حمدي سيد محمد محمود
الحوار المتمدن-العدد: 8434 - 2025 / 8 / 14 - 12:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
د.حمدي سيد محمد محمود
لم يعد الأمن الرقمي مجرد مسألة فنية لحماية البيانات الفردية أو الشركات، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي للدول في العصر الحديث. فالتطور التكنولوجي الهائل واعتماد الحكومات والمؤسسات على البنية التحتية الرقمية في إدارة شؤونها الحيوية، من قطاع الطاقة والاتصالات والمياه إلى الأنظمة المالية والدفاعية، جعل هذه الأنظمة هدفًا ثمينًا للخصوم. لم تعد الحروب تقتصر على ساحات المعارك التقليدية، بل امتدت لتشمل الفضاء السيبراني، حيث يمكن لهجوم رقمي واحد أن يشلّ بلدًا بأكمله، ويعطّل خدماته الأساسية، ويزعزع استقراره السياسي والاقتصادي. هذا التداخل العميق يفرض على الدول إعادة تعريف سياساتها الأمنية لتشمل الجانب الرقمي كأولوية قصوى، حيث إن أي ضعف في هذا الجانب قد يُستغل لتهديد السيادة الوطنية، والتجسس على أسرار الدولة، ونشر المعلومات المضللة لإحداث حالة من الفوضى والذعر بين المواطنين.
إن العلاقة بين الأمرين هي علاقة تلازمية وطردية، فكلما زادت التهديدات السيبرانية وتطورّت، زادت الحاجة إلى تعزيز الأمن القومي بوسائل رقمية حديثة. فالأمن الرقمي يوفر الحماية للركائز الأساسية التي يقوم عليها الأمن القومي، والتي تشمل الأمن العسكري والاقتصادي والسياسي. على الصعيد العسكري، أصبحت الجيوش تعتمد بشكل كبير على الأنظمة الرقمية في إدارة العمليات، وتوجيه الأسلحة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وأي اختراق لهذه الأنظمة قد يؤدي إلى نتائج كارثية، مثل تعطيل أنظمة الدفاع الجوي أو الكشف عن خطط عسكرية حساسة. أما على المستوى الاقتصادي، فإن الهجمات السيبرانية على البنوك، والبورصات، والشركات الكبرى يمكن أن تسبب خسائر مالية فادحة، وتهز الثقة في الاقتصاد الوطني، وتُضعف قدرة الدولة على المنافسة عالميًا. كما أن الأمن السياسي للدول بات مرهونًا بقدرتها على حماية أنظمتها الانتخابية، ومنع التدخلات الخارجية، ومكافحة حملات التضليل التي تستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي وإثارة الفتن.
في ظل هذه التحديات المتزايدة، أصبح تحقيق السيادة الرقمية هدفًا استراتيجيًا تسعى إليه الدول لحماية نفسها. فالسيادة الرقمية تعني قدرة الدولة على التحكم في بنيتها التحتية الرقمية، وبياناتها الوطنية، وتطوير تقنياتها الخاصة دون الاعتماد الكامل على الشركات الأجنبية. هذا لا يقتصر على وضع تشريعات وقوانين صارمة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، بل يتعداه إلى الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وبناء مراكز متخصصة للاستجابة للحوادث السيبرانية، وتعزيز الوعي الرقمي لدى المواطنين. إن غياب هذه الإجراءات يجعل الدولة عرضة للضغوط والتهديدات الخارجية، حيث يمكن للجهات المعادية استغلال نقاط الضعف هذه لتحقيق مآرب سياسية أو اقتصادية. من هنا، فإن الأمن الرقمي لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل هو شرط أساسي للبقاء والاستقرار، ومن دونه تصبح الدولة مكشوفة، وسيادتها مهددة في وجه صراعات العصر الرقمي المتسارعة والمعقدة.
#حمدي_سيد_محمد_محمود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