أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - ما القواسم المشتركة بين سريلانكا وتونس ومصر؟ على هامش الدّستور الجديد في تونس 1















المزيد.....



ما القواسم المشتركة بين سريلانكا وتونس ومصر؟ على هامش الدّستور الجديد في تونس 1


الطاهر المعز

الحوار المتمدن-العدد: 7319 - 2022 / 7 / 24 - 22:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الجزء الأول
سريلانكا، من عدم الإنحياز إلى نظام التّبعية، باسم "الحياد"
يمتد عمر الإستعمار البرتغالي والهولندي والبريطاني لجزيرة سريلانكا ( "سِيلان" سابقًا) إلى أكثر من 450 سنة، بسبب موقعها وثرواتها وخصوبة أراضيها الزراعية، فهي تقع في مفترق طُرُق وممرّات بحرية، ضرورية للتجارة في آسيا والمُحيطَ الهادئ، واستخدمت الصين هذا الموقع كمحطة في طريق الحرير للتجارة مع إفريقيا وغربي ووسط آسيا وأوروبا، ولا تزال حركة النفط والحاويات تمر بالقُرْبِ من سواحل سريلانكا، ولذلك لم ينقطع اهتمام ونفوذ الصّين بها، وأنشأت الصين أحد أكبر الموانئ العالمية ( ميناء هامبانتوتا )، لكن الصّين تواجه منافسة الهند التي تعتبر سريلانكا فناءها الخَلْفِي، وتواجه منافسة الولايات المتحدة التي تحاول تحويل موانئ البلاد إلى قاعدة لأسطولها السابع وقيادة البحرية الأمريكية في آسيا...
نشرت وسائل الإعلام عددًا من التقارير عن مُظاهرات سريلانكا، وتميزت هذه التقارير بالسّطحية، لأن معظم المراسلين لم يذهبوا قَطُّ إلى جزيرة سريلانكا، بل كتبوا تقاريرهم من الهند، وتحادثوا بالهاتف مع بعض الأوروبيين والأمريكيين الذي يعملون بالعاصمة "كولومبو"، واعترف بعض مراسلي وكالات الأنباء العالمية إنهم يكتبون تعليقاتهم وتقاريرهم من مكاتبهم في "نيو دلهي"، بعيدًا عن موقع الحدث، انطلاقًا مما تنشُرهُ الصحف المحلية، باللغة الإنجليزية والتي تزعم إن الصين هي السبب في ارتفاع دُيُون سريلانكا وعجز الدّولة عن السّداد، وتتهم روسيا بالتواطؤ لأنها أرسلت شحنات نفط بسعر تفضيلي...
إن الأزمة الحالية هي نتيجة للخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحكومات الليبرالية في السنوات الأخيرة، ونتيجة للتدخل المباشر للولايات المتحدة وشركائها (الهند وأستراليا واليابان وبريطانيا) في شؤون البلاد، منذ ما لا يقل عن 15 سنة، بهدف استخدام سريلانكا كمنصة للعدوان على الصين.
تُفيد بيانات مؤشر البنك العالمي لسنة 2019 ، إن منظومة التعليم تُخرج مهنيين وتقنيين من مستوى عال، ويبلغ معدل الالتحاق بالمدارس 91% (من الأطفال الذين بلغوا سن الدّراسة)، ويبلغ معدل الإلمام بالقراءة والكتابة 92,3%، ومتوسط العمر المتوقع 77 عامًا، ويستفيد حوالي 80% من السّكّان من الرعاية الصحية ومن الطب التقليدي بالأعشاب التي تُنْتجها الجزيرة التي تحتوي على أراضي خصبة وموارد طبيعية هامة كالمياه، وعلى إنتاج بحري هام، وإنتاج غير وفير من النفط والغاز...
بنهاية سنة 2019، عاد غوتابايا راجاباكاسا (شقيق الرئيس السابق ماهيندا راجاباكسا ) إلى السلطة من خلال الدعم الشعبي الإستثنائي والتاريخي، وبقي نفس الحزب يتحكم بالسلطة، بدعم ومشاركة بعض اليسار في حكومته، من بينهم أعضاء الحركة التروتسكية والحزب الشيوعي والقوميين اليساريين، وسُرعان ما تراجع غوتابايا عن التزاماته ووعوده الإنتخابية، ورضخ لضغط الولايات المتحدة (التي تريد تحويل البلاد إلى قاعدة عسكرية لمراقبة ومُواجهة الصين) وللهند ولشروط صندوق النقد الدّولي، ومنها التخلي عن جزء كبير من الأراضي المملوكة للدولة لصالح الشركات متعددة الجنسيات، ولضغوط مُجمّع الصناعات العسكرية الأمريكية، وحكم غوتابايا البلاد مع عشيرته وأُسْرته التي بالغت في السرقة وإهمال شُؤُون المواطنين، وتمظْهَرت الأزمة في انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، وندرة الغاز المنزلي، وتوقف وسائل النقل بسبب ارتفاع سعر البنزين وندرة وجوده، وتقنين اللقاحات والأدوية... ورفض الرئيس وحكومته تعديل سياسة اقتصادية كانت موجهة بالكامل نحو الصادرات وليس نحو تنمية السوق الداخلية...
