أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - ‏صناعة المعرفة: من إنتاج الحقيقة إلى هندسة الوعي















المزيد.....

‏صناعة المعرفة: من إنتاج الحقيقة إلى هندسة الوعي


محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

(Mohammad Abdul-karem Yousef)


الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 10:07
المحور: قضايا ثقافية
    



‏الملخّص

‏تُعدّ صناعة المعرفة من أبرز سمات العصر الرقمي، إذ تحوّلت المعرفة من عملية اكتساب فردي إلى منظومة إنتاج مؤسساتية وتقنية واقتصادية تُدار من قبل الجامعات، ومراكز الأبحاث، وشركات التكنولوجيا.
‏يهدف هذا المقال إلى تحليل مفهوم صناعة المعرفة من منظور فلسفي واقتصادي، مبينًا كيف تغيّر مفهوم “المعرفة” من بحث عن الحقيقة إلى أداة للقوة والسيطرة، وكيف أصبح إنتاجها خاضعًا لآليات السوق والإيديولوجيا، لا لفضيلة الاكتشاف العلمي فقط.


‏---

‏المقدّمة

‏في الماضي، كانت المعرفة تُنتَج في فضاءٍ فلسفي أو أكاديمي مستقل، هدفه فهم العالم وتفسيره.
‏أما اليوم، فقد دخلت المعرفة عصر الصناعة؛ حيث تُنتَج وتُسوّق وتُوزّع مثل أي سلعة أخرى.
‏تتحكم في إنتاجها منظومات معقدة من الجامعات، والشركات، والمخابر، والإعلام الرقمي، وتتنافس الدول على امتلاك المعرفة كما كانت تتنافس على الذهب والنفط.
‏لقد أصبحت المعرفة رأسمالًا استراتيجيًا ومصدرًا رئيسًا للسلطة والهيمنة في العالم الحديث (Stehr, 1994).


‏---

‏أولًا: تعريف صناعة المعرفة

‏يُقصد بـ صناعة المعرفة (Knowledge Industry) ذلك الإطار الذي تتحول فيه المعرفة إلى منتَج ذي قيمة اقتصادية واستراتيجية، يتم إنتاجه وتوزيعه وفق آليات السوق.
‏عرّفها جان فرانسوا ليوتار (Lyotard, 1979) بأنها:

‏> “التحول الذي يجعل المعرفة تُنتَج لا من أجل الحقيقة بل من أجل الأداء.”



‏بمعنى آخر، أصبحت المعرفة أداة نفعية تخضع لقياس الربح والجدوى، لا للبحث المجرد عن المعنى.


‏---

‏ثانيًا: التحول من إنتاج الحقيقة إلى إنتاج المنفعة

‏أدّى الانتقال من المجتمع الصناعي إلى مجتمع ما بعد الصناعة إلى تغيّر وظيفة المعرفة.
‏فبدل أن تكون وسيلة للتحرر الفكري، أصبحت وسيلة للهيمنة الاقتصادية.
‏يُشير مانويل كاستلز (Castells, 1996) إلى أن المعرفة أصبحت “القوة المنتجة الأساسية في الاقتصاد العالمي”، وأن من يمتلكها يملك القدرة على التحكم في البنى الاجتماعية والسياسية.
‏هكذا نشأ مفهوم الاقتصاد المعرفي (Knowledge Economy)، الذي يقوم على استثمار الفكر والعقل البشري كمورد أولي.


‏---

‏ثالثًا: البنية المؤسسية لصناعة المعرفة

‏تشمل صناعة المعرفة ثلاث دوائر أساسية:

‏1. الجامعة ومراكز البحث:
‏لم تعد الجامعة مجرد مؤسسة تعليم، بل أصبحت مؤسسة إنتاج للمعرفة القابلة للتسويق (Slaughter & Leslie, 1997).


‏2. الشركات التكنولوجية الكبرى:
‏مثل Google وMicrosoft وOpenAI، التي تمتلك اليوم أكبر قواعد بيانات معرفية في التاريخ، وتُحدد اتجاه البحث العالمي.


