أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بير - الجزء الخامس و الأخير من قراءة في كتاب (محاضرات في تاريخ النقد عند العرب)















المزيد.....


الجزء الخامس و الأخير من قراءة في كتاب (محاضرات في تاريخ النقد عند العرب)


عبدالله بير

الحوار المتمدن-العدد: 7640 - 2023 / 6 / 12 - 13:32
المحور: الادب والفن
    


الفصل الرابع عشر
ابن رشيق القيرواني و النظرية المتكاملة إلى الشعر
ترك كتاب(العمدة) لابن رشيق أثراً مهماً في النقد العربي و أثنى عليه كثير من الكتاب و الدارسين للأدب العربي، و أشاد به كتاب النقاد كثيرون. يبين الآراء النقدية الواردة في الكتاب يدل على أن ابن رشيق قد أستوعب جيداً الآراء النقدية للذين سبقوه، و لم يكن مجرد ناقل لتلك الآراء بل فصل فيها و أبدى رأيه.
سمي ابن رشيق كتابه (العمدة في محاسن الشعر و آدابه و نقده) ومن العنوان يدل على أن الكتاب تمثل نظرة متكاملة إلى الشعر من حيث تعريفه و فضله و ميزاته على النثر. ومهمة الشاعر و مكانته في العصور المختلفة و الثقافة التي يحتاجها في كتابة الشعر، أستدل بأبيات على محاسن الشعر و ما يقابلها من المساويء.
دفاع ابن رشيق عن الشعر:
يستهل كتاب(العمدة) بالدفاع عن الشعر و كأنه يقدم لتخصص كتابه بهذا الموضوع أو ليبين فضل أنفراد كتابه بصبغة الشعر، حيث يقسم كلام العرب إلى نوعين منظوم و منثور، ولكل منهما ثلاث طبقات (جيد و متوسط و رديء) فإذا أتفقت الطبقتان في القدر ، و تساوتا في القيمة، يعتبر ابن رسيق من المناصرين المنظوم على المنثور لأن كل منظوم أحسن من كل منثور من جنسه في معترف العادة حسب قوله. سبب تفضيل ابن رشيق للشعر على النثر ترجع لعدة أسباب، أهمها سرعة تاثيره في النفوس لما يقتضيه الوزن من جرس الموسيقى، وجمال الفني يؤهلانه للصوق في نفوس السامعين و حفظه و تداوله، من أهم دوافع ابن رشيق للدفاع عن الشعر:
1- مسألة تنزيه القرآن الكريم عن أن يكون شعراً. و تنزيه الرسول عن أن يكون شاعراً.
2- من فضل الشعر أن الكذب الذي أجمع الناس على قبحه حسن فيه و حسبك ما حسن الكذب.
3- قيام الشعر بمهمة الدفاع عن الشاعر حتى في حالة كونه مذنباً.
4- ليس لأحد أن يطري نفسه و يمدحها في غير منافرة إلا أن يكون شاعراً فإن ذلك جائز له في الشعر غير معيب عليه.
5- الشعر معيار الأوزان و نحن نعلم أن الأوزان قواعد الألحان و الأشعار معايير الأوتار لا محالة.
6- مكانة الشعر العظيمة ودوره الكبير في الدفاع عن الدعوة الإسلامية.
7- تعاطي كبار الصحابة و كبار الخلفاء و الفقهاء و التابعين الشعر.
8- تظهر مكانة الشاعر في المجتمع العربي في كثرة الشعراء الذين رفعوا من أقدار أقوام بأشعارهم.
9- شفاعات الشعراء لدى الجكام و رؤساء القبائل و قبولهم العفو بسبب أبيات تستثير همهم و عطفهم.
10- إحتماء القبائل بشعرائها.
11- تفاؤل الناس بالشعر.
12- للشعر منافع كثيرة قد أكثر الناس ذكرها.
13- تعرض الشعراء للناس واجباتهم التي قد تسير مثلاً فتخزي المتعرض لهم.