أدّت المظاهرات الشعبية في سريلانكا إلى فرار الرئيس " غوتابايا راجابكسا" إلى سنغافورة، حيث كان يودع المال العام المسروق (وكذلك في الإمارات ) على مَتْن طائرة سعودية، عندما اقتحم عشرات آلاف المتظاهرين مقرّه الرسمي يوم 09 تموز/يوليو 2022، ثم أرسل استقالته بواسطة البريد الإلكتروني، ليصبح رئيس البرلمان "رانيل ويكريميسينغه" رئيسًا بالنيابة إلى موعد انتخاب البرلمان رئيسًا جديدًا للبلاد، يوم الإربعاء 20 تموز/يوليو 2022، يتولى قيادة البلاد في الفترة المتبقية من ولاية "راجابكسا" الرئاسية، التي تنتهي في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
أعلن الرئيس بالنيابة تمديد حالة الطّوارئ (التي كانت مفروضة) والتي تسمح للرئيس "باتخاذ تدابير تلغي القوانين الموجودة لمواجهة أي اضطراب"، وتسمح "لقوات الأمن بتوقيف مشتبه بهم واحتجازهم"، ولم يجتمع أعضاء البرلمان للمصادقة على الإعلان، لكن الرئيس المُؤَقّت مَدّدها "لمصلحة الأمن العام"، وفق قوله، ما أدّى إلى تعزيز القبضة الأمنية
ينتمي الرئيس المؤقت "رانيل ويكريميسينغه" إلى حزب عشيرة الرئيس المخلوع "راجاباكسا"، وهو سياسي مُحَنّك، شغل منصب رئيس الوزراء ستّ مرات، ويدعمه حزب راجابكسا لتولي الرئاسة، ما يجعل انتفاضة الكادحين والفُقراء والفئات الوُسطى، التي دامت عدة أشهُر، تُسْفِرُ عن تغييرٍ شَكْلِي في أعلى هرم السّلطة، وبقاء النظام الفاسد الذي انتفضوا ضدّه، مثلما حصل في تونس ومصر، وبقاء الأزمة الاقتصادية والدّيون الخارجية التي بلغت 51 مليار دولارا (في بلد يعدّ 22 مليون نسمة)، وتخلفت الدّولة عن سداد أَقْسَاط الدّيون، منذ منتصف شهر نيسان/ابريل 2022، ولم تُسفر المفاوضات مع صندوق النقد الدّولي عن حل، وبدأت المظاهرات منذ نهاية سنة 2021، احتجاجًا على نقص المواد الأساسية والطاقة وارتفاع أسعارها، وأعلنت الحكومة إنها لا تستطيع توريد ما تحتاجه من وقود وغذاء وأدوية وغيرها، بسبب نقص حاد في العملات الأجنبية لتمويل واردات السّلع الأساسية.
كانت لأزمة وباء كوفيد 19 وانخفاض إيرادات السياحة وانخفاض تحويلات العمال المهاجرين السريلانكيين، آثارٌ مدمرة على موارد البلاد من العملات الأجنبية، مما زاد من ارتفاع الدّيون الخارجية، ومن انهيار العُمْلَة المحلّية (الروبية)، فارتفعت أسعار السلع الأساسية وخاصة المُستورَدَة، ومنها المواد الغذائية الأساسية والنفط والغاز، لتصبح الحياة اليومية للمواطن الكادح والأجير والفقير ومن ذوي الدّخل المتوسط، أكْثَرَ عُسْرًا، بينما ازداد حجم ثروات الأثرياء، وتوسّعت الهُوّة الطّبَقِيّة، ما أثار استياء وغضب القطاعات المحرومة من المجتمع، وما جعلها تتظاهر في الشوارع والسّاحات تنديدًا بالفساد والإفلات من العقاب، بالتوازي مع الإضرابات الضخمة في القطاع العام.
من جانبها خضعت الحكومة للإبتزاز الأمريكي، ورفضت الحصول على النفط الإيراني والرّوسي، بشروط مُيسّرة، لتلبية احتياجات البلاد من المحروقات، وانخرطت في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بتشجيع من الولايات المتحدة، مع اللجوء إلى تهديد وقمع المواطنين الغاضبين، وتمكّنت مراكز البحوث الليبرالية ومُنظّمات "نشر الدّيمقراطية" ك"المجتمع المفتوح" و "أوبتور" من اختراق حركة الإحتجاجات التي فاقت مُدّتها ستة أشهر، عبر بعض المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام، ومواقع الإتصال الإلكتروني الموصوف ب"الإجتماعي"، والتّركيز على عائلة "راجاباكسا" (وهي رمز الفساد بالفعل)، بدل التركيز على ضرورة تغيير منظومة الحكم، وتغيير المنظومة الإقتصادية، والإستثمار في القطاعات التي تنتج ما يحتاجه المجتمع.

فَرَّ الرئيس " غوتابايا راجابكسا" على مَتْن طائرة سعوديةن وخَلَفَهُن رئيس البرلمان "رانيل ويكريميسينغه"، وهو من نفس الحزب ومن نفس الطبقة ومن نفس المنظومة السياسية التي تحكم منذ حوالي خمسة عُقُود، وشغل منصب رئيس الوزراء مرات عديدة، وهو مُمثّل المصالح الأمريكية والبريطانية في البلاد، ومُدافع عن الإقتصاد الليبرالي، وعضو نشط في "جمعية مونت بيليرين"، الذي يُشارك في تمويله جورج سوروس، ومن بين أعضائه ميلتون فريدمان، وعندما أمَر الرئيس المؤقت بإطلاق النّار على المُتظاهرين، حظي بدعم سُكّان الأحياء "الرّاقية" بالعاصمة "كولومبو"، ودعم منظمات "غير حكومية" يمولها الوقف الأمريكي للديمقراطية (نيد)...
