عفيف قاووق
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 18:17
المحور:
قضايا ثقافية
كتاب شقائق النعمان للأديبة المقدسيّة هناء عبيد والمقيمة في شيكاغو، صدر العام2025 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع –الأردن. وهو عبارة عن مجموعة نصوص قصيرة جدًا يمكن إدارجها تحت خانة أدب الومضة او أدب ال قصة قصيرة جدا".(ق.ق.ج).
بقليل من المفردات تمكنت الكاتبة وبحرفيّة ان تقدم لنا المعنى والمغزى من هذه النصوص التي كتبت بلغة مسبوكة ومكثفة فأوصلت إلى القارىء مجموعة رسائل سواء تلميحا أو تصريحا". ولقد وزعت نصوصها على ثلاثة أبواب : فلسطينيات، عروبة واجتماعيات. وسنحاول التعرض لبعض من هذه النصوص.
أولا: تحت باب فلسطينيات تسلط الكاتبة الضوء على المجتمع الفلسطيني ومواجهته للإحتلال وتبرز تعلق الشعب الفلسطيني بارضة وتمسكه وإيمانه بحق العودة مهما طال الزمن.وهذا ما يشير إليه (نص المفتاح) ذلك المفتاح وإن طاله بعض الصدأ إلّا أنه يمثل صكّ الملكيّة مهما حاول المحتل التلويح بوثائق مزورة. وفي موضع آخر تشير إلى مدينة القدس التي ستبقى مدينة المدائن، الساكنة في قلوب عُشاقها إن غابوا أو ارتحلوا عنها قسراً.
كما يأتي الكتاب على ذكر حالة الإضطهاد وتضييق الخناق الذي يمارس على الفلسطيني صاحب الأرض، بعد أن أصبح الدخول إلى فلسطين مباحًا لمن يرغب من اللقطاء ومحرمًا على أهلها الشرفاء. هذه الممارسة العنصرية وردت في نص(أجنبي) على النحو التالي:"عند المعبر الفاصل، مدّ لهم ورقة غريبة، مرّ بسلام، حينما ناولتهم هويتي أعادوني إلى حيث أتيت".
يشيرالكتاب أيضا إلى معاناة أمهات الأسرى فهو في نص (لقاء) يعبر عن العذابات التي لا تنتهي لأمهات الأسرى، واللواتي إذا فرحنّ بتحرير أحدهم إلّا أن هاجس الإعتقال مجددًا ينغص عليهن هذه الفرحة المؤقتة. وفي نص آخر حمل عنوان "غرس" تصف الكاتبة حال أم الشهيد فتقول: "ارتوت الارض بدمائه الزّكية، تعالت زغاريدها، نظرت إلى صغيرها ابتسمت، ناولته حجرًا".
يستشف من هذا النص بأنّ الثورة لا بد ان تبقى مستمرة تتناقلها الأجيال، فما أجملها من امرأة تزف ابنها الشهيد وتسلم الراية(الحجر) لولدها الصغير. وهنا استذكر قول الشاعراللبناني حسن العبدالله حينما قال: "أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها، وعاد مستشهدا، فبكت دمعتين ووردة ولم تنزوِ في ثياب الحداد".. هذه المرأة التي ناولت ابنها الحجر في هذا النص هي نفسها أو مثيلتها التي تحدث عنها نص "تناسل" حينما ذكر "أنها هرعت صوب أكوام الموت، قطع اللحم مبعثرة فوق الركام، حينما سالوها أيّهم ابنك؟ أشارت إليهم جميعًا". لقد صدقت تلك المرأة اليست القضية الأم هي فلسطين فالكُل إذن هم أبناء هذه الأم وكل شهيد لأجلها هو الإبن البار لهذه الأم المقدّسة.
أمّا في نص "رصاص قلم" فيشيرإلى أنّه وبالرغم من "امتلاء سبورة الصف بثقوب الرّصاص فالقلم ما يزال يكتب نعشق الحياة". هذا الكّم من التضحيات ما هو إلّا تأكيد على حيوية هذا الشعب الذي يرفض الموت ويتمسك بثقافة الحياة التي يؤمن بها عكس ما يتهمونه بأنه من رواد ثقافة الموت، بالرغم من الألم والتضحيات يبقى الأمل بغدٍ أفضل. ألم يقل الشاعر: "إذا الشعب أراد الحياة فلا بد للقيد أن ينكسر"؟
ثانيا : القسم الثاني من الكتاب حمل عنوان عروبة وتضمن بعض النصوص التي تشير إلى الترهل والتخبط في الوضع العربي بشكل عام وإلى خيبة الأمل نتيجة انقلاب البعض على ما كانوا ينادون به لنفاجىء بانهزاميتهم واستسلامهم أمام مغريات المنصب.لدرجة أصبحوا يتحدثون بلسان العدو وأصبحت لغتهم هجينة ومستهجنة في آن. كحال الرجل –الرمز- الذي ذكره النص التالي: "حملوه على أكتافهم وهتفوا بأمجاده العربية، طار إلى الغرب، ألقى أوراقه على الطاولة، انتظر القرارات البيضاء، عاد يتحدّث بلغة هجينة"..
