أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مصطفى العبد الله الكفري - حوادث دمشق اليومية خلال 21 سنة من القرن الثامن عشر للحلاق البديري















المزيد.....


حوادث دمشق اليومية خلال 21 سنة من القرن الثامن عشر للحلاق البديري


مصطفى العبد الله الكفري
استاذ الاقتصاد السياسي بكلية الاقتصاد - جامعة دمشق


الحوار المتمدن-العدد: 7176 - 2022 / 2 / 28 - 13:59
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


(لعلَّ كتاب "حوادث دمشق اليومية" هو من أشهر المؤلفات التي تحدثت عن هذه المدينة في فترة معينة، فهو يتناول واقع هذه العاصمة في أواسط القرن الثامن عشر، ويعرض لتاريخ هذه السنوات الإحدى والعشرين، اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، في مزيد من التفصيل والوضوح، حتى يمكن القول أنه من أهم المراجع للاقتراب من صورة دمشق في ذلك الزمن، إن لم نقل أنه أهمها على الإطلاق).‏ نصر الدين البحرة

صورة غلاف كتاب حوادث دمشق اليومية
كتاب (حوادث دمشق الشام اليومية) التي حدث غالبها أيام الوزيرين سليمان باشا العظم وأسعد باشا العظم، جمعه شهاب الدين أحمد بن بدير البديري الشهير بالحلاق، من سنة 1154 إلى سنة 1176 واشتملت حوادث دمشق الشام اليومية على غرائب وعجائب وأهوال، ولبساطة مؤلفها كتبها بلسان عامي، ثم أطنب بزيادات الحوادث وأدعية مسجعة يملُّ سامعها ويسأم قارؤها، فحذفت القشر من هذه الحوادث ووضعت اللباب، وهذبتها على حسب الاستطاعة بالصواب.
ألف كتاب "حوادث دمشق اليومية" أحمد البديري الحلاق الدمشقي، أحد أبناء دمشق في القرن الثامن عشر، دون فيه (حوادث دمشق اليومية) خلال إحدى وعشرين سنة من ذلك القرن (1154 و1175 هجرية، 1741-1762 ميلادية). لم يقصد البديري أن يدون تاريخاً لدمشق الشام فمثل هذا العمل الكبير كان فوق ما تحتمله ثقافة الرجل، بل كان فوق إدراك أكثر علماء ذلك الزمان، لكنه شهد أحداثاً انفعل بها، فانكب على أوراقه في محل للحلاقة صغير يسجل ما شهد وما سمع يوماً بعد آخر، دفعته إلى ذلك مجرد الرغبة في التسجيل خشية النسيان، أو هواية الكتابة والتعبير عن مشاعره والتنفيس عن كامن عواطفه وتسجيل رأيه في الناس وفي الحوادث، أو الرغبة في إفادة من يأتي بعده.
ظلت مدونه (حوادث دمشق اليومية) (ضائعة لفترة طويلة تناهز القرن ونصف القرن ولكنها وصلت بطريقة ما إلى مكتب الشيخ طاهر الجزائري. استعار الشيخ محمد القاسمي الكتاب من الشيخ الجزائري ومن ثم حققه ونشره بعنوان جديد تنقيح الشيح محمد سعيد القاسمي لحوادث دمشق اليومية. في عام 1378هجري الموافق 1959م نشر أحمد عزت عبد الكريم طبعة جديدة للمدونة بعد دراسة النسخة الاصلية ونسخة الشيخ القاسمي).
بدأ البديري تسجيل مذكراته ويومياته حوادث دمشق اليومية في عام 1154هـ/1741م واستمر بالتسجيل حتى سنة 1175هـ/1762م، ولعل هذه السنة هي سنة وفاته، (إذ توقفت بعدها يومياته، التي اكتسبت أهميتها من كونها صورة عفوية صادقة عن العصر الذي عاش فيه، من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية والأمنية).
