباردة. كانت مكتبة والدي زاخرة بكتب للعبثيين والعدميين والشيوعيين، أمثال ألبير كامو و سيوران وأنطونيو غرامشي، إلى جانب كتب التنظير السياسي أمثال حنة أرندت الفيلسوفة اليهودية الألمانية.، وكتب علم الاجتماع ككتب كارل يونغ. تعاملت مع كتب والدي بما يشبه بمتلازمة ستندال، حيث غرقت في الفن حتى تقمصت أحيانا" شخصيات من الكتب بيني وبين نفسي ، فمثلا" كنت تارة شجرة الدر وتارة بطلا" من أبطال كتب ستيفان زفايغ الحساسة والمرهفة. وكنت ذات مرة بطل روايته لاعب الشطرنج، كي أشعر بما شعر والدي في المعتقل.
وأكثر مرة كرهت فيها نفسي حين تقمصت شخصية دوريان جراي في رواية أوسكار وايلد الشهيرة (صورة دوريان جراي). وأحببت نفسي حين تقمصت شخصية البائع (مولود) البطل في رواية (ثمة غرابة في عقلي) لأورهان باموق وبطل رواية (كل الأسماء) لخوسيه ساراماغو، وبطل رواية (العدد صفر) لأومبرتو إيكو. لكنني لم أشعر بنفسي حقيقيا" سوى لما اندلعت الثورة السورية المباركة ضد نظام الأسد الفاشي والرجعي. وأول مرة ابتسمت من كل قلبي وشعرت بوجودي حقيقيا" كبقية البشر و بأن لحياتي معنى، هو حينما انتصرت الثورة وعدت إلى بلادي بعد أن عشت بعيدا" عنها في بيروت سنينا" طوال.
كتاب أمل _٢٦_ لم تكن فترة دراستي الجامعية بالهينة، فقد خضت صراعات كثيرة لأتمكن من الحصول على شهادتي من بيروت المدينة التي اخترتها كملاذ لي من إجرام نظام الأسد الفاشي الذي قتل والدي وجميع أشقائي في إحدى مجازره الكثيرة التي لم يعاقب عليها حتى الآن. درست طب الأسنان هنا في بيروت و دفعت من عرق جبيني من العمل في خدمة البيوت والمشافي، والاعتناء بكبار السن. وأحيانا" كنت أعمل في صالونات التجميل حيث للتفاهة عنوان، وحيث مفهوم الأنثى يتحول لسلعة رائجة، مما يجعل الأنثى الحقيقية التي في داخلي تنفر و تستعلي على كل ما تراه عينيها من مظاهر مخادعة. أنا الآن ناجحة، وعدت إلى بلادي الغالية سوريا بعد انتصار الثورة، والأيام العصيبة قد انتهت، ولم يتبق سوى أن نحقق العدالة الانتقالية وأن يحاسب جميع من تسبب في مقتل عائلتي، لقد عدت من أجل ذلك ومن أجل بناء سوريا العزة والكرامة. حين عدت إلى منزل الطفولة، وجدته مهدما " بالكامل إلا لوحة كنا نضعها في الصالون نقشت عليها الآية الكريمة :(لا تحزن إن الله معا"). تذكرت جلساتي وأهلي نشرب الشاي في الأمسيات الشتوية وأدمعت عيناي. أردت إخبارهم بأنني أصبحت طبيبة ليفخروا بي، وبأنني تزوجت وأنا أنتظر حفيدتهم الآن، والتي سأسميها على اسم والدتي الغالية.. لم أجد أهلي لكنني شعرت بهم من خلال اللوحة، أنهم يعتنون بي إلى جانب الله هناك في السماء...
أمل _١٦_ عدنا إلى سوريا بعد انتصار الثورة بفضل ثوارنا الأغرار وشهدائنا الأبرار. هزمت مرضي بعون من الله وزوجي ساري، و وجود أطفالي الملائكة إلى جانبي، ما زلت أعمل على الكتاب الذي أؤلفه، وعزمت على لقاء أناس عادوا إلى سوريا لتوثيق فرحهم تماما" مثلي. زرنا قمة قاسيون، وهذه المرة ضممنا بعضنا كعائلة ونحن ننظر إلى بلادنا الغالية من أعلى قمة. لقد انتصرنا أخيرا"، وسنحيا، سنحيا يا حبيبي.. تمتمت في أذن ساري، وشعرت بالسكينة...
تمت
#الحسين_سليم_حسن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
طفل الشك
-
أنثروبولوجيا الخوف
-
فردوس جهنم
-
يتيمة بيروت
-
قصيدة الحياة
-
التحرر (٧_٨_٩)
-
التحرر (٣_٤_٥_٦)
-
التحرر (الجزء الثاني)
-
التحرر (الجزء الأول)
-
القمع (كاملة)
-
ما الذي لم يقنعني في الأديان؟ (محاضرة)
-
أزهار أبدية(الجزءالثاني)
-
أزهار أبدية (الجزء الأول)
-
القمع (٨)
-
القمع (٨)
-
القمع (٧)
-
القمع (٦)
-
القمع (٥)
-
القمع (٤)
-
القمع (٣)
المزيد.....
-
-لهذا كان تشابلن عبقرياً-: قصة فيلم -أضواء المدينة- وأعظم لق
...
-
مقتل ممرض مينيابوليس.. مشاهد تناقض -الرواية الرسمية-
-
-ترامب سيرحّلك-: نائب ديمقراطي يتعرض لاعتداء باللكم خلال مهر
...
-
السيف والقلم.. هل غيرت غزة وظيفة المثقف في العالم؟
-
فيلم -هامنت-.. هل وُلد إبداع شكسبير من رحم الفقد والخسارة؟
-
يوسف شاهين... أيقونة فنية عكست مخاض العالم عبر مرآة السينما
...
-
مهرجان الأفلام بسولوتورن: إدنا بوليتي ضيفة شرف شغلتها قضاي
...
-
علي جعفر العلاق للجزيرة نت: غادرت بغداد إلى صنعاء كآخر الناج
...
-
نص سيريالى بعنوان(حِين يصير الغيَاب حبيبَة)الشاعرمحمدابوالحس
...
-
التمثيل النقابي للمعلمين: الشرعية لا تُنتزع بالتجييش الرقمي
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|