مسألة القدماء و المحدثون عند ابن رشيق:
لم يكن لابن رشيق موقف في مسألة القدماء و المحدثون، و اتفق نع ابن قتيبة أن كل قديم من الشعراء فهو محدث في عصره، و من هنا يرى ابن رشيق أن ليس لاحد الحق بالكلام دون أحد، و إنما الاجادة هي التي تعلي شأن الشاعر لزمانه أو مكانه فيقول(إنما مثل القدماء و المحدثين كمثل رجلين ابتداء هذا بناء فاحكمه و أتقنه ثم أتى الآخر فنقشه و زينه) و معيار الثاني الذي اعتمد عليه ابن رشيق هو مقياس الجودة الذي يظهر بكون النص الشعري مستساغاً على مر الأزمان بعيداً عن الوحشي المستكره مرتفقاً عن المولد المنتحل.
حد الشعر و دوافعه عند ابن رشيق:
كما كان معروفاً قبله، كان أركان الشعر أربعة من (اللفظ و الوزن و المعنى و القافية) فقد عدل ابن رشيق هذا التعريف ليكون الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء و هي اللفظ و الوزن و المعنى و القافية، وهنا يأتي دور النية أو القصد( قصدية القول) قد يكون هناك كلام موزون و المقفى و لكن بدون نية أو قصد فلم يعتبر ابن رشيق هذا الكلام شعراً لعدم وجود القصد أو النية. أضاف ابن رشيق إلى العناصر التي ذكرها قدامة عنصراً آخر وهو الابتكار، و الشاعر عنده هو الذي يبدع معنى جديداً للفظ أو أختراعه معنى آخر أو أستظرف لفظة و ابتدعه، أشترط ذلك ابن رشيق هذا العنصر في الشاعرية الشاعر فإذا لم يستطيع شاعر ذلك سقط عنه سمة الشاعر.
وضع ابن رشيق شروطاً للشاعر لكي يستطيع قول شعر و من هذه الشروط (الطبع) فيوضح عناصر بناء القصيدة، فبيت الشعر عنده كالبيت من الابنية قرارة الطبع و دعائمه العلم و بابه الدرية و ساكنه المعنى و لا خير في بيت غير مسكون. من هنا يتضح أن ابن رشيق جعل (الطبع) أساس عملية الشعرية، أما الثقافة فهي تسند الشاعر و تقوي قابليته و تمنحه القدرة على البتداع و الابتكار و تأتي الدرية مطبعة للموهبة و الثقافة الاصيلة. وضع ابن رشيق مواضيع معينة لقول الشعر منها المديح و لكن وضع شرطاَ في المديح وهو إذاً مدح شاعر قوماً أو شخصاً كان أهلاً لهذا المديح فهذا يرفع من مكانة الشاعر و يصبح شعره مخلداَ، أما إذا كان الهدف من المدح التكسب أو لم يكن القوم أو الشخص أهلاً للمديح فقد حط من مكانة الشاعر، أما الدافع الثاني الخوف قد يقول الشاعر شعراً وهو في حالة خوف شديد فيجيد التعبير عن حاله أو العكس ومن الشعراء مَن يجيد في حالتي الأمن و الخوف و سكون جأشة و كان دافعه القول هو ثبات حالة الأصرار التي يعيشها، و ابراز قوة عزيمته، الدافع الثالث الفقر و الغنى، يرى ابن رشيق أن للحالة المادية من فقر و غنى أثراً كبيراً في تقوية الدافع النفسي و بعث الحافز على قول الشعر لما يتركه الغنى و الفقر من أثر نفسية الشاعر و رغبته الأنصراف إلى الأشعار أو تنقيحها.
شحذ القريحة الشعرية عند ابن رشيق:
يرى ابن رشيق أن الشاعر لابد أن يكون فحلاً حاذقاً و مبرزاً مقدماً من فترة تعرض له في بعض الأوقات أما لشغل يسير أو موت قريحة أو نبو طبع في تلك الساعة أو ذلك الحين، فإذا أحس الشاعر أن نشاطه قد تباطأ فلابد أن يرجى نظم الشعر إلى فترة أخرى ينشط فيها و يشحذ ذهنه. و سجل ابن رشيق حالات معينة لشحذ القريحة و منها:
1- المذاكرة، بعدما تكل قريحة الشاعر من كثر العمل عليه مطالعة الأشعار مرة فإنها تبعث الجد و تولد الشهوة، و مرة فإنها تقدح زناد المخاطر و تفجر عيون المعاني و توقظ أبصار الفطنة.
