أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - حين يتكلم اللاوعي بلغة الأدب: من الذي يتكلم داخل الكاتب دون أن يدري؟














المزيد.....

حين يتكلم اللاوعي بلغة الأدب: من الذي يتكلم داخل الكاتب دون أن يدري؟


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 02:51
المحور: قضايا ثقافية
    


حين يتكلم اللاوعي بلغة الأدب، لا يكون ذلك مجرد فكرة نظرية في علم النفس، بل تجربة حية يعيشها الكاتب في لحظة الكتابة، ويعيشها القارئ في لحظة التلقي. فالكاتب لا يكتب فقط ما يعرف أنه يريد قوله، بل يكتب أيضًا ما لم يكن يعرف أنه يسكنه. وهنا يصبح النص مساحة يلتقي فيها العقل الواعي بصوت داخلي خفي، يتكلم أحيانًا بوضوح، وأحيانًا بالرمز، وأحيانًا بالانحراف غير المتوقع في السرد.
في كثير من الأحيان يبدأ الكاتب بنية واضحة: فكرة، موضوع، حبكة، رسالة. لكن أثناء الكتابة، تنفلت الشخصيات من سيطرته، وتتخذ مسارات لم يكن يخطط لها، وتظهر مشاعر لم يكن ينوي الإفصاح عنها. عند هذه اللحظة تحديدًا، يتكلم اللاوعي. فالكاتب يظن أنه يختار الكلمات، لكنه في الحقيقة يُختار من قِبل الكلمات أيضًا، وكأن اللغة نفسها تستدعي ما هو أعمق من القصد الظاهر.
ولعل هذا ما يجعل بعض النصوص تفاجئ أصحابها قبل أن تفاجئ قراءها. كثير من الكتّاب صرّحوا بأنهم اكتشفوا معاني جديدة في نصوصهم بعد كتابتها، وكأنهم لم يكونوا المؤلفين الوحيدين لها. فالوعي يضع الإطار، أما اللاوعي فيملأ الفراغات، ويمنح النص نبرته العاطفية، وعمقه الإنساني، وشحنته الرمزية.
في الأدب العربي، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في أعمال نجيب محفوظ. ففي رواية الطريق، يبدو أن البطل يبحث عن أبيه، لكنه في العمق يبحث عن ذاته الضائعة، وعن معنى وجوده في عالم فقد يقينه. هذا البحث لا يمكن قراءته فقط على مستوى الحبكة، بل على مستوى نفسي أعمق، حيث يتكلم اللاوعي الجمعي عن القلق الوجودي في زمن التحولات الكبرى. ومحفوظ نفسه أقرّ بأن بعض رموزه لم يكن واعيًا بها أثناء الكتابة، بل تكشّفت له لاحقًا عبر قراءات النقاد.
وفي موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، لا يحكي السرد قصة مصطفى سعيد وحده، بل يكشف صراعًا لا واعيًا بين الشرق والغرب، وبين الهوية والرغبة، وبين السلطة والخضوع. الراوي يظن أنه يروي قصة رجل غامض، لكنه في الحقيقة يعيد كتابة صراعاته الداخلية، وصراعات جماعته الثقافية. هنا يتداخل وعي الكاتب السياسي والثقافي مع لاوعيه النفسي، فتولد شخصية تتجاوز حدود الفرد إلى رمز حضاري مركّب.
أما في الشعر، فإن محمود درويش كثيرًا ما جعل من الذات الفردية مرآة لذات جماعية، دون أن يصرّح بذلك دائمًا. في قصائد مثل جدارية، يبدو الشاعر واعيًا بتأمل الموت والحياة، لكنه يكتب أيضًا من منطقة عميقة حيث تتكلم الذاكرة، والخوف، والحب، والفقد، دون ترتيب منطقي صارم. القصيدة تتحول إلى فضاء تتجاور فيه الفكرة الواضحة مع الهواجس الخفية، فيصعب أحيانًا الفصل بين ما أراده الشاعر وما قاله اللاوعي عبره.
وفي الأدب العالمي، تتجلى هذه الظاهرة بحدة في أعمال دوستويفسكي. في الجريمة والعقاب، يظن القارئ أن الرواية تتناول جريمة أخلاقية وعقابًا قانونيًا، لكن النص في جوهره يغوص في أعماق النفس البشرية، في الشعور بالذنب، وفي الرغبة المكبوتة في الاعتراف، وفي الصراع بين العقلانية والضمير. راسكولنيكوف لا يتكلم بلسانه وحده، بل يتكلم بلسان صراعات داخلية لا واعية، تتجسد في الهلوسات، والكوابيس، والانهيارات النفسية، التي لم تكن لتظهر لو لم يسمح الكاتب للاوعي بأن يتكلم عبر السرد.
كذلك نجد في أعمال فرجينيا وولف، مثل إلى المنارة والسيدة دالاواي، أن السرد لا يسير وفق خط زمني مستقيم، بل يتشظى إلى تدفقات وعي، وتداعيات ذاكرة، وهواجس داخلية. الشخصيات لا تُعرّف بأفعالها فقط، بل بما تفكر فيه، وبما تخفيه عن نفسها قبل الآخرين. هنا يصبح النص الأدبي أقرب إلى تسجيل مباشر لحركة النفس البشرية، حيث يتجاور الوعي اللحظي مع طبقات لا واعية من الذاكرة والرغبة والخوف.
