|
الدين والمدينة الفاضلة واوهام المنقذ الجبار ح3
عباس علي العلي
باحث في علم الأديان ومفكر يساري علماني
(Abbas Ali Al Ali)
الحوار المتمدن-العدد: 7337 - 2022 / 8 / 11 - 04:39
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
بعد كل ما قدمنا في موضوع المهدي أو المنقذ الكوني لا بد لنا أن نعترف أنه في جميع الحالات والتصورات التي طرحت والتي ستطرح في زمان أخر أو مكان أخر، تبقى القضية مجرد فكرة تجريدية نظرية ذهنية خالية من أي مصداق عملي، لأنها أصلا تقوم على الافتراض الفلسفي الذي يستند على حركة الذهن التجريدية في عملية بناء النماذج الافتراضية، ولو عدنا لأولى الأفكار التي ظهرت مقترنة لها والتي تمتد لعصور فكرية ساحقة تثبت لنا أن أستنتاجنا بكونها مجرد تصور فلسفي تجريدي هي الحقيقة الوحيدة الصادقة في كل القضية، فلو كان هناك مصداق حقيقي وعملي لكان ظهر في فترات كانت فيها الإشارات والعلامات مقاربة، وحتى الظروف الموضوعية مهيأة له، لكن الحقيقة كانت دائما تبشر بعدم تحقق هذا الحلم البشري كونه ليس أكثر من حلم فقط دائرته ومداره العقل الباطن للإنسان الضعيف والمهزوم والمقهور والمستضعف. من الناحية التاريخية الروائية التي تعتمدها الأدبان بشكل عام والدين الإسلامي بشكل خاص، نجد كثيرا من التنظيرات والروايات المسندة بدليل عقلي وأحيانا بشبهات منطقية ترتكز في إثبان قرضياتها وأسس الفكرة على مخارج من داخل منظومة النص، ليس هناك بالطبع نص صريح وجلي يتناسب مع كون الفكرة بهذا المستوى العالي من الخطورة والأهمية، ولسد الذرائع وإثبات ما هو غير ثابت لجأت إلى الطريق الأرسطي بانية منطقها على مبدأين:. الأول _ من خلال تسخير التأويل لنصوص عامة وجعلها خاصة بالدلالة على قضية المهدي، منها مثلا النص التالي (ونريد أن نمنّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)، التأويل يأت بالشكل التالي من خلال ربط مفاهيم ثلاثة هي (الإمامة _ الأستضعاف _ الوراثة) وبما أن الأئمة تطلق تحديدا على أل محمد من ذرية فاطمة وأنهم جميعا كانوا مستضعفين في الأرض بدأ من أبيهم الإمام علي وصولا للحسن العسكري، فهم من خضهم النص بالوراثة من خلال الإمام الثاني عشر وهو المسمة محمد بن الحسن الغائب أو المهدي المنتظر، وسنعود لهذا البحث لاحقا. ثانيا _ من خلال ربط حدث بحدث بنص عبر سلسلة من العلاقات الرابطة، طاهرها منطقي ولكن في حقيقتها أن بنائها منذ البداية كان على شبهة نصية، النص هو ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) أي أن الله لا يمكن أن يترك الأرض بدون خليفة، وبما أن الخليفة بجب أن يكون منصاعا لرغبة المخلف ومطابق لإراداته، فلا بد أن يكون من يستخلفه الله ممن أرتضاهم هو ومصداق ذلك النص التالي ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ )، وربطا بين الأثنين فلا بد أن يكون الحليفة الأخير لله في الأرض هو من المخاطب الأول في النص أي من محمد وحده، لنصل في النهاية إلى حقيقة رويت عن الإمام علي (لا تخلو الارض من قائم لله بحجة ، اما ظاهراً مشهوراً واما خائفاً مغموراً لأن لا تخلو حجج الله وبيناته). وبما أن الأئمة هم حجج الله في أرضه حسب العرف الديني عندهم ولأنتهاء العدد الموعود أصلا ببشارة منسوبة للنبي (أثنى عشر إماما)، فلا بد من أن يكون الثاني عشر أما مخلدا لا يموت (وهذا فرض محال شرعا ومنطقا) حتى تتطابق الرواية مع النص، أو يكون غائب نؤجل ننتظر ظهوره في أي وقت وأي مكان، لذا تم إخفاءه أستنادا إلى فرضية خائف مغمور الثانية، الشبهة من البداية من قول الله تعالى (إني جاعل)، والجعل هنا مربوط بعموم صفة المجعول الذي هو الإنسان (البشر) والدليل في النص (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍۢ)، فالمجعول عام وهو بشر من طين فقط، ولو كان يقصد غير البشر تحديدا لا بد أن يكون غيره مخلوق من غير الطين، تطبيقا لقاعدة المطلق يسري على إطلاقه، فالشبهة منذ البداية عندما تم أستبدال مفهوم الخليفة العام بالنص بمفهوم الحجة في الأرض الوارد في الرواية التاريخية. المنطق الأرسطي واضح جدا في سياق دفع الفكرة لتكون واقعة حقيقية، وبالتالي ما يترتب على مخرجات الطريقتين سيكون تأسيس لما بعده من