أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد رباص - الفلسفة والسينما أو عندما تعثر أسئلة فلسفية في السينما على أجوبتها















المزيد.....

الفلسفة والسينما أو عندما تعثر أسئلة فلسفية في السينما على أجوبتها


أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)


الحوار المتمدن-العدد: 7284 - 2022 / 6 / 19 - 02:55
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يرى نور الدين أفاية، في كتاب صدر له حديثا بعنوان "صور الوجود في السينما والفلسفة"، ان السينما شكلت حدثا عظيما في الثقافة المعاصرة؛ ساهمت، ومازالت تساهم في التأثير على إدراكات الناس، ووجدانهم، ووعيهم، وفي تغيير علاقتهم بالعالم؛ فهي تمتلك قدرات كبيرة على تأطير الأجساد، ونسج الحكايات، وكشف الوقائع، وصناعة الصور، وتشخيص الوضعيات الإنسانية بطرق غير مسبوقة في تاريخ الممارسات الفنية.
ويرى الكاتب أن “هذا "الفن صعب وإشكالي”، وأن “إنجاز فيلم هو انتصار على العوائق الذهنية والسياسية والمجتمعية؛ وهي عوائق قاسية في بعض الحالات، وانتصار على المشاكل المادية والثقافية والنفسية التي تسعف أو لا تسعف الفاعل السينمائي في بناء أفكاره، وبناء سروده ورسائله”.
فالسينما، يضيف أفاية، “تفكير بالفعل منذ الفكرة الأولى التي تراود صاحبها، إلى عملية بناء السيناريو، وهو أمر ليس سهلا على الإطلاق، مرورا بكل المراحل المادية والإدارية والتواصلية لبلوغ لحظتي التصوير والإخراج، التي تعبر عن قدرات الفاعل السينمائي على الترجمة البصرية للرواية الفيلمية، إلى المرحلة الحاسمة المتمثلة في تركيب ما تم تسجيله من صور ولقطات ومتواليات ومشاهد”.
تستحضر فلسفة السينما أولا المفاهيم الرئيسية التي أنتجها الفلاسفة، حيث تتناول ما كتبوه عن السينما، نذكر منهم إدغار موران، ستانلي كافيل، ميرلو بونتي،جيل دولوز، آلان باديو، وجاك رانسيير، وما اقترحوه على المناقشة الفلسفية العالمية. وتؤطر ثانيا تصورهم للسينما في النسق الفلسفي والجمالي العام لكل واحد منهم، خصوصا أن منهم من يجهر باعترافه بأن أسئلة الفلسفة دفعته إلى البحث عن أجوبة داخل السينما، من منطلق اعتبار الإبداع، ومنه العملية السينمائية، خاصية الفكر عندما يرتفع عن واقعه الوجودي.
وبالإضافة إلى كتابات الفلاسفة المذكورين عن السينما، يجب على فيلسوف السينما الانتباه إلى أن سينمائيين تمكنوا، عبر تاريخ السينما الغني، من صياغة لقطات، ومتواليات، وحكايات في منتهى العمق، حيث «أظهروا» ما يمثل جوهر الأشياء وتموجات الوضعيات الإنسانية، واستطاعوا مساءلة الكائن في سكينته وتوتره، في وحدته وانفصامه، في قلقه وفرحه، في حُبِّه وانفصاله؛ وما إلى ذلك من الأسئلة والموضوعات التي نجح عبرها سينمائيون، من خلال أفلامهم، في إنتاج آثار واسعة على الوعي، والوجدان، وأحدثوا أصداء عميقة في الثقافة الإنسانية المعاصرة، كما يقول أفاية.
قوة السينما
لكن لماذا هي [القوة الفيلمية] متماسكة إلى هذا الحد؟ لأن مسألة التشكيك في الصورة انطلاقا من الصورة نفسها، في اتجاه ما بعد مؤسسها، هي مسألة السينما نفسها. في كتاب "ماتريكس، الآلة الفلسفية" لآلان باديو، هناك تسلسل مثير للإعجاب: طفل، ربته نبية ملهمة (ديوتيما المأدبة؟)، يلوي لفترة طويلة ملعقة، حتى التوت، مبينا بالتالي أنها ليست كائنا صلبا من العالم الحقيقي، ولكنها تركيب مصطنع، افتراضية غير متسقة.
