أسامة خليفة
الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 12:06
المحور:
القضية الفلسطينية
كاتب فلسطيني
منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي قام الاحتلال الإسرائيلي بخروقات متواصلة، أدت إلى ارتقاء عدد من الشهداء بلغ 354 شهيداً و906 مصاباً في 51 يوماً، هذا العدد يدل على المدى الواسع الذي وصلت إليه الخروقات، بلغة الأرقام -والشهداء ليسوا أرقاماً- سبعة شهداء كل 24 ساعة، ويأتي أحدهم ويقول: وقف إطلاق النار صامد إلى حد كبير، وآخر يقول: وقف إطلاق النار مستمر وبثبات، أحدهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يقول: «اتفاق وقف إطلاق النار في غزة متين للغاية، وليس هشاً كما يدعي البعض. وآمل في أنه لن يكون هكذا.. لقد كان صعباً، ولكنه ليس هشاً، وهذه نهاية جدية للحرب». أصاب من حيث يدري أو لا يدري، أن وقف إطلاق النار في غزة ليس هشّاً كما يُشاع، بل هو معدوم أو اتفاق ملغوم.
جيفري ساكس، يهودي أميركي وأستاذ جامعي في جامعة كولومبيا ومحلل سياسات عامة، نشر في موقع «ميدل إيست آي» مقالاً يتناول فيه اتفاق وقف إطلاق النار، يصف الرواية الأمريكية الإسرائيلية عن وقف إطلاق النار بأنها كذبة، بقدر ما هي كذبة الرواية السابقة عن حرب غزة، إسرائيل لم تكن لديها أي نية لوقف إطلاق النار، كما يتضح من انتهاكات إسرائيل المتواصلة، واستمرار جنودها في قتل المدنيين والمقاتلين الفلسطينيين بالقصف والرصاص، إلى منعها وصول المساعدات الموعودة. ويؤكد ساكس أن خطة السلام التي يروّج لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أداة سياسية لتبييض الإبادة الجماعية، واستدامة الاحتلال الإسرائيلي، ويرى ساكس أنّ خطة ترامب ليست سلاماً، بل استعماراً مقنّعاً يهدف إلى إخضاع غزة، وإفراغها من مقوّمات الحياة. لقد صُمم وقف إطلاق النار مسخاً كي يفشل، عاجزاً غير قادر أن يفتح طريقاً للسلام، غرضه الحقيقي منح إسرائيل تفويضاً جديداً لتجديد الإبادة الجماعية وإخفاء أهداف إسرائيل الكبرى. وإذا كان وقف القتال هشاً، فالسؤال لماذا هو هش؟. يجيب محلل سياسي أن «السلام لا يمكن أن يُبنى على أسس مختلة، ولا أن يُدار من طرف منحاز، عندما تُبنى عملية السلام على تفاهمات غامضة، وتُدار من طرف ينحاز لطرف ضد الآخر، تصبح النتيجة حتماً مساراً هشاً، عُرضة للانهيار عند أول اختبار».
