أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - لبيب سلطان - حول العلاقة بين الفكر والأخلاق والتأدلج السياسي















المزيد.....

حول العلاقة بين الفكر والأخلاق والتأدلج السياسي


لبيب سلطان

الحوار المتمدن-العدد: 7395 - 2022 / 10 / 8 - 00:32
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كان والدي رجلا متنورا ، وهو ليس استاذا او متخصصا ، بل كان وطنيا من الطبقة المتوسطة العراقية، ومن جماعة الجادرجي تحديدا، وقال لنا يوما مع اخواني في احدى الجلسات العائلية، وكنت بسن 14عاما ونقلت له عن مدرس الدين المتعصب ان الله لن يدخل الجنة غير المسلم والباقين يكون مصيرهم النار، فضحك وقال قل لأستاذكم " الدين للعامة والفلسفة والثقافة للخواص" فمدرسكم متعصب كونه غير مثقف. ،وفعلا كان مدرسنا قومي واسلامي التوجه وكان متسلطا ولانعتبره مثقفا ولم نحبه. لا أعرف من أين أخذ أبي هذه المقولة البليغة ولكنها بقيت تلازمني ولم تفارقني طوال حياتي . وعندما كبرت قليلا ونشأت وقرأت، كما كان يفعل اغلب جيلنا ونصرف ما نحصل عليه من الوالد على شراء وقراءة وتداول الكتب، اردت ان أضيف لمقولته هذه " الدين والأدلجة للعوام والثقافة الفلسفة للخواص" واليكم سبب وصولي لهذه النتيجة.
ان الدين ،وفق فهمي ، هو حاجة انسانية قبل كل شيئ، فهو يلبي حاجة الأنسان البسيط في الأجابة على اسئلة محيرة له مثل من خلقنا وخلق الكون؟ انه الله بلاشك ، وهل نحن مدينون له كما لوالدينا؟ نعم علينا عبادته وشكره واتباع نصائحه وهي ان لا تكذب، ولاتسرق ولا تخدع ، وان نعرف الحلال ونقترب منه والحرام ونبتعد عنه ،ففيه تربية روحانية واخلاقية للأنسان ، وهل هناك مكافئة او عقاب ؟ نعم هناك الجنة للصالحين والنار للطالحين. اجوبة ومقولات بسيطة تجيب على اكثر مايشغل الانسان ليعيش مرتاح البال والضمير. ولكن قارنه مع المتدين المؤدلج ، فتجد الخير عدوانيا ومتكلسا وبذيئا.
ربما بدأت مشكلة الانسان مع الدين في تناقض المصالح في علاقاته في المجتمع والتنافس فيه والحسد والجشع وحتى استخدام الدين لأغراض ومنافع شخصية، فالدين لايوفر اجوبة بسيطة ومرضية لجميع الاطراف مثلما وفرها على المستوى الشخصي ، ومع تعقد وتطور المجتمعات برزت الحاجة اكثر لدور الفكر الانساني في تنظيم العلاقات الاجتماعية ، وبرزبوضوح اكثر التطرف الديني ضد الفكر الانساني الوضعي والذي قاده رجال الدين ضد المفكرين المتهمين بتحرير العقل لمعرفة الخير والشر مثلا، او لتمييز حاجة اجتماعية ربما تعارض نصوصا دينية مثل تعليم وتحرير المرأة أو تحريم تعدد الزوجات او حق المساواة في الرزق والأرث وحتى في اجتهادين مختلفين لنص ديني واحد، وغيرها من الاسئلة التي تجابه تطور علاقات المجتمع فبرز التطرف الديني ليحارب الفكر والعلم ومازال هكذا موقفه لليوم.
ان التكلس الديني حول النص الرباني المقدس عند المتدينين ربما كان هو سبب التطرف، اضافة طبعا لتضارب مصالح رجال الدين ومؤسساتهم الدينية التي ترى ان اي خروج عن النص باسم اصلاح المجتمع هو خروج على الله وعلى الدين ويجب محاربته ككفر مبين، فحرمة الدين في نصوصه هي فوق اي اجتهاد فكري او عقلي حتى وان كانت في صالح الفرد او المجتمع ، وهكذا تخلف الدين عن ركب تطور الحضارة ولكن المتطرف والمتكلس منهم قام بادلجة الدين سياسيا، كما عند الاخوان وسيد قطب في سبيل تعبئة العامة لمصالح سياسية واعتقادات شخصية للسير في طريق الشريعة والحصول على الجاه والنعمة في الحياة والثواب والجنة في الآخرة، وبعضهم, الأكثر جهلا ، اقام حركات التطرف الديني من الاخوان لتعمل حد السيف وحكم النص بالكافر والمتزندق في الحياة الدنيا قبل عقاب الله في الآخرة، وكلما أزداد المرء تكلسا حول النصوص كلما ازداد تطرفا وعدوانية ، هذا مايثبته اليوم علم سيكولوجية التطرف بكل انواعه الديني والسياسي عموما.
