ادريس الواغيش
الحوار المتمدن-العدد: 8451 - 2025 / 8 / 31 - 00:14
المحور:
الادب والفن
بقل: إدريس الواغيش
على فرنسا أن تبدأ في تعلّم الرّياضيات من الصّفر، حتى لا تغلط في الحسَاب مع المغرب مستقبلا، تنسَى أنها كانت مُستعمِرَة لنا، وتعرف أن الأيام سِجال والأحوال تتبدّل وتتغيّر بين الناس، وتتذكر أنّنا كُنّا إمبراطورية تجمَع الحُكم بين ضفّتي المتوسط، وأنّ ملوك المغرب وسلاطينه حكموا في أوروبا شمالا بالأندلس، وتمّت لهم البَيعة في إفريقيا جنوبًا إلى حدود نهر السينغال. ولكن مع تواتر الأخبار، يبدو أنّ فرنسا "وصلات ليها للعظم"، وهي ترى مصالحها الاقتصادية في خطر أمام تقدّم زئير الأسد في إفريقيا. نعرف أن فرنسا كانت دولة استعمارية، ولم تتخلّ في يوم من الأيام عن ماضيها الاستعماري، ونهب خيرات وثروات إفريقيا الفرنكوفونية. ونسيَت أن "لعنَة كورُونا" قلبت الأمور بشكل مفاجئ أمام عيونها وهي نائمة، استفادت منها دول وتأخّرت أخرى عن الرّكب، ومنها دولة فرنسا. انتقلت بنا السّرعة من زَمن "لوموند" وأعوانها ومُموّليها إلى زمن آخر، هو "زمن العنكبُوت" الرّقمي. في هذه الفترة الزمنية الحسّاسة من زمن العولمة وطغيانها، كانت (مَامَاهُم) فرنسا في "دار غَفلون"، نائمة لا تريد أن يطير منها "التّمن"، حتى لا تستفيق من سكرات زَهوها الاستعماري.
ولو رأينا بالمنظور البعيد، آن لفرنسا اليوم ولمريديها معها في الداخل والخارج، أن تعرف أن المَملكة المغربية الشريفة "هربَات عليها"، سواء في إفريقيا أو في شراكاتها الاقتصادية في الجوار ببعض دول أوروبا، وإلا ما كنّا قرأنا ولا سمعنا شيئا عن سفاهة "لوموند" وسفالتها. دائمًا وأبدًا، تعوّدنا على جبن فرنسا وخبثها، ما لا تستطع قوله دولتها العميقة، مُتمثلة في نُخبها البورجوازية والجيش، تتركه لإحدى الجرائد أو المَجلات الفرنسية، وتمرّر كل ذلك باسم حرية التعبير. حين تضايقت من تجذّر الإسلام فيها وتغلغله بين مواطنيها، وتكاثرت المساجد في مُدنها وقراها والمسلمين في مُجتمعها، سلطت علينا وعليهم: شارلي إبدو، فرانس سوار وغيرها من المنابر الإعلامية الصفراء، لكي تسيء للإسلام والمسلمين باسمها. وحين ضايقها المغرب بجديته وصدقه السياسي في إفريقيا، وكاد يمحوها من القارة السمراء، أعطت الأوامر إلى جريدة "لوموند" لكي تقوم بالواجب، تتفوّه بعَفنها وبذاءتها في حق جلالة الملك، ودائما تحت يافطة حرية التعبير. وعلينا أن نتذكر أن جريدة "لوموند" بالذات، أسّسها الجنرال ديجول، بعد خروج الجيش الألماني من أراضيها أثناء الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، ليس بفعل ضراوة المقاومة الفرنسية الشجاعة، ولكن بعد الإنزال الأمريكي بقواته، حتى لا يُزايد علينا أحد. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية لن تُنقذ فرنسا أكثر من مرتين. وقد رأينا والعالم كيف جلس ماكرون طائعًا مُستسلمًا، مُربّع اليَدين أمام الرئيس ترامب، كما لو أن تلميذا جالسًا يستمع للإملاءات أمام أستاذه، وكيف يبدو في المقابل بطلا قوميا وفاتحا صنديدا في الجزائر في كل زياراته، يقبّل الكابرانات والأهالي يديه في العاصمة، ويطلون برَكاته...!!
وهل يستطيع أحد أن يقول لي هنا أو يقنعني، متى كانت جريدة أسّسها جنرال عسكري، ناطقة باسم اليسار والأخوّة والحرية والعدالة، حتى لو كان هذا اليسار "مُعتدلا" كما يدّعون، وكما تدعي النخبة الفرنسية؟ هذه هي فرنسا، وكما تعوّدنا عليها دائمًا وأبدا، تكذب علينا وعلى نفسها ليل نهار جهارًا نهارًا، وتطلب منا أن نصدّقها، إما بالتّرهيب غصبًا عنّا أو بالترغيب عن رضى وغباوة.