في هدنة ما، قد يحدث خرق هنا أو هناك، حوادث متفرقة متباعدة تطرأ بشكل عرضي، لكن هذا سيل إطلاق نار يومي وقصف قنابل ضمن نهج متبع، هذه ليست خروقات، بل حرب حقيقية تندرج في جريمة إبادة جماعية مقرة مسبقاً. مشهد مختل لا يظهر فيه تبادل إطلاق النار أو مناوشات أو اشتباكات بين جهتين، طرف يقتل وينسف ويقصف، والطرف الآخر ينصلب صامتاً هدفاً ثابتاً كأنه دريئة في حقل رماية، يتدرّب فيها الرامي على دقة الإصابة، أو أن جندياً اسرائيلياً يختبر فاعلية سلاحه في المدى المجدي على طرائد بشرية في مصائد مرصودة، السؤال المؤلم: ما الذي أخرج مقاتلو أنفاق رفح من معادلة وقف إطلاق النار المختلة؟. ولم يخرجهم من شرق الخط الأصفر؟. ولماذا لا يُعتبر قتل الجيش الإسرائيلي المحاصرين داخل الأنفاق هناك، خرقاً فاضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار؟. وقد أعلن جيش الاحتلال أن جنوده قضوا على 30 مسلحاً في الأنفاق، وعثروا على جثامين 9 مسلحين شرقي رفح، ربما ماتوا جوعاً وعطشاً، ومازال الموت والأسر يهدد الآخرين، وقد تعددت الأسباب بعد ضخ الإسمنت في الأنفاق، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر في حركة حماس، إن عدد مقاتليها المحاصرين في أنفاق رفح يتراوح بين 60 و80، وقدرت وسائل إعلام إسرائيلية عددهم ما بين 100 و200.
مفهوم اتفاق وقف القتال، أنه اتفاق يتم بين طرفين متحاربين، وافقا على تعليق العمليات القتالية، إما لتحقيق هدف إنساني مثل وصول المساعدات الإغاثية للمتضررين من استمرار القتال، وإجلاء الجرحى من جبهات القتال، ونشل ودفن الجثث كي لا تنتشر الأمراض، أو تمهيداً لإرساء السلام بالطرق الدبلوماسية والتسوية السلمية، أو لكل ما سبق، بل وأكثر، فأين غزة والحرب عليها من هذا الاتفاق؟. ولماذا عليها أن تتحمل كل هذا الإجرام وتلتزم بالاتفاق وحدها دون التزام الآخر؟. أبلغ مسؤولون أميركيون حركة حماس، أن عليها نزع سلاحها بسرعة وإلا فإن الأمر سيتم بعنف. يوم الأربعاء 15/10 حذر ترامب، قائلاً: «إذا لم تسلّم حماس سلاحها، فستستأنف إسرائيل هجماتها على غزة بمجرد أن أعطي كلمتي»، إذاً الذريعة جاهزة في أي وقت للعودة إلى الحرب، المقصود بذلك، الدرجة من القصف الذي كان سائداً قبل وقف إطلاق النار، لأن العدوان والحرب الإسرائيلية لم تتوقف عملياً إنما انخفض منسوب القتل إلى مستوى أدنى.
يتحدث ترامب إن «غزة كانت كارثة لسنوات كثيرة، وهذه هي النهاية، وأعتقد أنكم سترون حدوث أمور رائعة»، ماذا يقصد؟. رأى العالم مستشفيات غزة تقصف، وتخرج عن الخدمة واحدةً تلو الأخرى، حتى أصبح القطاع الصحي بأكمله عاجزاً عن التعامل مع المرضى والجرحى والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية. وعشرات الآلاف من أطفال غزة تعرضوا لأضرار جسدية وبتر في الأطراف، رأى العالم هطول المطر، يؤدي إلى غرق النازحين في خيام البؤس التي تحولت إلى برك ماء لا تصلح للسكن أو النوم، بينما التجهيزات اللازمة والخيام ومواد البناء مازالت إسرائيل تحتجزها خلف المعابر. شاهد العالم عمليات تطهير عرقي واسعة النطاق، تمّ تهجير العائلات من مناطق القتل إلى مناطق أطلقت عليها إسرائيل اسم «مناطق آمنة»، تحولت بدورها إلى مناطق قتل جديدة، كما شاهد العالم مراكز توزيع الغذاء تصبح مناطق قتل، هذا هي الأمور الرائعة بالنسبة لترامب.