الغريب في الامر ان الفكر الوضعي الذي وضعه العقل المتحرر للتخلص من التسلط الديني وتغييبه لدور العقل قد وقع في نفس الفخ الذي وقع فيه المتدينون، واصبح بعض اتباع المذاهب الفكرية متدينون في النص ومتقيدون به ومنه نشأت الأيديولوجيا الفكرية السياسية. ونجحت ادلجة بعض هذه المذاهب الفكرية، ومنها الماركسية مثلا، كما نجح الدين قبلها ، في تقديم اجوبة سهلة وجاهزة على الاسئلة التي تواجه الانسان في علاقات المجتمع، واتخذها العوام من المتعلمين دينا جديدا ، فاذا سألت، لماذا المرأة محجبة في العالم العربي ؟ سيجيبك المتؤدلج انه بسبب صراع الطبقات ، ولماذا لا نأخذ بالديمقراطية ؟ يجيبك انها بدعة برجوازية لتبقي على الطبقات وعلى استغلالها للطبقة العاملة ، فالأيديولوجية وسيلة سهلة لتجهيز الأجابات الجاهزة على الاسئلة التي تواجه الفرد والمجتمع ، وكلما يزداد المؤدلج جهلا تجده اكثر تطرفا بل وابتذالا وتبريرا للقتل والسلخ لمن يخالف، والانظمة الايديولوجية كما في النظم الدينية التي سادت لأكثر من الف عام، استخدمت نفس الوسائل واساليب العنف والقتل مع من اختلف معها في الفكر والمقولات، فالديني المتطرف يقتل من ينادي بحرية الفكر ويتهمه بالكفر والالحاد والمؤدلج الماركسي مثلا يمكنه قتل مخالفه بتهمة العمالة للبرجوازية والمبريالية والتآمر على مصلحة الطبقة العاملة كما حدث في روسيا والصين مثلا.
ومثلهما مارس الفكر القومي، فأقام انظمة قمعية وديكتاتورية ومارس الارهاب على اتباع اي تيارتحرري ضد الديكتاتورية، وهو قتل الماركسي والمتدين والمتمدن جميعا بتهمة العمالة وخيانة الامة وبأسمحماية مصالح الأمة ، وكلما ازداد اتباع المذهب القومي جهلا كلما ازدادت عدوانيتهم وتطرفهم، كما رأينا في النظام الصدامي وازلامه القتلة والمجرمين.
ان مسألة التطرف اذن ليست محصورة بالدين ، فهو في جوهره تعاليم روحانية اخلاقية، وليست في الماركسية مثلا، فهي كأي فكر انساني يدعو للعدالة والمساواة الاجتماعية، وليست في القومية، فهي كفكر تدعو لأعادة مجد سابق اوإحياء ثقافة، أو جمع امة مشتتة حول القواسم المشتركة تمهيد لنهوضها.
المشكلة في جوهرها هي مشكلة التأدلج والتكلس المتعصب المغلق لدى انصاف المتعلمين والجهلة من اعتبر ان ماتعلمه او جهزته اياه ايديولوجيته من اجابات يملك كل المعرفة ومعه كل الحق بعينه ، ومن اختلف معه في الفكر او الفكرة فهو جاحد وكافر وفاسق وعدو، انه منطق الجهلة من انصاف المتعلمين بلاشك.
المثقف لا يؤمن بالتحزب الأيديولوجي كونه يحتاج دوما لفضاء أوسع من الادلجة ليواصل البحث للوصول الى اجوبة ترضيه او يقتنع بها ليشق طريقه في بحث اخر على دروب المعرفة، وهو عكس المتأدلج، يعتنق الافكار ولكنه لايقدسها بل يحاول القفز عليها لمعرفة اوسع ولن يكتفي مهما عرف.
ومن عامة الناس العاديين تجد بينهم مثقفين حقيقيين من يحاول ان يجد اجوبة لأسئلته ومشاكله وتطوير فهمه لما يحيط به ويبذل جهوده ، فهو يستخدم عقله وتجاربه ومايسمعه ويراه للوصول الى فهم افضل ،فهو ايضا مثقفا مادام ليس مؤدلجا.
ان افكار الدين والفكر الفلسفي الأنساني الوضعي تتم عل يد مثقفين ومتعلمين وحكماء او قادة عظام ، ولكن تحويل افكارهم الى نصوص دينية وادلجتها كحقائق مطلقة يفرغها من هدفها ومحتواها ويجعلها اداة للتكرف ،وضحاياهم ، عدا مخالفي الدين والفكر، هم انصاف للمتعلمين وهؤلاء بدورهم يوقعون بسطاء الناس، واذا حصل الاسوء ، ووصلوا للسلطة فتقع مجتمعاتهم ضحية سهلة تحت اياديها وقمعها، وعندها تبدأ الديكتاتورية السلطوية والفكرية ومصادرة الحقوق والحريات ويبرر العقاب بأسم العقيدة الحق ، كما كان بأسم الدين ،فاكثر الناس عدوانية ووحشية هم المتأدلجون المتشددون ولعلهم هم ايضا اكثر الناس جهلا وبذاءة وفسوقا اخلاقيا وفسقا حتى فيما يعتقدون.



