|
|
تكريمًا لمحمد حَرْبِي
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 00:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
وُلد محمد حربي، أحد قادة الثورة الجزائرية وقادة جبهة التحرير الوطني في فرنسا خلال حرب الاستقلال، يوم 16 حزيران/يونيو 1933 في الحروش (سكيكدة)، وتُوفي في باريس يوم الأول من كانون الثاني/يناير 2026 عن عمر ناهز 92 عامًا. ينتمي محمد حربي إلى عائلة من الأعْيان، من ملاك الأراضي ورجال الدين، ودفعه فقدان إثنَيْن من عائلته، خلال قمع مظاهرات الثامن من أيار/مايو 1945 من أجل الاستقلال، إلى تبني الأفكار الوطنية، وكذلك الماركسية، وكان في شبابه عضوًا بارزًا في حزب الشعب الجزائري - حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وتولّى مسؤولية جمعية طلبة شمال إفريقيا أثناء دراسته في جامعة السوربون سنة 1953، ثم انضم إلى جبهة التحرير الوطني بعد اندلاع حرب الاستقلال يوم الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 1954، وأصبح عضوا في قيادة جبهة التحرير الوطني في فرنسا ومسؤولا عن الصحافة والإعلام والاتصالات، قبل إرساله إلى ألمانيا سنة 1958 لتنسيق عمل الشبكات الأوروبية التي تقدم الدعم المالي والعسكري لجبهة التحرير الوطني، وبدأ يتبنى وجهة نظر نقدية تجاه قيادة جبهة التحرير الوطني بعد اغتيال القيادي عَبّان رمضان في المغرب على يد رفاقه، أوائل سنة 1958. ، ثم أصبح عضوًا في قيادة الاتحاد الفرنسي لجبهة التحرير الوطني، مسؤولًا عن الصحافة والإعلام. في عام ١٩٥٨، كتب وكتب سنة 1958 نصا نقديا لموقف الحزب الشيوعي الفرنسي بعنوان: "الحزب الشيوعي الفرنسي والمسألة الجزائرية"، بتوقيع باسم فرع فرنسا لجبهة التحرير الوطني، وبعد الإستقلال كان مستشارًا في طاقم الرئاسة خلال سنوا حكم أحمد بن بلّة، قبل اعتقاله وسجنه من قِبَل النظام العسكري، وهو أيضًا مؤرخ بارز للثورة الجزائرية وخبير في تحليل تاريخ الحركة الوطنية والوضع السياسي المعاصر في الجزائر (كتاب: جبهة التحرير الوطني - بين السراب والواقع)، ومناصرًا للديمقراطية والتّسْيِير الذاتي (كتاب: التّسْيِير الذاتي في الجزائر - ثورة أخرى) وتُشكل مؤلفاته إضافة قيّمة لتاريخ نضال التحرير الوطني والثورة الجزائرية. كان يشغل منصب الأمين العام لوزارة الدفاع ثم الخارجية في الحكومة الثورية المؤقتة بالجزائر، وشارك كخبير في المفاوضات الأولية بين الحكومة الفرنسية وجبهة التحرير الوطني، التي أفضت إلى اتفاقيات إيفيان خلال شهر/أيار 1961، وبعد الاستقلال، أصبح مستشارًا للرئيس أحمد بن بَلَّة، وكان من أبرز المفكرين والممارسين لمفهوم التسيير الذاتي ( أو الإدارة الذّاتية)، وهو مفهوم لم يكن مدرجًا على أجندة الجهاز السياسي والإداري والعسكري للدولة الجزائرية، كما شارك في صياغة برنامج طرابلس، وأدار صحيفة "الثورة الأفريقية"، وتولى قيادة المكتب الوطني للقطاع الاشتراكي، وظل وفيًا لمبادئه الاشتراكية، ويُعْتَبَرُ، إلى جانب حسين زهوان، من مؤسسي الجناح اليساري داخل جبهة التحرير الوطني. أُلقي القبض عليه بعد انقلاب هواري بومدين عام 1965، وسُجن، ثم وُضع رهن الإقامة الجبرية حتى هروبه سنة 1973 إلى فرنسا حيث استأنف دراسته في التاريخ واللغات الشرقية في باريس، وهو في الأربعين من عمره، قبل أن يُصبح أحد أبرز مؤرخي الجزائر المعاصرة، مستندًا إلى الوثائق التي كانت بحوزته ومنهجًا سوسيولوجيًا في دراسة الفئات الاجتماعية والطبقات والممارسات السياسية والاجتماعية، واسغل أستاذًا محاضرًا في جامعة باريس 8 وكان عضوًا في اللجنة الراعية لمحكمة راسل بشأن فلسطين... أصبح محمد حربي المؤرخ الرائد المتخصص في جبهة التحرير الوطني وحرب التحرير الجزائرية، والمُوثّق الذي أحدث ثورة في الرواية التقليدية، متجاوزًا أساطير التاريخ الرسمي من خلال خبرته كقائد في حركة الاستقلال الجزائرية واطلاعه على الوثائق، ومن خلال مساهمته المباشرة في حركة التحرير وفي الحكومة الثورية المؤقتة، وقد صاغ مفهوم "الشعبوية الثورية" في كتابه الأول "في أصول جبهة التحرير الوطني" (Aux origines du Front de libération nationale)، الذي نُشر سنة 1975، قبل أن ينشر كتابه الثاني "جبهة