لذلك، من داخل العالم، من خلال ديالكتيك نقدي يجهز جدلية صاعدة، يمكنك القول بأسلوب أفلاطوني: هذه الملعقة ليست الملعقة الحقيقية. الملعقة الحقيقية غير مرئية، يمكن فقط التفكير فيها. إن مبدأ فن السينما برمته هو أن نظهر بمهارة أنها السينما فقط، وأن صورها لا تشهد على الواقع إلا باعتبارها صورا على نحو ظاهر.
ليس من خلال الإعطاء بالظهر للظهور، أو الثناء على الافتراضي، تتحقق لديك فرصة للوصول إلى الفكرة. فمن خلال التفكير في الظهور، وبالتالي كما لو أن ما ظهر للتو، من الوجود، يستسلم هو نفسه للفكر على أنه خيبة أمل في الرؤية.
تكمن قوة السينما في إجبارنا على سؤال أنفسنا عن الواقع بدء من الفجوة بين ما يظهر وما يفتقد ولكنع دائما مفترض (عن خطأ أو صواب)، أي موجود. هذه الفجوة هي تناسق الحضور-الغياب، النسخة والنموذج، الأصل وضله، النزوع الواقعي والنزوع الخيالي الذي ذكره كليمون روسيه في كتابه "Propos de cinéma". هذه الفجوة تفتح بعد الممكن.
خدعة الرؤية
لنحاول تتبع المسار الذي رسمه باديو. بادئ ذي بدء، يكون الواقع في تفرده الصارم، بالمعنى الدقيق للكلمة، غير قابل للتمثيل: إذا كنا نعني بكل ما هو واقعي يقدم نفسه على أنه تفرد صارم - وبالتالي غير قابل ل"إعادة تقديمه" على الإطلاق - فإننا نميل إلى التقدير للوهلة الأولى أن السينما، من بين جميع الفنون، هي الفن الذي يحافظ على أقل علاقة بالواقع: الانتماء أساسًا ليس إلى عالم الواقع، بل إلى عالم تسخه.
يعتمد هذا التشخيص على مجموعتين رئيسيتين من الأسباب التي لخصها هنا باديو في كلمة واحدة، لأن الأمر يتعلق بمجرد أفكار تم اقتراحها قبلا ومعروفة جيدا.
اولا، ضعفت السينما بسبب قوتها التعبيرية. باعتبارها قادرة أيضا على امتلاك وسائل الفنون الأخرى (المسرح، الرواية، الموسيقى، الرسم، التصوير الفوتوغرافي..، إلخ) من خلال اقتراح سمات الحياة الواقعية بشكل لا لبس فيه (لأنهت تعرف كيفية إعادة إنتاج المعلمات الرئيسية - صورها وحركتها، ضجيجها - كونها قادرة على إنتاج نسخ طبق الأصل منها لا مثيل لها في الفنون الأخرى)، تعاني السينما من الافتقار إلى لغة خاصة بالنسبة للغات الفنية الأخرى ونقص الأصالة بالنسبة للواقع الذي تحاول الاكتفاء بمضاعفته بسبب قربه الخطير.
من ناحية أخرى، يبدو أن السينما محكوم عليها بأن تستحضر، من هذه الحقيقة بالذات، فقط الجوانب الأقل واقعية، أي أن تقتصر على مجالات التمثيلات التقليدية لأنها مقبولة اجتماعيا: يتم ذلك ةفقا لمشيئة حساسية مشتركة مدعوة لأن تقرر هنا - وهنا فقط - في مجال الواقع الفني، تكلفة الفيلم وضرورات الربحية المالية التي تحظر تجاهل الحساسية المذكورة.
سيؤدي هذان الاعتباران بسهولة إلى استنتاج مفاده أن السينما لا يمكنها إلا أن تقدم عن الواقعي نسخا بلا أصالة وتمثيلات بلا مفاجأة، أي أنه من غير المناسب تماما استحضاره كما هو.
بعد ذلك، تعني السينما كمبدأ للرؤية بالضرورة مبدأ للغموض محددا بخارج الإطار ولكن أيضًا مبدأ للتعتيم مرتبطا بالتقنيات السينماتوغرافية (صورة، مونطاج، تقطيع، نطاق، خارج النطاق.. إلخ)؛ أخيرًا ، لا تأتي الوظيفة الحكائية للفيلم، بالمعنى الدقيق للكلمة، من تصور.
خدعة الصورة
سقراط - خذ مرآة ووجهها إلى جميع الجهات؛ في لمح البصر ستلتقط الشمس وكل النجوم في السماء، الأرض، أنت ذاتك، الأعمال الفنية وكل ما قلناه.
