محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث
(Mohammad Abdul-karem Yousef)
الحوار المتمدن-العدد: 8559 - 2025 / 12 / 17 - 02:55
المحور:
قضايا ثقافية
الملخص
تشكل الأزمات الطائفية أحد أكثر التحديات تعقيدًا في البنى الاجتماعية والسياسية للدول متعدّدة الهويات. وتتجلى خطورتها في قدرتها على استهداف أساس العقد الاجتماعي وتقويض الاستقرار السياسي والاقتصادي. تعالج هذه الدراسة طبيعة الأزمات الطائفية وجذورها التاريخية والاجتماعية والنفسية، وتشرح مظاهرها الحديثة في المجتمعات العربية، ثم تنتقل إلى تحليل استراتيجيات الخروج منها، عبر بناء الدولة العادلة، وتفعيل العدالة الانتقالية، وتحصين المجتمع من الانتكاس، ووضع آليات مؤسساتية تمنع عودة الصراع. وتعتمد الدراسة على مقاربة تحليلية مقارنة، مع الاستعانة بنماذج دولية وتجارب ناجحة.
---
1. مقدمة
تُعد الطائفية شكلًا من أشكال الانقسام الاجتماعي القائم على الهوية الدينية أو المذهبية أو الإثنية، وقد رافقت المجتمعات الشرقية والغربية على حد سواء عبر التاريخ. غير أنّ خطورتها تتضاعف عندما تتحول إلى أداة لتعبئة سياسية أو صراع عنيف، مستغلةً هشاشة الدولة، وضعف العقد الاجتماعي، وتراجع التنمية.
الدول الخارجة من صراعات طائفية تواجه تحديات مركّبة: تدمير الثقة، انهيار المؤسسات، انتشار الفقر، انهدام البنى النفسية، وتفكك الروابط الأفقية بين المواطنين. ولذلك فإن الخروج من مثل هذه الأزمات يتطلب رؤية شاملة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والتربية والعدالة الانتقالية.
هذه الدراسة تحاول تقديم إطار أكاديمي شامل يصف طبيعة الأزمات الطائفية، ويحدد مظاهرها، ويعرض السبل الممكنة للخروج منها، ويقترح آليات لحماية المجتمع من الوقوع مجددًا في فخ الانقسام.
---
2. طبيعة الأزمات الطائفية
2.1 تعريف الطائفية
الطائفية هي عملية اجتماعية – سياسية تُحوّل الانتماء الديني أو المذهبي أو الإثني إلى هوية سياسية تُستخدم في التنافس على السلطة والموارد. يشير البعض إلى أنّ الطائفية ليست جوهرًا ثابتًا، بل بناء اجتماعي يتغذى من عوامل سياسية واقتصادية وثقافية.
2.2 جذور الطائفية
يمكن ردّ جذور الطائفية إلى أربعة مستويات مترابطة:
أولًا: المستوى التاريخي
– تراكمات صراعات الماضي (الفتنة الكبرى، النزاعات بين المذاهب الإسلامية، الصراعات المسيحية–المسيحية في أوروبا).
– تشكّل ذاكرة جمعية مشحونة بالتجارب السلبية.
ثانيًا: المستوى السياسي
– غياب الدولة المدنية الجامعة.
– استخدام النخب السياسية للطائفية كأداة تعبئة انتخابية أو حربية.
– هندسة الانقسام من قِبل قوى خارجية.
ثالثًا: المستوى الاقتصادي
– التفاوت في توزيع الثروة.
– الفقر والبطالة كعوامل تعبئة طائفية.
– تحوّل الانتماء الطائفي إلى “آلية حماية اقتصادية” في ظل انهيار الدولة.
رابعًا: المستوى النفسي – الاجتماعي
– الحاجة إلى الانتماء في ظل الأزمات.
– تنميط الجماعات الأخرى.
– سيكولوجيا الخوف والحشد.