2- الخلوة بذكر الأحباب وهذا يصلح في إثارة داعي قول الشعر في الغزل.
3- الإستعانة بجمال الطبيعة لتفتح الذهن و لبعث القريحة.
4- تهيئة النفس بدواع خارجية لبعث فيها دفيء قول الشعر حسب مزاج الشاعر و عادته و ديدنه في الحياة.
5- التغني و الترنيم بالبيت الذي يخطر ببال الشاعر أو البيت الذي يريد أن يقيم القصيدة عليه.
6- اختيار وقت الليل أو وقت السحر للإنصراف إلى نظم الشعر. و قد فضل ابن رشيق وقت السحر لأسباب أدناه:
1- إن النفس تكون مجتمعة لم يتفرق حسها في أسباب اللهو و المعيشة أو غير ذلك مما يعيبها.
2- إن النفس مستريحة و كأنها أنشات نشاة الأولى.
3- إن السحر ألطف هواء و أرق نسماً و أعدل ميزاناً بين الليل و النهار.
الفصل الخامس عشر
حازم القرطاجني
تأثر حازم القرطاجني بأفكار أرسطو و الأفكار اليونانية التي تسربت إلى الفكر البلاغي و النقدي عند العرب، و يعتبر كتاب المنهاج (منهاج البلغاء) ثمرة التلاقح بين الثقافتين( العربية و اليونانية) و كانت هذه محاولة من حازم القرطاجني لتطبيق بعض أفكار أرسطو على الشعر العربي، وهو التطبيق فيه الكثير من الخروج على أرسطو و الركون إلى الأفكار العربية في الشعر و النقد، نتج عن هذا موقفان، موقف يتهمه بإساءة التطبيق و آخر يعده مبدعاً.
أستطاع حازم القرطاجني الإطلاع على أنجازات النقاد اللذين سبقوه و خصوصاً قدامة و تابعه في محالة تأصيل مفهوم للشعر غير مفارق لفكرة علم الشعر التي سعي إليها قدامة.
فن الشعر لأرسطو:
جذب كتاب(فن الشعر) لأرسطو مترجمين العرب إلى ترجمتها ومنهم أبو بشر متي بن يوسف و يحيى بن عدي و عرض الفارابي الكتاب في رسالة صغيرة(رسالة في قوانين صناعة الشعر) و غيرهم، غير أنهم لم يوفقوا في ترجمته ترجمة صحيحة لأن فيه من فنون الأدبية لم تكن معروفة لدى العرب مثل دراما و الملحمة، لذا جاءت الترجمات ضعيفة لأنهم لم يفهموها كما أشار ذلك طه حسين، و يمكن معرفة أن الشعر اليوناني غيرالشعر العربي، إن القوانين التي أستنبطها أرسطو في كتابه كانت من المسرح اليوناني الذي لم يعرفه العرب بعد في أدبياتهم. و إن هذه النظرة بانت بعد أن فتح أبي بشر الباب أمام الأخرين لترجمة هذا الكتاب، كان حازم القرطاجني مدركاً هذه الحقيقة و أدرك الفرق بين الشعر اليوناني و الشعر العربي و يقول حازم( فأن الحكيم أرسطوطاليس و إن كان اعتنى بالشعر بحسب مذاهب اليونانية فيه و نبه على عظيم منفعته، و تكلم في قوانين عنه، فإن أشعار اليونانية إنما كانت أغراضاً محدودة في أوزان مخصوصاً و مدار جل أشعارهم على خرافات و كانت لهم ايضاً أمثال في أشياء موجودة نحواً من أمثال كليلة و دمنة، و نحواً مما ذكره النابغة في حديث الحية و صاحبها، و كانت لهم طريقة يذكرون فيها أنتقال أمور الزمان و تصاريفه غير هذه الطرق كتشبيه الأشياء بالأشياء فإن شعر اليونانيين ليس فيه شيء منه. و إنما وقع في كلامهم التشبيه في الأفعال لا في ذوات الأفعال).