جلوكون - نعم، سأفعل كل ذلك في الظاهر، لكن لا يوجد شيء حقيقي، لا شيء موجود بالفعل.
إذا كانت الصورة تتنافس مع الفكرة كما قال لاكان، فإن هذه الخدعة البصرية بالنسبة لباديو لا يمكنها الترفيه سوى لفترة من الوقت بقدر ما تكون الصورة، الأكثر واقعية، لا يمكنها التخلي عن وظيفتها كخدعة بصرية وعما لاحظه جودار عندما قال: "إنها مجرد صورة"؛ تعتبر الحكاية الرائعة لزيوكسيس وباراسيوس، في هذا الصدد، نموذجا للفراغ والغرور في الصور.
خدعة الممكن
يكون الفيلم الخيالي، أثناء عرضه، شكلا زمنيا خاصا يتطور، فيه يتم توزيع سجلات المحتمل وغير المحتمل وفقا لطبيعة ومحتوى الفيلم. ثم يستقر الخيال في سمك الممكن. بالنسبة إلى المتفرج، يعتبر الفيلم شكلا زمنيا حيث يوجد ما يشبه الإيهام. حتى لو حقق الفيلم توقعات المتفرج، فإن هذا الرضا يمكن أن يكون مؤقتا لأنه لا يمكن أن يرضي شره الغريزة البصرية ولأن الممكن ليس هو الحقيقي!
استطراد
ما نحدد الممكن على أنه ما يمكن أن يكون، وبالتالي نؤكد على أبعاد المستقبل. سيكون الممكن بعد ذلك هو مجال المستقبل غير المحدد، في مقابل التحديدات الضرورية والعرضية للماضي والحاضر.
إذا كان هناك معنى في الحديث عن الممكن في الماضي والحاضر، فإنه يشير دائما إلى عدم التحديد في لحظة ماضية في الإطار الزمني لوجودنا. مثلا، عندما نقول: "كان ممكنًا بالنسبة له "التوقف عن الدراسة والانخراط في الحياة العملية" أو "من الممكن الآن أن أتوقف عن كتابة مقالي". لكن القول "كان من الممكن أن يكون نابليون غير بونابرت" لا معنى له لأن ماضي نابليون يحدده بونابرت وقد خلق ليصبح ما أصبح عليه.
لذلك يبدو أن الممكن هو بُعد من الحضور حيث ينعكس الموجود. يميز أرسطو بين القوة والفعل، ما يمكن تحقيقه وما تم تحقيقه، وهذا يعني أن هناك قوة في الفعل فقط ؛ لذلك فإن ما يمكن تحقيقه لا وجود له ما لم يتحقق. يكون الممكن إذن هو تقاطع الوجود-اللاموجود طالما أن وجوده يميل إلى ألا يوجد أبدا، يكون العرضي إذن النمط الوحيد لوجود الممكن الذي يتجاوزه بنفيه لأنه لا يمكن له أن يوجد ما دام أنه موجود !
الممكن هو في الواقع خيال نؤمن به، ناتج عن الفجوة بين ما كان بإمكاني فعله (لكن لم أفعله) وما فعلته بالفعل. بعيدا عن كونه بُعدا من المستقبل، فإن الممكن ينشأ من الوعي الاسترجاعي بالخيارات المتخذة، إنه بُعد من الحاضر الذي ينظر إلى الماضي من خلال إسقاطه على المستقبل.
عندما جعل برجسون من الممكن "سراب الحاضر في الماضي" وأكد على أن الوعي "مرادف للاختيار"، فإنه أشار إلى القوة الخلاقة للوعي، والفعل في الواقع من خلال تغطية الفجوة بين ما فعله وبين ما كان يمكن أن يفعله، وفي الواقع قياس هذه الفجوة هو الذي يسمح بالممارسة الحقيقية للحرية.
في كتاب "علم النفس المرضي للحياة اليومية"، حلل فرويد الفرق بين المؤمن بالخرافات والمصاب بجنون العظمة: في كلتا الحالتين، بمعان مختلفة، يتم تحديد السلوكين بشكل مفرط، ولا يعود هناك أي شيء ممكن، ولا تبقى هناك فجوة؛ فجأة، يمكن ألا يكون الواقعي بالنسبة لهما سوى تكرار الشيء نفسه، ويقع استبعاد العرضي، ولا توجد سوى شبه ضرورة.