وفي روايات كافكا، مثل المحاكمة والقلعة، يظهر اللاوعي في أقسى تجلياته. البطل يواجه سلطة غامضة لا يفهمها، ويعيش شعورًا دائمًا بالذنب دون جريمة واضحة. هذا العالم العبثي لا يمكن تفسيره فقط اجتماعيًا أو سياسيًا، بل نفسيًا أيضًا: إنه عالم اللاوعي القَلِق، حيث يتحول الشعور الداخلي بالتهديد إلى بنية سردية كاملة. وكافكا نفسه كان يقرّ بأن كتابته كانت نوعًا من التفريغ النفسي، ومحاولة لفهم ذاته القلقة والعاجزة أمام أنظمة أكبر منها.
اللاوعي لا يتجلى فقط في الموضوعات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة: في تكرار صورة معينة، في اختيار اسم شخصية دون غيره، في انجذاب الكاتب إلى نوع محدد من النهايات، أو في ميله الدائم إلى الحزن، أو الغياب، أو التمرّد. هذه التفاصيل، التي قد تبدو عشوائية، تكشف في العمق عن نمط نفسي مستمر، يرافق الكاتب عبر أعماله المختلفة، حتى لو تغيّرت الموضوعات والأشكال والأساليب.
وهنا يصبح السؤال: من الذي يتكلم داخل الكاتب دون أن يدري؟ إنه ليس شخصًا واحدًا، بل طبقات متعددة من الذات: الطفل الذي كانه، الجرح الذي لم يلتئم، الرغبة التي لم تُفصح، الخوف الذي لم يُواجه، والحلم الذي لم يتحقق. كل هؤلاء يتكلمون معًا، لكن بلغة واحدة هي لغة الأدب، حيث تتحول المعاناة إلى جمال، والاضطراب إلى معنى، والصراع إلى شكل فني.
الكتابة، بهذا المعنى، ليست مجرد فعل عقلي منظم، بل فعل نفسي عميق، يشبه الحلم في بنيته، ويشبه الاعتراف في وظيفته، ويشبه العلاج في أثره. فالكاتب، وهو يكتب، يعيد ترتيب عالمه الداخلي، حتى وإن لم يكن واعيًا بكل ما يعيد ترتيبه. والقارئ، وهو يقرأ، يتعرف على نفسه في نص لم يكتبه، لأن اللاوعي الذي تكلّم في الكاتب هو ذاته اللاوعي الذي يسكن القارئ.
وهكذا، حين يتكلم اللاوعي بلغة الأدب، لا يتكلم باسم فرد واحد فقط، بل باسم الإنسان كله. ولذلك تبقى النصوص الكبرى حيّة، لأنها لا تخاطب عقولنا فقط، بل تخاطب مناطقنا الخفية، تلك التي لا نصل إليها إلا عبر الفن، حيث يصبح الأدب جسرًا بين ما نعرفه عن أنفسنا وما نجهله، وبين ما نعيشه وما نكتمه، وبين ما نقوله وما يُقال فينا دون أن ندري.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة الفراغ
- معزوفة الصباح
- «ربّانٌ بلا بوصلة»
- حين تحترق الرسائل ولا يحترق القلب
- آفاق البحث المستقبلية ودلالة الثقوب السوداء في المعرفة الإنس ...
- الثقوب السوداء والجاذبية الكمية – نحو توحيد القوانين الأساسي ...
- إشعاع هوكينغ، مفارقة المعلومات، وحدود الفيزياء المعاصرة
- الزمن، الضوء، وتشوه الزمكان في محيط الثقوب السوداء
- الثقوب السوداء فائقة الكتلة: المحور الخفي لتشكّل المجرات وتط ...
- البنية الفيزيائية للثقب الأسود وأنواعه: من أفق الحدث إلى الت ...
- نشأة مفهوم الثقوب السوداء: من الحلّ الرياضي إلى الحقيقة الرص ...
- الثقوب السوداء بوصفها إشكالية كونية: مدخل منهجي ومعرفي لدراس ...
- عندما تكون وحيداً وتتحدث مع نفسك: هل أنت المتحدث أم المستمع؟
- -المُرّ يُعلِّم الصبر... ولكن!-
- رسالة من قلب برئ من الهوى والجنون
- «حين يُباعُ الوطنُ… ويُقادُ الأحياءُ إلى المذابح»
- «المشاريع الكبرى المولودة من رحم المحن لا تموت»
- ضربة حظ
- مقامة الاستجارة والرجوع
- ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا& ...


المزيد.....




- كيف يفسر تراجع قسد أمام الجيش السوري في محافظة الرقة؟
- هستيريا وفزع كامل في أوروبا
- تنصيب الجنرال دومبويا رئيسا لغينيا وإعلان نهاية الفترة الانت ...
- الجيش الأميركي يعلن قتل قيادي بالقاعدة على صلة بـ-كمين سوريا ...
- دمشق تدعو قيادة قسد إلى المسارعة بتطبيق اتفاق 10مارس
- واشنطن تحذر من الطيران في أجواء المكسيك وأميركا الجنوبية
- تقرير.. إدارة ترامب تمضي في خطة غزة رغم -اعتراض نتنياهو-
- سوريا.. الإدارة الذاتية تحذر من -خطر محدق- بشأن محتجزي داعش ...
- بعد عرض ترامب بشأن سدّ النهضة.. السيسي يرحّب بالوساطة ويجدّد ...
- أخبار اليوم: استنفار أوروبي ضد عزم ترامب فرض رسوم بسبب غرينل ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - حين يتكلم اللاوعي بلغة الأدب: من الذي يتكلم داخل الكاتب دون أن يدري؟