تقليداً لأرسطو الذي وضع قوانين لشعر اليوناني، حاول حازم القرطاجني وضع قوانين للشعر العربي، لقد وجد حازم وهو ينظر في(فن الشعر) إنه إزاء قانون عام(المحاكاة يمكن تطبيقه على الشعر بصفته فناً، إلا أنه يفتقر إلى التفضيلات التي ينبغي أن تستنبط من الشعر العربي نفسه). ميز حازم موضوعات الشعر لدى اليونان و العرب، فأول يعتمد على الأساطير و موضوعات لا تقع في الوجود، مقصورة في الذهن، بينما الشعر العربي فموضوعاته( الحبيب و المنزل و الطيف).
كتاب(المنهاج) و الدافع لتأليفه:
كان هناك دوافع عدة لتأليف كتاب(منهاج البلغاء و سراج الأدباء) فقد رأى حازم أن اختلال طباع الناس، خاصة في زمانه، الأمر الذي أوجب تعلم صناعة الشعر، ثانيا، لقد هان الشعر على الناس هذا الهوان لعجمة ألسنتهم و أختلال طباعهم، فغابت عنهم أسرار الكلام و بائعه المحركة، ثالثاً، إن النفوس اعتقدت أن الشعر كله زور و كذب و قد حملهم على هذا الأعتقاد قصور طباعهم، كما حملهم على الغض من الشعر و أهله بإخراجه من الحقائق جملة. لذلك عمل حازم على توضيح صناعة الشعر على نحو مفصل و دقيق في هذا الكتاب(المنهاج) و وفق منهجية لا تقل شأن من منهجية قدامة. قسم حازم كتابه إلى أربعة أقسام، ولو أن القسم الأول مفقود و كان فيه، البحث في القول و أجزائه و الأداء و طرقه كما أشارة إليه كل من السبكي في كتابه(عروس الأفراح) و الزركشي في كتابه(البرهان) حيث نقلا منه نصوصاً عن ذلك. أما القسم الثاني فعالج فيه (المعاني) و القسم الثالث فعالج فيه(المباني) و القسم الرابع فعالج فيه(الأسلوب).
أستند منهجية حازم في الكتاب إلى تقسيمه الكتاب على ثلاثة أقسام كبيرة، و جعل لكل قسم أربعة أبواب، و سمي كل باب منها ب(منهج)، و جعل المنهج فصولاً سماها على التوالي(معلم)و(معرف) و(مأم)، وجعل كل معلم و معرف فقرات اقصر اطلق عليها اسم(إضاءة) يقفوها ب(تنوير).
بين قدامة بن جعفر و حازم القرطاجني:
أكمل حازم وجه النظر التي بناها قداهة عن الشعر بأنه كلام موزون فقط، فقد رأى حازم بأن للشعر ثلاث جوانب لكي يكمل معناها، الصانع(الشاعر) و الشعر(المادة المصنوعة) و الجمهور(وظيفة الشعر) و يرى بأن الشعر نتاج قوي مخيلة في نفس الشاعر من جهة و ذو قوة فاعلة في نفس متلقيه.
الفرق بين قدامة و حازم هو أن الأول أهتم بالركن الثاني(الشعر) و كيفية بنائه و تقومه، أما حازم فأهتم بالركن الثالث اي المتلقي و تظهر هنا موهبة الشاعر في كيف يؤثر على الجمهور لا كيف ينشأ الشعر لذلك بحث في نشأة الشاعر و الجمهور معاً، هنا يختلف تعريف الشعر عند كلا الناقدين فقدامة يعرف الشعر بأنه كلام موزون و مقفى بينما يعرفه حازم بأنه كلام موزون و مقفى من شأنه أن يجيب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، و يكره إليها ما قصد يكريهه لتحمل بذلك على طلبه أو الهروب منه، بما يتضمن من حسن تخييل و محاكاة مستقلة بنفسها أو مقصورة بحسن هيأة تأليف الكلام...إلخ. معاني الشعر لدى حازم هي العلاقة بين الشعر بأنه كلام موزون و بين كونه يحبب إلى النفس(المتلقي) بين كونه كلاماً مخيلاً ينصرف إلى الشاعر و يحدد حازم المعاني في:
1- أحوال الأمور المحركة إلى القول(دوافع الشعر).
