أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد الساعدي - حكايات لم يروِ أحد














المزيد.....

حكايات لم يروِ أحد


سعد الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8506 - 2025 / 10 / 25 - 09:46
المحور: الادب والفن
    


في زوايا العالم المنسية، بين طيات الزمن وحواشي الأماكن، تكمن حكايات لم يروِها أحد. ليست لأنها غير مهمة، بل لأن أصحابها غابوا قبل أن تصل أصواتهم، أو لأنهم ظنوها بسيطة لا تستحق الرواية. لكن هذه الحكايات هي التي تشكل النسيج الخفي للحياة، نسيج من همسات وأحلام ووجع وأمل.

في غرفة صغيرة بشقة عتيقة، تجلس امرأة عجوز تحتفظ بذاكرة المدينة في صندوق خشبي. كل قطعة فيه تحمل حكاية: تذكرة باص قديمة، صورة بالأسود والأبيض لشارع لم يعد موجوداً، وربما رسالة لم تُرسل إن كانت تعرف الكتابة. هي تتذكر، لكن لا أحد يسألها. حكايتها ليست في الكتب، لكنها تشكل تاريخاً موازياً للمدينة، تاريخاً أكثر دفئاً وإنسانية.

وفي قرية نائية، يحمل راعي الغنم في ذاكرته حكايات الفجر والمرعى. يعرف أسرار المسارات التي لم تُرسم على الخرائط، وأسماء الجداول التي لم تُسجل في الكتب. يحمل حكايات عن ليالٍ قضاها وحيداً تحت النجوم، عن لحظات خوف وشجاعة لم يرها أحد. حكايته مع الأرض والسماء تروى في صمت، لأن اللغة عاجزة عن نقل ما يعرفه قلبه.

هناك أيضاً حكايات المدن التي ترويها الجدران. جدار في زقاق ضيق يحمل ندوب الرصاص من حروب مضت، لكنه أيضاً يحتفظ بذاكرة طفل رسم قلباً بحجر، وعاشقين كتبا اسميهما داخل دائرة. هذه الجدران تروي حكايات من لم يتركوا وراءهم سوى بعض الآثار الباهتة.

وفي محطات القطار والمطارات ومرائب الحافلات، ثمة حكاياتِ لقاءاتٍ لم تتم، ووداعات لم يكتمل كلامها. شخص وقف ينتظر ولم يأتِ أحد، وآخر حمل حقيبته ومضى مهاجراً إلى حياة جديدة. هذه اللحظات المصيرية التي غيرت مصائر أناس، لم يروها أحد، لأن أصحابها ظنوها شخصية بحتة، لكنها في الحقيقة جزء من نسيج إنساني أكبر.

حتى في عالمنا الرقمي، هناك حكايات لم تُروَ: رسائل كُتبت ثم مُسحت، مدونات لم يقرأها أحد، صور حفظت في أرشيف شخصي ولم يطلع عليها غير أصحابها. هذه الحياة الموازية التي نعيشها في العوالم الافتراضية تحمل بدورها حكايات تنتظر من يرويها.

لماذا نبحث عن هذه الحكايات غير المروية؟ لأن في استعادتها إنصافاً للوجود الإنساني بكل تعقيداته. لأن التاريخ الرسمي يروي دائماً حكاية المنتصرين، والأبطال، والأحداث الكبرى. لكن حكايات الناس العاديين، لحظاتهم اليومية، انتصاراتهم الصغيرة، أحزانهم الخفية، هي التي تشكل الحقيقة الأعمق للزمن الذي نعيش فيه.

ربما تكون مهمتنا جميعاً أن ننصت جيداً، لأن حولنا دوماً حكايات تبحث عن راوٍ. ربما تكون مهمتنا أن نروي حكاياتنا نحن، مهما بدت بسيطة، لأن في كل حكاية تفصيلاً يضيف إلى لوحة الوجود الإنساني.

في النهاية، الحكايات التي لم تروَ تشبه النجوم الخافتة التي لا نراها في سماء المدينة الملوثة بالضوء، لكنها تظل موجودة، تشكل جزءاً من الكون، وتنتظر ليلة صافية، وراصداً صبوراً لاكتشافها.



#سعد_الساعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقصاء المؤلف أو موته وحضوره..مقارنة موجزة بين مدرسة عبد الله ...
- غزو البلهاء
- نفثاتُ عشق..
- تجليات الفلسفة في القصيدة التجديدية.. نور حامد وتحليل نص
- السعادة الإبداعية في القصيدة التجديدية.. رحيم الربيعي في رؤي ...
- معادلةٌ بالمقلوب..
- الصوت (البوليفوني) في القصيدة التجديدية.. قراءة لنص الشاعر أ ...
- الكوميديا السوداء، أو السخرية في القصيدة التجديدية الشاعر مو ...
- سعد العبيدي في -حفل رئاسي-.. توثيق الواقع روائياً
- التاريخ الذي تكتبه قصيدة.. الكواز مؤرخاً
- حضورية التحليل النقدي التجديدي في -لوحة صامتة ترسمها الضوضاء ...
- رسالة لصديقي عِبرَ الفيسبوك
- الشاعرة والناقد فوزية أوزدمير تكسر حواجز الألم في -السبابة-. ...
- رثاء لشاعرة العراق لميعة عباس عمارة
- قصيدة كرسي الاعتراف
- قصيدة عفو عام للشاعر أحمد مطر ترجمها سعد الساعدي
- Poem: The Blind Child(قصيدة: الطفل الأعمى)
- عبد الجبار الفياض شاعر الفلسفة وفيلسوف الشعر التجديدي (قراءة ...
- أسيادُ الرذيلة
- Lost


المزيد.....




- وفاة الممثل توم سكيريت نجم فيلم -Alien- عن عمر يناهز 93 عاما ...
- عن احتمالات النجاة التي لا نراها.. مسرحية -فيلم هندي- في دمش ...
- توم كروز يتلقى جائزة إنجاز العمر من معهد الفيلم الأمريكي
- علي البتيري يشرع قلمه لغزة.. القلم والبندقية وجهان لهدف واحد ...
- حكاية الأرض والنساء.. تتويج الفيلم السوداني -ملكة القطن- في ...
- فرنسا: فنانون ومقتنون يتوافدون إلى -آرت بازل باريس- رغم الاض ...
- تفاقم الجريمة في لندن.. كوميدي بريطاني مشهور يتعرض لاعتداء ف ...
- هوليوود بين العروض السينمائية والمحتوى الإلكتروني؟ لا، العنو ...
- رواية مارغريتا سيمونيان -ليس الحب الأول- تتصدر مبيعات دار -أ ...
- مسؤولة أمريكية توثق اعتداءات المستوطنين في الضفة وتكشف زيف ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعد الساعدي - حكايات لم يروِ أحد