الأمل والخوف هما اللونان العاطفيان للممكن حيث تولد الرغبة في بعدها الإيروتيكي، وينتهي الأمر دائما بالانخراط في لعبة الرغبة في الممكن الذي فوتناه لتونا وعشناه على أنه مستحيل، عدا أن نفهم أن المستحيل هو الاسم الآخر للواقعي.
إذا كان الممكن، منطقيا، هو ما خلا من التناقض، فهو، وجوديا، صورة التناقض بامتياز ؛ ما دام أنه لم يوجد إلا لكي لا يوجود، وإلا فسيتم الخلط بينه وبين ما هو موجود، وبمجرد ما يوجد، لا وجود له، وإلا فسيتم الخلط بينه وبين المستحيل.
الممكن هو اعتقاد وهمي عام بقدر ما هو مبدأ كل التخيلات. يفتح على سجلات المحتمل واللامحتمل؛ يقوم الخيال بدوره ويجعل هذين السجلين مختلفين
رهان الخدعة أو إكراهات الفكر
يقترح كليمان روسيه، في "أقوال عن السينما"، طريقتين حتى يفلت الموضوع السينمائي من شوائب تقنياته في الاستعارة التي ستحكم عليه بوظيفة حصرية للترفيه الجماعي: الانزياح الخيالي، المحدد كتشويه، كتخريب للواقع، والاتزياح الواقعي، المحدد كتصور غير عادي لما هو عادي، كواقعية "تفجر التمثيل اليومي لدرجة أن الواقع يبدو عجيبا". هاتان النزعتان عبارة عن استحالات لها القدرة على الإبهار (thaumazein ) والتي ، بهذه القوة ، تستدعي تفكيرنا. يمكننا أن نلاحظ العلاقة بين الدهشة السينمائية على مستوى الإدراك والدهشة الفلسفية على مستوى الفكرة.
في محاضرة ألقيت يوم 13 مارس 1945 في معهد الدراسات السينمائية المتقدمة، ينطلق ميرلو بونتي من نتائج علم نفس الشكل لتطبيقها على الإدراك السينمائي:
إذا اعتبرنا الآن الفيلم كموضوع يجب إدراكه، فيمكننا تطبيق كل ما قيل للتو عن الإدراك بشكل عام على تصور الفيلم. [...] لنقل، أولاً، إن الفيلم ليس مجموعة من الصور ولكنه شكل زمني [...]
والحال أن خصوصية هذه الأشكال (Gestalten) هي أن أدنى تعديل جزئي يعدل الكل، فنحن نشهد تكوينا جديدا مثل ولادة لحن جديد من خلال التغيير البسيط لنوطة؛ وهذا ما تكون السينما، بشكل نموذجي، قادرة على عرضه. هذا هو السبب في أن مرلو بونتي يتذكر تجربة بودوفكين.
ومع ذلك، فإن تماسك مشروع ميرلو بونتي الفلسفي يكمن في بناء فلسفة حول الشكل تمدد وتتجاوز التحديدات المموضعة (بكسر الضاء) لـنظرية الجشطالت. يستكشف المخرج جماليات الأشكال، والفيلسوف خلاصة الأشكال، تناغم المظهر والوجود.
في نفس المحاضرة، انتقد السينما لعدم استعادة "اهتزاز" الحياة، "فائض المادة"، باختصار لعدم استعادة غموض الشكل الناشئ، التحول المستمر للوجود نفسه - وأضاف في نفس الوقت: "الأداة التقنية، بمجرد اختراعها، يجب أن تؤخذ بإرادة فنية وكأنها مخترعة، للمرة الثانية، قبل أن نتمكن من صنع أفلام حقيقية - واضعا السينما تحت معيار الحق.
ينضم الاهتمام الذي أولاه لعلم نفس الطفل إلى اهتمامه المركزي: أنطولوجيا الظهور. التخيل هو هذه الهالة التي تحيط بإدراك الأشياء ، هذه الخلفية التي تصبح غير مرئية بحيث يبرز الشكل. يحدد مرلو بونتب أن علاقتنا بالخيال ليست علاقة بالمعرفة بل بالوجود، أي نمط من الوعي العاطفي. علاوة على ذلك يمكننا أن نقرأ:
[…] لا يعيش الطفل في العالم ذي القطبين مثل البالغ المستيقظ: فهو يسكن منطقة هجينة وهي منطقة غموض الوحدانية.
