أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الياس ديلمي - دولة السُؤال وَدولة اليَقينْ (2)














المزيد.....

دولة السُؤال وَدولة اليَقينْ (2)


الياس ديلمي

الحوار المتمدن-العدد: 8539 - 2025 / 11 / 27 - 00:40
المحور: الادب والفن
    


في ذلك اليوم، لم يَكُن اقترابُ السّائلِ وَالمُتيقِّن مِن الخطِّ الفاصِل مجرد صدفة، بل كان الحدثُ الذي ستتذكّره الدولتان طويلًا. فبينما كان كلٌّ منهما يُطيل التأمّل في الآخر، كانت تلوحُ في الأفق علاماتٌ لم يعتادا على رؤيتها: غيومٌ تتحرَّك بخفّةٍ فوق منطقةٍ تُمنَع فيها حركةُ السماء، وَنسيمٌ يهبُّ في مكانٍ مُحاطٍ بالقوانين الثقيلة.
تقدَّم السّائلُ خطوةً صغيرةً نحو الخطّ، لا يقصد الخرقَ بل يريد أن يرى بوضوحٍ أكبر. لم يفعلها بنيةٍ تخريبيّة، بل بدافعٍ طبيعي من دوافع دولته: الرغبة في الفهم. وفي اللحظة التي خطا فيها، أحسّ بأن الأرض صارت أكثر ليونة، وكأنّها تتفهّم تساؤله.
في الجهة المقابلة، تقدّم المُتيقّن خُطوةً مماثلة، لم يَقصد العصيان، لكنّه أراد فقط أن يتأكد مِن أنّ نظرته عن السائل لم تكن قاسيةً أكثر من اللازم. وعندما اقترب، أحسّ أنّ الهواء صار أخفّ، وكأنّ يقينه يُفسِح مساحةً لشيءٍ جديد.
عند تلك النقطة، صار كلّ واحدٍ قريبًا بما يكفي ليرى في عيني الآخر ما لم تقله الكلمات:
السّائلُ كان يحملُ في حدقتَيه ارتباكَ باحثٍ عن جواب، والمتيقّنُ كان يحملُ في نظرته صمتًا مُثقلًا بما لم يسأل عنه يومًا.
كان كلٌّ منهما يتوقّع أن يتراجع الآخر، لكن المُدهش أنّهما ظلّا واقفَين تمامًا على المسافة التي لا يحق لهما الوقوف عندها.
نظر السّائلُ إلى المُتيقّنِ قائلًا في نفسه:(هل يظنّ أنّني أهدم يقينَه، أم أنّه يرى فيّ ظلَّ سؤالٍ يتمنّى ألا يطرحه؟)
وبالمقابل قال المُتيقّنُ في داخله: (هل يخافُ مِن يقيني، أم أنّه يبحثُ فيّ عن جوابٍ يهرب منه منذ زمن؟)
لم يتبادلَا كلمةً واحدة، فالكلامُ على الخطّ الفاصل يُعتَبر خرقًا صريحًا.
لكنّ لحظة الصمت تلك كانت أبلغ مِن آلاف الحوارات، فالسّائلُ كان يشعر بأنّ اليقين ليس خصمًا كما قيل له، بل حالةٌ يمكن لمسها دون أن تبتلعه، وكان المُتيقّنُ يشعر بأنّ السؤال ليس عدوًّا كما حذّروه، بل صوتٌ قد يفتح نافذةً لا تُهدّد وجوده.
قبل أن يبتعدَا، حدث ما أربكهما: خطٌّ رفيع من الضوءَ مرَّ بينهما فجأة، كأنّ الأرض نفسها أرادت أن ترسم حدودًا جديدة.
لم يَفهم أيٌّ منهما ما يعنيه ذلك، لكنّهما شعرا أنّ الخطّ تغيّر قليلًا، لا هو ابتلع خطوتَيهما، ولا هو عاقبهما…
لكنّه سجّل اقترابَهُما كما تُسجَّل الشرارةُ الأولى في تاريخ نارٍ ستشتعل يومًا.ابتعد السّائلُ بخطواتٍ سريعة، يخاف من أن يكون اقترب أكثر مما ينبغي، وعاد المُتيقّنُ بخطواتٍ ثابتة، يخاف من أن يكون تردّد أقل مما يسمح له يقينه.
لكنّ كليهما شعر بأنّ ذلك اليوم لن يمرّ بلا أثر، وأنّ شيئًا صغيرًا قد تغيّر، لا في القوانين… بل في داخلهما.
وفي الليلة ذاتها، كان السّائلُ يقلبُ أسئلته في فراشه، يبحث عن تفسيرٍ لما حدث، وكان المُتيقّنُ يُقلّب يقينَه، يبحث عن سؤالٍ واحد يستطيع تحمُّل سماعه…
وقد أدرك الاثنان — دون أن يلتقيا مرّة أخرى — أنّ الخطّ الفاصل بين الدولتين لم يعُد كما كان ...



#الياس_ديلمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك سردية فيلم كتاب إيلاي (The book of Eli)
- توظيف الخُرافَة والأسطُورَة (1- خُرافة لم يَكنْ في ذلك اليوم ...
- دولة السُؤال وَدولة اليَقينْ
- عمليّة تفكِيرية داخل باص
- التعددية المَذهبية في الجزائر ، مِن التقييد الى الحظر !
- « مأمُورة و مُنتنَة و كذلك نائمة ، فدعُوها !! »
- صلاة العقُول « الصّالون الفِكري » (1)
- لقَاء العقُول
- « تراجِديا الحضَارة »
- « داعِش تظهَر مِن جديد ! »
- الأُنثى المَفقُودة (2) : « العلاقة بين الذكر و الأنثى ، شَرا ...
- الأُنثى المَفقُودة (1) : « الإنسَان و الإنسَانيّة »
- يُوسف زيدَان و غَوغاء التّارِيخ يتشاجَرون !
- وزير يزُور أبى هريرة
- أُسطُورة دَاروِين المُسلِمين : عمرُو بن مَيمُون
- أسطُورة الإنسَان والتّاء المربُوطة
- رزَان و الإخوان في بِلاد طَرزان
- حفلَة تنكُرية
- خُطبة ابليس في يوم عَرفة
- جُمهورية التناقُضات (3)


المزيد.....




- السينما الغنائية العربية: من وهج البدايات إلى انحسار التيار ...
- حكاية لعبة 5: صرخة سينمائية في وجه الاغتراب الرقمي للأطفال
- ثقافة -البالة- في العراق: من ملاذ للفقراء إلى -صيد ذكي- للما ...
- السينما المصرية في مواجهة -سحر المونديال-: تراجع الإيرادات و ...
- ليلة -إيفان كوبالا- التاريخية.. طقوس الماء والنار والأساطير ...
- فنان مصري يعترف بتعاطيه المخدرات ويكشف عن فترة صعبة
- بمشاركة فنانين وسياسيين وحقوقيين.. بيان من لجنة الدفاع والتض ...
- الفنان فضل شاكر يغادر المستشفى العسكري بعد استكمال فحوصاته ا ...
- صيف يفيض بالمتعة.. فعاليات ثقافية نابضة بالحياة في موسكو خلا ...
- ما تبقى منكم ..؟! فيلم مدهش يصور هوية و ذاكرة الانسان الفلسط ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الياس ديلمي - دولة السُؤال وَدولة اليَقينْ (2)