#لبيب_سلطان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشرين بدأت الطريق..كيف اتمامه
- مساهمة الليبرالية في التمدن الأنساني وإنهاء عصرالأدلجة والدي ...
- صعود اليسار الليبرالي وأفول الماركسي ..قراءة نقدية
- النظم الرأسمالية : مصطلح فارغ المعنى والمحتوى في واقع اليوم
- قراءة في تجربة التسيس والحكم الشيعي في العراق-1
- ألقضاء العراقي رجعي ومسيس ومتستر ودمر بقايا الدولة
- حول العلاقة بين الماركسية والليبرالية-3
- حول العلاقة بين الماركسية والليبرالية-2
- حول علاقة الماركسية بالليبرالية-1
- لماذا لا تنزل جماهير اوسع رغم المطالب الوطنية للصدر
- اجهاض ثورة 14 تموز وراءه غياب مشروع لبناء دولة أهدمتها
- معادات الغرب منهج رجعي-3
- معاداة الغرب منهج للرجعية والظلامية في العالم العربي-2
- معاداة الغرب منهج للرجعية والظلامية في العالم العربي-1
- ألرجعية الفكرية البنيوية للماركسيين العرب
- الدفترالمهرب من سجن الحلة لقصائد النواب
- قراءة في معركة الشعبين اللبناني والعراقي الأنتخابية
- لا خير في نظام عالم جديد تقيمه ديكتاتورية بوتين
- بوتين لن يكون اخر ديكتاتور لروسيا ..الخيارات أمام العالم
- 9 نيسان اليوم الوطني لأسقاط ديكتاتورية صدام بين المنافقين وا ...


المزيد.....




- زيلينسكي يعلن حظر نشاط المنظمات الدينية المرتبطة بروسيا
- إعلامي مصري مشهور يعلق على منع الأجانب من شرب الخمر في قطر و ...
- الاعلام العبري: أنباء أولية عن انفجار قنبلة بالقرب من مطعم ف ...
- مشككا في مكان دفن والده.. نجل بن لادن يكشف تفاصيل جديدة بشأن ...
- المخابرات التركية تتحرك ضد الإخوان بعد لقاء السيسي وأردوغان ...
- شاهد- لغز دوران الأغنام يتكرر في الأردن ومجلس الإفتاء يجتمع ...
- محادثة عنصرية تدفع -الأم الروحية- لولي العهد البريطاني إلى ا ...
- مشككا في مكان دفن والده.. نجل بن لادن يكشف تفاصيل جديدة بشأن ...
- الحرب الروسية في أوكرانيا تصيب الفاتيكان
- قائد حرس الثورة الاسلامية اللواء سلامي: لن نسمح لاحد ان يسته ...


المزيد.....

- فلسفة الوجود المصرية / سيد القمني
- رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة / سيد القمني
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الأخير - كشكول قرآني / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني عشر - الناسخ والمنسوخ وال ... / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل العاشر - قصص القرآن / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - لبيب سلطان - حول العلاقة بين الفكر والأخلاق والتأدلج السياسي