ضيا اسكندر
كاتب
الحوار المتمدن-العدد: 8354 - 2025 / 5 / 26 - 14:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في صباحٍ خانق من صباحات أيار في عام 2025، كانت الطبيبة الفلسطينية آلاء النجار ترتّب معطفها الأبيض، وتلملم قلبها المتعب، استعداداً ليوم جديد في مستشفى "التحرير" في مجمّع ناصر الطبي، بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. لم تكن تدري أنّها تسير بثبات نحو واحدة من أبشع لحظات الألم البشري التي قد تُكتَب في هذا القرن. لم تكن تدري أن فاجعة تفوق حدود التصوّر تستعد لتغرز مخالبها في أحشائها... وأنها في تلك اللحظة كانت تودّع أطفالها التسعة، وداعاً لا عودة فيه.
بعد أقل من ساعة، وبينما كانت الطبيبة آلاء تُسابق الوقت لإنقاذ طفلٍ يئنّ بين يديها، دوّى انفجار كأنّ السماء انشقت عن الجحيم ذاته. ارتجّت جدران المستشفى، وتوارت نبضات قلبها عن السمع، حين وصلها النبأ:
"المنزل... منزل آل النجار... قُصف، احترق... والجثامين نُقلت إلى هنا."
ركضت... هرولت... سقطت ونهضت، تسبقها صرخات قلبها، تشق الطريق بين الدموع والدخان. وصلت لتجد أمامها مشهداً لا يمكن لعقل أن يصدّقه: تسعة جثامين صغيرة ملفوفة بأكفانٍ بيضاء... أو بالأصح، أكوام من الأشلاء المتفحّمة، بلا ملامح... بلا أعين... فقط رائحة الموت تملأ المكان.
لم تتعرف على أحد. حتى نظرة الوداع حُرمت منها. حتى دمعة أخيرة على خد طفلها، لم تجد خداً لتبلّله.
أطفالها التسعة، من أصل عشرة، حُرقوا أحياء داخل منزلهم في منطقة قيزان النجار، بصاروخٍ إسرائيلي حاقد، لم يترك شيئاً إلا وجعله رماداً. نجا فقط ابنها "آدم" ذو الأحد عشر ربيعاً، بجراح، ونُقل إلى العناية المركّزة بجانب والده الطبيب حمدي النجار، الذي عاد من توصيل زوجته للعمل ليجد الصاروخ قد سبقه إلى بيته.
ورغم كل شيء... رغم هذا الانهيار الوجودي، لم تتوقف آلاء. عادت إلى المستشفى، إلى الأطفال الذين ينتظرون أنفاساً صغيرة على أجهزة التنفس.
عادت لتُعالج أبناء الناس، فيما كانت تصعد أرواح أبنائها إلى السماء، في صمتٍ مطبق لا يقطعه إلا قولها الموجوع بثبات الإيمان:
"هم أحياء عند ربهم يُرزقون..."
في عالمٍ يُقدّس الإنسانية بمؤتمراته الفارغة، ويكتب مواثيقه بأقلام الخذلان، لم تُحرّك هذه الجريمة المروّعة ساكناً. الدول العربية المطبّعة، والأنظمة الصامتة المنهارة أخلاقيّاً، لم تجرؤ حتى على طرد سفيرٍ صهيوني من أرضها، أو استدعاء سفيرها من تل أبيب. لم ترسل رغيف خبز، أو علبة دواء، أو حتى كلمة مواساة.
آلاء النجار لم تكن وحدها. آلاف الأمهات الفلسطينيات، آلاف القصص المدفونة تحت الركام، تُنادي الضمير العالمي الذي قرّر أن يغلق أذنيه ويرى بعينٍ لا تبصر إلا ما يرضي سادته ومصالحه.
في غزة، لا تُستهدف البيوت فقط... بل تُسحق القلوب، وتُدفن الأحلام، وتُشوَّه الطفولة... وكل ذلك يحدث تحت عين كاميرات العالم، وخرس المجتمع الدولي، ومباركة من دولٍ لفظت شرفها، واحتضنت القتلة في قصورها.
في غزة، الموت ليس استثناءً... الحياة هي الاستثناء.
#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