|
التنمية المستقلة بديل لشروط الصندوق والتبعية والتخلف
تاج السر عثمان
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 10:26
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
١ تابعنا في مقالين سابقين تجربة الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي القاسية في تخفيض العملة والخصخصة وتحرير السوق في السودان، وأثر تلك الشروط في التدهور الاقتصادي والمعيشي وافقار الملايين الكادحة من الجماهير، مما أدى لانفجار انتفاضة مارس - أبريل ١٩٨٥ وثورة ديسمبر ٢٠١٨. مما يتطلب الخروج من التبعية والتخلف والخضوع لاملاءات الصندوق والبنك الدوليين في الخصخصة ورفع الدعم عن الوقود والتعليم والصحة والدواء وخدمات المياه والكهرباء، والتنمية المستقلة أو التوجه الداخلي في التنمية دون الانعزال عن العالم. كنا قد أوضحنا سابقا أن من ضمن الأسباب التي قادت للحرب الحالية الاستمرار في التبعية الاقتصادية للخارج وعدم السير في نهج التنمية المستقلة التي كانت من أهداف ثورة ديسمبر، وارتباط طرفي الحرب بالمحاور الاقليمية والدولية التي تسلح طرفي الحرب بهدف تصفية الثورة ونهب ثروات البلاد، وإيجاد موطئ قدم لها على ساحل البحر الأحمر، في إطار الصراع الدولي المحتدم حول الموارد، بين أمريكا وحلفائها الإقليميين والدوليين من جهة وروسيا والصين من جهة اخري، وفي التنافس على نهب موارد أفريقيا من المعادن وغيرها. ٢ أصبح السودان أكثر تبعية بعد انقلاب 30 يونيو 1989م الإسلاموي في السودان، ورغم الشعارات الدينية التي رفعها النظام لتحقيق العدالة، الا ان سياسات النظام التي خضعت لشروط صندوق النقد الدولي بأكثر مايطلبه الصندوق في الخصخصة وسحب الدعم عن السلع والخدمات الأساسية، مما أدت إلى إفقار أغلبية الشعب السوداني حتى بلغت نسبة الفقر 94% م، وتدهورت قيمة العملة وتصاعد النشاط الطفيلي وتدهور الانتاج الصناعي والزراعي والخدمي،وتزايدت الهجرة من الأرياف إلى المدن وإلى خارج السودان، وتم تبديد الفائض الاقتصادي في الصرف البذخي وتهريبه للخارج كما في عائدات البترول والذهب ، والاستثمار في العقارات والمضاربة في الأراضي ونهب أراضي الدولة من خلال تقارير الفساد التي تزكم الأنوف.الخ، وتم نهب عائدات الذهب. ولم ينعكس استخراج البترول علي حياة المواطنين العادية، بل تم نهب عائداته من قبل الطفيليين الإسلامويين والتي تقدر بأكثر من ١٠٠ مليار دولار، ولم ينعكس البترول على الزراعة والصناعة وتوفير ودعم خدمات التعليم والصحة، بل تدهورت تلك الخدمات إلى درجة الانهيار التام، واي تنمية يمكن تحقيقها بدون تعليم وصحة؟ ٣ هذا الفشل هو إمتداد اشمل واعمق للتجارب التنموية السابقة في البلاد والتي فشلت في تجديد البلاد ووضعها على أعتاب المجتمع الصناعي الزراعي المتطور، رغم عراقة شعب السودان وحضارته القديمة التي كانت لا تقل تطورا عن الحضارات المعاصرة لها، كما تم الفشل في ترسيخ الديمقراطية والسلام ورفع مستويات المعيشة والارتقاء بخدمات التعليم والصحة والكهرباء والمياه والانترنت، وتوفير البنيات الأساسية اللازمة للتنمية، وأصبح السودان في ذيل قائمة الدول الأكثر تخلفا في العالم، ورغم إمكانياتها ومواردها الزراعية والحيوانية البترولية والمعدنية والسياحية، وما زالت مهام التنمية قائمة تنتظر الإنجاز في ظروف عالمية (العولمة) وداخلية معقدة. ٤ بعد قيام ثورة ديسمبر سارت حكومة حمدوك في سياسة التحرير الاقتصادي امتدادا لسياسة النظام البائد ، بعد أن ضرب عرض الحائط بمقررات المؤتمر الاقتصادي، مما قاد الي الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والضائقة المعيشية، اضافة لانفلات الأمن، وعدم المؤسسية، والانحراف عن إنجاز مهام الفترة الانتقالية، وخرق الوثيقة الدستورية “المعيبة”، حتى انقلاب 25 أكتوبر الذي قاد للحرب الحالية.