2- أحوال المتحركين لها(الجمهور).
3- أحوال المحركات و المحركين لها(الدوافع و الجمهور).
و يضع حازم عددة شروط للشعر الجيد و مدى أثره في المتلقي و هي:
1- حسن موقع المعاني(أي أثره)
2- حسن تخييل لدى الشاعر و قوة الإقناع.
ومن شروط الشاعر الناجح لدى حازم:
1- مهيئات: الوسط الذي يعيش فيه الشاعر.
2- الأدوات: علوم الألفاظ و المعاني.
3- البواعث: الدوافع النفسية و الحواجز.
الفصل السادس عشر
ابن خلدون و آراؤه في النقد
أعترض ابن خلدون على تعريفات الشعر من قبل القدماء و حكم عليها بالقصور تعريف ماهية الشعر وحده، و رأى أن المتقدمين عرفوا الشعر حسب أختصاصهم، فمنهم مَن عرفه حسب وجة النظر علم العروض أو البلاغة أو الأعراب، بحث ابن خلدون عن ماهية الشعر من منظور لتعريفه تعريفاً جامعاً لحيثية الشعر و طبيعته و عرفها(الشعر هذا الكلام البليغ المبني على الستعارة و الأوصاف المفصل في أجزاء متفقة في الوزن و الروى مستقل كل جزء منها في غرضه و مقصده عما قبله و بعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به). يضع ابن خلدون بعض شروط للقصيدة و منها:
1- غريب النزعة.
2- غزير المنحى.
3- كلام مفصل قطعاً متساوية في الوزن.
4- متحدة في الحرفين الأخيرين من كل قطعة في هذه المقطعات و هذا يصبح بيتاً.
5- يسمى الحرف الأخير في كل بيت برويا و القافية.
ومن شروط الشعر عند ابن خلدون :
أشترط ابن خلدون شروطاً جديداً على الشعر لم تكن موجودة قبله و منها توافر الجمال و البلاغة فيه من تشبيهات أو استعارات أو أوصاف جميلة. و يعتبر ابن خلدون البلاغة الحد الأول للشعر و يصف الأشعار على أنها نتاج فني معتمد على الصور الذهنية الجميلة. و يربط ابن خلدون جمالية الشعر بالملكة الشعرية المتأصلة بالشاعر و ليس بمعرفة قوانين البلاغة أو قواعدها.
آراء ابن خلدون في ملكتي اللغة و الشعر:
اختلف ابن خلدون مع سابقه و متزامنه فهو راى أن اللغة ملكة صناعية يمكن أن تلتسب و لكن لإكتسابها شروط و ظروف يجب أن تتهيأ لها الشاعر. و اتفق ابن خلدون مع ابن طباطبا بشحذ ملكات اللسان و سبك الاسلوب بادامة النظر في الأساليب العربية الجيدة و ذلك بالاطلاع على جيد من شعر العرب.
