أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مصطفى العبد الله الكفري - الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أزمة ثقة نخرت نظام الائتمان العالمي















المزيد.....



الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أزمة ثقة نخرت نظام الائتمان العالمي


مصطفى العبد الله الكفري
استاذ الاقتصاد السياسي بكلية الاقتصاد - جامعة دمشق


الحوار المتمدن-العدد: 7160 - 2022 / 2 / 12 - 13:23
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


Contents
أولاً - أسوأ أزمة منذ الثلاثينات: 2
- اتساع دائرة التعامل مع الأصول المالية: 3
- أسباب الأزمة العالمية: 6
- هل هذه أزمة عابرة: 8
ثانياً - الأزمة مرتبطة بالاقتصاد العالمي والارتدادات كبيرة 10
ثالثاً - تطور مراحل الأزمة: 11
رابعاً - البحث عن حلول لفوضى حركة رؤوس الأموال: 12
1 - قصور واضح في أسلوب أداء أسواق المال: 13
2 - هوس مالي: 14
خامساً - خطة لإنقاذ القطاع المصرفي الأمريكي: 15
- أساس الخطة تصور لوزير الخزانة الأمريكي: 16
- ماذا تعني خطة الإنقاذ على الصعيد الأمريكي الداخلي؟ 16
- الأصداء الخارجية للخطة الأمريكية للإنقاذ: 17
سادساً - دور الصين في حل الأزمة المالية العالمية الراهنة: 18
سابعاً - تأثير الأزمة العالمية على اقتصادات الدول العربية: 20
تأثر سورية بالأزمة المالية: 22
ثامناً - التداعيات المستقبلية للأزمة المالية العالمية عالية المخاطر 22
الخاتمة - ويبقى السؤال ما هو الحل؟ 2


الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الأسباب والتداعيات
أزمة ثقة نخرت نظام الائتمان العالمي
الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
المقدمة:
دقت نواقيس الخطر مع ظهور أزمة قروض الرهن العقاري في آب 2007 وظلت تتفاعل لتقوض سوق العقارات، أحد أهم ركائز الاقتصاد الأكبر في العالم، في وقت اختلفت الآراء حول الأسباب الحقيقية للأزمة الناتجة عن القصور في تسديد القروض العالية المخاطر. ويبدو أن نواقيس الخطر تلك لم تستطع إيقاظ الغافلين حتى أفاقت الأسواق على خطر داهم كان أوله أزمة الرهن العقاري ووسطه خطة إنقاذ حكومية بتكلفة 700 مليار دولار تحمل الحكومة الأميركية - أكبر حكومة مدينة في العالم - أعباء ديون إضافية قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتزيد الضغوط على العملة الأميركية، وآخره غير محدد المعالم.
وحلّت أخبار الاقتصاد الأميركي المتردي في بداية الأزمة محل أخبار الحرب في العراق، فانزاحت الأحداث الدموية في العراق إلى الدرجة العاشرة من اهتمامات الإعلام الأمريكي، وأضحت المسألة الاقتصادية القضية الأعظم أهمية في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وبات التباري بين المرشحين أوباما وماكين على كيفية الإصلاح والخروج من الأزمة المالية التي تعصف بالاقتصاد الأمريكي.
هل أخفقت واشنطن في استعراض القوة عن تحقيق المراد؟ لذلك بادرت الإدارة الأميركية إلى استعراض أكثر تأثيراً وتحطيماً لدول العالم؟ خاصة مع بروز قوى لم يقتصر صعودها على الشأن العسكري بل والاقتصادي والأخلاقي معاً. مقابل أفول وبداية تلاشي المكانة الأميركية العسكرية والاقتصادية والأخلاقية. ما استدعى ضرورة هذا الانهيار؟
كل شيء وارد مادام انهيار الثقة والمصداقية يتصدران قائمة الانهيار الأميركي الأكبر!
على إيقاع الإفلاس والانهيارات..