نتائج، أي جعل مخرجات ما تقدم من أفتراضات منطقية دون الرجوع إلى أصل الشبهة المنطقية في الأولى والثانية، هو ما راكم نت نتائج لاحقة كلها تستند عليها، مثلا في الطريق الأول والذي أشرنا إلى مناقشته لاحقا، أستند المتأول على نص خاص وحوله إلى نص عام لينطلق منه إلى بناء نتائجه، فالنص كما ورد في سياق الحديث عن بني إسرائيل في سورة القصص، هنا الله يؤيد عباده المؤمنين، وتتجلى قدرته في نصر المستضعفين حين يتوكلون على الله حق التوكل، وحين يتجردون لربهم ومبادئهم، النص تماما تناول قضية بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين حين نكّل بهم فرعون وملؤه، بل بلغ الاستعلاء عند فرعون أنه قتل منهم العدد الكبير خاصة الأطفال الرضّع بناء على خبر الكهّان عندما أخبروه أن ملكه سينتهي على يد واحد منهم، فكان يقتل كل رضيع. ويستمر السياق في عرض تفاصيل القصة عند النهاية عندما أصبح بنو إسرائيل أئمة لقومهم وهلك فرعون وأستخلف المستضعفون الأرض وورثوا ما ترك فرعون وهامان وملئوه من زينة وأموال وملك، فالقصة بكل دلالاتها وإن لم نجزم بأنها كمبدأ عام في القصص القرآني أنها عبرة وخبر، لكن في دلالاتها الخاصة لا تتكلم عن مهدي منتظر ولا وراثة لشخص محدد، وهذه الآية ليست في بني إسرائيل وحدهم في المبدأ فلفظها عام، وهذا الجعل لهم بأن يكونوا أئمة ووارثي الحكم والتمكين ليس على إطلاقه، بل مقيد في حدود زمانهم ومكانهم ما داموا مؤمنين، وهناك نصوص أيضا ينبغي أن تُفهَم كذلك، كقوله تعالى: “وأني فضلتكم على العالمين”، فالمقصود في عالم زمانهم وليس مطلقا، كما ورد أيضا في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: “يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم”، فقد كتبها الله تعالى لهم في زمانهم، وليس مطلقا، فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين.
#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)
Abbas_Ali_Al_Ali#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اللا زمن في الزمن ... ووهم الجنة والنار ح3
-
اللا زمن في الزمن ... ووهم الجنة والنار ح2
-
اللا زمن في الزمن ... ووهم الجنة والنار
-
تعطيل أعمال مجلس النواب وحله من خلال أستقالة رئيس مجلس النوا
...
-
المهدي الموعود فاضل مؤجل
-
الدين والمدينة الفاضلة واوهام المنقذ الجبار ح2
-
على سبيل الفرض والافتراض ح7
-
الدين والمدينة الفاضلة واوهام المنقذ الجبار
-
على سبيل الفرض والافتراض ح6
-
على سبيل الفرض والافتراض ح5
-
الموقف السياسي العرافي اليوم
-
رسالة إلى حامل الأختام المقدسة
-
غي خضم الوضع العراقي الراهن مواقف واراء
-
على سبيل الفرض والافتراض ح4
-
على سبيل الفرض والافتراض ح3
-
على سبيل الفرض والافتراض ح2
-
على سبيل الفرض والأفتراض
-
مذكرات ما قبل الرحيل ج 21
-
مذكرات ما قبل الرحيل ج 20
-
مذكرات ما قبل الرحيل ج 19
المزيد.....
-
حرس الثورة الاسلامية: اليمن سيوجّه ردّا قاسيا للصهاينة
-
“نحن أبناء الأرض”.. مسيحيو غزة يرفضون التهجير
-
مسيحيو غزة: باقون في الأرض رغم القصف والتهجير
-
رئيس الوكالة اليهودية يلغي زيارته لجنوب إفريقيا خشية اعتقاله
...
-
إسرائيل تمنح وسام الرئاسة لزعيم الطائفة الدرزية
-
خطط اسرائيلية غيرمعلنة حول مستقبل المسجد الاقصي
-
الدول الاسلامية وفقدان القرار السياسي لدعم غزة
-
بحماية شرطة الاحتلال.. عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقص
...
-
رئيس الوكالة اليهودية يلغي زيارة إلى جنوب أفريقيا خوفا من ال
...
-
رئيس الوكالة اليهودية يلغي زيارة لجنوب إفريقيا خشية اعتقاله
...
المزيد.....
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
-
نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية
/ د. لبيب سلطان
-
شهداء الحرف والكلمة في الإسلام
/ المستنير الحازمي
-
مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي
/ حميد زناز
-
العنف والحرية في الإسلام
/ محمد الهلالي وحنان قصبي
-
هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا
/ محمد حسين يونس
-
المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر
...
/ سامي الذيب
المزيد.....
|