في موضع آخر حول المواقف العربية بمجملها والتي لو أردنا توصيفها لم نجد أصدق من هذا النص القائل:" ابتدأت المعركة، عبرت الصواريخ العربية الصنع أجواء العدو، اخترقت الدبابات المحليّة المدينة، رفعت شعارات النصر المبين، بعدها صرخ المُخرج STOP.". نص يصيبنا في الصميم فلقد ملأنا الدنيا بطولات وهمية وانتصارات زائفة من خلال إعلام السلطة لا بل أبواقها الذين يسطرون أشرس المعارك الكلامية ولكن على الورق .. والورق فقط.
وتستمر الكاتبة في هذا القسم في توصيف ما نحن عليه من وهنٍ انتظار المعجزة أن تتحقق من خلال الأدعية او التمائم المسحورة كما ورد في نص (دعاء مسحور) الذي يدفعنا للتفكر والرجوع إلى مقولة "إعقل ثم توكل". فالدعاء والتضرع لله لكي يزيل هذه الغُمّة عن هذه الأمة لا يكفي بالرغم من وجوبه، وكذلك الشكوى أو التذمر لا يكفيان للإفلات من جور الحاكم بل يجب ان يكون هناك عمل دؤوب وجهد مضاعف لننعم بوطن محرر وإلا سيبقى الوطن –كما ذكر النص- "في سبات عميق".
واختصرت الكاتبة كيفية تعامل المسؤول مع الرعية من خلال هذا النص المقتضب:" تسلق أكتافهم، نهب حصاد سواعدهم، صرخت أمعاؤهم، رمى لهم الفتات، قبّلوا تراب قدميه شاكرين". هذا النص يشير كيف ان أصحاب النفوذ يعيثون فسادا في الارض، ويسرقون مقدرات البلد لكن بما يملكون من دهاء وحنكة استطاعوا إسكات المواطنين بأن قدموا لهم ما يسد رمقهم وأوهموهم ان هذا العطاء هو تفضلًا منهم وليس حق من حقوقهم. وبهذا ضمنوا ولاءهم مجددًا.
ونستمر في الإضاءة على بعض الإبتلاءات التي اتلينا بها كما في نص (كفّارة): "أقسَمَ بالله أن لا خنوع لأجنبي، لا سلام مع مغتصب، لا ظلم ولا تعسف، لا إهدار لمال عام. وفي أول يوم من تسلُّمِه منصب الرئاسة نصحه مستشاره بصيام ثلاثة أيام". أليس في هذا النص بعض الحقيقة إن لم نقل كلها؟ فهو يظهر زيف البرامج الإنتخابية التي يتشدق بها من يريد اعتلاء منصب ما ، فتراه يدغدغ آمال وأحلام المواطن ويلتزم بأن يوصله لبر الأمن والأمان. لكن جُلّ ما يصبو إليه حقيقة هو الجلوس على كرسي الحكم والتحكم ويتنصل من كل ما وعد به.
ثالثا: في القسم الثالث من الكتاب تحت باب اجتماعيات تتطرق الكاتبة فيه إلى بعض الظواهر الإجتماعية ومن هذه الظواهر،السطحية واهتزاز الشخصية لدى البعض ولهاثهم وراء التقليد الأعمى والتي تجعل الفرد لا يلتفت إلى البدائل المتاحة والممكنة أمامه ولو كانت تفي بالغرض بل نجده مصرًا على السعيّ والتوجه نحو الخيار الأكثر كلفة وعبئًا فقط لإعتقاده بما ترسخ في الاذهان "بأن الغالي سعره فيه، وأن الرخص بيخوِف". لذا رأينا في (نص الخاتم)، كيف أن إحداهن "نظرت إلى الخاتم الماسيّ عبر زجاج العرض، تحسَّرَت على ثمنه، وقع بصرهاعلى خاتمي ذي البريق الأخّاذ، أبدت إعجابها وسألتني عن ثمنه، أجبتها عشرة دولارات، رمتني بتقزّز وغادرت".