بعد الحرب استمر التدهور في قيمة الجنيه السوداني، وتهريب الذهب و الماشية والمحاصيل النقدية من طرفي الحرب للخارج. ٥ بالتالي من المهم بعد وقف الحرب الخروج من الحلقة الجهنمية للانقلابات العسكرية، ومن السياسات الاقتصادية التي عمقت الفقر والتخلف الاقتصادي وكرست الفوارق الطبقية. وذلك بالسير في نهج التوجه للداخل أو التنمية المستقلة. عندما نتحدث عن التنمية ننطلق من الواقع في تجلياته وتحولاته المختلفة، كما أن طرق التنمية متعددة ويتم فيها تفاعل بين الأصالة والمعاصرة، كما أنه عندما نتحدث عن تنمية مستقلة،لايعني ذلك الانعزال عن العالم، فدول كثيرة مثل الصين وفيتنام وماليزيا في عهد مهاتير محمد تعاملت مع صندوق النقد الدولي، لكنها رفضت تنفيذ شروطه القاسية في تخفيض العملة والخصخصة. كما أن طريق التنمية الرأسمالية الذي سارت عليه البلاد منذ الاستقلال كان فاشلا، وان هذا الطريق استند على النظريات الغربية حول مفاهيم التخلف والتنمية، وعجزت تلك النظريات عن تفسير التخلف وأهملت الطبيعة الخاصة للبلاد المتخلفة وتراثها وتقاليدها وظروفها الخاصة، ومن خلال النقد للفكر الاقتصادي الغربي التقليدي وفشل مفاهيمه و مقولاته حول التخلف والنمو وعجزها عن تفسير التخلف، ظهرت دعوات بديلة للتنمية المستقلة على النحو التالي: 1-الاعتماد على النفس في مواجهة الاعتماد فقط على المعونات والقروض والاستثمارات. -التوجه الداخلي للتنمية في مواجهة انقسام الاقتصاد إلى قسم حديث مرتبط عضويا، وقسم (تقليدي) وتسمى أحيانا تنمية متمحورة حول الذات . -الوفاء بالاحتياجات الأساسية في مواجهة اثراء الأقلية وفقر الأغلبية. -التنمية البيئية في مواجهة نهب الموارد الطبيعية حتي الاستنفاد. -وفي مواجهة النظم الديكتاتورية الشمولية، ظهرت فكرة الديمقراطية ومشاركة الجماهير باعتبارها الشرط لنجاح التنمية. -التكنولوجيا الملائمة في مواجهة الانبهار بأحدث تكنولوجيا العصر. -بناء قاعدة علمية وتكنولوجية وطنية في مواجهة التبعية الناشئة عن الاعتماد على استيراد تقنيات الانتاج. -الأصالة والهوّية الثقافية والحضارية في مواجهة الذوبان في الثقافة أو الحضارة الغربية. – الانفلات الجزئي عن الدوران في مسار او فلك النظام العالمي. -الاستقلالية بمعنى انتقال مركز صنع القرار من الخارج إلى الداخل. وعندما نتحدث عن التنمية في السودان نأخذ في الاعتبار الآتي:- أ- السودان دولة متعددة الثقافات والأديان والمناخات والأعراق، ويتميز بمستويات متباينة ومتعددة في أنماط المعيشة قوى الانتاج وعلاقات الانتاج، وهذا الوضع له انعكاسه في بنية المجتمع الفكرية والثقافية والايديولوجية ويؤثر على تطوره السياسي. تأخذ التنمية في الاعتبار هذا الواقع باعتباره مصدر غني واخصاب، وبالتالي يكون النظام السياسي والاجتماعي والثقافي متوافقا مع هذا التعدد، وأن وحدة وتكامل السودان تتم من خلال التنوع واحترام حق كل شعب في تطوير ثقافته وممارسة شعائره الدينية ومعتقداته، وأن يتم التعبير عن ذلك في دستور ديمقراطي يجسد هذا الواقع. ب- لا يمكن الحديث عن التنمية دون أخذ خصائص وموروثات شعب السودان وتقاليده ودمجها في البناء الثقافي العام، لمساهمته المتميزة في مجرى الحضارة العالمية، تلك الخصائص التي تنطلق من واقع السودان العربي- الافريقي وتعدد ديانات (الإسلام، المسيحية، وكريم المعتقدات )، دون ان يعني ذلك الانغلاق باسم الخصوصية المحلية، ولكن بهدف التطلع إلى الأمام والمستقبل. ج- اعادة بناء الاقتصاد السوداني على أساس إعطاء الأسبقية