(ظلت هذه المدونات مغمورة ضائعة مدة طويلة وقد تعددت الروايات في كيفية العثور عليها، واستقرارها في مكتبة الشيخ طاهر الجزائري، الذي احتفظ بها وأعجب بمضمونها بعدما عرف قيمتها التاريخية. كما أُعجبَ بها الشيخ محمد القاسمي واستأذن الشيخ طاهر الجزائري بنسخها، ومن ثم عكف على دراستها وتهذيبها وتنقيحها، ولما كان البديري قد سجل يومياته بلغته العامية العفوية، فقد عمل الشيخ القاسمي على إخراجها بحلة جديدة وبعنوان جديد وسماها «تنقيح الشيح محمد سعيد القاسمي لحوادث دمشق اليومية». ومنذ ذلك الحين اختفت النسخة الأصلية العامية ونُسيت ولم يبق إلى اليوم إلا تهذيب الشيخ القاسمي. ووجدت منه نسختان في المكتبة الظاهرية بدمشق، وأخرى في مكتبة أحمد تيمور باشا في دار الكتب المصرية بالقاهرة. وفي سنة 1959م، قام أحمد عزت عبد الكريم، بدراسة هاتين النسختين المهذبتين، وتعهدهما بالإصلاح والتعليق ثم نشر اليوميات بعد أن وضع لها مقدمة ).
كانت حوادث دمشق اليومية التي دونها البديري الحلاق تدور حول الموضوعات الآتية:
أخبار باشوات دمشق، أصحاب المناصب، والولاة، وقد استغرقت هذه الأخبار معظم صفحات اليوميات.
أخبار الفتن التي كانت يقوم بها العسكر العثماني في بلاد الشام وانعكاساتها على حياة الشعب الأمنية والمعاشية.
أخبار مواكب الحج واهتمامات الناس بها وحفلات وداع الحجيج واستقباله وأخبار المناسبات الدينية.
أخبار الحالة الاقتصادية والمعاشية في البلد وأسعار المواد التموينية في حال نقصها وارتفاع أسعارها وما يعانيه الشعب من إرهاق وضيق ينعكس على حالته الاجتماعية.
أخبار بعض رؤساء الطوائف، ونقباء الحِرَف ومعلمي المهن الذين كان لهم تأثير في حياة دمشق الاجتماعية والاقتصادية.
أخبار بعض المتصوفين وأصحاب الكرامات، وما يرافقها من قصص الغيبيات، التي كانت موضع اهتمام معظم أفراد الشعب في حينها.
تضمنت اليوميات منظومات المواليا، التي شغلت ما يقارب 11ـ15 صفحة. وكلها تصوير لأخلاق بعض فئات الشعب، ولاسيما المنافقين وتأثيرهم في أخلاق المجتمع.
كما حوت اليوميات التعليقات والحواشي التي تناثرت على هوامش الصفحات وأطرافها، معظمها يتضمن وجهة نظر البديري وتعليقه على بعض الحوادث والقصص. ومن الطرائف أن البديري الحلاق لم يذكر في هذه اليوميات شيئاً عن أخباره أو أخبار أسرته ولا سنة ولادته ومسار حياته في صباه أو شبابه ولا أخبار البيت والبيئة التي عاش فيها.
(وهكذا كما يذكر البديري شاع خبر في دمشق أن امرأة تحتال على الرجال والأولاد، فخاف الناس وكثر الفزع، ولم تمض أيام كثيرة حتى قبض العامة عليها، وخلفها الأولاد والرجال يضربونها ضرباً موجعاً. وعند مثولها أمام القاضي قالت:‏
"والله يا سيدي أنا امرأة فقيرة الحال ولي أولاد وعيال، وهذا القول عني زور وبهتان". فأمر القاضي بتفتيشها وتفتيش بيتها، فلم يجدوا معها شيئاً يذكر، ولم يعثروا في منزلها على غير متاع عتيق وقطعة من الحصير. وشهد الجيران أنها امرأة فقيرة... فأطلق سراحها ومضت).‏
من هو أحمد البديري؟
شهاب الدين أحمد بن بُدير، المعروف بالبُدَيْري الحلاّق. مدوّن شعبي، ناظم للمواليا، متصوف في حياته ومعاشه. يتحدر من أسرة شعبية غير معروفة كانت تقطن في ضاحية القبيبات في حي الميدان بدمشق. ولم تحدد المراجع سنة ولادته لكنه (توفي نحو 1175هجري)، ولم تذكر اليوميات إلا القليل من أخباره أو أخبار أسرته التي كانت تمتهن الحلاقة، فورث البديري عن جده وأبيه تلك المهنة، ونسب إليها، ومارسها في دكان صغير اتخذه قرب قصر أسعد باشا العظم حاكم دمشق. وكان هذا الموضع يجتذب نشاط المدينة وأحداثها اليومية الرسمية التي كان يشاهدها البديري الحلاق عياناً كل يوم.