يعود سبب التركيز الأمريكي (والأطلسي) على سريلانكا لأسباب تاريخية، فقد كانت سريلانكا من مُؤسِّسي حركة عدم الإنحياز، واحتضنت أحد مؤتمراتها، سنة 1976، وحاولت حكوماتها، طيلة النّصف الثاني من القرن العشرين تطّبيق مبدأ الإستقلالية، فأبطَلت العمل باتفاق أمني مع بريطانيا، التي كانت تستعمر البلاد، حتى سنة 1948، واسترجعت سنة 1957 قاعدَتَيْن عسكَرِيّتَيْن، وتخلّصت، خلال الفترة 1957 - 1961 من التّبعية تجاه القوة الإستعمارية السابقة، وأدّت الرغبة في الإستقلال السياسي والإقتصادي إلى تطوير الإقتصاد وترسيخ "الوحدة الوطنية"، خلال عِقْدَيْ الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وتجاوز حقبة الحرب الباردة بأخفّ الأضرار...
عندما كان نظام سريلانكا يتبنى سياسات عدم الإنحياز، كان القطاع العام متطورًا (تمت خصخصته فيما بعد) وخفّت حدة الخلافات الإثنية مقابل زيادة الشّعور الوطني، واستقبلت الحكومة، بعد اعترافها بحكومة الثورة الكوبية مُبَكِّرًا، "إرنستو تشي غيفارا"، الذي زَرَعَ في العاصمة كولومبو، في تموز/يوليو 1959، "شجرة الصداقة" التي لا تزال تحظى بالرعاية، ووقّع تشي غيفارا، نيابة عن الحكومة الكوبية أول اتفاقية تجارية بين البلدين (السكر الكوبي مقابل المطاطالسريلانكي)، ودعمت سريلانكا القضية الفلسطينية، قبل أن يتخاذل قادة منظمة التحرير ويوقّعوا مفاهمات أوسلو...
لم تَتَخَلَّ الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها عن السيطرة على جزيرة سريلانكا وموقعها الإستراتيجي، وساهمت في زعزعة استقرارها عبر التمويل المشبوه لمنظمات "غير حكومية" محلية، هي في الحقيقة فُرُوع أو وكالات للوكالة الأمريكية للتعاون الدولي (يو إس إيد) أو "المجتمع المفتوح" أو "نيد" أو غيرها...
بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وإعلان الولايات المتحدة "نهاية التاريخ"، أي الإنتصار النهائي للرأسمالية النيوليبرالية، تغيرت سياسات سريلانكا، تماشيًا مع تطورات الوضع العالمي، وتغيرت السياسة الخارجية لتتزايد الضغوطات من الولايات المتحدة واليابان والهند والصّين، وارتفعت الدّيون الخارجية للبلاد، وبلغت ذروتها خلال فترة رئاسة عندما "غوتابايا راجاباكسا" الذي أصبح رئيسا، سنة 2019 (وهو شقيق الرئيس السابق ورئيس الوزراء فيما بعدُ "ماهيندا راجاباكسا" ) وأعلن استبدال مبدأ عدم الإنحياز، وهو مفهوم سياسي مُناهض للإستعمار، ب"الحياد"، وهو مفهوم غامض، طورته بلدان أوروبية مثل سويسرا وفنلندا والسويد وغيرها من البلدان الرأسمالية المتطورة التي كانت دائمًا مُنحازة للإمبريالية ولحلف شمال الأطلسي، وبدأت الصين تستثمر في سريلانكا، ضمن مشروع الحزام والطريق الذي يهدف فكّ الطوق الذي أعلنه باراك أوباما وهيلاري كلينتون، سنة 2012، ووقعت حكومة سريلانكا، سنة 2014، عقد إيجار طويل المدى تُوسّعُ، وتستغل بمقتضاه الصين أهم موانئ البلاد، ونالت الهند حصّتها من ثروات البلاد، عبر الإستثمار في مشاريع البنى التحتية، واشتركت مع اليابان في مشاريع أخرى...
تزامنت زيادة الإستثمارات الخارجية الأجنبية مع تدهور الوضع الإقتصادي والمعيشي لمعظم المواطنين، ومع ارتفاع حجم الدّيُون الخارجية، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات ضد سياسات عائلة "راجاباكسا"، وعم الإستياء صغار الفلاحين بعد حَظْر الحكومة استخدام الأسمدة التقليدية، وفًرْض استخدام الأسمدة الكيماوية الصناعية، مما أدى إلى انهيار المحاصيل الفلاحية وإفلاس صغار الفلاحين، واغتنام الشركات التجارية الفرصة للسيطرة على الأراضي الخصبة واستغلالها لزراعة إنتاج مُعَدّ للتصدير، بينما أصبحت سريلانكا تستورد حوالي ثلث حاجيات البلاد من الأرز، بعدما كانت دولة مُصدِّرة...