2.3 الطائفية كخطاب سياسي
يتحول الخطاب الطائفي إلى أداة تعبئة قوية عندما تُبنى سردية "نحن مقابل هم". ويترافق ذلك مع:
– شيطنة الآخر
– صناعة الضحية
– استدعاء الماضي
– توظيف رجال الدين
– صناعة إعلام موازٍ يعزز الانقسام
---
3. مظاهر الأزمات الطائفية في المجتمعات المعاصرة
3.1 تفكك العقد الاجتماعي
عندما يشعر المواطن بأن الدولة لا تضمن العدالة، تتحول الطائفة إلى بديل، مما يؤدي إلى:
– ضعف الشعور بالمواطنة
– انتشار الولاءات الأولية
– تراجع ثقة المجتمع بالمؤسسات
3.2 انتشار العنف الأهلي
العنف الطائفي قد يأخذ أشكالًا متعددة:
– اشتباكات محلية
– اغتيالات
– حروب أهلية واسعة
– تطهير عرقي أو تهجير
3.3 انقسام مؤسسات الدولة
في اللحظات الحرجة قد تتشظى المؤسسات:
– انقسام الجيش
– انقسام الأجهزة الأمنية
– تسييس القضاء
– تعطيل العمل البرلماني
3.4 تطييف الاقتصاد
تظهر الطائفية الاقتصادية عبر:
– توزيع الموارد حسب الهوية
– نشوء شبكات تهريب واحتكار
– اللامساواة المجتمعية المؤسسية
3.5 انهيار المنظومة القيمية
تغيب قيم:
– التعايش
– التسامح
– الهوية الوطنية
– احترام الاختلاف
وتحل محلها قيم:
– الغلبة
– الإقصاء
– الشك
– الحقد بين المكونات
---
4. الخروج من الأزمات الطائفية: مقاربة متعددة المستويات
4.1 إعادة بناء الدولة الوطنية
تبدأ عملية التعافي من خلال بناء مؤسسات دولة قادرة وحيادية. وتشمل:
أولًا: إصلاح دستوري
– دستور مدني لا يميز بين المواطنين.
– تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات.
– منع الأحزاب على أساس طائفي.
– ضمان استقلال القضاء.
ثانيًا: إعادة بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية
– تبني عقيدة وطنية غير طائفية.
– دمج المقاتلين السابقين عبر برامج DDR (نزع السلاح، التسريح، إعادة الدمج).
– منع المحاصصة الطائفية.
ثالثًا: إصلاح الإدارة العامة
– التوظيف وفق الكفاءة وليس الهوية.
– مكافحة الفساد كآلية لحماية الدولة من التطييف.
4.2 العدالة الانتقالية
لا يمكن الخروج من الأزمات الطائفية دون معالجة آثار العنف والانتهاكات.
تشمل العدالة الانتقالية:
1. كشف الحقيقة
– لجان حقيقة ومصالحة.
– فتح الأرشيف.
– الاعتراف المتبادل بالانتهاكات.
2. المحاسبة
– محاكمات عادلة لمرتكبي الجرائم الخطيرة.
– رفض منطق "عفا الله عما مضى".
3. جبر الضرر
– تعويضات للضحايا.
– إعادة الممتلكات.
– دعم نفسي اجتماعي.
4. الإصلاح المؤسسي
– إصلاح الأجهزة التي تورطت بالعنف الطائفي.
– سن قوانين تمنع التمييز والتحريض.
5. المصالحة الوطنية
– برامج حوار مجتمعي.
– لقاءات بين الضحايا والجناة.
– ترميم الثقة عبر مشاريع إنتاجية مشتركة.
4.3 التنمية الاقتصادية كبديل للطائفية
إذ تشير الدراسات إلى أن الفقر والتهميش يغذيان الصراع. وتشمل العلاج:
– إعادة الإعمار العادل
– توزيع متوازن للاستثمارات
– خلق فرص عمل
– تعزيز شبكات أمان اجتماعي
– دعم المناطق المتضررة بغض النظر عن هويتها
4.4 تفكيك خطاب الكراهية
لا يمكن بناء سلم أهلي دون معالجة الإعلام والتعليم والخطاب الديني.