وقف إطلاق النار بهذا الشكل تهريج في مسرحية حرب مجنونة، من ينخدع بهذه المسرحية؟. هي توزيع لأدوار، يظهر فيها ترامب قد أجبر نتنياهو على القبول بإيقاف حرب الإبادة في قطاع غزة، وعقد هدنة مع حركة حماس. في ظل الأحداث الدامية في غزة، هل نصدق ترامب أنه لعب دوراً في إيقاف الحرب وأنه يدفع باتجاه السلام؟. سنتان من العدوان لم تستطع إسرائيل تحقيق الأهداف المعلنة، ووصلت حربها إلى طريق مسدود عسكرياً، وصارت الحرب عبثية لا تحرز إلا سفك الدماء، وباعتراف الجميع، لكن يريدها المجرم نتنياهو حرب إبادة مجنونة، وهل غير المجنون يدرج الأطفال في بنك أهدافه المفضلة؟. ويعتبر بيوت المدنيين والمشافي وآبار المياه والتربة الزراعية أهدافاً استراتيجية، حتى الأموات في مقابرهم لم يسلموا من قنابل جنون الحقد الأعمى.
وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، صاحب «نظرية المجنون»، قاد المفاوضات السرية التي جرت في باريس بين الوفد الأمريكي والفيتنامي الشمالي في باريس، كان كيسنجر يمارس «نظرية المجنون» عندما يصل التفاوض إلى طريق مسدود، يقول كيسنجر للمفاوض الفيتنامي لي دوك تو متقمصاً دور السياسي الطيب: أحب أن تعرف أن الرئيس نيكسون الجالس في البيت الأبيض في واشنطن مجنون وشرير، ولولا أنني أقوم بتهدئته، لأمر بتسوية فيتنام كلها بالأرض، الآن وقد أوصلتم التفاوض إلى طريق مسدود فإن هذا الرجل عندما يبلغه الخبر سوف يجن جنونه، إنه قطعاً سوف يأمر باستئناف القصف الجوي على مدنكم، أنصحكم بالمرونة، وإبداء قدر من التنازل حتى أتمكن من تهدئة جنون ذلك الرجل. ابتلي الفيتناميون بمجنون واحد، وابتلينا بمجنونين شريرين، لكن وجه الغباء في هذا، افتراض أن المفاوض الآخر غبي لا يدرك أنها مسرحية متفق عليها سلفاً بين الرئيس الأمريكي ومساعده على سبيل لعبة توزيع الأدوار بين مهرجين اثنين من مجرمي الحرب، مصابان بجنون العظمة، خطرهما يشمل الجميع، صحيفة هآرتس الإسرائيلية دعت إلى التفطن لخطر حرب نتنياهو المجنونة على المنطقة، ويعتقد ساكس أن ترامب يشكل بالفعل خطراً متزايداً على العالم، لديه ثلاث سمات خطيرة: جنون العظمة، وعدم التعاطف، والسادية، يبني ساكس استنتاجه هذه على ملاحظات أفعال ترامب، وتاريخ حياته المعروف، والعديد من التقارير، وهذه السمات تتفاقم لدى الأفراد الذين يتولون السلطة على الآخرين. ويؤكد ساكس أن التاريخ مليء بالأفراد المختلين عقلياً الذين اكتسبوا صلاحيات واسعة باعتبارهم منقذين محتملين، وأصبحوا في نهاية المطاف مستبدين يلحقون الضرر بمجتمعاتهم قبل غيرها من المجنمعات. أما عن قوة إرادتهم ووعودهم بالعظمة الوطنية، فإنها تجذب الجمهور المضلل الذي يدعمهم، ولكن إذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من هذا النوع من الأمراض في السلطة، فهو أن النتائج طويلة الأجل ستكون كارثة حتمية بالنسبة للجميع.
أما الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي، فقد قال: «يقود البيت الأبيض شخص معتل اجتماعياً، مصاب بجنون العظمة، لا يكترث إلا لسلطته والاستحقاقات الانتخابية. عليه بالتأكيد أن يحافظ على دعم قاعدته، التي تضم الثروات الكبرى وأبرز أرباب العمل».
#أسامة_خليفة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