فقد النظام السياسي الذي سيطرت عليه عشيرة "راجاباكسا" مصداقيته لدى أغلبية الشعب، لكن الإمبريالية الأمريكية (ومنظماتها العديدة) بالمرصاد لتغيير الشّكل دون تغيير الجوهر، كما حصل في بنغلادش القريبة، وكما حصل في تونس ومصر، سنة 2011، فيما يترصّد حزب "باهارتيا جاناتا" اليميني المتطرف والحاكم في الهند الفرصة للتدخّل العسكري في سريلانكا، بدعوى استعادة الأمن والنظام، كما حصل سنة 1987، وادعى الفرع السريلانكي لحزب بهاراتيا جاناتا إن سريلانكا مُقاطعة هندية، وجب استعادتها، لكن للصين مصالحها ومشاريعها الضخمة في سريلانكا، ولن تُغامر الولايات المتحدة أو استراليا أو اليابان باتخاذ خطوات قد تؤدّي إلى حرب مع الصين التي تُمثل ديونها حوالي 10% من إجمالي قيمة ديون سريلانكا الخارجية، واستُخدِمَت الدّيون الصينية في تطوير البنية التحتية (الموانئ والمطارات والطرقات ومحطات الكهرباء) ضمن خطة "الحزام والطّريق"، وتعهّدت الصين "بمواصلة تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والمالي لسريلانكا"، وكعادتها تدعو حكومة الصين إلى إرساء نظام عالمي متعدد الأقطاب (في مقابل القطب الواحد تحت الهيمنة الأمريكية)، واحترام سيادة الدّول وعدم التدخل في شؤونها الدّاخلية...
لكن كل الدّول تُدافع عن مصالحها، ولن يُدافع أحد عن مصالح الشعوب والكادحين والفُقراء، سوى المعنيون أنفسهم.

الجزء الثاني
تونس، ما أشْبَهَ اليومَ بالبارحة
دفعت الأحداث جزيرة "سريلانكا" إلى صدارة نشرات الأخبار، بعدما انهارت إيرادات السياحة وتحويلات العمال السريلانكيين المهاجرين، منذ سنة 2019، ثم تعطلت الرحلات الدّولية، خلال انتشار جائحة "كوفيد – 19" وأدّت حرب أوكرانيا إلى توقف حركة السياحة من أوكرانيا وروسيا، وتوقفت واردات الأدوية والطّاقة والحبوب التي ارتفعت أسعارُها، في ظل نفاد احتياطيات العملات الأجنبية، ما أدّى إلى توقف الدّولة عن سداد الدّيُون، وهو ما يمكن أن يحصل في تونس وفي مصر، حيث أدّت انتفاضات 2011 إلى تغيير رأس النظام، وبقاء منظومة التّبَعِيّة والفساد على حالها، بل توسّعت رُقعتها لتشمل فئات جديدة، من البرجوازية المُتَدَثِّرَة بالدّين ومن الفئات الوُسطى...
كانت تونس، منذ القِدَم (حوالي ثلاثة آلاف سنة)، بلادًا زراعية، لكن انخفض حجم الإنتاج الزراعي المَحلِّي تدريجيًّا وكاد الإنتاج التقليدي يندثر، وهيمنت الشركات على الأراضي الزراعية وعلى الموارد الطبيعية والمياه، وفَرَضت استخدام البُذور المُعدّلة وراثيا والسماد الصناعي بتواطؤ من الدّولة التي سمحت في ظل حكومات الإخوان المسلمين بِبَيْع الأراضي الصالحة للزراعة إلى الشركات الأجنبية، وأصبح الإنتاج مُعدًّا للمُستهلكين الأوروبيين، بينما تستورد تونس القمح والحليب والبيض واللُّحُوم من أوروبا ومن الأرجنتين وغيرها، تطبيقًا ل"توصيات" (شُرُوط) الدّائنين، وفي مقدّمتهم صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي.
تقع تونس، في ممَرّ استراتيجي على البحر الأبيض المتوسط، بين إفريقيا وأوروبا، ما جعلها عُرْضَةً لغزوات متكررة (وإن لم تكن الحُدُود الحالية ثابتة بل هي من صُنْع الإستعمار الفرنسي) منذ ثلاثة آلاف سنة، واستعمرتها فرنسا بشكل مُباشر في عصر تطور الرأسمالية نحو الإمبريالية، وبقيت تحت الهيمنة الإمبريالية، في عصر "الإستعمار الجديد"، الإستعمار "عن بُعْد"، الذي لا يتطلّب بالضّرورة احتلالاً عسكريا مُباشرًا، وترافقت هذه الحقبة مع نهب الثروات من قِبَل الشركات العابرة للقارات، ومع ارتفاع الدّيُون الخارجية، وخُرُوج الإقتصاد عن سيطرة الدّولة التي لا يتعدّى دورُها حماية المصالح الأجنبية، مقابل بعض الفُتات، أو الفَضَلات.
لم يُعَمِّر دستور 2014 (الذي تَطَلّب سنَتَيْن من النقاشات والمُساومات) أكثر من سبع سنوات، قبل أن يُعلّق قَيْس سعيّد العمل به ويقترح دستورًا جديدًا، يوم 25 تموز/يوليو 2022، في ذكرى عيد الجمهورية وذكرى اغتيال محمد برَاهْمِي (2013) وذكرى إعلان قَيْس سعَيِّد ( 25/07/2021) تعليق عمل المؤسسات (حكومة وبرلمان ) ويتزامن تاريخ تنظيم الإستفتاء على هذا الدّستور الجديد، مع تنظيم "قصر الآداب والفُنون" بضاحية "قصر السعيد" (غربي تونس) معرضًا عن بعض جوانب حُكم البايات (جمع باي، وهو مُمثل الإحتلال التركي ) الذي أفضى إلى الإستعمار الفرنسي المُباشر، بسبب ارتفاع حجم الدّيُون الخارجية، حيث سَدّد الشعب التونسي، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ثمنًا باهظا للتّدايُن الخارجي، حيث أدّى تراكم الدّيون التي لم يستفد منها الشعب، إلى الإستعمار المُباشر سنة 1881.