الإعلام
– تشريعات تمنع التحريض
– دعم إعلام وطني جامع
– محاسبة المنابر الطائفية
التعليم
– مناهج مشتركة تُدرّس التاريخ بإجماع علمي
– تعزيز قيم المواطنة والتنوع
– تدريب المعلمين على إدارة الاختلاف
الخطاب الديني
– تشجيع الفقهاء على خطاب إنساني
– منع تسييس المنابر
– إحياء مقاصد الدين الجامعة
4.5 بناء الذاكرة الوطنية المشتركة
تعاني المجتمعات من استدعاء ذاكرة انتقائية، ولذلك فإن بناء ذاكرة وطنية جامعة يعني:
– كتابة تاريخ محايد
– تخليد ضحايا جميع الأطراف
– إنشاء متاحف للسلام
– توثيق الدروس المستفادة
4.6 تمكين المجتمع المدني
يلعب المجتمع المدني دورًا جوهريًا في:
– مراقبة التحريض
– تنظيم حوارات عامة
– تنفيذ برامج المصالحة المحلية
– تدريب الشباب على القيادة غير الطائفية
4.7 ترسيخ الهوية الجامعة
هوية وطنية تتجاوز الانتماءات ما قبل الدولة تشمل:
– قيم المواطنة
– الحقوق المتساوية
– المشاركة السياسية
– احترام القانون
---
5. آليات منع عودة الأزمات الطائفية
5.1 نظام إنذار مبكر
– مراقبة خطاب الكراهية
– مراقبة الاحتقان الاجتماعي
– تتبع حوادث العنف الصغيرة
5.2 قوانين مكافحة التمييز
– تجريم التحريض الطائفي
– منع الأحزاب الدينية المتطرفة
– تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص
5.3 تعزيز الحوكمة
– الشفافية
– مكافحة الفساد
– توزيع عادل للموارد
5.4 تقوية الاقتصاد المنتج
– الابتعاد عن اقتصاد حرب أو اقتصاد ريعي
– دعم قطاع خاص جامع
– تطوير شبكات النقل والتواصل
5.5 بناء شبكات تواصل بين المكونات
– مشاريع مشتركة
– فرق عمل مختلطة
– مبادرات تطوعية مشتركة
5.6 تعزيز الثقافة السياسية العقلانية
– رفض الشعبوية
– نشر الوعي
– تدريب الأحزاب السياسية على العمل البرنامجي بدل الطائفي
---
6. نماذج دولية للخروج من الأزمات الطائفية
6.1 رواندا
تجربة العدالة الانتقالية (قاشاكا) أثبتت أنّ الاعتراف والمصالحة قد يعيدان بناء مجتمع تعرض لإبادة.
6.2 جنوب إفريقيا
انتقال ديمقراطي قائم على لجنة الحقيقة والمصالحة وإلغاء نظام الفصل العنصري.
6.3 لبنان (نموذج متعثر)
يمثل حالة فشل نسبي، بسبب:
– تكريس المحاصصة
– استمرار الطائفية السياسية
– غياب العدالة الانتقالية
6.4 البوسنة والهرسك
نجاح جزئي بفضل:
– صياغة دستور جديد
– تدخل دولي قوي
– لكن مع بقاء انقسامات اجتماعية عميقة
---
7. من الطائفية إلى المواطنة: الرؤية المستقبلية
7.1 الدولة المدنية
ليست ضد الدين، بل ضد التمييز.
تضمن:
– حقوق فردية
– حياد الدولة
– حكم القانون
– مشاركة الجميع
7.2 التحول من "هوية ضد" إلى "هوية مع"
أي التحول من هوية تقوم على رفض الآخر، إلى هوية تقوم على شراكة مستقبلية.
7.3 الاستثمار في الشباب
الشباب هم الفئة الأكثر قابلية لبناء مستقبل غير طائفي من خلال:
– التعليم
– المبادرات
– ريادة الأعمال
– الثقافة
---
8. الخاتمة
إن الأزمات الطائفية ليست قدرًا محتومًا، بل نتاج تفاعل عوامل سياسية واقتصادية وثقافية. والخروج منها يتطلب رؤية شاملة تتضمن إعادة بناء الدولة، وتفعيل العدالة الانتقالية، وإصلاح الخطاب التربوي والديني، ودعم التنمية المتوازنة، وتأسيس نظام سياسي قائم على المواطنة والحقوق والواجبات. كما يتطلب منع عودة الأزمة بناء آليات إنذار مبكر وتشريعات صارمة ضد التحريض، وترسيخ هوية وطنية جامعة تُعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة.
المجتمعات التي تنجح في تجاوز إرث الطائفية هي التي تدرك أنّ السلام الأهلي عملية مستمرة، تتطلب العمل اليومي، وأنّ المصالحة ليست حدثًا، بل مشروعًا وطنيًا طويل الأمد.
---
المراجع
1. Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. Verso, 2006.
2. Gurr, Ted. Peoples Versus States: Minorities at Risk in the New Century. United States Institute of Peace Press, 2000.
3. Horowitz, Donald. Ethnic Groups in Conflict. Berkeley: University of California Press, 2000.
4. Lijphart, Arend. Consociational Democracy. World Politics Journal.
5. Rothstein, Bo. The Quality of Government: Corruption, Social Trust, and Inequality. Chicago University Press, 2011.
6. Lederach, John Paul. Building Peace: Sustainable Reconciliation in Divided Societies. USIP, 1997.
7. Fischer, Martina. “Transitional Justice and Reconciliation in Divided Societies.” Berghof Research Center, 2011.
8. OECD. States of Fragility Report, 2022.
9. UNDP. Human Development Report, various years.
10. Varshney, Ashutosh. Ethnic Conflict and Civic Life: Hindus and Muslims in India. Yale University Press.
#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)
Mohammad_Abdul-karem_Yousef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