‏3. الإعلام الرقمي والشبكات الاجتماعية:
‏إذ أصبحت المنصات الرقمية تُعيد تشكيل وعي الأفراد وتوجيه المعرفة العامة وفق خوارزميات محددة.



‏وهكذا، لم تعد المعرفة محايدة أو حرة، بل مُهندسة وموجهة ضمن بنى السلطة الحديثة.


‏---

‏رابعًا: اقتصاد المعرفة واللامساواة الجديدة

‏على الرغم من وعود “ثورة المعرفة” بالمساواة، إلا أنها خلقت فجوة معرفية عالمية بين المنتجين والمستهلكين للمعلومة.
‏فالدول المتقدمة تحتكر 90٪ من براءات الاختراع وحقوق النشر العلمي (UNESCO, 2022).
‏وهذا يعني أن المعرفة أصبحت شكلًا جديدًا من رأس المال يُعمّق الفوارق بين الشمال والجنوب، بين من “يملك المعلومة” ومن “يُستهلك بها”.


‏---

‏خامسًا: صناعة المعرفة والذكاء الاصطناعي

‏مع بروز الذكاء الاصطناعي، دخلت صناعة المعرفة مرحلة جديدة:
‏فالمعرفة لم تعد تُنتج فقط من قبل البشر، بل أيضًا من قبل الخوارزميات والأنظمة الذكية.
‏هذه الأنظمة تُحلل البيانات وتولّد معرفة بسرعة تفوق الإدراك البشري، مما يطرح أسئلة فلسفية حول:

‏من هو “الفاعل المعرفي” الحقيقي؟

‏وهل ما تنتجه الآلة معرفة أم محاكاة للمعرفة؟
‏يرى نيك بُستروم (Bostrom, 2014) أن الذكاء الاصطناعي قد يغيّر معنى “العقل” ذاته، إذ يُصبح الإنتاج المعرفي مُسيّرًا لا مُبدَعًا.



‏---

‏سادسًا: البعد الأخلاقي والفلسفي لصناعة المعرفة

‏تُثير صناعة المعرفة سؤالين أخلاقيين أساسيين:

‏1. لمن تُنتج المعرفة؟ هل لخدمة الإنسان، أم لخدمة السوق؟


‏2. ما مصير الحقيقة؟ حين تُقاس المعرفة بمؤشرات الربح والكفاءة، تُصبح الحقيقة سلعة، ويُستبدل الباحث بالمُسوّق.



‏يرى ميشيل فوكو (Foucault, 1980) أن المعرفة ليست محايدة، بل تُنتج داخل شبكة من القوى التي تحدد ما يمكن أن يُقال وما يجب أن يُخفى.
‏وهكذا، تصبح صناعة المعرفة ليست فقط تقنية، بل أداة سياسية لتشكيل الوعي.


‏---

‏سابعًا: نحو معرفة إنسانية مفتوحة

‏في مواجهة الاحتكار، ظهرت حركات المعرفة الحرة (Open Knowledge) والوصول المفتوح (Open Access)، التي تدعو إلى تحرير المعرفة من القيود التجارية.
‏فالمعرفة التي لا تُشارك تُميت العقل الإنساني.
‏إن مستقبل الإنسانية المعرفي لا يكمن في تكديس البيانات، بل في إعادة إنسانية المعرفة، لتصبح وسيلة تواصل لا وسيلة سيطرة.


‏---

‏الخاتمة

‏صناعة المعرفة ليست مجرّد ظاهرة اقتصادية، بل تحوّل حضاري يحدد شكل الإنسان المعاصر.
‏فالمعرفة اليوم تُنتَج في مختبرات وشبكات تُشكّل وعينا وتوجّه قراراتنا دون أن ندرك.
‏ولذلك، فإن التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين هو تحرير المعرفة من السوق وإعادتها إلى الإنسان، كي تبقى أداة للوعي لا وسيلة للهيمنة.