حل موعد الإستفتاء على الدّستور في الذّكرى الأولى لاستيلاء قيس سعَيِّد على السّلطة، مدعومًا بأجهزة الدّولة التي تضايقت من حُكم الإئتلاف الذي قاده الإخوان المسلمون طيلة عشر سنوات، كما استغل قَيْس سعيد، الذي انتُخِبَ رئيسًا، سنة 2019، الإستياء الشعبي من فساد الإخوان المسلمين وحُلفائهم من دساترة ورجال أعمال، وصادفت هذه الذّكرى الأولى (25 تموز/يوليو 2021 – 2022) موسم حصاد الحبوب الذي كان هزيلاً، بسبب الجفاف، في ظل ارتفاع أسعار الحبوب والزيوت النباتية، على خلفية الحرب في أوكرانيأ وفي ظل ضُغُوط الدّائنين (وفي مقدّمتهم صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي) لإلغاء دعم أسعار استهلاك الطاقة والسلع الغذائية، وغياب التخطيط لتحقيق السيادة الغذائية، من خلال دعم الإنتاج المحلي.
أدّى الخلاف حول الدّستور إلى إهمال النقاش حول الظروف المعيشية لأغلبية المواطنين، وارتفاع أسعار السّلع الأساسية، وعجز خزينة الدّولة عن تسديد أقساط الدّيون الخارجية، وعن تسديد ثمن الواردات من الحُبُوب والزّيُوت، ما جعل السُّفُن الأجنبية تمتنع عن تفريغ شحناتها من السلع الغذائية، وفق صحيفة "لوطون" ( Le Temps ) 21/07/2022.
استحوذ موضوع الإستفتاء على النّقاش بين الأحزاب والمنظمات السياسية، لكنه لم يحز اهتمام فئات الكادحين والفُقراء، الذين يتفاعلون مع الأحداث وفق درجة اتّساقها مع هُمومهم الحياتية اليومية، ولذلك لم يتوقّع أي طرف، سواء من المُعارضين أو من الدّاعمين للرئيس قيس سعَيِّد ودستورِهِ، مشاركة كثيفة في الإستفتاء...
دعت منظمات وأحزاب مختلفة، من الإسلام السياسي (النهضة) إلى زعامات يسارية (حزب العُمّال)، مُرُورًا بالتيارات الليبرالية ( الحزب الجمهوري وحزب التيار الديمقراطي وغيرهما) والدّساترة (المُدافعين عن بورقيبة وبن علي) إلى مُعارضة نص الدّستور الجديد، بذريعة رفض عودة الدّكتاتورية بنسختها التي جسّدها بورقيبة وبن علي، فيما دعت أخرى (العديد من منظمات "التيارات الوطنية الدّيمقراطية، وجزء من التيارات القومية...) إلى الموافقة، بذريعة التّخلُّص من الإخوان المسلمين ومن منظومة الفساد، فانحصر النقاش بين "نعم" أو "لا"، وتظاهر كل فريق، فاستخدمت الشرطة وسائل القمع "الإعتيادية" لتفريق تجمّعات المُعارضين (الذين تمكّن اليمين المتطرف من قيادة معظمهم، فيما رَفَضَت أقلّية التحالف مع الإخوان) كالغاز المسيّل للدموع والعصيّ ورذاذ الفلفل، والإعتقالات، خصوصًا بعد محاولة مجموعة من المتظاهرين اختراق الحواجز الأمنية، قريبًا من وزارة الدّاخلية، وفق برقيات وكالة الصحافة الفرنسية 22- تموز/يوليو 2022...

الديون بين الماضي والحاضر
كانت ولايةُ تونس العثمانيّة تتمتَّع بهامشٍ واسعٍ من الاستقلاليَّة قبل سيطرةِ فرنسا عليها عام 1881 وتحويلها إلى محمِيّة. كان "الباب العالي" ( مَقَرّ السّلطان العثماني في إسطنبول) يُطالب "الباي" (الحاكم المَحَلِّي) بقدر من المال يجْبِيه من المواطنين (الضّرائب) وبعدد من الشُّبّان يتم تجنيدهم للقتال ضمن حُرُوب الدّولة العُثمانية، وفق كتاب "أتحاف أهل الزمان..." أحمد ابن أبي الضّياف ( 1803 – 1874).