التحرير الوطني: سراب وحقيقة" (Le FLN, mirage et réalité) سنة 1980، ووصف محمد حربي في مؤلفاته دَوْرَ الدِّين والفكر الرِّيفي المُحافِظ في عمل الدّعاية والتّحريض لجبهة التحرير الوطني خلال حرب التّحرير، فضلًا عن الانحرافات التي ظهرت بوضوح بعد الاستقلال. لما كان في تونس، تم تعيينه سكرتيراً لوزارة الدفاع (برئاسة كريم بلقاسم)، ثم بوزارة للخارجية في الحكومة الثورية المؤقتة للجمهورية الجزائرية ( ومقرها تونس) وأتاحت له هذه المناصب السياسية مراقبة الصراعات الداخلية العنيفة داخل قيادات جبهة التحرير الوطني، وصعود قادة "الجيش الخارجي"، كما مكّنته من بناء علاقات مع أعضاء في حكومات عربية (مصر وسوريا) ودول أوروبا الشرقية وفيتنام وكوبا والصين وغيرها... بعد انقلاب 1965، اعتُقل الزعيم الشيوعي بشير حاج علي وسُجن قبل اعتقال محمد حربي (9 أغسطس/آب 1965)، واستعان بشير حاج علي بنصٍّ لمحمد حربي كمقدمة لكتابه "الحكم التعسفي"، إذ كتب حربي في المعتقل، خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 1965: "إن الحكم التعسفي في الجزائر ليس نتاج عدوى خارجية، ولا هو نتيجة استبدال الأدوار بين حكام الأمس وحكام اليوم (...) لا تزال هياكلنا الاجتماعية تُكرّس سلوكيات وممارسات عفا عليها الزمن، متأصلة في طبقة حاكمة عنيفة وإقصائية (...) تُسيطر عليها مخاوف المستقبل في كل مستويات التسلسل الهرمي..." كان محمد حربي معارضًا صريحًا للإسلام السياسي، لكنه دعا إلى مكافحته بالوسائل السياسية والأيديولوجية والديمقراطية، مُشيرًا خلال مداخلة له (نيسان/أبريل 1992) إلى أن "استئثار الدولة بالدين قد مهّد الطريق للمطالب الأصولية"، كما كان محمد حربي مفكرًا حرًّا ومؤمنًا بالمساواة بين الجنسين ومرحًا، يتحدث بحرارة عن شوارع القاهرة والمثقفين المصريين، وعن المناضلين الأفارقة الأمميين الذين ناضلوا ضد الاستعمار البرتغالي ونظام الفصل العنصري... انتقد محمد حربي بعض ممارسات جبهة التحرير الوطني خلال الحرب، وإنشاء جهاز بيروقراطي قبل وبعد الإستقلال، تعالى وانعزل عن المجتمع وصادر مكاسب هذا الكفاح المناهض للاستعمار، وقد استند في انتقاده لهذه الممارسات إلى خبرته كقائد فرع فرنسا التابع لجبهة التحرير الوطني بين سنتَيْ 1954 و1958، ولاحقًا كمستشار في وفد الحكومة الثورية المؤقتة خلال المفاوضات مع فرنسا، والتي تُوّجت باستقلال الجزائر سنة 1962، ولذا كان محمد حربي على دراية بخبايا جبهة التحرير الوطني، كما أشار إلى الدور المهم الذي لعبه مسّالِي الحاج، الذي قاد أولى منظمات الاستقلال الجزائرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، والذي حاربته وأقْصَتْهُ جبهة التحرير الوطني خلال حرب التحرير، وأصبح اسمه مرادفًا للخيانة في الجزائر المستقلة، كما ناقش محمد حربي في كتابه "جبهة التحرير الوطني: السراب والحقيقة" دور العنف في بناء جبهة التحرير الوطني واستيلائها بالقوة على المدن والأرياف، فضلا عن المواجهة الدامية بين الجبهة والمقاتلين الذين ظلوا موالين لمسالي الحاج، وَوَصَفَ الصراعات الداخلية والمؤامرات والاغتيالات وتصفية الحسابات من أجل الاستيلاء على السلطة، ثم اغتيالات السّلطة بعد 1962، مثل اغتيال محمد خيضر سنة 1967، وكريم بلقاسم سنة 1970، كما شرح محمد حربي الأزمات التي عصفت بالحركة الوطنية الجزائرية في ضوء أيديولوجيتها الشعبوية، وأَوْضَحَ دور الدين في التعبئة السياسية، على حساب الجوانب العقلانية والعلمانية، وحلل القاعدة الاجتماعية "العامية" لهذه الحركة، أي تلك القائمة على طبقة فلاحية فقيرة مهمشة ونخبة حضرية صغيرة... باختصار، كان محمد حربي مناضلا وطنيا واشتراكيا وقائدًا سياسيًا خلال حرب الإستقلال والسنوات الأولى للجزائر المستقلة، كما كان مؤرخًا أنتج كمًا هائلًا من الوثائق والمعلومات التي نشرها وأخْرجها من داخل جهاز جبهة التحرير الوطني إلى العَلَن، وكان مؤرخًا متواضعًا للغاية، ومفكرًا تقدميًا ملتزمًا ودقيقًا، وأمينًا للأرشيف، وظل وفيًا للمبادئ الاشتراكية والإدارة الذاتية ( التّسْيِير الذّاتي) وللعدالة الاجتماعية والتضامن الأُمَمِي، والنضال من أجل تحرير الشعوب – وخصوصًا الشعب الفلسطيني - والنساء والأقليات.
