أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد رباص - تطور الحقل الديني المغربي في مواجهة تحدي العولمة















المزيد.....



تطور الحقل الديني المغربي في مواجهة تحدي العولمة


أحمد رباص
كاتب

(Ahmed Rabass)


الحوار المتمدن-العدد: 7094 - 2021 / 12 / 2 - 23:40
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عنوان هذه الدراسة المخصصة للحقل الديني المغربي هو نفسه العنوان الذي اختاره محمد الطوزي، أستاذ العلوم السياسية، لمقاله المنشور في موقع cairn.info، عدد 2009. ولعله من المفيد لمشهدنا الأعلامي ومن المثري له عرض هذه المقاربة العلمية لموضوع على درجة من الأهمية بالنسبة لمن يهمه دراسة المجتمع المغربي وتحولاته.
بدأ الأستاذ محمد الطوزي مقاله بالإشارة إلى أن الإسلام المغربي يقوم على أساس سني، لكن الإسلام التاريخي يعكس مدى تعقيد هذا الدين وتنوعه وقدرته على التكيف مع الطلب الاجتماعي والسياق الخاص للبلد. منذ استقلاله عام 1956، اختار المغرب بناء مرجعية إسلامية وطنية مؤقلمة (territorialisée). هذا البناء الأيديولوجي، المعزز بصياغة مبكرة جدا لسياسة عمومية دينية، يشير إلى المذهب المالكي كطقس فريد، على عكس البلدان الأخرى حيث تتعايش عدة طقوس في نفس الوقت.
يلاحظ الطوزي أن هذا الاختيار للمذهب المالكي ليس جديدا، فهو نابع من نضوج تاريخي طويل يمزج بين الدراية الفنية لرجال الدين الأندلسيين الذين تم الترحيب بهم بعد اندلاع معارك الاسترداد وتوليفة من الطهرانية الأمازيغية البراغماتية والمتزمتة في آن واحد. وهكذا يستنتج الكاتب من ذلك أن الخيار السياسي الحالي المتمثل في الإصرار على المشروع الوطني للإسلام المغربي المؤسس على المذهب المالكي، لحمايته من السلفية الدولية، لم يأت من فراغ.
في موضع تال من المقال، يؤكد كاتبه أن مشروع الدين المؤقلم، الذي أدار في البداية ظهره للإسلام الشرقي، شكل عقيدة فريدة للسلطة (الخلافة) وللهوية الوطنية.
في الواقع، يتابع الأستاذ الطوزي، بعد الشروع في البناء المؤسسي للدولة عقب الحصول على الاستقلال الوطني، وجدت الجماعات الماسكة بزمام السلطة (الملكية والحركة الوطنية) نفسها ملزمة بأخذ الدين بعين الاعتبار. ذلك أن الوطنيين، من ناحية، دمجوا بالفعل العامل الديني في استراتيجية الحركة الوطنية لتحقيق التعبئة الجماهيرية ضد الحماية الفرنسية، وأن بناء دولة قومية مركزية، من ناحية أخرى، تطلب جهدا تعبويا وأفضي إلى السعي إلى الإجماع (الوحدة) الذي كان في هذه الحالة ممكنا فقط في إطار القيم الإسلامية.
بصراحة، عارضت الحركة الوطنية الاستعمار باسم مرجعية إسلامية غير قابلة للاختزال إلى هوية أخرى وأسست خطابها عن الأمة المغربية على هويتها الإسلامية. ومع ذلك، يواصل الطوزي، تجدر الإشارة إلى أنه بين بداية الستينيات ونهاية السبعينيات، حدث تحول في طريقة تصور مكانة الدين في بناء الدولة. استخدم الإسلام أولاً في بُعد الهوية الذي يشير إلى الانتماء إلى مجموعة (العالم الإسلامي)، مع الحد الأدنى من العواقب على السياسة الداخلية، وأصبح، من خلال إعادة القراءات المتعددة، عنصراً أساسياً في الممارسة السياسية: فهو يعمل كمصدر لشرعية السلطة ونزع الشرعية عن خصومها السياسيين.
ومع ذلك، لم يستطع المغرب البقاء في مأمن من التغييرات الهائلة التي مر بها الإسلام، سواء في إنتاجه التفسيري أو في مكوناته الاجتماعية. فعلى مدى السنوات العشرين الماضية، شهدت البلدان الإسلامية كليا أو جزئيا، بما فيها الدول الغربية، العديد من الاضطرابات. في هذا الإطار، يندرج النمو السكاني، الذي ساهم في الانفجار الديموغرافي المذهل بالعالم الثالث، حيث فاق عدد المسلمين المليار نسمة ومعظمهم من الشباب. كما تضخمت حركة حضرية غير مسبوقة لهؤلاء السكان بسبب الهجرة الجماعية لسكان البادية، وخاصة التنقل خارج الحدود التاريخية للإسلام، ولا سيما نحو أوروبا.
ونتيجة لذلك، وجد الإسلام في طور الانفصال عن منطقة محددة جيدا بحدود معروفة. ففي أوروبا الغربية وحدها يقيم حوالي عشرة ملايين مسلم ثقافتهم إسلامية أو آباؤهم مسلمون. غالبا ما يكونون مواطنين في بلد إقامتهم أو هم في طريقهم لأن يصبحوا كذلك بسبب تخفيف إجراءات الحصول على الجنسية، دون أن يتسبب ذلك في مشاكل وجودية كبيرة لغالبيتهم.
أما في أوروبا الوسطى والشرقية د، فقد أدى سقوط جدار برلين وإعادة انتشار هوية المجتمعات المختلفة إلى زعزعة خريطة الحدود الدينية، في البلقان، وكذلك في آسيا الوسطى والقوقاز.
بدت هذه التغيرات الديموغرافية والجغرافية في المجتمعات الإسلامية للكاتب مصحوبة بتغيرات ثقافية قوية للغاية ناشئة عن نمط الإنتاج الزراعي. فمنذ السبعينيات، أنتج التعميم النسبي للتعليم تحولات جذرية في النسيج الاجتماعي، حيث غالبية الشباب الذين ولدوا بعد الاستقلال يعرفون القراءة والكتابة بينما لم يحصل آباؤهم على نصيب من التعليم أو حصلوا عليه بطريقة مختلفة.
انطلاقا من هذه الواقعة البسيطة، أصبح صراع الأجيال أمرا لا مفر منه. لقد أدى إلى التشكيك في ثقافة الآباء أو على الأقل إعادة تكوينها على أسس جديدة وانطلاقا من كفايات جديدة. وأصبح من الآن الأداء التفسيري، أي الحق والكفاءة الشرعية لقراءة نصوص التقليد وتأويلها، منفصلاً تماما عن نظام النقل المشخصن لعلماء الدين. كما ظهرت طبقة جديدة من المثقفين الذين يدعون الوصول المباشر إلى النصوص المقدسة من خلال الكتب.
ووفقا لما ذكره بيرك بالفعل في كتابه "المغرب العربي بين الحربين"، فسح الحفظ (الاستظهار) المجال للمطالعة (القراءة مع تدوين الملاحظات) والمخطوطة المحفوظة بغيرة لدى الأسرة لمجلة التقريب أو حتى للوثيقة الإلكترونية.
علاوة على ذلك، لم يختبر الجيل الجديد الاستعمار. لقد تم نزع الشرعية تماما عن القوس الوطني الذي أضفى الشرعية على السلطة الاستبدادية للآباء بسبب عدم قدرة النخب القديمة على تولي مسؤولية نموذج العدالة الاجتماعية والتغيير السياسي.
كل هذه التغييرات استدعت معايير جديدة لتحديد الإسلام وتفسيره في منظور دينامي يتعارض مع الأحكام المسبقة الجوهرية لبعض المحللين والخطاب التوجيهي للدين الرسمي.
يواصل الأستاذ محمد الطوزي الحديث عن هذا الموضوع في مقاله الذي يوجد بين أيدينا الآن بتناول إعادة انتشار الديني في المغرب وذكر استخدامات وخطابات الإسلام الرسمي.