يعيد المتفرج الاتصال في ظلام الغرفة بهذه المنطقة الهجينة حيث تكون الحدود بين الحقيقي والخيالي غير واضحة؛ مع هذا الاختلاف أن "الإغراء الحكائي هو إغراء رجل مستيقظ". المتخيل ليس آخر (بفتحة على الخاء) الواقع، بل هو ظله، "مارده"، ومسخه أيضا.
انتقال
عندما حاول جيل دولوز تفسير الاضطرابات الحاسمة في تاريخ السينما والمتمثلة في الانتقال من الصورة-الحركة إلى الصورة-الزمن، أشار إلى التأثير الصادم للحرب العالمية الثانية (ملموس منذ الواقعية الإيطالية الجديدة للفيلم الأمريكي الأسود). هذه الإشارة مناسبة تماما لنقد دولوز الشامل المضاد الديكارت. لا يظهر الفكر أبدا على نحو تلقائي، من تلقاء نفسه، في محايثة مبادئه؛ ما يدفعنا إلى التفكير هو دائما مواجهة صادمة، عنيفة مع واقع خارجي يفرض نفسه علينا بوحشية، ويتحدى طرق تفكيرنا المعتادة. على هذا النحو، فإن الفكر الحقيقي دائما ما يكون لامركزا: نحن لا نفكر بشكل عفوي، نحن مجبرون على ذلك.
السينما، فلسفة الجسد
"ما يقدر عليه الجسد، لا أحد يعرفه"
سبينوزا
إذا كنت قادرا على الشعور عير نوع من التشابك بين الحسي وجسدي الخاص، فأنا أيضا قادر على رؤية والتعرف على أجساد أخرى ورجال آخرين. خطاطة جسدي الخاص، بما أنني أرى نفسي، فابلة لأن تشارك من قبل جميع الأجساد الأخرى التي أراها، إنه معجم الجسدية بشكل عام، نظام تكافؤ بين الداخل والخارج، يصف للواحد تكامله مع الآخر."
ميرلو بونتي
في هذا النص نشهد نزعة انتقالية طفولية، رفضا للثنائية، انشقاقا بين العين والنظرة، ذلك أن ميرلو بونتي قريب من التحليل النفسي اللاكاني، هو قام بتدريس علم نفس الطفل في جامعة السوربون - ما جعله منتبهًا للتجارب السابقة على التأمل. إن جسد الإنسان عبارة عن مصفوفة رمزية طبيعية، عن "لوغوس جمالي"، حسب تعبير هوسرل؛ كمكان للالتباسات، يحتوي الجسد على فلسفة البدن باعتباره انعكاسية جذرية للتجارب الوجودية، تناغم في الإدراك مع المخيال.
تجعل هذه الرمزية الضمنية أو اللانشطار الفيلم يدرك، المتفرج يشارك في قصة الأجساد هاته إلى درجة أن هو نفسه يتأثر بها، في مشاركة تناغمية هي دعوة للتفكير في اللامفكر فيه.
السينما، التي تم اختراعها كوسيلة لتصوير الأشياء المتحركة أو كتمثيل للحركة، اكتشفت معه أكثر بكثير مما اكتشفته بمجرد تغيير المكان: طريقة جديدة لترميز الأفكار، حركة التمثيل لأن الفيلم ، تقطيعه، توليفه، تغييراته لمنظوراته، كلها تستدعي، إذا جاز التعبير، تحتفي بانفتاخنا على العالم والآخرين، الذين يغير حجابهم الحاجز بشكل دائم.
يذكر ميرلو بونتي، في "السينما وعلم النفس الجديد"، إمكانية حدوث تجربة غير مباشرة للدوار في سلوك الممثل ذاته. في مقابل علم النفس الكلاسيكي وأيضا ضد السلوكية الأمريكية، يكون الدوار بالكامل في الجسد الذي ينقلب، تمامًا كما يكمن الغضب تماما في السلوك الغاضب، الجوهر في الظهور ، والمثالية في الواقعية.
الفيلم، إذا كان له نطاق معين، يفتح على عالم يكون جزء منه وكله في نفس الوقت، يتم تعريف هذا العالم من خلال الدراماتورجيا، والزمنية الخاصة به، من خلال التفاعل بين الحقل وخارج-الخقل. ثم تكون الوظيفة الترقيعية للعمل هي التناظرية لـمحيط Umwelt معين؛ وهو ما يفسر سبب تمكن المتفرج من العيش هناك بالوكالة، إذا جاز التعبير؛ ينشر هذا العالم المحتمل خيالا مدركا من خلال الخيال الذي يقدمه.
