أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمدي سيد محمد محمود - الوجودية: من قلق الفرد إلى عبء الحرية وصناعة المعنى














المزيد.....

الوجودية: من قلق الفرد إلى عبء الحرية وصناعة المعنى


حمدي سيد محمد محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 11:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


د.حمدي سيد محمد محمود
تُعد الوجودية أحد أبرز التيارات التي بلورت القلق الفلسفي الحديث إزاء سؤال الإنسان ومعنى وجوده، إذ نشأت بوصفها قطيعة مع النسقية الميتافيزيقية التي سادت الفلسفة الكلاسيكية، لتجعل من الفرد ووعيه بالزمانية والعدم محورًا للتفكير. فمنذ اللحظة التي طُرحت فيها التجربة الذاتية والاختيار الشخصي في مواجهة العقل المطلق، برزت فكرة أن الوجود الإنساني لا يمكن رده إلى نسق تجريدي أو إلى جوهر ثابت، بل يتجلى في انكشاف الذات أمام حريتها ومسؤوليتها، وفي مواجهة لا مفر منها مع الموت والعدم. إن ما كان في بداياته تجربة دينية تقوم على القفزة الوجودية، تحوّل لاحقًا إلى تحليل أنطولوجي للـ "الكائن-هنا" بوصفه انفتاحًا على الزمانية، ثم إلى إعلان راديكالي بأن الإنسان يُلقى في العالم ليصوغ معناه بنفسه. هذا المسار من اللاهوتي إلى الأنطولوجي إلى الإنساني-الملحد يعكس جدلية تطور الفكر الوجودي عبر قرن ونصف من التوترات الفكرية.

في هذا الإطار، لم يعد القلق مجرد حالة نفسية بل أصبح بنية كاشفة للوجود ذاته، حيث يعرّي الكائن أمام هشاشته وانفتاحه على الإمكانات. ولأن الحرية سابقة على أي تحديد ماهوي، فإن الإنسان لا يُعرّف إلا بما يفعله، وبما يختاره أن يكون. غير أن هذه الحرية ليست امتيازًا مريحًا، بل عبئًا يلازم الفرد في كل لحظة، إذ هو محكوم بأن يختار، ومطوّق بمسؤوليته أمام ذاته والآخرين. إن التنصل من هذا العبء لا يكون إلا عبر ما وُصف لاحقًا بـ "سوء النية"، أي الارتداد إلى وهم الجوهر الثابت، بينما الأصالة تكمن في الاعتراف بالانفتاح اللامشروط على الإمكان. من هنا تنبثق مأساة الإنسان وكرامته في آن واحد، حيث لا شيء يضمن له المعنى، ومع ذلك يظل مدعوًا إلى خلقه.

هذا الأفق لم يبقَ محصورًا في التنظير الفلسفي، بل وجد في الأدب والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى فضاءات أوسع للتجسيد. فالرواية، على سبيل المثال، تحولت إلى مختبر وجودي يكشف عبثية العالم ولاجدوى الأشياء، والمسرح إلى خشبة يُختبر عليها ثقل الحرية وتوتر العلاقة بالآخر. أما مفهوم العبث فقد تبلور سرديًا وشعريًا، حين جُعل الإنسان صورة لـ "سيزيف" المعاصر الذي يواصل دحرجة صخرته بلا غاية، لكنه يفعل ذلك في وعي كامل بعبث فعله، وفي تمرد يمنحه شكلاً من الحرية. كما أن الفنون التشكيلية والموسيقى الحديثة حملت بدورها صدى القلق والاغتراب، فغدت الألوان المشوهة والأصوات الحرة علامات على محاولة القبض على اللامعنى.

وحين بلغ الفكر الوجودي فضاء الثقافة العربية، وجد نفسه في تماس مباشر مع أسئلة الحرية والتحرر والهُوية التي فرضتها سياقات الاستعمار وما بعده. فالشعر الحديث كشف عن نزعة اغترابية وقلق وجودي يتقاطع مع البنية العميقة للهم الوجودي العالمي، بينما الرواية جسدت مأزق الذات العربية في عالم عبثي، متشظٍ، يبحث عن معنى في أفق مسدود. على المستوى الفلسفي، سعت بعض المحاولات إلى مواءمة المفاهيم الوجودية مع الإرث الروحي المحلي، بحيث لم يُنظر إليها كفكر دخيل، بل كإمكان لإعادة قراءة التجربة الصوفية وما تنطوي عليه من قلق وجودي ووعي بالزمانية. وفي الحقل السياسي، تم استقبال النزعة الالتزامية بوصفها نداءً للتحرر والمقاومة، أكثر منها نزعة فردية أو تأملية باردة.

