أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - وهم المكانة وحقيقة الآخر














المزيد.....

وهم المكانة وحقيقة الآخر


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8553 - 2025 / 12 / 11 - 00:31
المحور: الادب والفن
    


مع مرور الزمن نكتشف أن كثيرًا من الهالات التي وضعناها فوق رؤوس الآخرين لم تكن حقيقة، بل كانت صنيعة خيالنا، ومبالغة في تقديرٍ لم يستحقوه. لقد بنينا لهم مكانة عليا من طين الظن، ومنحناهم قداسة من فرط احتياجنا، لا من فرط قيمتهم. كنا نظن أن الضوء الذي يحيط بهم صادر منهم، لنكتشف لاحقًا أنه انعكاسٌ لوهجٍ صنعته قلوبنا نحن.
نحن لا نرى الناس كما هم، بل كما نحتاج أن يكونوا. نصنع أبطالًا من تفاصيل صغيرة، نعلّق أحلامنا على كتف كلمة، ونعطي وزنًا عظيمًا لالتفاتة عابرة. نحول اللطف البسيط إلى مبدأ نبيل، والاهتمام المؤقت إلى حبٍّ سرمدي، والصداقة العادية إلى سندٍ أسطوري. نبالغ لأننا نبحث عن شيء نتمسك به، ونتوهم لأن الحقيقة أحيانًا تكون أكثر قسوة من القدرة على احتمالها.
ثم يأتي الزمن، بلا مجاملة، ليكشف الطبقات التي غلفنا بها الآخرين. يسقط الغبار، ويتلاشى البريق، وتظهر الوجوه بحجمها الحقيقي. عندها ندرك أننا لم نكن نرى الأشخاص بل نرى انعكاس حاجتنا إليهم: حاجة إلى الأمان، إلى الاعتراف، إلى القبول، إلى الحب. وعندما تزول الحاجة، يزول معها الوهم، فنكتشف أن كثيرًا ممن وضعناهم في القمة، لا يستحقون حتى المكان الأوسط.
المؤلم ليس سقوطهم من أعيننا، بل سقوطنا نحن أمام أنفسنا: كيف خدعنا حدسنا؟ كيف بالغنا في منح القيمة؟ كيف منحنا الثقة مجانًا؟ كيف كنا نتجاهل الإشارات الواضحة فقط لأننا أردنا تصديق الصورة الجميلة لا الحقيقة الموجعة؟
لكن السقوط هذا ليس هزيمة. إنه درس. درسٌ يقول لنا إن فكرة الإنسان قد تكون أحيانًا أجمل من الإنسان نفسه. وأنّ قيمة الأشخاص لا تُبنى بالخيال، بل بالمواقف. وأنّ الاحترام يجب أن يُؤخذ لا أن يُمنح بلا حساب. وأن المبالغة في رفع الآخرين ليست تواضعًا، بل انكسارًا صغيرًا يتكرر دون أن نشعر.
ومع الزمن نفهم أن العلاقات التي تقف على أرض الواقع أقوى من العلاقات المبنية على الوهم. وأن الأشخاص الذين لا يحتاجون إلى تضخيم كي يبدوا عظماء هم وحدهم الجديرون بالبقاء. وأن السذاجة ليست في الحب أو في اللطف، بل في أن نمنح أحدًا مساحة لا يملك أدوات ملئها.
وما أن يسقط الوهم، حتى يتضح الدرس الأكبر: أن نعيد ترتيب مشاعرنا، وأن نضع الناس في حجمهم الحقيقي، لا أصغر ولا أكبر. وأن نملك الشجاعة لنقول لأنفسنا: لقد بالغنا… ولقد حان الوقت لنرى الأشياء بعيونٍ أكثر صدقًا.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عراقٌ مُعَطَّل
- حين تمطر… يغرق الوطن في قطرة
- لستُ بخير
- مسافات الآمان
- شيوخٌ تقتل النخوة
- حين يبلغ الرجل ستينه… يسقط القناع الأخير
- الحرية في جناح عصفور
- اعترافات القلب… وانسحابات الروح
- إعلانات ساذجة في زمن الفوضى الرقمية
- الكوكايين السلوكي: كيف نحمي جيلنا من الهاوية الرقمية؟-
- كل الغياب يعود الا انت
- دعينا نلتقي
- انتم الخراب الذي يمشي على قدمين
- رفض تاريخي آخر: لماذا تبتعد المرجعية عن لعبة الكراسي؟
- ماض لن يعود .. كوجه جميل غادره الضوء
- أحملك بقلبي وأدفنك بصمتي
- جمال الموت
- أجمل المحطات
- دروع الإبداع… حين صار الوهم أعلى من الحقيقة
- جريح الثقة لا يُشفى


المزيد.....




- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - وهم المكانة وحقيقة الآخر