ومن طبيعة هذا العمل (مهنة الحلاقة) ان البديري كان يلتقي بالكثير من الناس ويسمع أخبار المدينة والحكايات. بدأ بتدوين أحداث دمشق منذ عام 1154هجري عاماً بعد عام واستمر على هذه الحال واحد وعشرين عاماً، أي حتى عام 1175هجري ـ1762م دون يومياته بما يقرب من اللغة العامية.
فكانت تختزنها ذاكرته ويسجلها قلمه إضافة إلى مرويات زبائنه الكثيرين الذين كانوا ينتمون إلى مختلف فئات الشعب، وكانوا يروون له همومهم المعاشية والأمنية اليومية، في عصر كانت تسوده فتن العسكر العثمانيين وتمردهم واستبدادهم. وكان يقف على ما يجري في أنحاء دمشق من حوادث وأفراح ومآس ومواسم وأعياد.
كل هذه المشاهدات والمسموعات حركت إحساسات البديري الحلاق، فراح يسجلها بعد نضجه، بعفوية المدون الشعبي، على مدى عشرين سنة في صفحات عرفت بعدما ظهرت باسم «حوادث دمشق اليومية مذكّرات البديري الحلاق.
اليوميات:
قال البديري ما معناه: وفي سنة 1154 كان والياً بالشام الحاج علي باشا من الأتراك وذلك بعد مضي إحدى عشرة سنة من جلوس السلطان محمود خان بن السلطان مصطفى خان... (جرى على لسان العامة أنه سيحدث بدمشق الشام زلازل عظيمة تتهدم بسببها أماكن كثيرة، وأن الرجال ستقلب نساء، وأن أنهار الشام تجري طعاما. وتحدثوا في حوادث كثيرة من مثل هذه الخرافات، وصاروا يتداولونها فيما بينهم، ولم يحدث شيء فيما بعد من هذه السنة).
وفي (سنة 1155) اشتد الغلاء في سائر الأشياء سيما المأكولات، مع وجود الأغلال وغيرها، فمن عدم تفتيش الحكام صار البائعون يبيعون بما أرادوا من أثمان للمأكولات (غير أن الغنم كان قليلاً جداً فصار الجزارون يذبحون الجاموس والجمل والمعز، فصار يباع رطل اللحم الشامي بثلاثين مصرية، ورطل إلية الغنم بقرش وربع، والبيض كل ثنتين بمصرية، والسمن رطل وأوقتين بقرش، والثوم رطله بثلاثين مصرية، ورطل الخبز بأربع مصاري وبخمسة مصاري وبأكثر. وقد كان بثلاث مصاري ونصف. فبقدوم شهر رمضان المبارك غلت الأسعار حتى الخضر، فقد كان قبل رمضان الكوسا كل مائة بمصرية، فلما هلّ رمضان صار خمسة وأربعة بمصرية، والباذنجان كل رطلين بمصرية، فصار كل رطل بمصريتين، واللحم عدم، وكل ذلك من عدم تفتيش الحكام).
وفي اليوم الثالث والعشرين من شوال سنة 1156 من هذه السنة، قدم سلخور من جهة السلطان، وقام بتحصيل مال سليمان باشا، وقدره اثنا عشر ألف كيس، ودخل الشام مثل شعلة النيران، وأخرج حرم سليمان باشا من ديارهم إخراجاً شنيعاً، وصاروا يفتشونهم كذا، واحدة واحده، مع التفتيش في جيابهم وأعبابهم، وختم على جميع مخادع الدار، وأمر بالقبض على ابن عم المرحوم سليمان باشا، وهو السيد محمد، وعلى جماعة أخرى معه، وأمر بالترسيم الشديد عليهم، وسأل عن محمد آغا الديري، وكيل خرج سليمان باشا، فأخبروه أنه ذهب مع أسعد باشا إلى الحج، فأمر بجلبه، فجاؤوا به، وأمر بالترسيم عليه.