كان الانتاجُ الزراعيُّ يؤمّن الحاجيات الغذائية للسّكّان، ولم تكن للحاكمين (البايات) طموحات أخرى غير العيش ببذخ، وبأقل قدر من الإحتجاجات، باستثناء بعض الإصلاحيين الذين أرادوا تطوير الشّكل (القُصُور والمباني والبُنية التحتية) بدل الإستثمار في تطوير الإنتاج الزراعي والصناعات التحويلية، ومن ضمن هؤلاء كان محمد الصادق باي الذي أصبح حاكمًا لتونس سنة 1859، الذي خضع لتأثير المصرفيين (إثر تراكُم فائض من السُّيُولة النّقدية لدى المصارف الأوروبية) والحُكّام الأوروبيين، فَآمن بتطوير مظهر البلاد، من خلال الإقتراض، وبذلك أصبحت تونس تَسْتَدِينُ من الخارج، بدايةً من سنة 1863، بشروطٍ شبيهة بالشروط الحالية لصندوق النقد الدّولي، ولما عَجَزت الحكومة عن تسديد مبلغ القرض الأول الذي ارتفع من ثلاثين مليون فرنك فرنسي، وهي قيمة السّندات، إلى أكثر من 65 مليون فرنك، بفعل الفائدة المرتفعة وعملية الإحتيال، وبداية من سنة 1869، أصبحت "لجنة مالية دولية" (كما صندوق النقد الدّولي حاليا) تُشرف على إدارة الشّؤُون المالية للبلاد، فارتفعت دُيُون الدّولة إلى 125 مليون فرنك، وأرسلت فرنسا جُيُوشَها لإحتلال البلاد بشكل مُباشر، سنة 1881، بعد 18 سنة من أول قَرض أجنبي، وبعد 51 سنة من احتلال الجزائر (سنة 1830)، كما احتلت بريطانيا مصر سنة 1882، بنفس الطّريقة، وكانت حكومة تونس (أو مصر) تُسدّد القُروض القديمة بواسطة قُروض جديدة، بشروط أكثر إجْحافًا، تمامًا كما يحصل اليوم، وقرَّر الباي تحميل الشعب عِبْء الدّيون، لترتفع الضّرائب والرُّسُوم بنسبة 100%، ما أدّى إلى انتفاضات مُسلّحة، بداية من سنة 1864، حيث اتَّهمَ قادةُ الإنتفاضةِ حُكومة الباي ب "بيعِ تونس وجعلها تحت سيطرة المَصارف الفرنسية الدّائنة"، وبعد ثلاث سنوات (سنة 1867) عاش المواطنون مجاعةً بسبب نقص المحاصيل الزراعية، وتصدير المحاصيل الزراعية الشّحيحة إلى الخارج، للحصول على العملات الأجنبية، ما أدّى إلى انتشار وباء الكوليرا، في حين كان الأثرياء ورجالاتِ السلطةِ يستفيدون من عملية "إعادة هيكلة الإقتصاد" التي أشرفت عليها أهم المصارف الفرنسية، خصوصًا بعد اتفاق القوى الإمبريالية المُشاركة في مُؤتمر برلين (فرنسا وبريطانيا وألمانيا ) سنة 1878 على تقاسم إفريقيا وغربي آسيا، وتم تكريس احتلال تونس يوم 12 أيار/مايو 1881، لتصبح تونس "تحت الوصاية" (الحِماية) الفرنسية... إنه مُجَرّد تذكير بما وصلته البلاد، بسبب الدُّيُون الخارجية التي ارتفعت حاليا لِتَبْلُغَ مستوى مُخيفًا، بعد أكثر من 140 سنة عن الإحتلال العسكري المباشر، ولئن تغيّرت أساليب الهيمنة لِتُصبح أقل تكلفة من الإحتلال المباشر، فإن ماهيّتها وأهدافها لم تتغير، وإنما وقع تَكْيِيفُها مع العصر.
نهب باسم الديمقراطية
تغيرت الحكومات، منذ 2011، ولم تتغير البرامج والخُطط الإقتصادية، ولم تُطْرح قضية الدّيُون والمصاعب الإقتصادية والمالية للنقاش داخل المجتمع، لكي تتجنب الحكومات وأغلبية نواب البرلمان (الإخوان المسلمون والدّساترة بمختلف فُرُوعهم ) الإجابة على تساؤلات عديدة، منها كيفية استخدام هذه الدّيُون، وما هي حصّة الإستثمار العام منها، ومنذ بضعة سنوات، أصبح بعض الباحثين والصحافيين من الشّباب يُقارنون الوضع المالي الحالي لتونس (أو مصر )، بالوضع خلال النّصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث أدّى ارتفاع قيمة الدّيُون الخارجية إلى استعمار تونس من قِبَل فرنسا سنة 1881 واستعمار مصر من قِبَلِ بريطانيا، سنة 1882، وكانت قيمة "خدمة الدَّيْن" قد تجاوزت إيرادات الدّولة من الضّرائب، ولم يكن صندوق النقد الدّولي موجودًا، قبل سنة 1944، لكن طريقة العَمل لم تتغير جوهريا، حيث كانت الدّول الإستعمارية تُعيِّنُ لجنةٌ ماليّةٌ دَوليّةٌ تُشرف على "إعادةِ تنظيمِ الماليّةِ"، من خلال تأمين جِبايةِ الضَّرائبَ وتطبيقِ "إصلاحاتِ" شبيهة بما يفرضه صندوق النقد الدّولي حاليا، بإشراف نفس القُوى الإمبريالية...
