أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بن زكري - هذا الموت الباذخ !















المزيد.....

هذا الموت الباذخ !


محمد بن زكري

الحوار المتمدن-العدد: 8135 - 2024 / 10 / 19 - 14:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الرجل الذي أذل كبرياء إسرائيل بدوره في عملية 7 أكتوبر العسكرية الفذة ، التي أذهلت العالم (وستدخل في مناهج التدريس بالأكاديميات العسكرية ومعاهد الستراتيجيا) ، والتي أطاحت بأوهام وغرور التفوق العِرقيّ المزعوم لشعب الله المختار ، وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر ؛ هو ذاته الرجل الذي اختار لنفسه هذا الموت الشاهق ، واقفا في شموخ أشجار السرو والسنديان ، متنقلا بين مواقع الاشتباك مع العدو في الميدان ، مقاتلا ثابت العزم حتى الرمق الأخير ، كما يليق بالقادة الكبار .

زعموا إنه يعيش مختبئا في ظلام الأنفاق تحت الأرض ، فسفّه أحلامهم بوجوده في الهواء الطلق فوق الأرض وفي ضوء الشمس . وزعموا أنه يحتمي بالرهائن الإسرائيليين في الأنفاق ، لضمان حياته بسلامتهم ، ففاجأهم بحضوره قائدا وجنديا مقاتلا في الميدان . وزعموا أنه يتخفى متخذا من المدنيين دروعا بشرية ، فأظهر زيف مزاعمهم بظهوره مرتديا زيه العسكري (لا متنكرا في لباس مدني) ، حاملا سلاحه الشخصي ، ومحيطا جسمه بعنقود من القنابل اليدوية .

وتمنوا له أن يموت اغتيالا في مخبأ تحت الأرض ، بعملية استخبارية للموساد والشاباك ؛ فأفسد عليهم نشوة الانتقام باختياره هذا الموت الباذخ الساطع في الميدان .. متحديا الموت وجها لوجه . ولقد كان ليحيى السنوار ما تمناه - كمؤمن بقضيته - في قوله : في هذا السن اقتربتُ من الوعد الحق وأفضل أن أموت شهيدا على أن أموت فطيسة " .
مات يحيى السنوار ، الرجل الذي أقض مضاجع قادة إسرائيل وأميركا والعالم (الحر) ، لكنه ذلك الموت الذي يُحْيي الرجال رموزا باقية في ذاكرة الأجيال . وبمقتله الاستثنائي في الميدان ، تحوّل القائد يحيى السنوار ؛ من ذلك المقاوم الحي الميت ، إلى ذلك البطل الميت الحي .

وعلى العكس مما وقع في أوهام متخذي القرار في دولة إسرائيل (اليهودية) ، و هُم مأخوذون بنشوة الانتصار وهستيريا الفرح ، جرّاء مقتل العقل المدبر لهجوم 7 أكتوبر ؛ فقد كان للصورة التي نشروها للسنوار في آخر لحظة من حياته ، أثرٌ مغاير تماما لدى الملايين ممن شاهدوه جريحا ، وهو يقذف المسيّرة (الدرون) التي كانت تصوره ، بآخر ما في يده - عصا - بعد نفاذ ذخيرته ، وهو يدري أنه ميت لا محالة ؛ فإذا بالزمن يتوقف عند تلك اللحظة الفارقة ، لتنطبع الصورة في الأذهان ، و ليتحول بها السنوار إلى أسطورة بطولة نادرة ، مِن شأنها أن تؤجج إرادة الحرية و(الثأر) في أفئدة الأجيال الفلسطينية القادمة ، بدلا من أن يكون عبرة لمن يعتبر بسوء المآل .
وهنا تستحضر الذاكرة أبياتا من قصيدة أحمد شوقي في رثاء عمر المختار :
يا وَيحَهُم نَصَبوا مَناراً مِن دَمٍ .. يوحي إِلى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ
ما ضَرَّ لَو جَعَلوا العَلاقَةَ في غَدٍ .. بَينَ الشُعوبِ مَوَدَّةً وَإِخاءَ
جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ .. تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ

وبينما يظهر ناتنياهو منتفخا كالطاووس ، ليزف إلى شعب الله المختار بشرى التخلص من كابوس السنوار ، مستدعيا كعادته عتاد اللغة التلمودية ليقول : " وجّهنا ضربة (للشر) ، لكن المهمة لم تكتمل بعد ؛ يتكامل معه سموتريتش (زعيم حزب الصهيونية الدينية) ، فيصرح بما يضمره نتنياهو مِن أنّ الحرب مستمرة حتى الانتصار . والانتصار الذي يعنيه سموترتش هو إقامة دولة إسرائيل الكبرى فوق أرض الميعاد التوراتية ، فهو صاحب الدعوة - المسيانية - لإعادة احتلال واستيطان قطاع غزة ، وتطهير (يهودا والسامر) من الفلسطينيين ، وامتداد مُلك أورشليم في سوريا حتى دمشق ، والاستيلاء على الضفة الشرقية لنهر الاردن ...

وفي الأثناء ، نجد إجماعا احتفاليا لقادة الغرب على الترحيب والإشادة بمقتل السنوار ، على اعتبار أنه كان العقبة الأساس التي عطلت مبادرات إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين (وذلك هو كل ما يهم أميركا والغرب) ، ليُصار من ثّم إلى مفاوضات إنهاء الحرب على غزة ، ففي نظر الغرب ليس نتنياهو - بحكومته اليمينية المتطرفة - هو من عطل عمداً كل تلك المبادرات ، ملقيا بها وجوه أصحابها ؛ كي يمضي بعقليته المسيانية التوراتية ، في حرب الإبادة الجماعية على غزة ، وينتقل بحربه إلى غزو لبنان ؛ امتثالا لمشيئة رب الجنود القاضية بضرب عماليق (الشعب الفلسطيني) ، وتحقيقا لنبوءة إشعياء ! وليس أقل من تغيير الواقع الاستراتيجي للشرق الأوسط ، خاصة وأن الفرصة (التاريخية) سانحة أمامه لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد !
فهكذا ..
- يصف الرئيس الأميركي جو بايدن مقتل زعيم حركة حماس يحيى السنوار بأنه " يوم جيد لإسرائيل وأميركا والعالم " ! معتبرا أن موته أزال عقبة أساسية أمام وقف إطلاق النار في غزة ، وإطلاق سراح المحتجزين لدى حماس .
- ويعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنّ بلاده " (لن يُبكيها) مقتل السنوار ، العقل المدبّر لأكثر الأيام دموية في التاريخ اليهودي منذ المحرقة " ، ويدعو إلى الإفراج عن جميع الرهائن .
- ويقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، إن اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحيى السنوار " فرصة " للإفراج عن المحتجزين .
- واعتبرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ، أنّ مقتل يحيى السنوار يدشّن " مرحلة جديدة " في الشرق الأوسط ، وأنه قد حان الوقت لتحرير جميع الرهائن .
- وتصرح وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك ، بأنه يجب على حماس (الآن) إطلاق سراح جميع الرهائن ، وإلقاء أسلحتها ... إلخ

ولا يتخلف العربان (الإبراهيميون) والموالي العربفون ، عن الشطح في مهرجان الشماتة بمقتل السنوار . ليس لأنه إرهابي كما تصفه إسرائيل (الشقيقة) .. فكلهم إرهابيون ، وليس لأنه إسلاموي .. فكلهم إسلامويون ؛ بل لكونه رئيسا سياسيا وقائدا عسكريا لأحد فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية . فتحشد الفضائيات العربية جيشا من المحللين السياسيين والاستراتجيين محترفي التدجيل (وفي مقدمتهم غلاة التطرف اليهودي الإسرائيليون) ، لشيطنة المقاومة ! وفجأة ، تتذكر فضائية (العربية) مقتل رفيق الحريري ! ويغمس الكَتَبَة - من الطابور السادس - أقلامهم في دماء أطفال غزة ، ليشمتوا بموت السنوار !