قال المؤرخ البديري: ( ثم أحضر السلخور القاضي والأعيان، واستجلب حرم سليمان الباشا، وأحضر الجلاد وآلة العذاب، وشدّد على الحريم بالطلب، وأن يعلموه عن المال أين مخبأ، فلما رأوا التشديد خافوا من العذاب وأقروا له عن بعض مخابئ تحت الأرض، فأرسل خلف المعمارية الذين عمروا السرايا، وكانوا نصارى، وكان المعلم نصرانياً يقال له ابن سياج، فأمر القبجي بتعذيبهم، وقطع رؤوسهم وأيديهم، فلما تحققوا عذابهم قالوا: نحن ندلك على كل ما عمل ثم أنهم حفروا له تحت الدرج، فبان عن سرداب، فرفعوا عنه التراب، ونزلوا في درج، فظهر مكان واسع وفيه صندوق مقفول وعليه غالات وقفول، فأخرجوه وفتحوه، فرأوه ملآن من الدراهم والريالات. ثم أخرجهم النصراني إلى مخدع، فحفر في دوائره، فإذا فيه سبع براني مملوءة من الذهب المحبوب السلطاني، فلما رأى الحاضرون ذلك الحال زاغت منهم الأبصار، ثم عدوه وضبطوه، فوجدوه ثمان مئة كيس وخمسين كيساً. فلما بلغ الناس ما خرج عنده من هذا المال، وكان في أيام شدة الغلاء، مع سوء الحال، لهجوا بالذم والنكال، وقالوا قد جوّع النساء والرجال والبهائم والأطفال حتى جمع هذا المال من أصحاب العيال، ولم يراقب الله ذا الجلال).
وفي اليوم الرابع عشر من شهر رمضان سنة 1157 بهذه السنة جاء فتحي أفندي الدفتردار من إسطنبول ودخل الشام بفرح وسرور، ولم ينله أدنى ضيم، وسبب ذلك ما بذل في الإسطنبول من المال الذي تميل به قلوب الرجال. وكان محسوباً على القظلار وجماعة من رؤساء الدولة كبار. وقيل إنه دخل إسطنبول سراً وفرق المال سراً وجهراً، وكان قد طلبه السلطان فزيّوا رجلاً بزيه، وأدخلوه على الملك، فقرعه بالكلام وبما وقع منه، وما أرسلت أهل الشام من الشكايات عليه، فكان كلما قال له حضرة الملك محمود خان كلاماً يشير له برأسه أن نعم، وكان قد أمره بذلك من أدخله، فحالاً أمر بقتله فقتل، وهو يظن أنه فتحي أفندي الدفتردار، ثم أمروا فتحي أن يلحق بالشام ليلاً. وفي آخر ذي الحجة بطلت الفلوس الذي كذا كانت ضرب الشام.
وفي سنة 1158 زاد غلو الأسعار وقلت الأمطار وعظمت أمور السفهة والأشرار، حتى صار رطل الجبن بنصف قرش والبيضة بمصرية وأوقية السيرج بنصف الثلث، ومد الشعير بنصف قرش، ومد الحمّص بنصف قرش، ومد العدس بنصف قرش، وغرارة القمح بخمسة وأربعين قرشا، بعدما كانت بخمسة وعشرين غرشاً، وأوقية الطحينة بأربعة مصاري، والدبس كل ثلاثة أرطال بقرش، ورطل العسل بقرش وربع، وكل شيء نهض ثمنه فوق العادة، حتى صار مدّ الملح بنصف قرش.