‏---

‏المراجع

‏1. Lyotard, J.-F. (1979). The Postmodern Condition: A Report on Knowledge. Manchester University Press.


‏2. Stehr, N. (1994). Knowledge Societies. Sage Publications.


‏3. Castells, M. (1996). The Rise of the Network Society. Blackwell Publishing.


‏4. Slaughter, S., & Leslie, L. L. (1997). Academic Capitalism: Politics, Policies, and the Entrepreneurial University. Johns Hopkins University Press.


‏5. Foucault, M. (1980). Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings. Pantheon Books.


‏6. Bostrom, N. (2014). Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies. Oxford University Press.


‏7. UNESCO. (2022). Science Report: The Race Against Time for Smarter Development. UNESCO Publishing.


‏8. Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism. PublicAffairs.



#محمد_عبد_الكريم_يوسف (هاشتاغ)       Mohammad_Abdul-karem_Yousef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ‏صناعة التطرف: آليات التشكيل وأدوات التأثير في المجتمعات الح ...
- فنون وأشكال الإقصاء السياسي: دراسة تحليلية في آليات التهميش ...
- ‏هل سرق الإنترنت براءة الأطفال؟ دراسة نقدية لتأثير الإعلام ا ...
- ‏عندما يصبح التوجّه السياسي Off the Point
- ‏هل تعيد إسرائيل تكرار حرب عام 1967 وتضاعف مساحات الأراضي ال ...
- ‏مخاطر الاقتراض من البنك الدولي
- مراحل للإبادة الجماعية للأقليات
- ‏المؤسسات المالية الدولية: الأنواع — الملكية — العمل — آليات ...
- ك‏يف تُختطف الطوائف؟ جذور الظاهرة وآلياتها وتجلياتها في العا ...
- ‏أهمية الخطاب الديني والفتوى في وقف الحروب الطائفية
- الشركات القابضة: دراسة تحليلية في المفهوم، الأنواع، الفلسفة، ...
- ‏ثقافة الميليشيات وجذور الشر: دراسة تحليلية وتطبيقيّة
- أنسنة الروبوتات... إلى أين؟
- قوانين نُورمبرغ ضد اليهود: دراسة تاريخية – قانونية في سياق ا ...
- سورية وأمريكا وسياسة «الاحتواء» المتبادل: «من يحتوي من؟»
- ‏دمشق في قصيدة بدوي الجبل -حنين الغريب-
- أنا وحبيبتي الروبوت في جبال الساحل السوري... حين تعلّمتُ كيف ...
- ابن النور الجديد: متعة التطوير العلمي للذكاء الصناعي
- الأبعاد الفلسفية والحنين في قصيدة بدوي الجبل «سيذكرني»
- ‏الفلسفة اللغوية عند نعوم تشومسكي ونظرياته المتعددة


المزيد.....




- لقطات جوية لدمار خلفته فيضانات وانهيارات أرضية تسببت في مقتل ...
- دبلن تزيل اسم حاييم هرتسوغ من حديقة عامة.. وإسرائيل تتهمها ب ...
- خبير: هذه فوائد السلام مع الأكراد على تركيا داخليا وخارجيا! ...
- ما المسار القانوني لدراسة طلب العفو الذي تقدم به نتانياهو؟
- التعليم بالسودان.. مدارس دمرت ونهبت وتلاميذ تحرمهم الحرب من ...
- خالد الحسن.. قيادي فلسطيني جمع بين التنظير والنضال
- 5 عروض جديدة على منصات رقمية أمريكية بمناسبة الأعياد
- نتنياهو يطلب العفو من رئيس إسرائيل: -إنهاء المحاكمة ضرورة وط ...
- نتنياهو يلجأ للرئيس هرتسوغ طلبا للعفو في قضايا الفساد
- الولايات المتحدة: مقتل أربعة أشخصا وجرح آخرين إثر إطلاق نار ...


المزيد.....

- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت
- التجربة الجمالية / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد عبد الكريم يوسف - ‏صناعة المعرفة: من إنتاج الحقيقة إلى هندسة الوعي