أفليس هو موتٌ باذخ ، ذلك الموت الاستثنائي ، الذي جعل من الرجل أسطورة وكرسه رمزا ؟

وحتى يخرس المرجفون في أرض النفاق ، من الطابور السادس رُسل الهزيمة ؛ فإنه قولا واحدا : أينما و حيثما تكون أميركا ، كن - ولو وحدك - على الطرف الآخر .



#محمد_بن_زكري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نهر الليطاني حدود إسرائيل الشمالية !
- لا عيد عمال تحت سلطة الكليبيتوقراط
- هذا هو (حوارهم المتمدن) !
- اغتيال الاقتصاد الليبي والقضاء على الدولة الليبية
- إسرائيل (العظمى) فوق القانون الدولي
- الأسلمة أسّست للتعريب ، والتأسلم قاد إلى الاستعراب (احتلال ا ...
- لسنا أسرى لرُهاب 7 أكتوبر ، وإسرائيل دولة مارقة
- الإله الشمس و أعياد الميلاد / كريسماس
- إشكالية تعدد الجنسية (ازدواج المواطنة) 3
- إشكالية تعدد الجنسية (ازدواج المواطنة) 2
- إيمان بـ (الوراثة) جبرا ، و ليس بـ (التعقل) اختيارا
- إشكالية تعدد الجنسية (ازدواج المواطنة) 1
- كان حاكما فوق التصنيف و لم يكن مواطنا عاديا !
- لم أكن شيطانا أخرس أو شاهد زور
- من زوايا رؤية أخرى
- الولايات المتحدة : أفول الحُلم و ضلال الاتجاه
- خدعوكم فقالوا إنها ثورة ! (2/2)
- خدعوكم فقالوا إنها ثورة ! (2/1)
- عشتاريات
- عيد المغيرة بن شعبة


المزيد.....




- حماس تؤكد مقتل محمد السنوار بصور تذكارية
- كيف يمكننا حماية خصوصية محادثاتنا مع روبوتات الذكاء الاصطناع ...
- كيف نجحت تايلاند في إنهاء أزمة رهائنها في غزة مع الحفاظ على ...
- حماس تؤكد وفاة قائدها العسكري محمد السنوار في غزة
- قرية الطيرة بالضفة.. استيطان لا يسمع به أحد
- عشرات الشهداء في غزة والاحتلال يفقد 900 عسكري منذ طوفان الأق ...
- فيديو يلفت نظر ترامب يُظهر صور طفولته ومراحل نموه إلى الكبر ...
- نتائج الضربة ضد الحوثي والتعهد بالانتقام والاستراتيجية بعد م ...
- استعدادًا لهجوم واسع النطاق.. تصاعد الغارات الإسرائيلية على ...
- الكابينت يُناقش مستقبل العملية العسكرية في غزة، وإسرائيل تست ...


المزيد.....

- الحجز الإلكتروني المسبق لموسم الحنطة المحلية للعام 2025 / كمال الموسوي
- الأرملة السوداء على شفا سوريا الجديدة / د. خالد زغريت
- المدخل الى موضوعة الحوكمة والحكم الرشيد / علي عبد الواحد محمد
- شعب الخيام، شهادات من واقع احتجاجات تشرين العراقية / علي الخطيب
- من الأرشيف الألماني -القتال في السودان – ينبغي أن يولي الأل ... / حامد فضل الله
- حيث ال تطير العقبان / عبدالاله السباهي
- حكايات / ترجمه عبدالاله السباهي
- أوالد المهرجان / عبدالاله السباهي
- اللطالطة / عبدالاله السباهي
- ليلة في عش النسر / عبدالاله السباهي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بن زكري - هذا الموت الباذخ !