وفي نهار الأحد بعد العصر خامس عشر جمادى الثانية من سنة 1159 ضربت مدافع، (فسألت الناس عن الخبر، فقيل: إن سعد الدين باشا أخا أسعد باشا جاءته رتبة وزارة، وجاءه طوخ. فهرعت أكابر الشام لأجل تهنئة أخيه أسعد باشا. وكان أسبقهم لتهنئة الباشا فتحي أفندي دفتر دار الشام، فلما رآه الباشا قام ودخل لدهليز الخزنة، فتبعه وجلس عنده، فأخرج أسعد باشا صورة عرض وأراه إياه، فأخذه فتحي أفندي وقرأه، وإذا فيه الأمر بقتله. وقال له حضرة الباشا ما تقول في هذا. فقال سمعاً وطاعة. لكن أنا في جيرتك فخذ من المال ما أردت وأطلقني، فقال له الباشا: ويلك يا خائن، أنا لم أنس ما فعلت في نساء عمي. ثم أمر برفع شاشه وقطع رأسه، فوضع في رقبته حبل، وسحب إلى خارج السرايا وقطع رأسه، وأرسل للدولة. ثم أمر الباشا أن تطاف بجثته في سائر شوارع الشام وطرقها وأزقتها ثلاثة أيام، ففعل به ذلك، وطيف به عرياناً مكشوف البدن وتركوه للكلاب، ثم دفنت جثته في تربة الشيخ رسلان، وأمر الباشا بالإحاطة على داره وعلى ماله والقبض على أعوانه، فألقوا القبض على خزنداره عثمان وعلى ولده فأمر بحبسهما، ثم أتوا بأكبر أعوانه وكان يلقب بالعفصا فقطع رأسه حالاً. وزادوا على أعوانه بالتفتيش، فقتل بعض أعوانه وخدامه، ثم ضبط الوزير تركته وأموال أتباعه جميعاً للدولة العلية، فبلغت شيئاً كثيراً، وتفرق الباقون أيدي سبا، كأن لم يكونوا وانقضت دولة كأنها طيف خيال).
وفي نهار الاثنين خامس محرم سنة 1160 الموافق لأول كانون الثاني زادت المياه بسبب سيل عظيم، ودخوله للشام كان نصف الليل، فحصل طوفان لم يسمع له نظير من قديم الزمان، هجم الماء من نصف الليل إلى الشام، وأغرق جميع ما كان في طريقه من الدكاكين، وأتلف أموالاً كثيرة لا تعد ولا تحصى، حتى صار المرجة كالبحر، ومع ذلك الماء يخطف الطير، وله خرير ودويّ وهدير. وقد غطت هذه الزيادة حجر تاريخ القلعة، ومرت في الأسواق والدور وأخرجت شيئاً غير محصور، وقد صارت تحت القلعة وفي المناخ بالارتفاع طول قامة الإنسان.
قال المؤرخ البديري: (وقد دخلت إلى قهوة المناخلية بعد انصراف الماء فوجدت الماء في أعلى مساطبها أعلى من ذراع، وقد شاب من هولها الكبير والصغير. وقد غرق بها أناس غير محصورين، مع ما أتلف من البهائم والأموال وقد أضرت بجميع ما مرت عليه وانهدمت أماكن كثيرة لا تحصى وتركتها بلاقع. نسأله تعالى اللطف في المقدور آمين).
وفي سنة 1163 أمر حضرة الوزير أسعد باشا العظم متولي الجامع الأموي الشيخ إبراهيم الجباوي السعدي بأن يصلح أحوال الجامع المذكور ويتفقد مصالحه. فحالاً باشروا بترميم المئذنة الغربية، وأزالوا ما فيها من الأحجار العاطلة، وأزالوا ما به من الحصر والطنافس العتق، وفرشوه فرشاً جديداً بهمة حضرة الباشا.
وفي سنة 1164 فرض والي الشام أسعد باشا على الزعماء والأكابر والتجار بأن يأتوا له من مدينة حماة بقمح، ويكون أجرته منهم، فذهب بعضهم وأتى بقمح كثير، فبيعت الغرارة بإحدى وثلاثين غرشاً، ولم نستفد غير وجوده، وأما الغلاء فإنه باق بجميع الأصناف كما قدّمنا تسعيره.