في هذا الإطار، أشار الأستاذ في الجامعة الدولية بالرباط إلى الخيار السياسي الحالي المتمثل في تأسيس مشروع "قومنة"، أو قل تأصيل الإسلام المغربي على أساس المذهب المالكي من أجل حمايته من الموجة السلفية الدولية المتصاعدة لم يولد من فراغ. إنه يستمد قوته من ارتكازه على تاريخ إنتاج الأيديولوجية الدينية من قبل سلاطين المغرب المختلفين، على تدين مهجن محدد، تم إعداده في بلدات مختلفة أبرز علماء أنثروبولوجيون مشاهير خصوصياتها.
ومع ذلك، ربما ينبغي توضيح أن تكييف المذهب المالكي مع الطلب الاجتماعي والسياسي مدين أكثر لمبادئ الاستدلال الشرعي (القياس) والاستحسان (اختيار الحل الأنسب) والمصلحة (البحث عن المصلحة العامة للجماعة) ولعلاقات القوة السياسية أكثر من أي فضيلة اخرى.
عند هذه النقطة، افترض الأستاذ الباحث أن الفقهاء المالكيين مالوا نحو المحافظة التي من شأنها أن تثبط أي ابتكار وأي ميل للتقدم.
لأسباب سياسية، اختار النظام الملكي، منذ الاستقلال، الاعتماد على القوى الاجتماعية والثقافية المحافظة (العالم القروي، العلماء التقليدانيون) وعلى المفهوم "الأصولي" للدين.
هنا، يقر الكاتب بأن هناك العديد من الطرق لإدخال البعد المعياري للدين الإسلامي في النظام المؤسسي للمملكة المغربية. من بين هذه الطرق، يذكر الأستاذ الطوزي مجموع الأحكام الشرعية والممارسة السياسية التي تشير إلى الإسلام كأسلوب لإضفاء الشرعية.
ويلاحظ مؤلف "الملكية والإسلام السياسي في المغرب" ان لهذه النزعة المحافظة مع ذلك يعود الفضل في الحفاظ على تعددية معينة من خلال القبول بتفسير محلي قريب من الانتظارات الاجتماعية يتطلب الاستقالة أكثر من الاختيار السياسي.
في هذا المقام، يشير الكاتب إلى ان إدراج تدبير الدين في الأجندة السياسية يعود إلى أوائل الثمانينيات، ويتعلق بشكل أساسي بثلاثة مجالات: تحديد دور ووظيفة العلماء، تدبير وتأطير المساجد والإشراف عليها، وتكوين مهندسي العقيدة .
وعن العهد الجديد (المعلن عنه منذ 1999)، يقول الباحث إنه كرس سياسته الدينية في استمرار للحكم السابق. منذ تنصيبه على العرش، أعطى محمد السادس الانطلاقة لهذه المقاربة بالذهاب للتملي في اضرحة بعض الأولياء الصالحين الذين يُعتبرون نموذجيين: مولاي إدريس بزرهون وابنه المدفونين في فاس، باعتبارهما مؤسسين للأمة المغربية. توحي هذه الإيماءة الرمزية بقراءة تقليدية لمحتوى وملامح التدين المغربي، كما تشير إلى نوع من تفوق طائفة الشرفاء (المنتمية إلى سلالة النبي) التي تعتبر خصوصية إيجابية.
في غضون تسع سنوات، ألقى محمد السادس عدة خطابات ذات محتوى ديني. تندرج الخطابات الأولى في إطار استمرارية تدبير راسخ وموروث للديني. من أجل مزيد من التوضيح لتأكيده، يأتي الباحث على ذكر مثالين هما الخطاب الموجه إلى التيجانيين المجتمعين في داكار، والذي أكد فيه الملك تمسك المملكة بالصوفية، والخطاب الموجه إلى العلماء والمجالس الجهوية لعلماء المملكة في تطوان، بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى (15 ديسمبر 2000).
يلاحظ الأستاذ الطوزي أن هذا الخطاب، الذي يشكل امتدادا للخيارات التي تبناها النظام الجديد بهدف المصالحة الصعبة بين الإسلام والديمقراطية، لم يكن استثناء مما هو معتاد. لقد تم تعزيزه بشكل أكبر من خلال خطاب ألقاه الملك محمد السادس عام 2008 دعا فيه العلماء إلى الالتزام بميثاق يثبت ولاءهم ويحدد محتوى الإسلام المعتدل الذي تمت دعوتهم للدفاع عنه والترويج له.
وفي فقرة موالية، يسجل الكاتب ان منعطف 11 سبتمبر وخاصة هجمات الدار البيضاء ومدريد حول الدين من فضاء الشرعية إلى فضاء الأمن. الأول كان يهم المغرب فقط، بينما الثاني جزء من التوازن الإقليمي أو حتى العالمي.
هذا الوضع الجديد جعل السياسة الدينية الطوعية إلزامية، وظلت الرافعات كما هي، لكن الخيارات أصبحت أكثر حدة. من الآن فصاعدا، أظهر المغرب، من خلال ملكه، خصوصيته واستعاد استقلاله الديني من خلال تأكيد ارتباطه بالمذهب المالكي في منظور الابتعاد عن المذهب الحنبلي، وهو أكثر صرامة وقربا من الوهابية.
إن استعادة المالكية في مكان ما يخفي الجانب الصارم والمتزمت للمذهب، خاصة عندما يقترن بالأشعرية المتأخرة، ويسلط الضوء على التاريخ الخاص للمذهب المالكي التاريخي في المغرب وقدرته على الاستجابة لمطلب ديني مطبوع بالبراغماتية و باحد أشكال الانتهازية الأمازيغية الدنيوية.
يواجه مهندسو السياسة الدينية معضلة: كيف يستعيدون مذهبا اشعريا قريبا من التطور الحنبلي ولكن ضروريا لإبراز خصوصية الإسلام المغربي وجعله قادرا على حماية نفسه ضد الإسلام الشرقي وخاصة ضد الإسلام الشيعي، دون التخلي في نفس الوقت عن المذهب المالكي التاريخي الذي أضفي عليه الطابع الأمازيغي؟
بالنسبة للكاتب، الحل ليس واضحا حتى لو كان الخطاب واضحا: اختيار مذهب ديني ينطلق تأويله من معيش المجتمع المغربي ويفضل مقاصد الشريعة الإسلامية على مصادر الشرع الإسلامي (الأصول) والعادات المحلية (العمل) على عقيدة الشريعة الإسلامية (الفقه)، كان يُنظر إليه دائمًا على أنه أسوأ وضع يخفي نوعا من الانتهازية المخزية التي يميل رجال الدين إلى احتقارها.
وعلى افتراض أن العقليات تتطور تحت الضغط السياسي، فإن القدرات التي يقدمها مهندسو العقيدة تظل أقل من الطلب، من حيث النوع والكم. وطالما تتوقف عليها أيضا صعوبات تغيير قانون الأحوال الشخصية، فقد كان من الضروري المرور بقرار سياسي يحمل علماء أصول الشريعة على متابعة الإصلاح، في ارتباك وبتقنية متواضعة، ويسمح لهم بإصدار "مدونة جديدة" للأسرة.
الآن يحق للأستاذ محمد الطوزي التطرق لتحديات الإسلام السياسي أو ما أسماه إعادة إبداع الدين سياسيا. وهكذا يحدد أنه في منحنى خيبة أمل العالم الذي كان يُعتقد أنه خطي، أو على الأقل منخنى العلمنة المتجانسة مع نزع الكراهية، فإن عودة الديني إلى الحياة السياسية خلق اضطرابا للباحثين الذين أسسوا فرضيتهم على لارجعية التقدم المخيب للأمال والمؤسس على التحيزات العقلانية المتلقاة من التنوير.
ويرى الكاتب أنه حتى لو كانت تلك الفرضية قابلة للنقاش، فلا يمكننا إنكار فكرة انخفاض مكانة الدين كأفق لا يمكن تجاوزه. ومع ذلك، فقد ظل وجودها قويا بشكل خاص لأن الأنظمة السياسية الإسلامية جعلت من الأسلمة مسألة دولة من خلال مزجها بمقتضيات إضفاء الشرعية، والبناء الوطني في تعارض مع القوى الاستعمارية، ونزع الشرعية عن الأيديولوجيات المتنافسة. مثل الشيوعية.