في وقائع ندوة Cerisy بعنوان "الهرمينوطيقا والعلوم"، يمكن للمرء أن يقرأ انعكاسا على الإدراك النشط والدائرة الوظيفية بناء على عمل Von Uexküll: كل نوع حي يبني محيطه من خلال التفاعل مع بيئته؛ يختلف كل مجتمع من نفس النوع عن المجموعات السكانية الأخرى؛ ضمن مجموعة سكانية، يقدم كل فرد اختلافاته الخاصة ويضيف المؤلفون:
يبلغ هذا التمايز ذروته في الجنس البشري حيث تحدد التجربة البصرية والمعرفية لكل شخص قدرته على الرؤية / التفسير.]
إن توصيف الفيلم هو الدائرة الوظيفية التي تم إنشاؤها بالاشتراك مع الإدراك والفهم والعمل الذي يولد عالمًا من التأثيرات والعواطف وبالتالي يحدد تجربة جسدية للمشاهد.
عن مجلة: cairn.info



#أحمد_رباص (هاشتاغ)       Ahmed_Rabass#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرباط: كيف يمكن الانتقال بالمغرب إلى مجتمع المعرفة؟
- الجنس، المظهر، الحيض … لدى الفتيات، عندما يصبح الأكثر حميمية ...
- ابن باجة.. أول فلاسفة الأندلس والمغرب
- ابن طفيل.. نبذة عن حياته وإسهاماته في مجال الحكمة
- من هم جنود كتيبة آزوف المتهمين بـكونهم -النازيين الجدد- في ا ...
- ميتافيزيقا مالبرانش بين تأييد أفلاطون والخروج من مأزق ديكارت
- الاشتراكي الموحد بإلصخيرات تمارة .. كفى من ظلم وإقصاء كيشيات ...
- جون لانجشو أوستن.. نظرية ألأفعال اللغوية وامتداداتها
- الإشهار.. تطفلاته، ميكانزماته ورهاناته
- مفهوم السعادة في فلسفة نيتشه
- فريدريك ينظر إلى الجسد كمركب من الغرائز وكإرادة قوة
- فريديريك نيتشه ينظر إلى الجسد كسيد على الروح
- عائلة المهدي بنبركة تصدر بيانا ترد فيه على اتهام عريس الشهدا ...
- إطلالة تاريخية على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.. من المهد إل ...
- الاشتراكي الموحد ينظم يوما دراسيا لفائدة منتخباته ومنتخبيه
- ملفات الحرب الباردة.. هل كان المهدي بن بركة، زعيم المعارضة ا ...
- تطور الحقل الديني المغربي في مواجهة تحدي العولمة
- اليسار المغربي بعد انتخابات ثامن سبتمبر: مآلات بئيسة ومفارقا ...
- في أفق تشكيل الحكومة الجديدة.. أخنوش يبدأ مفاوضات مع حزبي ال ...
- أفغانستان: طالبان تدخل كابول والرئيس أشرف غني أحمدزي يغادر ا ...


المزيد.....




- مراسلة RT: إصابة 3 أشخاص إصابات خطيرة في إطلاق نار على حافلة ...
- استطلاع: ليز تراس تتقدم بفارق 22 نقطة في سباق رئاسة وزراء بر ...
- مصر.. حريق ضخم في موقف الأقاليم شمال محافظة أسوان (فيديو)
- تونس.. قاضي التحقيق يصدر بطاقة إيداع بالسجن في حق متهم ذبح س ...
- مصرع شخصين بحادث تحطم طائرة خفيفة في بيلاروس
- تراجع قياسي لأنهار أوروبا خلف خسائر فادحة
- ما مصير ترامب بعد ضبط وثائق -سرية للغاية- بمنزله؟
- زاخاروفا: الدكتاتورية الليبرالية تنتصر
- مراسلة RT: إصابة 3 أشخاص إصابات خطيرة في إطلاق نار على حافلة ...
- وزير الداخلية الأوكراني يتوقع ارتفاع معدل الجريمة في بلاده ع ...


المزيد.....

- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم
- الإنسان المتعثر في مثاليته . / سامى لبيب
- مقال في كتاب / علي سيف الرعيني
- قضايا وطن / علي سيف الرعيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد رباص - الفلسفة والسينما أو عندما تعثر أسئلة فلسفية في السينما على أجوبتها