وفي سنة 1166 شرع حضرة أسعد باشا في عمارة القيسارية التي في البزورية التي عزَّ نظيرها في الدنيا، وذلك بعد ما هدم قيساريتين ودور ودكاكين وجعلها قيسارية واحدة بهذه الصفة التي لا نظير لها. (وفي سلخ ربيع الثاني ربط غلام مراهق رسن فرس في زنّاره، وجلس يتوضّأ على نهر قرية القدم عند قبة العسالي، فجفلت الفرس وصارت تعدو والغلام مربوط برسنها، وتكرّ وترفس الصبي حتى وصلت إلى باب الله، فمسكوا الفرس فوجدوا الغلام قد تهشّم ومات، والغلام ابن أحمد بشه السحار القبيباتي، والفرس لأبيه. فأعلموا حضرة أسعد باشا حفظه الله فأمر بدفنه، ولم يلحق بأحد ضرراً).
وفي سنة 1166 سابع يوم مضى من تشرين الثاني هطلت أمطار كثيرة وأعقبها برد شديد وهواء يابس، حتى يبست المياه في البرك والبحرات ويبست الشجر وتشقق الصخر، واستمرت نحو بضع وعشرين يوماً، ويبس الليمون والكباد والنارنج وغيرهم من الأشجار واستمرت بضعاً وعشرين يوما، حتى تجدها في الطرقات كالصخور، ومات كثير من الوحوش والكلاب والطيور. وبلغني أن شخصاً كان له دجاج، فبيوم واحد مات له اثنين وعشرين دجاجة مع المحافظة عليهم. وأما في البراري فلا تسل عما صنع الجليد والبرد فيهم، فقد مات كثير من الطرش والغنم. ومات من أولاد العرب ونسائهم خلق كثير. وبلغني أن نواعير حماة وقفت والطواحين أيضاً والأسواق سكَّرت. فالحاصل سقعة مهولة وزميتة مزعجة وجليد مهول، ما سُمع ربما من مدة سنين.
ودخل ربيع الثاني الموافق تشرين الثاني من سنة 1172 ولم ينزل من السماء قطرة ماء. (وفي ليلة الثلاثاء ثامن ربيع الثاني سنة 1172 في الثلث الأخير من الليل والمؤذنون في المآذن يشتغلون المراسلة كذا صارت زلزلة خفيفة، وتبعتها ثانية ثم ثالثة زُلزلت منها دمشق زلزالاً شديداً، حسبت أهل دمشق أن القيامة قد قامت، فتهدّمت رؤوس غالب مآذن الشام ودور كثيرة وجوامع وأماكن لا تحصى، حتى قبة النصر التي بأعلى جبل قاسيون زلزلتها وأرمت نصفها، وأما قرى الشام فكان فيها الهدم الكثير، والقتلى التي وجدت تحت الهدم لا تحصى عددا. وفي الليلة الثانية زلزلت أيضاً في الوقت الذي زلزلت فيه الأولى، ثم حصلت في وقت صلاة الصبح وبالنهار أيضاً، ولا زالت تتكرر مرارا لكنها أخف من الأولين. وقد زاد الخوف والبلاء، وهجرت الناس بيوتهم، ونامت في الأزقة والبساتين وفي المقابر والمرجة، وفي صحن الجامع الأموي. وفي هذه الزلزلة وقع خان القنيطرة على كل من كان فيه، فلم يسلم من الدواب والناس إلا القليل، وكذلك خان سعسع. وقد وردت الأخبار إلى دمشق الشام أن بعض البلاد والقرايا انهدمت على أهلها، فلم يسلم منها ولا من دوابها أحد).
وفي ليلة الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول في محل أذان العشاء خرَّ نجمٌ من السماء من جهة الغرب إلى جهة الشرق، فأضاءت منه الجبال والدور. ثم سقط فسُمع له صوت عظيم أعلى من صوت المدافع والصواعق.