تضاعفت قيمة الدّيْن العام بين أواخر سنة الإنتفاضة ( 2010 ) ونهاية سنة 2021، وتَصِفُ الحُكومات المتتالية الدّائنين ( صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي واليابان وقَطَر والمصرف الإفريقي للإستثمار والتنمية...) "أصدقاء تونس"، وكأن الدُّيُون "صَدَقَة" أو "زكاة" أو تبرّعات مجانية - وليس من باب الصُّدَف أن ترِدَ عبارة "الصّداقة" في نُصُوص مُعاهدَتَيْ الوصاية الفرنسية، معاهدة باردو (20 آذار/مارس 1881) واتفاقية المرسى، بعد سنَتَيْن (1883) - فالتأمت، منذ 2011، العديد من المؤتمرات (المُكلفة)، جمعت من تم اعتبارهم خَطَأً "أصدقاء تونس"، للإستثمار في البلاد، ووَعَدت الدّول الإمبريالية "مُساعدة الدّيمقراطية النّاشئة" للخروج من الأزمة الإقتصادية، وما إلى ذلك من خُطَب تعكس في جوهرها تبعية اقتصاد البلاد لرأس المال الأجنبي وللإستعمار الجديد الذي يُمثِّلُهُ صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، فيما يعاني الجُزء الأكبر من الشعب التونسي (وكذلك الشعب المصري) تبعات الشّروط المُرافقة للقُروض الأجنبية التي ارتبطت بفقدان السّيادة، وبالإستعمار.
اتّسم الإقتصاد التونسي، قبل سنة 2010 وبعدها، بإهمال الإنتاج الفلاحي المُوجّه للسوق الدّاخلية (بأمْر من الدّائنين) وتوجيه الموارد نحو إنتاج ما تحتاجه الأسواق الأوروبية، واتّسَم بتبعيته لرأس المال الأجنبي الذي انحصرت استثماراته في استخراج النفط والغاز وفي بعض الصناعات ذات القيمة الزائدة المُتَدَنِّيَة (النسيج والجلد والإلكترونيك وتركيب قطع الميكانيك...) في المُدُن السّاحلية القريبة من الموانئ، وإهمال المناطق الغربية والجنوبية، حيث ارتفاع نِسَب الفقر والبطالة، ما يُفَسِّرُ انطلاق انتفاضة 2010/2011 من هذه المناطق، لكن نسبَةَ الدّيْن العام كانت تُعادل نسبة 40% من الناتج المحَلِّي الإجمالي، ولم تولي الحكومات المتلاحقة، التي هيمن عليها الإخوان المُسلمون، أهمّيّةً تُذْكَر لمُجْمَل المشاغل التي عَبَّرَ عنها المُنتَفِضُون، بل برع قادة الإخوان المسلمين في تجديد أساليب النّهب، وتحالفوا مع شقّ من النظام السابق، و"تصالحوا" مع اللُّصُوص وناهِبِي المال العام، واقتسموا معهم "الغنيمة" (موارد البلاد) باسم التّعويض على ما فاتهم، خلال فترة حُكم زين العابدين بن علي، وكان هذا التحالف ضدّ الفُقراء الذين انتفَضُوا من المناطق المحرومة، وأدّى النّهب إلى ارتفاع نسبة عجز الميزانية، فتوجّهت سلطات تحالف الإخوان مع الدّساترة (ورموزه الباجي قائد السبسي وفؤاد المبزّع...) إلى الإقتراض الخارجي (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، بنك التنمية الإفريقي، الاتحاد الأوروبي، الخ )، وإلى الأسواق المالية الدّوْلِية، منذ سنة 2012، وتزايدت قيمة الدين الخارجي سنوياً بنسبة 16,84 %، ولم يتم استخدام هذه المبالغ في الإستثمار المُنتج، لأن شُرُوط الدّائنين تمنع ذلك، بل في سدّ عجز ميزانية الدّولة، وتسديد حصص القُروض السابقة التي حان أجل سدادها، وأدّت شُرُوط الدّائنين إلى تغيير بعض التّشريعات بشأن "المُنافسة الحُرّة" (باسم الشراكة بين القطاعَيْن العام والخاص) ومُشاركة الشركات الأجنبية في المُناقصات العامة، وقوانين الإستثمار، كشراء الشركات الأجنبية الأراضي الصالحة للزراعة، وقد يتلاشى هامش الإستقلالية تمامًا عند توقيع اتفاقيات الشراكة الشاملة مع الإتحاد الأوروبي...
الوضع بعد 25 تموز/يوليو 2021
أصدر الرئيس قيس سعيد، في العشرين من آذار/مارس 2022، مجموعة "مراسيم تشريعية" (في غياب البرلمان الذي يُمثّل السلطة التشريعية ) بخصوص آليات "الصّلح الجزائي" واستخدام عائداته لإنشاء "المُؤسّسات الأهلية"، ويتمثل جوهرها في مواصلة تشجيع نهب المال العام، من خلال منح العفو تلو الآخر (منذ 2012) لرجال الأعمال اللّصوص والمتهرّبين من تسديد الضرائب، ومُهَرِّبي المال العام، وتم إنشاء هيئة (اللجنة الوطنية للصلح الجزائي ) بإشراف الرئيس قيس سعيد الذي يُعيّن أعضاءها، لتقوم اللجنة وفُرُوعها بجمع وتحليل مقترحات المشاريع وتنفيذها ضمن "الشّركات الأهلية" التي يُفْتَرَضُ أن يتم تمويلها من المال المُتأتِّي من "المُصالحة"، لتُنْجِزَ بعض مشاريع التنمية المحلية، تحت إشراف الوالي (المُحافظ)، أي بعيدًا عن "سُلْطة الشّعب" التي يدّعي قيس سعيد إرساءَ أُسُسِها، بالتوازي مع المُفاوضات الجارية بين الحكومة وصندوق النقد الدّولي بهدف الحُصُول على قرض جديد بقيمة أربعة مليارات دولار، ويتناقض خطاب قيس سعيد حول السيادة مع ما ورَد في ميزانية 2022، من خُضُوعٍ لشروط الدّائنين، بل تطبيق شُرُوط صندوق النقد الدّولي بشكل استباقي، قبل الحصول على القَرْض، ضمن ما سُمِّيَ "إصلاحات"، منها تخفيض حجم رواتب موظفي القطاع العام، بالتوازي مع خفض الضريبة على أرباح الشركات، وخصخصة ما تبقى من القطاع العام، وخفض أو إلغاء الدعم عن السلع الأساسية، وعن المحروقات، منذ منتصف شهر نيسان/ابريل 2022، ولا يوجد أي أَثَر في ميزانية 2022 للإستثمار في القطاعات المنتجة، بغرض تشجيع الإنتاج المحلي، كما ادّعى قيس سعيد...