وفي موضع تال،يؤكد مؤلف "نسج الزمن السياسي في المغرب: مخيال الدولة في العصر النيوليبرالي"
أن السياسات العمومية الدينية للبلدان المبنية من قبل على أيديولوجيات علمانية مثل مصر وباكستان والجزائر والمملكة العربية السعودية وتركيا والمغرب تقدم أوجه تشابه عميقة: احتكار الإنتاج الديني، والسيطرة على تكوين رجال الدين وأسلمة الإطار السياسي المرجعي: من إعادة تشكيل الاشتراكية بألوان الإسلام إلى اختراع يكاد يكون معدوما لمكانة أمير المؤمنين، مرورا بتولي الدولة لطقوس أصولية (شبه الجزيرة العربية).
ويرى الأستاذ الباحث أن الإسلام الناتج عن ذلك تقهقر إلى أسلاموية. فأصبح، في نظره، ابن السياسات العمومية بقدر ما امسى طفل عمليات التحديث. وهنا يرى الكاتب ان يجب الإشارة منذ البداية إلى أن تكاثر الحركات وأنماط التعبير الديني الجديدة يأخذ بعين الاعتبار حضورا هائلا وهاما للمطالبة بإعادة تحديد ملامح حقل سياسي حديث يمكن أن يتولى المسؤولية ويعطي معنى لاستراتيجيات البقاء على قيد الحياة الاجتماعية الجديدة. المنفصلة، في أغلب الأحيان عن روابطها المجتمعية والتي تحركها مطالب الحركية الاجتماعية والفضائية والاقتصادية.
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر وبعد أحداث 16 مايو في الدار البيضاء، كان الإسلاميون أول من استنكر الهجمات الإرهابية. استقبلت سفيرة الولايات المتحدة بالرباط مجموعة مقربة من الشيخ ياسين في 13 سبتمبر وأكد لها تعاطفها. كما أصدرت حركة التجديد بيانا شجبت فيه الاعتداءات.
وفي موضوع حركات الإسلام السياسي، يقول الأستاذ الطوزي إنها رفضت الاندماج وتخشى استغلال هذه الأحداث كوسيلة لإخراجها من الميدان السياسي. وبعين المحلل السياسي النبيه، اكتشف الباحث ان منظمتين تهيمنان على المشهد السياسي الإسلامي المغربي، هما "الإصلاح والتوحيد" و"العدل والإحسان".
وفي نهاية هذا المبحث، يخلص الباحث إلى أن تلك المنظمتين قويتان، رغم أنهما أقل تنظيماً من نظيراتهما في البلدان العربية الأخرى، وسعيتا في نهاية العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين إلى اكتساب حضور سياسي قانوني وحاولتا الاستفادة من الانفتاح الذي اتسمت به نهاية عهد الحسن الثاني.
تابع الأستاذ محمد الطوزي بحثه حول موضوع تطور الحقل الديني المغربي برسم مسار الانتقال من جمعية الإصلاح والتوحيد إلى حزب العدالة والتنمية، ليذكرنا في البداية بأن الجمعية إياها تأسست عام 1982 - تحت اسم الجماعة الإسلامية - من قبل عضوين سابقين من الشبيبة الإسلامية، أول حركة إسلامية مغربية، تم حلها بعدما تورط مسؤولوها (خاصة مؤسسها عبد الكريم مطيع) في اغتيال عمر بنجلون، القائد النقابي وزعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عام 1975.
بعد ذلك، منذ عام 1984 والموجة الأولى من الاعتقالات، أعادت المنظمة النظر في العمل السري وتبنت إستراتيجية النضال السياسي. ثم جاءت المرحلة الثالثة التي بدأت عام 1992، كرد فعل على أحداث الجزائر ، وتميزت بتغيير اسم الجمعية التي كانت تسمى آنذاك الإصلاح والتجديد بهدف التميز عن الحركة الإرهابية الجزائرية.
في أطار هذا المسار المؤدي من الجمعية إلى الحزب، كتب الأستاذ الباحث أن المرحلة الأخيرة بدأت عام 1996, حيث انضم بعض أعضاء مكتب الجماعة إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية بقيادة الدكتور الخطيب. وأكد مؤتمر الحزب، الذي عقد في يونيو من نفس السنة، الاتفاق على تقاسم مقاعد المكتب السياسي بين الحرس القديم للحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ورجال الحركة الإسلامية.
بعد بضعة أشهر، يضيف الأستاذ الطوزي، غيرت الجمعية اسمها مرة أخرى، لتطلق على نفسها ما باتت تعرف به الآن، وهو جمعية الإصلاح والتوحيد. بعد انتخابات 1997، أدى توازن القوى الجديد داخل قوقعة الخطيب التي لم تعد فارغة كما كانت إلى تغيير اسم هذا الحزب من الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ألى حزب العدالة والتنمية، لإظهار طبيعته الإسلامية بوضوح. وفعلا، انتهت مشاركاته المختلفة في العملية الانتخابية إلى استدراك جزء من حالته الطبيعية التي لم تقوضها أحداث 16 مايو إلا قليلا.
خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم 27 سبتمبر 2002 وأثناء الانتخابات البلدية في سبتمبر 2003، تم تحديد اللعبة السياسية إلى حد كبير من خلال وجود الإسلاميين.
بالفعل، كان هذا هو الحال مع حزب العدالة والتنمية، الذي كان يمثله تقريبا أربعون نائبا في البرلمان أو الحركة من أجل الأمة، البديل الحضاري وخاصة حركة ياسين العدل والإحسان، التي لم تشارك ولكن كان لديها تأثير كبير على الاقتراع في اتجاه الامتناع عن التصويت (15٪ من البطاقات باطلة).
من بين الأحزاب السياسية، كان الإسلاميون هم بالفعل الوحيدين الذين يشغلون المجال الاجتماعي، إلى جانب الملك (مؤسسة محمد الخامس)، والحركات النقابية، والمؤسسات، والحكومة نفسها مننذ أحداث 16 ماي. ومن المنطقي أن يسعى الإسلاميون إلى تحويل هذه الأصول ( شفافية اعمالهم، قربهم من السكان، جاهزيتهم) إلى مقاعد. ولهذا، استشرفت انتخابات عام 2002 أفق انتخابات 2007.
هنا، يلاحظ مؤلف "التعايش بين الإسلاميين والعلمانيين" أن هذه السنوات الخمس وضعت الإسلاميين على المحك؛ إذ كانت بالنسبة لهم اختبارا سياسيا ولكن أيديولوجي وتنظيمي قبل كل شيء.
في نهاية هذا المشوار، يؤكد محمد الطوزي أن حزب العدالة والتنمية، الذي انتقل من وظيفة خطابية دون مسؤولية تذكر إلى تحديد مشروع اجتماعي، ملزم ببناء نفسه كحزب يطالب بالسلطة من خلال التأكيد على كفاءته.
للقيام بذلك، يجب أن يمر بنفس المراحل مثل أي حزب له خلفية أيديولوجية: إعادة الهيكلة لوضع الإيديولوجيين (الدعاة الدينيين) جانباً أو السيطرة عليهم، تمهيدا للتفكير في التحالفات غير الطبيعية المحتملة وبالتالي تنحية مطالبهم جانباً، وبالتالي إظهار التقوى والدخول في تنازلات تتضمن إعادة تفسير العقيدة من خلال اللعب على خيط رفيع بين الانتهازية والبراغماتية، وتهميش المؤتمرات الجهوية القاعدية ذات الرنين الشعبوي لصالح هيئات الأركان التكنوقراطية.
بعد تتبعنا لمسار الانتقال تابع الأستاذ محمد الطوزي بحثه حول موضوع تطور الحقل الديني المغربي برسم مسار الانتقال من جمعية الإصلاح والتوحيد إلى حزب العدالة والتنمية، ليذكرنا في البداية بأن الجمعية إياها تأسست عام 1982 - تحت اسم الجماعة الإسلامية - من قبل عضوين سابقين من الشبيبة الإسلامية، أول حركة إسلامية مغربية، تم حلها بعدما تورط مسؤولوها (خاصة مؤسسها عبد الكريم مطيع) في اغتيال عمر بنجلون، القائد النقابي وزعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عام 1975.