وفي سنة 1173 بوشر بعمارة جامع الأموي بعد الزلزال، فدخلته المعمارية والنجارون والدهانون والحجّارة، وبذلوا الهمة بتعمير القبة والجهة الشرقية وما سقط من المآذن وبتحسين جميعه، ولا يُفتح إلا في وقت الصلاة فقط. والعمارة أيضاً مشتغلة في القلعة وترميمها، وقد تمت عمارة القلعة في شهر رجب سنة تاريخه، وتم تعمير الجامع الأموي والجهة الشمالية والقبة وترميم المنائر وتحسينه في شهر رمضان من هذه السنة.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئة وألف. وكان والي الشام عثمان باشا أميراً بالركب الشامي، وكانت حجة مريحة لم يحصل أدنى كدر للحجاج. وكانت وقفة عرفات يوم الجمعة. ومن الاتفاق العجيب أن عثمان باشا خرج بالركب يوم الجمعة، ووقف على عرفات مع الحج يوم الجمعة، ودخل الشام يوم الجمعة. وفي مدته لم يحصل في الشام أدنى مكدّر، فعدل في الرعية، وعاشت أهل الشام بمدته عيشة هنية. وكان كيخيته سليمان بك مملوك سليمان باشا بن العظم. وكان في موت بيت العظم قد قاسى أهوالاً، فنال بصبره آمالا.
وفي تلك الأيام ورد الخبر إلى دمشق الشام بأن سعد الدين باشا بن العظم مات في ديار بكر، وجاء الأمر بضبط ماله، فضبطت الدولة على ماله واستولت على نواله، فقد نقل الثقات أنه خرج عنده مال عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
انتهى ما ذكره البديري من هذا التاريخ، واختصر حوادث السنين الأخيرة جداً وزاد سنة سهواً. والصحيح ما نقلناه. فسبحان من ليس بغافل ولا ساه. انتهى ما حررناه بقلم محمد سعيد أبي جمال، أحسن الله له الحال والمآل. وذلك قبيل ظهر يوم الخميس الرابع والعشرين من رمضان سنة 1317. تمّ الكتاب على يد الفقير خادم العلم الشريف محمد بن المرحوم الشيخ عبد القادر المجذوب في ميدان الحصا في رجب الحرام سنة 1323.
(يحفل كتاب "حوادث دمشق اليومية" بالأخبار التي جمعها أحمد البديري الحلاق في الفترة التي كان يسجل فيها حوادثه وقد استغرقت واحداً وعشرين عاماً ..... وكاد المؤلف أن يحصر اهتمامه بتدوين ما يجري في دمشق وحدها، من تولي الباشوات وكبار أصحاب المناصب، وعزلهم ومصادرة أموالهم كالمتسلم، أي مندوب الباشا لإدارة الولاية أثناء غيابه، والدفتدار أي المشرف على الحسابات المالية والقاضي والمفتي وآغوات العسكر، وهذه رتبة عسكرية. أضف إلى ذلك أنباء الحج، وطلوع موكب الحج من دمشق وعودته إليها، وما جرى له في الطريق، وفتن الجنود، ونهوض الأسعار واضطراب الأمن وفساد الأخلاق وانتشار الأمراض وغزو الجراد.. وحدوث ظواهر طبيعية من ريح شديد وخسوف وكسوف.. وفيضان وزلازل.‏
لكنه سجل أيضاً بعض ما كان يصل إلى علمه من أحداث تجري في دمشق أو غيرها، عن فتنة في بغداد أو حرب بين الدولة وبلاد فارس أو بين أشراف الحجاز... والمدونة (تصور لنا دمشق كحاضرة إسلامية، تكون وحدة سياسية وإدارية واقتصادية قائمة بنفسها، زاخرة بالحركة والنشاط فلها أدوات الحكم الخاصة بها، ولها قلعتها وسورها، ولها أجنادها، ولها علماؤها ومتصوفوها ومساجدها، وأحياؤها وحاراتها، وطوائف حرفها ـ ففيها كل العناصر التي كونت منها حاضرة، تستطيع-في السنوات العادية - أن يكفي نفسها بمواردها الخاصة).