جريدة "لوموند" واجهة فرنسا الإعلامية، وهي الناطقة باسم المذهب السياسي الفرنسي العميق، تعبّر عن رأي اقتصادها وجيشها وطموحها الاستعماري، وإن بدت في ظاهرها جريدة "رأي حُرّ"، وهي لا تعدو أن تكون واجهة تجميلية للجيش الفرنسي. ولكن في باطنها، هي تعبّر عن برنامج فرنسي سياسي واضح، وناطقة باسم عقيدتها البورجوازية المتوحشة، وعقيدتها العسكرية الدموية في مُستعمراتها السّابقة. خدعونا في الداخل والخارج بقولهم فرنسا "حَسناء"، ورَدّدنا وراءهم بغباء شعارها: "حرية، مساواة، أخوة". وبفعل تأثير أذرعها الإعلامية القويّة والتبعيّة الاقتصادية والثقافية، رَدّدناه في سرّنا وعلانيتنا بالعربية والفرنسية، وكتبناه ونحن طلاب وتلاميذ في بيوتنا على الحيطان. غَرَّ فرنسا الدموية والاستعمارية هذا الـ"حُسْنُ"، ومتى كان ملمس الأفاعى أو منظر الثعلب جميلا؟ "أنّ الأفاعي وإن لانت مَلامِسُها- عندَ التّقلّب في أنيابها عَطبُ".
أمّا قبحها فقد صدّرته إلى ما وراء البحر الابيض المتوسط، عبر عساكر جيشها ومخابراتها أو إعلامها وجرائدها ومجلاتها إلى دول إفريقيا العسكرية، وأصبحنا نسمع كل يوم عن انقلاب في الدول الفرنكوفونية في الساحل الإفريقي، وعساكر وكابرانات لا تتنازل عن السلطة في الجزائر، مهما كان الثمن" وَاخَا غاديين في الخُسان أحَمّادي". ولم يكن ليتم ذلك العناد الخاسر، بل القاتل اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، إلا بتعاون مع مُخابراتها وإلحاح من رجالاتها المخلصين لها، لأنها هي من تدافع عنهم، وهي التي عيّنتهم هناك.
الملك محمد السادس نصره الله كان ذكيًّا، بدأ في اقتلاع أضراسها وأنيابها الواحد تلو الآخر في المغرب أولا، ثم في إفريقيا ثانيا، بالرغم من مقاومة اللوبي الفرنسي على الضفتين، لأن حياة وبقاء هذا اللوبي رهين بوجود فرنسا. ورغم كل ذلك، حلت الأبناك المغربية محلّ الفرنسية في إفريقيا: التجاري وافا بنك، البنك الشعبي، بنك إفريقيا، وعوّضت الشركات المغربية نظيرتها الفرنسية: اتصالات المغرب، المكتب الشريف للفوسفاط بكل فروعه، قطاع الخدمات، البناء والطرق، الطاقة والصناعات الأساسية...إلخ، ناهيك عن جاهزية الزّوايا ومفعولها السّحري، أذكر هنا الزاوية التيجانية تحديدا، وما يتبعها من فكر وفلسفة وتصوّف، بالإضافة إلى مبادئ المذهب المالكي الوسطي المُعتدل، وتأطير الفقهاء الأفارقة هنا في المغرب وهناك في بلدانهم الأصلية. هذه العوامل كلها مُجتمعة، ما هي إلا وسائل لتطبيق وتوطين راية المملكة المغربية وسياساتها الدينية والاقتصادية بمنطق: رابح- رابح، وبالتالي طرد ديك ديغول من إفريقيا وإسكات صياحه.
وقريبا، قريبا، ستأتيها الضربة القاضية، ولذلك استبقت الأحداث بترّهاتها حول صحّة الملك ومُستقبل وليّ العهد. الشعب المغربي وبعد أن مَحى من ذهنه شيئا اسمه "جون أفريك"، ولم يعد يصدق ترهاتها وأخبارها الزائفة عن الشعب المغربي والملك والقصر، ها هو اليوم يفعل نفس الشيء مع جريدة "لوموند". والمغرب لم يعد تابعًا لفرنسا ولا شريكا لها، رغم صفقات ال TGV وصفقات أخرى، بل منافسا قويا لها في إفريقيا، وفي المستقبل القريب لن تدخل أبواب إفريقيا إلا من بوّابة الصّحراء الغربية كلميم، وعبر جماركه وطرقاته. الأسد الإفريقي قادم لا محالة، ولم يعد في حاجة إلى فرنسا. وقد يقول قائل: "هذا حُلم.."، فماذا يضرنا لو حلمنا بشيء هو أقرب إلى الواقع؟
المغرب أصبح يعتمد على طاقاته وكفاءات شبابه، وشركاته هي التي تبني السدود والطرقات السيارة والمشاريع الكبرى في المغرب والخارج، وهي التي بنت ملعب الأمير مولاي عبد الله، الأكبر والأجمل والأحسن في إفريقيا في زمن قياسي. المغرب شيّد ميناء طنجة المتوسطي، وهو الأكبر في إفريقيا وحوض البحر المتوسط، وبذلك يكون قد جمع" حَبّ وتبن" مع موانئ فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وقريبا ستشيد شركة مغربية طريقا سريعًا يربط دول الساحل بين مالي ببوركينافاسو وسط أدغال إفريقيا ورمالها الملتهبة، وقريبا أيضًا، وهذا هو الأهم، سيُصبح الدرهم المغربي مُتداولا كعملة في عدد من الدول الإفريقية، وهنا سيصيح الديك الفرنسي ومعه" لوموند" صيحَته الأخيرة، ولن يعود قادرًا بعدها على الصّياح أبدًا، وحتى إن استرجع قدرته على الصياح، يكون فجر المغرب قد بزغ وشمسه سطعت في إفريقيا والعالم، حتى لو لم نعُد في حاجة إلى صياحه، فما فائدة صياح الديك بعد آذان الفجر وطلوع الشّمس..؟
#ادريس_الواغيش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