أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الضمير… القطّةُ التي كسرت عنقي!














المزيد.....

الضمير… القطّةُ التي كسرت عنقي!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 7305 - 2022 / 7 / 10 - 11:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الضميرُ هو المايسترو الأعلى الذي يقود أوركسترا سلوك الإنسان، وينظِّم خطواتِه، فتخرج الجملةُ الموسيقية متناسقةً متناغمة، لا نشاز يفسدها. فإن غاب الضميرُ ظهرت الحوشيةُ والغلاظة والنشازُ الأخلاقي، وهنا يأتي دور "القانون" ليُصلحَ المعادلة. فالقانونُ هو حافظُ  الحدّ الأدنى من الأخلاق، بينما "الضميرُ" هو ضامنُ حدّه الأعلى. دعوني أحكي لكم قصة أغرب من الخيال، حدثت معي أيام الجامعة، تشرحُ فلسفةَ "الضمير" وكيف يعملُ داخلنا.
كنتُ في سنة أولى بقسم العمارة/ هندسة عين شمس، وتحديدًا في محاضرة "الإنشاء Building"، حين اكتشفتُ أنني فقدتُ السيطرة على عنقي. رأسي يدور نحو اليسار دون إرادة مني! أُعيده للأمام لأنظر إلى المُحاضِر د. "هشام الألفي"، فيدور رأسي من جديد!أجبره على الثبات بوضع يدي تحت ذقني. وبمجرد أن أستعمل يدي في الكتابة بكشكول المحاضرات، يغافلني رأسي ويدور. لاحظ د. هشام هذا الشغب ونظر لي بِحدّه؛ فأنا أجلس في الصفّ الأول. أطرقتُ بعيني خجلا، وأمسكتُ رأسي، وكلما أفلتُّه، دار دورتَه فيضحكُ الطلابُ، ثم تحول الضحكُ إلى حنق حين بدا أنني أودُّ تخريب الدرس وإشاعة الفوضى. عدتُ إلى البيت في حال يُرثى لها من الخجل والحيرة مما أصابني من سخف عنقي العنيد! بكيتُ لأمي وأخبرتُها أنني لن أذهب للجامعة بعد اليوم. فلا طاقة لي بيوم عسِر آخر بعنق جُنَّ وأصابه الخبل.
دارت بي أمي دورة واسعة على الأطباء من جميع التخصصات. بدأنا بالعظام، ثم الأوعية الدموية، ثم الأعصاب، ثم الأوردة، ثم الروماتويد. الجميع يؤكد أن كلَّ شيء على ما يرام، والأغربُ أنني لا أشعرُ بأي ألم في عنقي، لكنني فقدت السيطرة عليه. أشارت مربيتي على أمي أن تذهب بي إلى المشايخ ربما "جّن لبسني"! فأخذتني أمي إلى أ.د. "عادل صادق"، أستاذ الطبّ النفسي الشهير، رحمة الله.
جلستُ أمامه صامتةً والخجل يُدثّرني. هو أحدُ الذين أحببتهم وقرأتُ تحليلاتهم النفسية بشغفٍ، ولم أتصور أن أزوره، لا لأعبّر له عن حبي، بل لأجلس أمامه مهزومةً، دون قدرة على النظر إليه، بل إلى يسار غرفة الكشف، حيث لوحة سوريالية لحصان يركض. جلس إلى يساري حيث موضع عنقي "الملووح"، وراح يلاطفني ويمازحني، حتى اطمئننتُ وراح يدردش معي في أمور عامة حول الطقس والثقافة والأدب وذكريات طفولتي وحياتي بالجامعة، وعن الحيوانات الأليفة التي أُربيّها وذكرياتي معها. هنا تذكّرتُ واقعةً وقعت قبل عدة شهور، فقصصتُها؛ وما كنت أدري أن في مجرد تذكّرها "علاجي”.
كنتُ عائدةً من الكلية، وما أن اقتربتُ لأضع مفتاحي في باب الشقة حتى شعرتُ بأن قدمي اليسرى تدوس على شيء ليّن، أعقب ذلك مواءٌ حادّ وهرجٌ وتقافز قطط. أشعلتُ نور السلم لأجد قطّة أم تُرضعُ أطفالها، ودون قصد مني، دهستُ إحدى القطط الوليدة. حملتُ القطةَ المُصابة ففوجئتُ أن عنقها قد التوى. ركضتُ بها إلى عيادة الطبيب البيطري في العمارة المواجهة “د. اسطفانوس"، وقدمت له ضحيتي وأنا أصرخ باكيةً: (انقذْها يا أنكل من فضلك!) فهدّأني وطمأنني وربط لها جبيرة صغيرة حول عنقها النحيل، واستضفتُها مع أمّها وأشقائها في بيتي حتى شُفيت تمامًا، وكبرت القطيطة وصارت تملأ الدنيا مواءً وتنطيطًا وشقاوة. ونسيتُ الأمرَ.