بعد ذلك، منذ عام 1984 والموجة الأولى من الاعتقالات، أعادت المنظمة النظر في العمل السري وتبنت إستراتيجية النضال السياسي. ثم جاءت المرحلة الثالثة التي بدأت عام 1992، كرد فعل على أحداث الجزائر ، وتميزت بتغيير اسم الجمعية التي كانت تسمى آنذاك الإصلاح والتجديد بهدف التميز عن الحركة الإرهابية الجزائرية.
في أطار هذا المسار المؤدي من الجمعية إلى الحزب، كتب الأستاذ الباحث أن المرحلة الأخيرة بدأت عام 1996, حيث انضم بعض أعضاء مكتب الجماعة إلى حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية بقيادة الدكتور الخطيب. وأكد مؤتمر الحزب، الذي عقد في يونيو من نفس السنة، الاتفاق على تقاسم مقاعد المكتب السياسي بين الحرس القديم للحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ورجال الحركة الإسلامية.
بعد بضعة أشهر، يضيف الأستاذ الطوزي، غيرت الجمعية اسمها مرة أخرى، لتطلق على نفسها ما باتت تعرف به الآن، وهو جمعية الإصلاح والتوحيد. بعد انتخابات 1997، أدى توازن القوى الجديد داخل قوقعة الخطيب التي لم تعد فارغة كما كانت إلى تغيير اسم هذا الحزب من الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية ألى حزب العدالة والتنمية، لإظهار طبيعته الإسلامية بوضوح. وفعلا، انتهت مشاركاته المختلفة في العملية الانتخابية إلى استدراك جزء من حالته الطبيعية التي لم تقوضها أحداث 16 مايو إلا قليلا.
خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم 27 سبتمبر 2002 وأثناء الانتخابات البلدية في سبتمبر 2003، تم تحديد اللعبة السياسية إلى حد كبير من خلال وجود الإسلاميين.
بالفعل، كان هذا هو الحال مع حزب العدالة والتنمية، الذي كان يمثله تقريبا أربعون نائبا في البرلمان أو الحركة من أجل الأمة، البديل الحضاري وخاصة حركة ياسين العدل والإحسان، التي لم تشارك ولكن كان لديها تأثير كبير على الاقتراع في اتجاه الامتناع عن التصويت (15٪ من البطاقات باطلة).
من بين الأحزاب السياسية، كان الإسلاميون هم بالفعل الوحيدين الذين يشغلون المجال الاجتماعي، إلى جانب الملك (مؤسسة محمد الخامس)، والحركات النقابية، والمؤسسات، والحكومة نفسها مننذ أحداث 16 ماي. ومن المنطقي أن يسعى الإسلاميون إلى تحويل هذه الأصول ( شفافية اعمالهم، قربهم من السكان، جاهزيتهم) إلى مقاعد. ولهذا، استشرفت انتخابات عام 2002 أفق انتخابات 2007.
هنا، يلاحظ مؤلف "التعايش بين الإسلاميين والعلمانيين" أن هذه السنوات الخمس وضعت الإسلاميين على المحك؛ إذ كانت بالنسبة لهم اختبارا سياسيا ولكن أيديولوجي وتنظيمي قبل كل شيء.
في نهاية هذا المشوار، يؤكد محمد الطوزي أن حزب العدالة والتنمية، الذي انتقل من وظيفة خطابية دون مسؤولية تذكر إلى تحديد مشروع اجتماعي، ملزم ببناء نفسه كحزب يطالب بالسلطة من خلال التأكيد على كفاءته.
للقيام بذلك، يجب أن يمر بنفس المراحل مثل أي حزب له خلفية أيديولوجية: إعادة الهيكلة لوضع الإيديولوجيين (الدعاة الدينيين) جانباً أو السيطرة عليهم، تمهيدا للتفكير في التحالفات غير الطبيعية المحتملة وبالتالي تنحية مطالبهم جانباً، وبالتالي إظهار التقوى والدخول في تنازلات تتضمن إعادة تفسير العقيدة من خلال اللعب على خيط رفيع بين الانتهازية والبراغماتية، وتهميش المؤتمرات الجهوية القاعدية ذات الرنين الشعبوي لصالح هيئات الأركان التكنوقراطية. جمعية الإصلاح والتوحيد إلى حزب العدالة والتنمية، نمر الآن مع الأستاذ محمد الطوزي إلى مسار آخر يهم هذه المرة جمعية العدل والإحسان التي اعتبرها الكاتب ثانية حركتين إسلاميتين مغربيتين قويتين.
وهكذا يقول الباحث في مستهل هذا المطلب إن الجمعية الإسلامية الأخرى، "العدل والإحسان"، غير المعترف بها من قبل الحكومة، هي الأكثر أهمية إلى حد بعيد، سواء من حيث عضويتها أو جودة مجموعتها العقائدية.
لقد وضعت الكاريزما - يردف الطوزي - في خدمة النشاط السياسي الديني. يمكن تفسير هذا البروفايل الشخصي من خلال السيرة الذاتية لمؤسسها الرمزي الشيخ عبد السلام ياسين، الذي بلغ من العمر حوالي سبعين عاما في 2009 (زمن كتابة هذه الدراسة) قبل أن توافيه المنية يوم 13 دجنبر 2012.
وبحكم سنه وتجربته الإدارية السابقة في وزارة التربية والتعليم، أمكنه التباهي بسنوات عديدة من الخبرة في التدريس وإتقان اللغتين العربية والفرنسية بشكل مثالي. على الصعيد الديني، كان إبان عقد الستينيات من أتباع جماعة البوتشيشية الصوفية، حيث أصبح يحظى باحترام شيخه.
في أوائل السبعينيات، ترك الزاوية، ليس من أجل خلاف مذهبي مع الصوفية، ولكن من أجل الرغبة في العمل السياسي.
في عام 1973، كتب ياسين رسالة إلى الملك دعا فيها العاهل إلى التوبة إلى الله والتصالح مع شرعه والكف عن الظلم و البطش.
وفي عام 1978، أصبح مديرا ل"الجماعة"، أول مجلة إسلامية (تم حظرها عام 1983 بعد ظهور سبعة عشر إصدارا). كلفه نشر عددين عام 1984 عامين قضاهما وراء القضبان.
حوالي عام 1985، أنشأ جماعة العدل والإحسان، التي جسدت في وقت واحد إطارا مرجعيا لآلاف الأتباع ومنظمة مهيكلة على نحو كاف.
في عام 1990، ألقت الشرطة القبض على عشرات الاطر، ستة منهم، وفقا للسلطات، كانوا يشكلون المجلس الأعلى للحركة. وقد حُكم عليهم بالسجن لمدة عامين ولم يخرجوا منه إلا بعد انصرام المدة الحبسية كاملة. في لحظة المغادرة وجدوا عند بوابة المعتقل حشدا من الأتباع الذين استقبلوهم استقبال الأبطال.
بعد هذه النبذة الوجيزة عن الشيخ ياسين، قال مؤلف "الإسلام في الحياة اليومية" إنه يمكن اعتبار الشيخ ياسين الأب الروحي الوحيد لحركته وواحدا من أهم الإسلاميين في المغرب. وعن إنتاجه العقائدي، كتب أنه يشمل حوالي عشرين كتابا كتبت بين عامي 1973 و 1989، ولا سيما "المنهاج النبوي".
بخصوص هذا الكتاب الأخير، يقول الباحث إنه توليفة أصيلة بين تعاليم الصوفية والفكر السياسي الديني لحسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928) وسيد قطب (أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين المصرية، التي ستستخدم نصوصها كأساس للحركة الإسلامية الثورية).
كانت الجامعة جبهة مميزة في استراتيجية الحركة منذ عام 1979. وتم التعبير عن هذه الحركية من خلال أسلمة المعيش الطلابي: فتح المساجد في الأحياء الجامعية، تنظيم الأسابيع الثقافية، إعادة تنشيط العمل النقابي من خلال اكتساح هياكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
وهنا يسجل الأستاذ الباحث أن هذا الوجود الهائل في الحرم الجامعي أدى إلى مواجهات، دموية في كثير من الأحيان، مع طلاب ينتمون إلى اليسار غير الحزبي. وتجدر الإشارة إلى أن الإسلاميين لا يتحملون وحدهم المسؤولية عن الأحداث التي تصدرت عناوين الصحف في وجدة وفاس طوال عام 1991، يضيف الكاتب.