إن الوجودية، بهذا الامتداد، لا تُختزل في تعريف أو صياغة مدرسية، بل هي شبكة من المواقف التي تلتقي في نقطة مركزية: أن الإنسان مشروع مفتوح، كائن-في-العالم بلا ضمانات ميتافيزيقية، مسؤول عن ذاته وعن الآخرين في آن واحد، مدفوع بالقلق ومحدود بالموت، لكنه في هذا الشرط بالذات يكتشف إمكان الحرية والإبداع والالتزام. فهي ليست مذهبًا متجانسًا بل انفتاحًا على مأساة الكائن وكرامته، على عبث العالم وقدرة الإنسان على صياغة معنى في قلب العدم. ومن هذا المنظور تغدو الوجودية تجربة إنسانية شاملة، لا تخص فضاءً ثقافيًا بعينه، بل تتجدد في كل سياق تواجه فيه الذات فراغ المعنى وثقل الحرية، سواء في أوروبا القرن العشرين أو في العالم العربي المعاصر.



#حمدي_سيد_محمد_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسرائيل كذراع استراتيجية للولايات المتحدة: بين المصالح العمي ...
- القيادة التحويلية في زمن الأزمات: من احتواء التحديات إلى صنا ...
- هندسة الجاذبية: إدارة القوة الناعمة كرافعة للنفوذ الدولي
- الجغرافيا الجديدة للنفوذ: أمن الطاقة وإعادة تشكيل التوازنات ...
- المؤثرون: بين بناء الثقة وتحديات الشهرة
- ما بعد الإيمان: تحولات فلسفة الدين في العصر الحديث
- السيادة في عصر الشبكات: الأمن الرقمي كدرع للأمن القومي
- أشباه الموصلات وصياغة ملامح القوة في القرن الحادي والعشرين
- حدود العلم بين رؤية كارل بوبر وتأملات محمود كيوان: نحو فلسفة ...
- التخيل الاجتماعي في زمن الذكاء الاصطناعي: صراع السرديات وإعا ...
- اقتصاد الجليد: سباق القوى الكبرى على كنوز القطب وأسرار المست ...
- الحوسبة الاجتماعية: البنية الرقمية الجديدة لسلوك الإنسان الج ...
- من الإنسان إلى الإله: جدلية لاهوت المسيح في القرون الثلاثة ا ...
- الذكاء الاصطناعي والاقتصاد النفسي: عقل بشري في قبضة خوارزمية ...
- الإقناع الخفي في عصر الذكاء الفائق: استعمار اللاوعي وتحرير ا ...
- إمبراطورية الانقسام: كيف أعادت بريطانيا رسم العالم بالصراعات
- إعادة رسم النفوذ: أوروبا و أمريكا في معترك التوازنات الجديدة ...
- من المنطق إلى الوجود: كيف أعادت الفلسفة الإسلامية تشكيل العق ...
- الذكاء الاصطناعي واختبار الديمقراطية: بين التمكين والخطر
- حروب بلا جنود: صعود الذكاء الاصطناعي كقوة ضاربة في أيدي الجم ...


المزيد.....




- مسبح أمواج في أبوظبي بـ150 دولارًا للموجة.. وجهة فاخرة للأثر ...
- -مسار الأحداث- يناقش خطة الاحتلال لاجتياح مدينة غزة ورد أبو ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. ماذا حدث في مدينة غزة التي يحشد الاح ...
- بالأرقام.. هل خلقت أوكرانيا تكافؤ فرص في الحرب مع روسيا؟
- إسرائيل تدمر نفسها بلا عودة
- إيران تعتقل 8 أشخاص للاشتباه في صلتهم بالموساد
- مؤرخة إسرائيلية: دولتنا مهددة بالانهيار من الداخل
- أهي ليلة القبض على جدعون؟
- مجددًا.. فيديو يظهر هجومًا روسيًا داميًا على أكرانيا
- شاهد.. حادث تصادم مريع أثناء مطاردة مشتبه به في عملية اختطاف ...


المزيد.....

- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمدي سيد محمد محمود - الوجودية: من قلق الفرد إلى عبء الحرية وصناعة المعنى