محمد حربي في سطور 16 تموز/يونيو 1933: وُلد في الحروش (سكيكدة) الجزائر. أيار/مايو 1961: شارك في مفاوضات اتفاقيات إيفيان كخبير في وفد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. آب/أغسطس 1965: اعتُقِلَ وسُجن بعد انقلاب هواري بومدين على أحمد بن بلة. 1973 - غادر الجزائر سرًا إلى فرنسا. 1975 - نُشر كتابه الأول "في أصول جبهة التحرير الوطني". توفي في باريس يوم الأول من كانون الثاني/يناير 2026. من أهم مؤلفاته: "في أصول جبهة التحرير الوطني" – 1975 (Aux origines du Front de libération nationale ) "جبهة التحرير الوطني: السراب والواقع" – 1980 ( FLN, mirage et réalité ) "جبهة التحرير الوطني: وثائق وتاريخ، 1954-1962" (Le FLN : documents et histoire, 1954-1962 ) "الحرب الجزائرية" (La guerre d’Algérie ) "حياة مستقيمة" – 2001 ( Une vie debout )
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل تكون الحرب التجارية واجهة لمجابهة أشْمَل؟
-
الفُقّاعات المالية: من جورج هدسون إلى أزمة الرّهن العقاري
-
الفقاعات المالية: من جورج هدسون إلى أزمة الرّهن العقاري
-
مُتابعات – العدد السّادس والخمسون بعد المائة بتاريخ السابع و
...
-
مصر - تطبيع اقتصادي
-
قراء في وثيقة -استراتيجية الأمن القومي الأمريكي-
-
فرنسا – الذّكرى العشرون لانتفاضة الأحياء الشعبية 2005 – 2025
-
بزنس الرياضة – كأس إفريقيا وكأس العالم لكرة القدم 2026
-
مُتابعات – العدد الخامس والخمسون بعد المائة بتاريخ العشرين م
...
-
إفريقيا بين الغطرسة الأمريكية و-الواقعية- الصّينية
-
يوم اللغة العربية 18 كانون الثاني/ديسمبر
-
عُدْوان أمبريالي مستمر على أمريكا الجنوبية
-
منظمة العفو الدّولية وقضية فلسطين
-
المصانعالإيديولوجية للإمبريالية الأمريكية
-
الغذاء أحَدُ مُؤَشِّرات عدم المُساواة
-
مُتابعات – العدد الرّابع والخمسون بعد المائة بتاريخ الثّالث
...
-
صناعة الأدوية زمن العَوْلَمَة
-
ليبيا في ظل الإستعمار الإيطالي
-
الدُّيُون تُعَرْقِلُ التّنمية
-
أفريقيا في قلب المعركة العالمية على المعادن الاستراتيجية
المزيد.....
-
ليلة رأس السنة على وقع المآسي: حوادث صادمة هزّت العالم على م
...
-
قراءة في إعلان المجلس الانتقالي مرحلة انتقالية قبل استفتاء ل
...
-
مريم عمير بطلة مسلسل -السردين- وباحثة في المحيطات
-
بيانات تؤكد أن روسيا حققت في 2025 أكبر مكاسب ميدانية لها في
...
-
حريق سويسرا: إيطاليا تعلن إصابة 13 من رعاياها وفقد 6 آخرين
-
ماذا يعني إعلان الزبيدي عن مرحلة انتقالية لاستقلال الجنوب؟
-
باحث سعودي: القوة العسكرية لن تحل الأزمة بجنوب اليمن
-
عازف كمان يتهم ويل سميث بالفصل التعسفي والانتقام بعد بلاغ عن
...
-
القلق عالي الأداء.. عدو يعمل في صمت بداخلك
-
اليونيفيل تعلن تعرّض دوريتين لها بلبنان لنيران إسرائيلية
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|