وشهد العام الجامعي 96-97 تكثيف المظاهرات الطلابية. ذلك أن الحركة الإسلامية، ولا سيما العدل والإحسان، تريد الاستفادة من مغادرة اليسار - الذي كان آنذاك في الحكومة - لنافذة المعارضة لاحتلالها بهدف التناوب على السلطة في المستقبل. ولهذا حاولت من خلال الجامعة أن تؤكد حقوقها السياسية.
كان رد فعل السلطات عضليا إلى حد ما. ومع ذلك، ظل أقل من رد الفعل المعتاد، إذ اتخذ تدخل الشرطة في الحرم الجامعي مظهر العقاب وليس المواجهة، وكانت الأحكام الصادرة في المحاكمات اللاحقة معتدلة نسبياً.
كما رأت الجماعة في احتلال الشوارع أثناء المظاهرات العامة طريقة أخرى للظهور أمام الناس. وهكذا أظهر الإسلاميون مرات عديدة وزنهم في الرأي العام وأبانوا عن حس تنظيمي كبير. ولطالما فضلوا الاتزان، على الرغم من بعض "الأخطاء" اللفظية وغموض اللغة المستخدمة، ما أوحى بوجود قرابة فكرية بينهم والسلفيين الذين يتحركون على المستوى العالمي، ولا سيما الجهاديين.
منذ عام 1999، حاولت العدل والإحسان تأكيد حقوقها السياسية من خلال خلق دوائر سياسية كانت نشطة للغاية خلال انتخابات 2003 التي شارك فيها بعض المرشحين/الأتباع تحت يافطة حزب العدالة والتنمية أو غيره من الأحزاب السياسية، ولو كانت من اليسار. الهدف كان هو التأثير على الانتخابات، حتى بدون المشاركة كحزب. كلما انتخب مرشح يتبجح بالتقوى كحجة انتخابية، يصبح مؤهلا لانتخابه لعضوية العدل والإحسان.
يواصل الأستاذ محمد الطوزي حديثه عن المسار الذي قطعته جماعة العدل والإحسان منذ البداية ليذكرنا بأنه خلال السنوات السبع الماضية؛ أي منذ 11 سبتمبر 2001، وفي مواجهة ظهور السلفية الجهادية، تمكنت الجماعة بصعوبة من احتلال مكانها في صفوف المعارضة ومن التملص من الالتزام بالمواجهة السياسية من خلال المشاركة في الانتخابات. وهكذا ظهر تباعد المصالح بين الشيخ وأتباعه الأكثر تسييسا، تلاه توتر معين، أثاره فتح ملف اختيار خليفة لعبد السلام ياسين بسبب نقدمه في السن .
ومن الوسائل التي اختارها المتنازعون لحل هذا التوتر الناتج عن رفض البعض إشراك الجماعة في الانتخابات، وحرب الشواطئ المفتوحة نهاية التسعينيات، والخرجات الإعلامية لنادية ياسين، نجلة للشيخ، نعثر، منذ فترة، على مسألة الرؤى الصوفية.
بهذا الصدد، يذكر الأستاذ الباحث أن عام 2006 تميز بما سمته الصحافة عادة "رؤية 2006"، وهو تعبير يشير إلى نبوءات أتباع العدل والإحسان التي توقع من وحيها العدليون وقوع "حدث كبير في عام 2006" من شأنه أن ينصب الشيخ في السلطة.
من خلال تحليل مجموعة من حوالي ستين رؤية منشورة على موقع الجامعة وغيره على نطاق واسع، يصاب المرء بالصدمة من الانتهازية السياسية للمخيال الذي يقترحونه. أحيانا يكون النبي نفسه هو من ينصح بقراءة "المنهاج النبوي"، أو يشك في نصيحة تروم توجيه الجماعة أو يسمح لأتباعها بدخول الجنة، وأحيانا يكون للشيخ نفسه الأسبقية على الخلفاء الأربعة ويفرض نفسه كمن وقع عليه اختيار النبي في نور وهاج وتواطؤ بين الأماكن والفضاءات: بيت الشيخ في سلا وقد أضيف إلى لعبة تكافؤ الأماكن المقدسة في الإسلام.
عند التحليل، يبدو أن الدور الذي تلعبه هذه الرؤى سياسي للغاية. لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن مشكلة العدل والإحسان تكمن في ازدواجية هويته. هوية حزب سياسي حقيقي، راسخ ومنظم ومهيكل حول دوائر سياسية يمكن لها، عندما تسنح الفرصة، أن تشتغل باعتبارها كذلك. تكمن قوتهم في مزابا أيديولوجيتهم المعبئة ونسبة حضور عالية من النشطاء الذين يستمرون لما يقرب من 5 إلى 6 سنوات؛ ينضاف إلى ذلك أيضا انضباط مضمون وهيكلة وطنية، إلخ…
باختصار، نحن امام مجموعة من النشطاء السياسيين المحتملين. ويبقى الجانب الآخر من هوية الحركة متعلقا بالزاوية، وهناك توتر حقيقي بين هذين الجانبين.
حاليا (2009)، يتعايش هذان الوجهان ويعيشان في وئام بفضل حضور الشيخ ورؤاه التي قدمت طريقة لحل هذا التوتر. كان يُنظر إليها على أنها لصيقة بالواقع، ولديها واقع افتراضي وتنتج مشاعر رضا جسدية تقريبا.
لتوضيح هذه الفكرة، رسم الكاتب خطاطة بسيطة: هناك الشخوص، بمن فيهم المستمعون لقصة الرؤية والذين يظهروز فيها: النبي، بنته فاطمه، مولاي عبد السلام، مجلس الإرشاد، الملائكة.
إذا، هناك عمل ومكافأة. وبعبارة أخرى، بشرت الرؤى بنجاحات بعيدة كل البعد عن الواقع السياسي. لكنها، حتى الآن، نزعت فتيل اللعبة السياسية، مع الحفاظ على الضغط على الدوائر السياسية من خلال تحديد مواعيد نهائية واقتراح نظام لتحديد تراتبية لا علاقة لها بالممارسات على الأرض. النشطاء السياسيون يعرفون أن بإمكانهم التعبئة والفوز بالانتخابات المحلية، وأنهم أقوى من حزب العدالة والتنمية في قطاعات معينة. وهم يعرفون أيضا أنهم أكثر اتساقا وانسجاما، ولكنهم لا يستطيعون تأكيد هذه الاعتمادات في "محفظة الرؤى". والشيء الأكثر إثارة في تاريخ الرؤى أنه ليس من قبيل المصادفة أن يختار العدل نشرها.
كما أن هناك عناصر سياسية جدا ساهمت في مجد الشيخ، تماما مثل هذا الوعد الأسطوري المسيحاني الذي يستجيب قليلاً لميل صوفي. لكنها قطعت شوطا طويلاً في إنشاء الروابط أولاً، وفي تحديد التراتبية داخل الجماعة. وبالتالي، "يتم استقطاب" المستمعين لقصة الرؤية أكثر من غير المستمعين.
في الوقت نفسه، أعطى محتوى الرؤى بخلاف التعبئة والتراتبية، نظرة عن العالم مثيرة للاهتمام. إنها تمثل نوعا من المخرج، وليست مجرد خيال سياسي، حيث ترى المجموعة نفسها في المرآة، سواء في المستقبل أو في الماضي.
ويعتقد الأستاذ الباحث أن العدليين يلجأون إلى الرؤية كلما كان التوتر لا يطاق ويظهر الانقسام بين الحاجة إلى ممارسة السياسة، الحاضرة لدى المناضلين العمليين الذين يتطلعون إلى النجاحات السياسية والريوع التي تنتج عنها كما هو الحال لفائدة الأخ العدو المجاور، والمقصود به حزب العدالة والتنمية وإرادة أتباع النزعة الصوفية.
لذلك هناك حاجة للمماطلة؛ نظرا لأن القائد ليس لديه مصلحة في اتخاذ القرار والخوض في تضاريس لا يسيطر عليها بشكل كامل، وبالتالي تستجيب الرؤية أولاً للحاجة إلى الاستهلاك الداخلي للمجموعة.