قراءتي للكتاب:
بالرغم من ان كتاب عبارة عن كتاب منهجي في التدريس، إلا أنه من الكتب المفيدة للقراء بشكل عام، و خاصةً للمهتمين بالأدب و النقد العربي، لإحتوائه على معلومات تاريخية عن دور الكتاب العرب القدماء في تاريخ النقد و لما لهم من تأثير على مسيرة النقد الأدبي العالمي، فلكل كاتب في الكتاب دور مميز في تطوير النقد الأدبي عبر التاريخ ويعتبر مرجعاً مهما للناقد الحديث الذي يريد تطوير أسلوبه النقدي ودراسة الأدب. نلاحظ أن النقد الادب العربي بدأ مع ظهور حواضر عربية في العراق و الشام و الحجاز مع اتساع حدود الدولة العربية الإسلامية و تواصل العرب مع الحضارات الأخرى مثل كالحضارتين الفارسية و اليونانية، ولو أن هناك رأي قائل بأن العرب مارسوا النقد قبل ذلك من خلال تقييم أشعار الشعراء و الموازنة بينها، التوازن بينهما ، لكن الرأي السائد هو أن نقد الأدب العربي لم يظهر حتى القرن الثاني الهجري لأن نظريات النقد ومناهجه ظهرت في تلك المرحلة. يعتبر النقاد أن ظهور الإسلام في التاريخ العربي كان منعطفاً كبيراً في حياة العرب و كان ذلك من ناحتين، أولاً، نهى الإسلام عن بعض مواضيع الشعر التي كانت تُمارس سابقاً مثل الهجاء الفاحش و ظهور مواضيع جديدة للشعر مثل المدح و مكارم الأخلاق، ثانياً، تخالط الحضارة العرب مع الحضارات الأخرى من خلال دخول أقوام غيرعربية إلى الإسلام و جلب بعض تراثها معهم، أدى ذلك إلى توسع الآفاق الفكرية للنقاد و الشعراء العرب. و بحسب الكتاب، فإن أول مَن مارس النقد بشكل منهجي هو ابن سلام الجمحي من خلال كتابه(طبقات الشعراء) و يعتبره الدارسون من أوائل النقاد الذين مارسوا النقد بأسلوب علمي و منهجي. ثم يأتي الجاحظ و يضع شروطاً معينة للناقد أو الشخص الذي يريد ممارسة النقد، من هنا سيبدأ مسيرة النقد الأدب العربي، اي لا يمكن لأحد أن يمارس النقد إلا إذا توفرت فيه الشروط اللازمة لذلك حسب رأي الجاحظ، هنا نلاحظ أن النقد الأدب العربي يخطو خطوته الأول في رسم خارطة طريق للنقد. درس ابن قتبية النقد من زاوية الأخرى، حيث درس الصراع بين القديم و الجديد و انصب أهتمامه ينصب على النص، اي دراسة النص و الحكم له أو عليه و حسم الصراع الذي كان لا يزال مستمراً بين القديم و الجديد بأن كل جديد سيصبح قديما بمرور الوقت، و بحسب قانون الجدلي (نفي النفي). درس ابن المعتز جمالية النص من خلال البديع، اي التشبيهات و الصور الشعرية الجميلة و هو تاكيد على دراسة النص دون المؤلف اي ما طرحه رولان بارت بموت المؤلف، و كان لابن المعتز كتاب باسم(البديع)، تناول كتابه كل اشكال الكتابة من الشعر و النثر و الخطابة و الرسائل، و كان هذه خطوة جبارة في مسيرة النقد العربي. تناول ابن طباطبا جانبًا آخر من جوانب النقد من خلال دراسته للعملية الإبداعية للشعر، ورسم معالم الطريق للشعراء لتطوير ملكات الشعر لديهم، و مايجب عليهم فعله لذلك. عرّف ابن طباطبا الشعر و درس كيفية بناء القصيدة لدى الشاعر في ثلاث مراحل وهي التفكير و البناء و الصياغة النهائية. أدخل قدامة بن جعفر المفاهيم النقد اليوناني إلى الأدب العربي و مارس النقد من خلال تلك المفاهيم التي كانت جديدة على النقد العربي و بذلك أغني النقد الأدب العربي بمفاهيم جديدة لم تكن معروفة من قبل. مارس الآمدي منهج التناص الشعري في عملية النقد من خلال ما يُسمى بالموازنة بين الشعراء و كان هناك موضوع أخر شغل بال النقاد اثناء ذلك ألا وهو السرقات الأدبية و التي لم تحسم إلا بعد جهد جهيد من قِبل القاضي الجرجاني حيث