وفي نص آخر بعنوان (إساءة ) جاء فيه أن أحدهم "ذهل بعدما اتفقوا جميعًا على تفسير حلمه: عدو يتربّص بك، زالت دهشته عندما انعكست خبايا وجهه عبر المرآة". حقيقة دامغة يؤكدها هذا النص في كثيرمن المواضع حيث ان الإنسان قد لا يحتاج لوجود أعداء حوله يكفي أن لا يدرك ماذا يريد وإن أدرك فهو يخطىء في اعتماد الوسائل الناجعة التي توصله لتحقيق مراده. عندئذ لا يحتاج لأعداء من الخارج يكفي أن يكون عدوَّ نفسه.
وتنتقل الكاتبة لإزالة اقنعة الزيف عن وجوه البعض الذين يقولون الشيء ويمارسون نقيضه،فمثلا في النص بعنوان "تربية" جاء فيه: "الطفل هو ثروة المستقبل، هكذا بدأ حديثة عندما استضافوه في برنامج يتعلّق بحقوق الطفل، قرع الجرس هرع أبناؤه إلى غرفهم، تظاهروا بالنوم". إنّه نص يشير إلى أن سلوكنا في المنزل ومع أفراد الأسرة هو الوجه الحقيقي لشخصياتنا أما ما نظهره في مناسبات اجتماعية او لقاءات عامة فأننا نلبس قناع القِيَم والوعي الذي نُبهر به الآخرين وفي الوقت نفسه نُرهب به الأقربين .
ومن جملة الظواهرالإجتماعية التي يمكن وصفها بالآفة التي بدأت بالتغلغل إلى عقول الكثيرين ظاهرة التنجيم وقراءة الطالع دون الإلتفات إلى مقولة"كذب المنجمون ولو صدقوا" وأصبحت تحاصرنا ظاهرة اللجوؤ إلى المنجمين الذين تحولوا إلى نجوم شاشات. إنه الفراغ بعينه. وهذا ما اشار إليه نص "قراءة" حيث أن المُنجم بعد أن "تفحص خطوط كفّها، أخبرها أنها ستحظى بالسّيارة الّتي تمنّت، بعدما غادرته، داهمتها حافلة الموت".
في نص حمل عنوان "عيد" ورد الآتي:"عندما وصل الى مكان إقامتها ليهديها باقة ورد، ناوله مديرُ رعايةِ المسنين عنوانَ قبرِها". هذا النص يجعلني أستذكر الآية الكريمة "وبالوالدين إحسانا"، وأين نحن منها، فهذا النص يُسلّط الضوء على تخلي الأبناء عن أبائهم وإيكال مهمة رعايتهم إلى دور المسنين والتي أسميها أنا بدور المنسيين، لدرجة أن الولد لا يعلم أن امه مثلا قد توفيت .
أما في نص "زوجان" حيث انها "في يوم حصولها على مقعدها المتحرّك، جلس على كرسيه المزخرف وبجانبه حورية حسناء". هذا النص يدلل على مدى أنانية بعض الرجال وعدم تضامنهم مع ما قد تتعرض له الزوجة من انتكاسات ، حالة هي أشبه بالخيانة الزوجية المقنعة، عندما تصبح الزوجة في وضع صُحيّ حرج، نجد ان بعض الأزواج لا يلتفتون إلى ضرورة مساندتها بل يجدّون السعيّ للبدء بحياة جديدة. وكأنّ الوفاء والإخلاص له مدة صلاحية محددة مرتبطة بحجم الإفادة من الطرف المقابل.
النص الأخير الذي أود التطرق إليه في هذه الإضاءة هو ما حمل عنوان "إخلاص" فقد "أقسَمَ انها أول وآخر حبيبة له، بعد أربعين يومًا من دفنها، أعاد قسمه". وهنا نسال هل الكذب ملح الرجال كما يقال؟، كثير من الأزواج يجعلونك تتوهم ان حياتهم قد انتهت أو تشظت بسبب فقدان الزوجة لما تلمسه منهم من حزن وانكسار، لتفاجىء بعد حين ليس ببعيد بأن الأمر عكس ذلك. وحجتهم في ذلك "أن الحيّ أبقى من الميّت".
ختامًا مبارك للأديبة هناء عبيد هذا الإصدار وأقتبس عنها ما أوردته على ظهرالغلاف بأن يكون هذا الكتاب وما ورد فيه " مطرقة تدق ضمائرنا الهاجعة،وتقتحم سباتنا،وتحاول تبديد الظلام، لنعود إلى رشدنا بعد أن غرقنا في مستنقع الفوضى..."
#عفيف_قاووق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