حالما انتهى الأستاذ محمد الطوزي من تتبع مسار جماعة العدل والإحسان منذ إرهاصاتها الأولى، انتقل إلى الحديث عن السلفية بين التقوى والجهاد.
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، وتحت الضغط المزدوج للحركات "اليسارية" والإسلامية، اعتقدت السلطات المغربية أنها تستطيع تشجيع الإسلام المحافظ على حساب هذا الإسلام السياسي الأكثر تنافسية. وهكذا، دعمت السلطة ظهور السلفية وانتشارها من خلال المدارس القرآنية.
هكذا ظهر جيلان من السلفيين: الأول كان تقليديا بشكل فريد، بينما كان للجيل الثاني صلات أكثر شمولاً بمنظري الوهابية وتعززت بعودة الأتباع القدامى من أفغانستان.
كان اعضاء هذا الجيل الثاني يرتادون مساجد صغيرة ويلتقون بأبي حفص، الفيزازي وغيرهما الذين، كل في مسجده، حافظوا على الخطاب السلفي الجهادي. تم تضخيم كل هذا وجعله أكثر وضوحا من خلال القنوات الفضائية مثل قناة الجزيرة التي من خلالها تم اكتشاف الفيزازي.
بعد 11 سبتمبر اكتشف الشعب المغربي هذه التيارات السلفية التي هي في الحقيقة عبارة عن فرق كثيرة. إلى جانب ذلك، هناك الإسلاموية المغربية المغتربة في أوروبا، والمكونة من المتعاطفين مع حزب العدالة والتنمية والعدل والإحسان، وكذلك مع حركات أخرى مثل الشباب الإسلامي أو التبليغيين. نفس النزعة الإسلاموية، وهي على اتصال مباشر بالحركات الجهادية العربية وغيرها، أنجبت نوعا من النخبة المقاتلة التي تشكلت في معسكرات التدريب والتي أدت إلى ظهور الحركة السلفية المقاتلة المغربية. أنتج هذا الاقتران "الصهارة" التي تميز المجال الديني المغربي.
لكن وسائل الإعلام، بما فيها المغربية، هي التي ساهمت بشكل كبير في ظهور هذه الجماعات بعد 11 سبتمبر.
هنا يعرض الأستاذ الطوزي لمجموعة من العناصر التاريخية، مشيرا في البداية إلى أن مسار الانتقال من السلفيين في مطلع القرن إلى المفجرين الانتحاريين في 16 ماي مسار معقد.
يكمن الغموض، في نظر الكاتب، في حمولة تسمية "سلفي" التي تغطي حقائق اجتماعية وتاريخية مختلفة. في البداية، كانت الحركة السلفية جزء من مشروع نهضة الفكر الإسلامي قام به منظرون (الأفغاني ومحمد عبده) مفتونين بتقدم الغرب في نهاية القرن التاسع عشر ولم يترددوا في التوفيق بين الرغبة الشديدة في العودة إلى ممارسات صحابة النبي الأوائل، والهجوم العنيف على الاعتقاد في بركات الأولياء الصالحين من قبل الإسلام الشعبي والتقرب من المحافل الماسونية.
في المغرب، كانت هذه النسخة من السلفية القابلة للذوبان في القومية هي التي ستكون لها الأسبقية على التيار السلفي الآخر الذي ظل هامشيا، وكان لفترة قصيرة بمثابة صدى لحركية بني عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية في منتصف القرن الثامن عشر.
سوف يتذكر التاريخ رسالة كتبها السلطان مولاي سليمان ويقرأها بسخرية تدين الإخوان وتنادي بالعودة إلى الإسلام الخالص.
سوف تشكل السلفية - يتابع الباحث- خلال سنوات الحماية رابطا يحشد رجال الدين خريجي المناهج الدراسية التقليدية والأطر الوطنية الشابة التي كانت ترتاد الجامعات الأوروبية.
لكن غداة الاستقلال، لم تقاوم هذه السلفية منطق العمل السياسي، وستنفتح القومية على أيديولوجيات أخرى قائمة في ذلك الوقت، سواء كانت القومية العربية أو الاشتراكية. بعد إجلائهم من المشهد السياسي، سوف يستثمر السلفيون مجال التعليم من خلال المدارس الخاصة أو يلجون السراي لخدمة مشاريع الإسلام المحافظ الصارم التي أطلقها الحسن الثاني في محاولته استعادة السيطرة على المجال السياسي. خلال الستينيات، كان وجود السلفية في المغرب هامشيا وقبل كل شيء ذا طابع محلي، وسرعان ما تحول إلى شكل من أشكال التقوى اللاسياسية.
بالإضافة إلى الشخصيات الرمزية مثل تقي الدين الهلالي من مكناس، وهو أستاذ قديم في المدينة المنورة بعد اشتغاله في محطة إذاعية في برلين خلال الحرب العالمية الثانية، تنشط السلفية بشكل خاص في الشمال، لا سيما في طنجة (عائلة بن الصديق) وفي تطوان (الريسوني وبوخوبزة).
كان هناك عدد قليل من المجلات ذات الطبيعة السلفية (مجلتا "النور" في تطوان و"الميقات" في وجدة، التي يديرها الفقيه بن عبد الصمد التاجكاني، الذي درّس في جامعة تطوان).
بالنسبة لهذا التيار، كان معياره قريبا من المدرسة الحنبلية. وهو يقوم على قراءة حرفية للقرآن دون استخدام العقل.
كانت إعادة إنتاج هذا الإحساس التقوي من عمل شبكة من معاهد تعليم القرآن التي ستتغير أبعادها عندما تخطت طموحات المملكة العربية السعودية في انتشار الإسلام الوهابي.
في عام 1971، بعد مرور عامين على القمة الإسلامية في الرباط التي ستقرر، بضغط من مصر والجزيرة العربية، فتح جبهة الدعوة الإسلامية، تم افتتاح دار للقرآن في مراكش سميت جمعية دار القرآن. وفي عام 1976 ولدت جمعية ثانية تسمى جمعية الدعوة للقرآن والسنة بقيادة الشيخ المغراوي المقرب من المملكة العربية السعودية. وما كاد يحل عام 2001، حتى أصبح هذا الشيخ يترأس شبكة من حوالي 100 مدرسة في 30 مدينة مختلفة.
وهو يتابع حديثه عن شبكة التقوى والأتقياء، قال الأستاذ محمد الطوزي إنها تحولت نحو تكوين ذاتها كمرجع لحركة راديكالية تدعي أنها وهابية. إنها بمثابة سديم غير منظم بهت وهجه ​​محليا تحت أسماء مختلفة مثل التكفير والهجرة وجماعة الصراط المستقيم.
كان للانقسام الذي شهدته الحركة السلفية السعودية في أعقاب حرب الخليج في أوائل التسعينيات بين مؤيدي النظام والعلماء الذين يدينون الوجود الأمريكي في الأرض المقدسة تأثير مباشر على المشهد السلفي في المغرب.
سيأتي بعض الأفغان الذين مارسوا الجهاد على عدة جبهات في أوروبا والشرق الأقصى إلى المغرب ويطورون ثقافة جديدة تركز على الجهاد وتحملها شخصيات رمزية جديدة بعيدة عن الإسلام السياسي. تم استخدام تقنيات جديدة لنشر هذه الثقافة الجهادية من خلال عشرات المواقع الإلكترونية مثل موقع أنصار الإسلام وعشرات الأقراص المدمجة التي تحتوي على أفلام من الحرب الشيشانية أو الأفغانية أو خطب تجمع بين دروس عن السلفية وكتيبات إرشادية للحرب المقدسة.
بعد ذلك، يسجل الكاتب أن لدى السلفيين مستويين: المستوى العقائدي، التقوى، وهو من الناحية اللاهوتية منظم حول المدارس القرآنية والمساجد الخاصة.
بخصوص هذا المستوى، يلاحظ الكاتب أن العناصر التي تكمل الدورة بإقامة طويلة في السعودية أو تلك التي ترقت إلى شخصيات بارزة في السلفية العالمية مثل ابن الباز أو الشيخ ألباني أو الحوالي، اصبحوا بدورهم شيوخا وطنيين خرجوا من الظل بعد 11 سبتمبر بفضل حملة صحفية خلال صيف 2002. يتعلق الأمر بالشيخين أبو حفص وحسن الكتاني.