حاول حسم هذه القضية بوضوع قوانين معينة من خلالها يتم الحكم على السرقة. درس المرزوقي عمود الشعر، و أكد على أركان معينة التي من خلالها يحكم على القصيدة من حيث الجودة. درس الجرجاني ( عبدالقادر الجرجاني) النظم اي نظام اللغة أو النسق، وهو بالظبط ما درسه العالم السويسري (دوو سوسير) فيما بعد عن اللغة، و طرح الجرجاني فكرة (المعني) المتغير من تغيير موقع المفردة من الكلام أي دراسة نسق الكلام، و أكد بأن لايكون للمفردة معنى مالم تضع في نسق الكلام. درس ابن رشيق تأثير الشعر على السامع أو القاريء، اي نظرية التلقي، واعتبر تأثير الشعر على القاريء شرطاً أساسياً في الحكم على القصيدة أي أن القاريء بحسب تأثير القصيدة عليه يحكم عليها بأن تكون جيدة أو رديئة، وهذه كانت خطوة جبارة في النقد عند العرب. أتى حازم القرطاجني بقوانين المنطق لدى أرسطو و طبقها على النقد الأدب العربي و وضع من خلال ذلك شروطاً سمي بدوافع الشعر لدى الشاعر و وضع شروطاً معينة للشاعر الناجح، و كان لهذا التماس مع مناهج النقد لدى اليونان أهمية كبيرة في تطوير النقد لدى العرب. و أخيراً، أعاد ابن خلدون تعريف الشعر و وضع شروطاً للقصيدة الناجحة حسب منهج أجتماعي معين، وعارض ابن خلدون سابقيه بأن جمالية الشعر مرتبط بملكة الشعر لدى الشاعر و ليس بمعرفة قوانين البلاغة و النحو و ما إلى ذلك من الشروط.
من خلال هذه القراءة البسيطة نجد أن النقد الأدب العربي مر بمراحل طبيعية لعملية النقد، مرحلة دراسة المؤلف و مرحلة دراسة النص و مرحلة دراسة القاريء أو المتلقي، هذا ما تدرسه مدارس النقد الحالية، فيمكننا الرجوع إلى أعمال هؤلاء لتطوير مشروعنا النقدي.



#عبدالله_بير (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجزء الرابع من قراءة في كتاب(محاضرات في تاريخ النقد عند الع ...
- الجزء الثالث قراءة في كتاب (محاضرات في تاريخ النقد عند العرب ...
- قراءة فيكتاب (محاضرات في تاريخ النقد عند العرب)
- قراءة في كتاب (محاضرات في تاريخ النقد عند العرب)
- الحرب الاوكرانية و عصر جديد
- العودة إلى البيت
- قصة قصيرة : بائعو الهوى
- توظيف السيرة و الاسطورة في القصة القصيرة قصص -باندورا - للكا ...
- التيه بين اغتراب الواقع و ماض مغترب قراءة في مجموعة قصائد ( ...
- قراءة في كتاب - تأسيس ميتافيزيقا الاخلاق -
- عودة إلى السماء
- المحاكاة
- ذكريات سرور
- صديقي لم يكن ارهابيا
- قراءة في كتاب السيميولوجيا و التواصل
- فتاة من طينة الذهب
- ندم اللقاء
- قد لا يأتي الأمل أبداً
- الذي لي ليس لي دائماً
- الخير يأتي اولاَ


المزيد.....




- مصر.. فنان روسي يطلب تعويضا ضخما من شركة بيبسي بسبب سرقة لوح ...
- حفل موسيقى لأوركسترا الشباب الروسية
- بريطانيا تعيد إلى غانا مؤقتا كنوزا أثرية منهوبة أثناء الاستع ...
- -جائزة محمود كحيل- في دورتها التاسعة لفائزين من 4 دول عربية ...
- تقفي أثر الملوك والغزاة.. حياة المستشرقة والجاسوسة الإنجليزي ...
- في فيلم -الحرب الأهلية-.. مقتل الرئيس الأميركي وانفصال تكساس ...
- العربية والتعريب.. مرونة واعيّة واستقلالية راسخة!
- أمريكي يفوز بنصف مليون دولار في اليانصيب بفضل نجم سينمائي يش ...
- بسبب -ألفاظ نابية-.. منع شمس الكويتية من العمل في العراق (في ...
- أعلان حصري.. مسلسل قيامة عثمان الحلقة 157 مترجمة على قصة عشق ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بير - الجزء الخامس و الأخير من قراءة في كتاب (محاضرات في تاريخ النقد عند العرب)