ويلاحظ الدكتور عزت عبد الكريم أن أنباء الحج حازت على جانب كبير من اهتمام البديري، فقد كان يتتبعها كل سنة ويبدأ تسجيلها، بعد أن تتحرك قافلة الحجاج في أثر المحمل.. ويواصل هذا الاهتمام، بكل ما يمكن أن ينطوي عليه من تفصيلات وأخبار.. حتى تعود القافلة إلى دمشق.‏
تحدثت يوميات البديري الحلاق في كتابه حوادث دمشق الشام اليومية في أواسط القرن الثامن عشر، على وقائع كثيرة غريبة، يمكن أن نرى أنها من حيث دلالتها الأخيرة، خير شاهد على الحالة الاقتصادية - الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عاشها الناس في دمشق أواسط القرن الثامن عشر. حيث نجد ربطاً غير عادي، بين بعض الظواهر الاجتماعية كفساد الأخلاق مثلاً على حد تعبير واضع الكتاب، وبين بعض الكوارث الطبيعية كالسيل والزلازل والجراد.. وهو يرى أن الكوارث جاءت نتيجة للفساد وعقاباً عليه. هناك أيضاً إيمان بالخوارق والغيبيات. ففي أحداث عام 1159هـ الموافق للسنتين الميلاديتين 1746-1747 وصل الجراد إلى الشام، فنزل على بساتينها "فأكل حتى لم يبقِ ولم يذر".
في مثل هذا المناخ الفكري المتخلف والحالة الاجتماعية المتردية.. تصاب المحاكمة المنطقية بالعطالة ويغدو الذهن جاهزاً لتقبل الشائعات وتصديقها... دون إعمال الفكر بالنظر فيها وغربلتها.
الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
كلية الاقتصاد – جامعة دمشق
دمشق ص ب 12341 سورية



#مصطفى_العبد_الله_الكفري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التكامل الاقتصادي العربي في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة
- الترجمة فعل ثقافيّ لغويّ حضاريّ يربط بين الحضارات والشعوب
- الأسهم في سوق الأوراق المالية
- أبو نصر الفارابي من العلماء الألمعيين الذي يعدون فخراً للإنس ...
- كيف تعمل منصات النفط الكبيرة للحفاظ على النظام لتحقيق الأربا ...
- الأزمات المالية في الاقتصاد الأميركي تاريخ الأزمات يعيد نفسه
- الحصاد الاقتصادي في سورية خلال العقد الأول من القرن الواحد و ...
- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أزمة ثقة نخرت نظام الائت ...
- هل فشل النظام الاقتصادي العالمي؟ أم ما زال يعمل بكفاءة؟
- الأمن الغذائي العربي
- (إلى أين يذهب العرب؟) كتاب يمثل رؤية ثلاثين مفكّراً عربيّاً ...
- الأزمة القادمة التي لا نعرفها، وباء الكورونا (الفيروس الاقتص ...
- النتائج المبهرة للاقتصاد الصيني
- ابن سينا الشيخ الرئيس ظاهرة فكرية عظيمة
- إستراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك
- التنمية المستدامة، تحسين ظروف معيشة جميع الناس
- برامج التصحيح وإعادة الهيكلة في الدول العربية
- تطور العلاقات الاقتصادية السورية الروسية
- الظاهرة القرآنية كتاب من تأليف مالك بن نبي
- م ع ك التقرير الاقتصادي الأسبوعي رقم 371/ 2022 M E A K -Week ...


المزيد.....




- لماذا غضب المصريون من تمثال لعالم الآثار الفرنسي شامبليون؟
- تقرير: مصر أكبر مستوردي الأسلحة من فرنسا خلال 2021
- رئيس مجلس النواب اللبناني يدعو إلى جلسة برلمانية الخميس لانت ...
- صعود اليمين للسلطة في إيطاليا .. أي تأثيرات على قضايا الهجرة ...
- الخارجية الروسية تستلم أورواق اعتماد السفير الجديد للاتحاد ا ...
- تركيا تدين بشدة تهجّم نائب رئيس البرلمان الألماني على شخص أر ...
- ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا 19% بعد التلويح بعقوبات روسية ض ...
- سعيّد يطالب بتقييد استيراد الكماليات وطعام الحيوانات
- الرئيس تبون يوجه دعوة إلى العاهل المغربي لحضور القمة العربية ...
- العائلة المالكة في بريطانيا تعود لأداء مهامها بعد انتهاء الح ...


المزيد.....

- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مصطفى العبد الله الكفري - حوادث دمشق اليومية خلال 21 سنة من القرن الثامن عشر للحلاق البديري