اما المستوى الثاني فتمثله هذه المجموعة من فرق صغيرة عنيفة تتغذى على الفكر الوهابي ولكنها تحولت إلى اللصوصية وجرائم القانون العام تحت غطاء "الجهاد". نشطت هذه المجموعات الصغيرة في المغرب منذ 1999، ولا سيما في مدن كاليوسفية والدار البيضاء وسلا وطنجة وتطوان والناظور ومكناس. كانوا منظمين في خلايا من 3 إلى 5 أشخاص يرأسهم "أمير".
تمثل هدف هؤلاء السلفيين التكفيريين في "تطهير المجتمع والعقاب". كما أكدت محاكمتهم صلاتهم المحتملة بالقاعدة.
إلى حدود 2001، لم تهتم الدولة المغربية بهذا الإسلام الراديكالي "الهامشي" الذي اعتقدت أنه غير سياسي، بل تسامحت معه بقدر ما أهلها ذلك لاحتواء النجاح الشعبي للإسلاميين السياسيين من "العدل والإحسان" وحزب العدالة والتنمية، وإسكاتهم لأنهم كانوا هدفا لهذه الجماعات العنيفة.
سيتغير هذا الموقف بعد 11 سبتمبر؛ إذ ضغطت الولايات المتحدة بثقلها لجعل الحرب ضد الإرهاب ضرورة مطلقة. بالإضافة إلى ذلك، تزايد القلق بين السكان حول قدرة السلطات على ضمان السلامة العامة وبشأن نفاذية التراب الوطني في مواجهة هذا التهديد المحتمل. في هذا السياق، من الواضح أن الحالة الجزائرية كانت بمثابة عامل إحباط.
وعن اعتداءات 16 ماي، قال الأستاذ الطوزي إنها غيرت المشهد جذرياً، حيث وقعت كلمة "سلفية" في عداد المحرمات والطابوهات، وتم الشروع في مطاردة "الملتحين" غير المنتمين إلى الإسلام السياسي دون ضمان حصانة الدولة ضد أعمال العنف الأخرى.
هكذا وجدت السلطة نفسها أمام سديم لا يتوافق مع أي شكل معروف من أشكال التنظيم. لا يوجد رابط عضوي بين الشيوخ الذين نشروا فتاواهم على شبكة الإنترنت، ونقلها الأئمة في المساجد الصفيحية والشباب غير الممدرسين المتحدرين من الأحياء الفقيرة والمستعدين للذهاب وتفجير أنفسهم أمام أهداف تقريبية.
لم يلح في الأفق مشروع سياسي سوى المساس بمجتمع معلن عنه كعدوا لله. وفي بيان وزع على شكل نسخ قبل أسابيع قليلة من هجمات 16 ماي، أصدر المحررون قرارا بأن المجتمع فاجر وأنهم في حالة حرب: "زوجاتكم وأطفالكم غنائم جيش الله". أما المعرفة عندهم فهي محتقرة.
كما ادعي المحررون الذين يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة الوصول المباشر إلى القرآن وثمنوا ما أسموه الفطرة ، وهي نوع من حالة الطبيعة التي تماثل كل حضارة بالانحراف.
ظل الإطار المرجعي لمنظمات الإسلام السياسي هو التراب الوطني، حيث كان عبد السلام ياسين يرفض أي انتماء عضوي أو مذهبي لتيارات غير مغربية.
إن وجود منظمته على المستوى الدولي تبرره الحاجة إلى تأطير المغاربة في أماكن أخرى. لم يوجد ولو عدلي واحد جنسيته غير مغربية.
وكان لحركة الإصلاح والتوحيد، الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية، نفس التوجه، مع اختلاف يتجسد في كون هذا الحزب لا ينتج عقيدة معينة. يقبل ربط الصلات العقائدية مع الحركات الأخرى (حزب العدالة والتنمية التركي أو الإخوان المسلمون). يمكن تكوين العلاقات مع الأفراد، بما فيهم الجهاديين، دون أن يترتب عن ذلك أي التزام على المنظمة.
ثم هناك مجموعة ثالثة من الإسلام السياسي (البديل الحضاري والحركة من أجل الأمة) تقدم لنا تشكيلة أخرى (سيتم تأكيدها بعد المحاكمة الجارية) بعد اعتقال ما سمي بشبكة بلعيرج. يبدو أن هذه المجموعة المرتبطة بشبكة دولية ظهرت بعد حرب الخليج، حاولت تمديد خطة الانقلاب القديمة للإسلاميين من الجيل الأول.
في الواقع، وفي هذه الحالة، كنا أمام حركة معترف بها في شكل حزب له جسم أيديولوجي تحول نحو إشكالية وطنية واتُهم بكونه مرتبطا بشبكة دولية تدين بمنطق جهادي كما سنرى لاحقا.
استكمالا لحديثه المستفيض عن السلفيات بالمغرب وتلاوينها، ارتأى الأستاذ محمد الطوزي أنه يجب التمييز بين ثلاث حساسيات سلفية من المحتمل أن تشير إلى عدة أسماء (علامات وتسميات، إلخ): السلفيون الجهاديون الذين هم جزء من شبكات مذهبية دولية أو قريبين من شيوخ المغرب الرئيسيين: أبو حفص، الكتاني، الفيزازي؛ السلفيون التكفيريون المحليون.
في المغرب، ترتبط الحركة الجهادية بتنظيم "القاعدة" من خلال شبكات مغربية في أوروبا، لكنها لا تتوفر على تنظيمات محددة في المغرب، فالنواة التنظيمية فوق كل شيء هي عبارة عن عُقد من الشبكات الافتراضية.
وأنجحهم هم المتخصصون في تجنيد المجاهدين للعراق خاصة في شمال المغرب مع احتمال تواطؤ مع شبكات تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية.
من الناحية الإستراتيجية، تحوّلت الحركة السلفية المغربية من الولاء للحركة الوهابية السعودية إلى اندماج الجهادية في الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية، لا سيما بعد ظهور القاعدة في المغرب العربي. حقيقة أن هذه الجماعات لا تحظى بدعم لوجستي وتواطؤ السكان شجعها على اختيار الخط الاستراتيجي الجديد الذي حددته القاعدة بعد الهجمات التي نفذتها على معسكراتها التدريبية وفشلها في العراق.
ويقول الكاتب إن الخيار المفضل هو الجهاد الفردي. كل عمل له قيمة عنف في حد ذاته، والهدف لم يعد الفوز بل إظهار أنهم موجودون، والمهم قبل كل شيء الحفاظ على الشعور بعدم الأمان.
في هذا السياق، لم يعد بإمكان قادة السلفية التقليديين السيطرة على الجهاديين الشباب. لا ينبغي الخلط بين هذا النوع من السلفية الجهادية والتيار التكفيري المحلي.
وبخصوص السلفيين التكفيريين، قال الأستاذ الباحث إنهم مجموعات صغيرة تجمعوا حول شيوخ محليين كانوا نشطين للغاية بين عامي 2000 و 2003، في الأحياء المهمشة، والأحياء العشوائية بشكل عام، حيث يتعذر على السلطات التدخل.
في كثير من الأحيان، يكون هؤلاء شبابا من ضحايا الهدر المدرسي، مجتمعين حول رجال دين محليين لديهم معرفة تقريبية ويحرضون على العنف الحضري من خلال معجم سلفي.
وبشكل الميليشيات التكفيرية - يواصل الطوزي - طائفة منغلقة، حيث يكون الالتزام السياسي للمسلحين والأتباع مشروطًا بقطع دائم مع الأسرة والإدارة والمجتمع. ثم ينظم التكفيريون الانتقال إلى العمل العنيف الذي يتألف، حسب رأيهم، من "ملاحقة الشر" و "التحريض على الخير" داخل الغيتو.
ومن خلال استبدال التبشير و"الكلمة الطيبة" بالأمر العنيف - "ديالكتيك القبضة" الذي قال به الفاشيون ذات مرة - فإنهم يقومون بقطيعة عميقة مع نهج سياسي للإغواء يستبدلونه بعملية تطهير، لأنهم يعتبرون السكان ضالين إلى الأبد وسادرين "في ظلمة هذا العالم".