لا يمكن اختزال مشاكل المواطنين والبلاد ومطالب المنتفِضِين ( 2010/2011 ) والإكتفاء بمقاربة مُؤسّساتية تتمثل في إقرار دستور جديد، سُوِّيَ على عَجَل، لأن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للأغلبية السّاحقة من المُواطنين هي التي جعلت المواطنين يُواجهون قوات الجيش والشّرطة في شوارع سيدي بوزيد والقصرين وبنقرادان وسليانة، وفي ساحة القصبة بتونس وغيرها، ولذلك فإن الفَشَل سوف يُرافق أي نظام لا يستجيب لمطالب الكادحين والفُقراء والفئات المحرومة...
لهذه الأسباب، أختلف مع العديد من رفاقي من مجموعات اليسار الإشتراكي، الذين يدعمون قيس سعيد، ويُشاركون في حملته التي تختزل مشاغل الكادحين في عَرْض دستور جديد، مُبَرِّرِين ذلك بفساد الإخوان المسلمين وائتلافهم، خلال عقد كامل، وهو فساد مُؤَكّد لأن الإخوان المسلمين ينتمون عقائديا إلى الفكر السائد، ويُمجّدون المِلْكِية الفردية والإستغلال، ولا أتفق مع اختزال النقاش وطرح سؤال "هل أنت مع أم ضد" هذا الدّستور، لأنني أعتبر أن مكان العمل والسكن والشوارع والسّاحات، هي المكان الطبيعي لليسار الثوري (الإشتراكي والشيوعي) لكي يتمكّن من مُراكمة التجارب والدّروس ومن التّأثير في مسار الصراع الطبقي وفي حركة التّاريخ، وإقرار برنامج ثوري وبُنية تنظيمية وسياسية، من أجل نشر ثقافة اشتراكية، تعمل على مجتمع مُؤَسَّسِ على مَشْرَكَة وسائل الإنتاج وإعادة توزيع الثروات، وليس من خلال الإصطفاف وراء "مُنْقِذٍ" ينتمي إلى شريحة طبقية تستجدي صندوق النقد الدولي وتنفذ شروطه قبل موافقة الدّائنين على القُرُوض...



#الطاهر_المعز (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من أهداف زيارة بايدن للخليج
- تونس السابقة وسريلانكا اللاّحقة
- السياحة، انعكاس العلاقات غير المتكافئة
- كوبا - رغم الحصار
- الجزائر - على هامش الذّكرى الستين للإستقلال
- خمسة عُقود على اغتيال غسّان كنفاني
- في ذكرى السّتّين لاستقلال الجزائر
- قَطَر، مُنْتِجَة الرّوائح الكريهة
- السّعودية- مُبرّرات مُقاطعة الحج والعُمرة
- من أزمة إلى أخرى 2008 - 2022
- المغرب - الهجرة غير النّظامية والقُنْب مَوَارِد ربْح
- كولومبيا، ما وراء الإنتخابات
- بغداد بين احتلال المَغُول والإحتلال الأمريكي
- الدّور الوظيفي للنظام المغربي
- هوامش من الإنتخابات التشريعية الفرنسية
- الحرب أداة لحل أزَمات رأس المال
- موضوعات اقتصادية
- جَبْهَة الغاز في حرب أوكرانيا - تثبيت الهيمنة الصّهيونية في ...
- محاولة تبسيط بعض مفاهيم الإقتصاد السياسي
- موضوعات اقتصادية - الإقتصاد الموازي


المزيد.....




- الخارجية الروسية ترد على بيان ألمانيا وبولندا بشأن تعويضات أ ...
- الكوليرا في إدلب: تخوف من انتشار واسع للمرض في المخيمات في س ...
- إعادة تعيين الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح رئيسا للوزراء? ?في ...
- نوبل الكيمياء مناصفةً للأميركية كارولين بيرتوتزي والدنماركي ...
- -أنا صهيونية كبيرة وداعمة كبيرة لإسرائيل-.. رئيسة وزراء بريط ...
- ما علاقة مصابيح -الليد- البيضاء والنوم الهانئ؟
- اتفاق أوروبي على فرض حزمة عقوبات ثامنة على روسيا
- الأمين العام د. سعيد ذياب: “الجهاد الإسلامي” شكلت إضافة نوعي ...
- صور توثق الأضرار التي لحقت بمحطة زابوروجيه النووية نتيجة الق ...
- انتقادات تحاصر اتفاق أنقرة وطرابلس للتنقيب


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - ما القواسم المشتركة بين سريلانكا وتونس ومصر؟ على هامش الدّستور الجديد في تونس 1