نسيتُ الأمرَ "بعقلي الواعي"، لكن "عقلي الباطن" لم ينسها. هذا ما أخبرني به د. "عادل صادق”. ظلّ مشهدُ القطة الوليدة ملوية العنق يؤرق عقلي الباطن subconscious mind ويعذّبه ويرميه بالتهم. فلم يجد عقلي الباطن حلاًّ سوى "القصاص" بنفس جنس الجريمة. فأصدر أوامره لعنقي بأن يلتوي كما لويتُ عنقَ القطة. هنا هدأ الضمير (الأنا العُليا) واستراحت نفسي وانشغلتُ بحياتي ونسيت الواقعة (ظاهريًّا). هذا ما يسميه الطب النفسي self-punishment أو العقاب الذاتي الذي به يحدثُ التطهّرُ والبراءُ من الخطايا.
خلقنا اللهُ عزّ وعلا، نحن بني الإنسان، على نحو شديد التعقيد. كلُّ إنسان دولةٌ كاملة لها مؤسساتٌ سيادية ثلاث: تشريعية، قضائية، تنفيذية. بالنسبة لي، شرّع المُشرّعُ (الضمير) أن تعذيب الحيوان جُرمٌ يستوجبُ العقاب. وحكم القضاءُ (اللاوعي) على شخصي المتهَم بأن يكون العقابُ من جنس الجريمة؛ وأصدر حكمَه. ثم تأتي السلطةُ التنفيذية (أوامر المخ) لتطبّقَ الحكمَ القضائيّ/ العقاب؛ وتُرسل النبضات الكهربية، للجسد (المتهم). واستجاب المجرم (جسدي) للحكم، فالتوى عنقي حاملا رأسي الذي لم يكن يدري كل هذا، لكنه انصاع للحكم صاغرًا، حتى يستريح.
ما فعله د. صادق هو أن نقَل الحكاية المنسية من عقلي الباطن إلى عقلي الواعي فتأملتُها ووجدتُ أنني قد أصلحتُ خطأي وعالجتُ القطة فلا مبررَ للعقاب. وشفيتُ من فوري؛ وعاد عنقي لطبيعته. سبحانك.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دقّوا الشماسي
- شمس ٣٠ يونيو
- مَن يُسَلِّعُ المرأةَ ويُشيّؤها … على هامش مقتل نيّرة
- شمعةٌ جديدة في بلاط المصري اليوم
- عيد الأب … العيد المنسيّ!
- فرج فودة … عِشْ ألفَ عام!
- أنت على حق يا نهرو!!!… والدليل: قالولوا!
- نغم راجح … عصا ناير… وقلبُ الفقي
- ذكريات -اعتصام المثقفين- … حقل الألغام
- عقولٌ نقيّة … قلوبٌ نظيفة
- الرحلةُ المقدّسةُ في أرضِ مصرَ
- هنا السُّليْمانية … الكُردية ... البهيّة1
- صلاح منتصر … هل قلتُ لكَ: أحبُّك؟!
- -ملك سيام- … عهدٌ من -صبحي- ... واجبُ النفاذ!
- أبناء الشيخ زايد … في عيون مصر
- ذكرى شهدائنا الأقباط في ليبيا
- مَن قتل شهداءَنا في شرق القناة؟
- صوتي في مسلسل -الاختيار-
- مسيحيون ...يغنّون لعيد الفطر
- هدايا/رسائلُ الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية


المزيد.....




- العميد ابن الرضا: هذه الملحمة التاريخية شكّلت يوماً إلهياً ...
- العميد ابن الرضا: ستسخّر وزارة الدفاع جميع إمكاناتها للحفاظ ...
- بزشكيان: المشاركة المليونية جسدت وحدة الشعب والأمة الإسلامية ...
- العميد ابن الرضا: حضور الأمة الإسلامية في تشييع القائد الشهي ...
- مؤمني: هذا الزخم الملحمي والوفاء الراسخ أثبتا مرة أخرى تمسك ...
- محافظة القدس: الاحتلال يعتقل خطيب المسجد الأقصى المفتي العام ...
- أمريكا والإسلام .. من إعجاب -الآباء المؤسسين- إلى عولمة -الإ ...
- كيف يُدخل غياب المرشد الأعلى بإيران الجمهورية إلى منطقة مجهو ...
- إقامة مراسم إحياء ذكرى الإمام الشهيد برعاية قائد الثورة الإ ...
- مجلس صيانة الدستور الإيراني: الحضور الملحمي للشعب في مراسم ت ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - الضمير… القطّةُ التي كسرت عنقي!