في ختام لعبة التبصر هاته المحفوفة بالمخاطر، يقتبس الأستاذ محمد الطوزي من أندريه مالرو جملة مفادها أن "القرن الحادي والعشرين سيكون دينيا أو لن يكون"، ليؤكد أنها لن تسعفنا بأي شيء، حتى ولو شهدت كل المؤشرات المرصودة على حضور قوي للدين في بداية هذا القرن.
وبالفعل، فإن أهمية الهويات الدينية، المزعومة أو المختبرة، في القضايا الجيوستراتيجية والسياسية، الإقليمية والدولية على حد سواء، لا غبار عليها. الفرضية التبسيطية لعالم بلا اسرار قائده العقل العلمي وحده لم تعد مقبولة منذ منتصف السبعينيات. سوف يستمر الدين في احتلال مكانة أساسية في تحديد الرهانات السياسية لأنه سيشكل مصدرا مهما لنزع الشرعية عن الأنظمة السياسية القائمة كما لو كان من أجل تغذية اليوتوبيات الاحتجاجية.
لذلك يشهد المغرب سلسلة من التطورات المهمة في هذا المجال يمكن تلخيصها في سلسلة من الملاحظات الختامية.
اول ملاحظة سجلها الأستاذ الباحث تتمثل في أزمة المؤسسات الدينية النابعة من كون نموذج التنظيم المؤسسي للدين في شكل بيروقراطية دينية مع احتكار إنتاج خيرات الخلاص، وتاويل العقيدة والتنشئة الاجتماعية للمؤمنين بات مهددا، أكثر مما كان عليه في الماضي، من خلال ظهور كنائس جديدة (بالمعنى المحدد في سوسيولوجيا الأديان).
في الحالة الخاصة بالمغرب، حيث تتولى الدولة إدارة العبادة، فإن القدرة على اختلاق ونشر أرثودكسية دينية مبنية على وحدة العقيدة ستكون محدودة بشكل متزايد. إن الضغوط الأصولية، خاصة الأمريكية، التي تناضل من أجل الحرية الدينية، ستصبح أقوى شيئا فشيئا لتدفع المغرب إلى مراجعة الحماية التي يوفرها للمسلمين ضد المشاريع التبشيرية للكنائس الأجنبية.
الملاحظة الثانية خاصة بتدويل العرض الديني وتفتيت الطلب الديني، وهي تعود إلى إن الجمع بين عدة عوامل مثل الثورة التكنولوجية ووجود جاليات كبيرة من أصل مغربي في الخارج وانفتاح المشهد الإعلامي سيجعل المغاربة متحررين من الأنماط التقليدية للتنشئة الاجتماعية الدينية.
إن توفر عرض ديني متنوع لا تتحكم فيه الدولة بالكامل سيؤدي بالمغاربة إلى تكوين "قائمة" دينية خاصة بهم والسماح لأنفسهم بالتوفيق بين المعتقدات في إطار الديانة الإسلامية (في اتجاه التقارب مع المذهب الشيعي) وربما مع الأديان الأخرى، إما في إطار عملية علمانية تضع الممارسة الروحية في المجال الخاص، أو ضمن إطار حركة إصلاحية دينية كما هو الحال بالنسبة للبهائية.
يغلق الأستاذ الطوزي قوس الملاحظة الثانية بقوله إن المدرسة تتحمل
مسؤولية كبيرة لمنح الشباب الأدوات اللازمة للتنقل في هذا السوق الحر الخاص بالقيم الدينية.
اما الملاحظة الثالثة فيلخصها الكاتب في التعايش بين طلب العقلانية وطلب التعويذة. وتقتضي هذه الملاحظة ان حضور الدين وطلب التعويذة لا يعني التشكيك في عمليات العقلنة الجارية. يتم حل التوترات بين الاثنين على نحو براغماتي. المغاربة، مثل العديد من المجتمعات الأخرى، سوف يستمرون في الإيمان. من المرجح أن تتغير الممارسات الدينية، لتكتسب قوة لتحرير الفضاءات/الازمنة اللازمة لممارسة الأنشطة الأخرى غير الدينية.
وتبقى الملاحظة الخامسة مرتبطة بعلمنة الفكر السياسي والممارسات الاجتماعية. على هذا المستوى، سوف تتكثف العلمنة الحالية، دون التقليل من احتمالات استخدام الدين كأداة في المجال العام. وسوف يزداد الأمر سوء لأن عملية العلمنة الفكرية تتخلف عن عملية العلمنة الاجتماعية. هذا التناقض بين الفكر السياسي المتغلغل بعمق في النموذج الديني وبين تعبئة الماضي يغذي وسيستمر في تغذية استخدام العنف. وهذا يثير التساؤل حول الحاجة إلى توضيح مؤسسي للعلاقة بين السياسة والدين.
(



#أحمد_رباص (هاشتاغ)       Ahmed_Rabass#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اليسار المغربي بعد انتخابات ثامن سبتمبر: مآلات بئيسة ومفارقا ...
- في أفق تشكيل الحكومة الجديدة.. أخنوش يبدأ مفاوضات مع حزبي ال ...
- أفغانستان: طالبان تدخل كابول والرئيس أشرف غني أحمدزي يغادر ا ...
- موقف سلبي من واقع بئيس لن يزيده إلا بؤسا وسوء
- الممارسة السوسيولوجية في المغرب: تطور مؤسسي وتحديات جديدة
- فضيحة بيغاسوس.. الإمارات العربية المتحدة متورطة بالتجسس على ...
- برنامج بيغاسوس.. سلاح تكنولوجي إسرائيلي يستهدف المعارضين الس ...
- محمد سبيلا.. متابعة لمساره الحياتي والفكري من المهد إلى اللح ...
- مصر تصاب بالدهشة من الموقف الروسي حيال قضية سد النهضة مع شعو ...
- بناء الذات من وجهة نظر الفيلسوف فريديريك نيتشه
- مهرجان كان السينمائي: سبايك لي ولجنة التحكيم ضد -العصابات ال ...
- هايتي في حالة صدمة بعد اغتيال رئيسها ومقتل أربعة -مرتزقة
- الجزائر.. سيناريوهات تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات ال ...
- فيروس كورونا: سبب القلق الذي يثيره متحور دلتا
- السينما المغربية: بصيص من الأمل في التغيير
- علاقة الفلسفة بالعلم عند ابن رشد كما حددها الدكتور عزيز الحد ...
- ما الجدوى وما الغاية من الفلسفة؟
- موقف ديكارت ومالبرانش من مسألة خلق الحقائق الأبدية
- محمد الكنودي يوجه رسالة إلى محمد حفيظ ويدعوه فيها إلى الاستق ...
- أرجوحة مالبرانش بين ديكارت وأوغسطين


المزيد.....




- مراسل العالم: الأمن الروسي يعتقل خلية إرهابية من 8 عناصر تاب ...
- هل يغلق الكرملين فرع الوكالة اليهودية في روسيا؟
- يهود روسيا يتدفقون إلى إسرائيل مع استهداف الكرملين وكالة يهو ...
- صحيفة عبرية: يهود أمريكا يتلقون -منشورات معادية-
- حصيلة تفجير المسجد في كابول ترتفع إلى 21 قتيلا
- شاهد: مخيّم جديد و-خاص جداً- لمئات اللاجئين الأوكرانيين اليه ...
- تفكيك شبكة تروج للسلفية والافكار المتطرفة في شيراز
- الأمن الفدرالي الروسي يعتقل 8 أعضاء في منظمة -كتيبة التوحيد ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى بحماية شرطة الاحتلال ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر
- ميثولوجيا الشيطان - دراسة موازنة في الفكر الديني / حميدة الأعرجي
- الشورى والديمقراطية من الدولة الدينية إلى الدولة الإسلامية / سيد القمني
- الدولة الإسلامية والخراب العاجل - اللاعنف والخراب العاجل / سيد القمني
- كتاب صُنِع في الجحيم(19) / ناصر بن رجب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد رباص - تطور الحقل الديني المغربي في مواجهة تحدي العولمة