للإنتاج الصناعي والزراعي والحيواني، وتشجيع الرأسمالية المنتجة، سواء كان ذلك في قطاع الدولة أو الخاص اوالتعاوني، والقضاء على النشاط الطفيلي الضار بالحياة والمجتمع والفكر والثقافة. د- بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تكفل الحقوق والحريات الأساسية واحترام المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق وحريات الإنسان، وذلك شرط هام للتنمية والسلام وتوحيد الوطن على أسس طوعية وديمقراطية. ه- لا يمكن الحديث عن التنمية دون الديمقراطية ،وإشراك أوسع قطاعات الجماهير في عملية التنمية نفسها التي تهدف إلى نهضة البلاد الاقتصادية والإجتماعية والثقافية وتوفير احتياجات الإنسان الأساسية ( تعليم، صحة، كهرباء، مياه،..الخ)، واحداث التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة. ٦ بالتالي فإن المدخل للتنمية المستقلة والتوجه الداخلي للاقتصاد، هو وقف الحرب واستعادة مسار الثورة، وخروج العسكر والدعم السريع والمليشيات من السياسة والاقتصاد، والترتيبات الأمنية لحل كل المليشيات وجيوش الحركات وقيام الجيش القومي المهني الموحد الذي يعمل تحت إشراف الحكومة المدنية، وترسيخ الحكم المدني الديمقراطي، والمحافظة على وحدة البلاد شعبا وارضا، وقيام علاقات خارجية متوازنة مع كل دول العالم لمصلحة شعب السودان.
#تاج_السر_عثمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيف قاد تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي الانتفاضات وثورات؟
-
الحل الداخلي هو البديل للتسوية التي تعيد إنتاج الحرب
-
كيف كانت تجربة صندوق النقد الدولي في السودان؟
-
كيف استمر الهجوم على الحزب الشيوعي بعد ثورة ديسمبر؟
-
تعقيب على عاطف عبدالله
-
الحرب وتصاعد حدة تدهور الأوضاع المعيشية
-
كيف تم فشل لجنة التفكيك؟
-
وتعود النقابات مستمدة شرعيتها من قواعدها
-
كيف زادت حدة التفرقة العنصرية والعرقية بعد الحرب؟
-
كيف يشكل الاسلامويون خطرا على المنطقة والديمقراطية؟
-
قرارات البرهان هل هي المدخل للإصلاح؟
-
كيف فتح انفصال الجنوب صندوق بندورا؟
-
الحل الداخلي عامل حاسم في وقف الحرب
-
الذكرى الثامنة لرحيل المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم
-
كيف كانت السيادة الوطنية في اتفاقيتي فبراير ١٩
...
-
في ذكراه ال ٧٩ كيف جاءت نشاة الحزب الشيوعي السود
...
-
تعقيب على د. إبراهيم البدوي
-
كيف ربطت وثيقة إصلاح الخطأ الماركسية بالواقع؟
-
حول لقاء البرهان وقرار مجلس الأمن لوقف الحرب
-
في ذكراه ٧٩ كيف كانت تجربة الحزب الشيوعي في الصر
...
المزيد.....
-
نتنياهو يدين تخريب منزل رئيس الأركان ويطالب بتقديم المتظاهري
...
-
إسرائيل.. اعتقال متظاهرين طالبوا بوقف حرب غزة لإعادة الأسرى
...
-
حيفا: الشرطة الإسرائيلية تعتقل 6 متظاهرين في وقفة منددة بالح
...
-
أسطول الحرية ينطلق إلى غزة الأحد المقبل
-
حضور قوي للشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير المشرو
...
-
جنايات بدر تجدد حبس محبوسين احتياطيًا دون حضورهم
-
بيان للمكتب الوطني للجامعة الوطنية للتعليم- التوجه الديمقراط
...
-
محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية ي
...
-
هل أُعدّت السجون في تونس لاستقبال النقابيين؟
-
الضفة.. إصابة 25 فلسطينيا بمواجهات مع الجيش الإسرائيلي في نا
...
المزيد.....
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
-
أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة-
/ دلير زنكنة
-
ماهية الوضع الثورى وسماته السياسية - مقالات نظرية -لينين ، ت
...
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|