أولاً - أسوأ أزمة منذ الثلاثينات:
تبخرت الآمال في إبقاء الضرر محصوراً على حفنة من المؤسسات المالية التي قامت بمراهنات سيئة على رهون عقارية. وربما كان الوزير هانك بولسون على حق عندما طالب بوجوب إنقاذ (إيه آي جي) لتفادي انهيار مالي أكبر، وسلسلة التأميمات التي تمت حتى الآن كانت تستند إلى تقديره لما يشكل خطراً على النظام المالي برمته (بير ستيرنز، فاني ماي وإيه آي جي). الشفافية غير متوفرة وعندما تقرر الخزانة التحرك فهي تنقض بصفقة بدون منافس وتملي بشروطها على الشركة المستهدفة، في حين أن أقل ما يجب على وزير الخزانة أن يفعله هو أن يبرر طبيعة هذه المخاطر عندما يجازف بـ 700 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب. إن الفيدرالي ستنفذ منه الأموال إن عاجلاً أو آجلاً بسبب هذا الاستحواذ الحكومي على الشركات، خاصة وأن بيان الموازنة قد وضع لتمويل عمليات السوق المفتوح، فضلاً عن العمل كمقرض الملاذ الأخير من حين لآخر بالنسبة للبنوك المنظمة، وأصوله ظلت منذ زمن طويل أذون خزانة أو عملة بشكل أساسي. ويتعين على الوزير بولسون أن يطلب من الكونغرس استخدام سلطته لوقف الهلع، وأن الحاجة ماسة.
- اتساع دائرة التعامل مع الأصول المالية:
تميزت فترة الكساد الكبير 1929 وغيرها من الأزمات الاقتصادية السابقة بكونها أزمة إنتاج أو كساد وغيرها من المشاكل المتعلقة بالاقتصاد الحقيقي وانعكاسات الأزمة على تقييم أسهم الشركات المعنية والسندات المالية الممولة للاقتصاد.
شهدت السنوات العشرين الأخيرة من القرن العشرين اتساع دائرة التعامل مع الأصول المالية وبخاصة الأسهم والسندات ومشتقاتها من عقود آجلة وعقود خيارات على نحو واسع جداً لم تشهد له مثيل من قبل .
(وفي ظل هذه " السكرة المالية" اندفعت أعداد وفئات عديدة من المدخرين ومن المضاربين المحترفين إلى دخول لعبة " الحظ والمصادفة" في أسواق المال العالمية، وعندما انهارت الأسواق المالية في أسيا خلال صيف 1997، جاءت التحليلات من البلدان الرأسمالية المتقدمة لتلقي بالمسئولية على قلة الخبرة للمؤسسات المالية في تلك البلدان. وضعف القطاع المالي، وانعدام رقابة البنوك المركزية والفساد، وغير ذلك من المسببات. وصدق البعض هذه التحليلات لفترة، وكأن الأزمة ليست " أزمة النظام المالي الجديد" في مجمله الذي يعجز عن التأمين ضد مخاطر السوق المالية المتزايدة، وعدم كفاية رأس المال للشركات المالية وصناديق المخاطرة لتغطية مخاطر السوق غير المتوقعة.
بعد أن كانت (ثقافة الهوس المالي) (والربح السريع) من خلال معاملات البورصات والأسواق المالية في الماضي مرتبطة حصراً بالمتعاملين من أبناء الطبقات العليا، ظهر اليوم دخول العديد من عناصر الطبقات الوسطى والدنيا عالم المضاربات والبورصات، وهي تعتمد بشكل متزايد على الدخل الريعي ( التريع) المنفصل عن الإنتاج والجهد . وقد يكون هذا الأمر مقبولاً في الدول الرأسمالية المتقدمة التي تجاوزت مرحلة بناء القواعد الإنتاجية وتطورت فيها قوى الأموال بشكل كبير جداً. أما في البلدان النامية، والتي ما تزال فيه القاعدة الإنتاجية والقوى المنتجة غير متطورة، فإن عملية (التريع) ستؤدي إلى إعاقة التنمية فيها.
فأزمة الأسواق المالية لم تعد ذات طابع آسيوي كما اعتقد البعض عام 1997 إنما هي أزمة عامة للنظام المالي المعولم. ولن يستطيع صندوق النقد الدولي القيام بعمليات إنقاذ مالي لكل اقتصاد يدخل دائرة أزمة " الذوبان المالي" نظراً لان موارده المالية محدودة، ولن تسمح بالمزيد من برامج الإنقاذ الكبيرة، ناهيك عن الاعتبارات السياسية والأولويات الاستراتيجية في هذا المجال وإذا استمرت تلك الأعاصير المالية، فإن عمليات العولمة المالية: سوف تجر من المفارم أكثر مما تجلبه من الغنائم لاقتصاديات البلدان النامية وأسواقها المالية الناشئة.
سمات جديدة لطبيعة الأزمة المالية التي نشهدها منذ صيف عام 1997، قد تكون المظاهر والأعراض واحدة، ولكن المسببات والمخاطر مختلفة. إذ إن الأزمة الراهنة هي نتاج لعمليات العولمة المالية والتحرير المبكر للأسواق المالية في البلدان النامية وتحرك الأموال الساخنة أو الجوالة على نطاق وحجم لم يشهد التاريخ المالي مثيلا له ويكفي لنا أن ندلل على هذه السمات الجديدة ببعض الأرقام المستقاة من مصدر دولي لا يرقى إليه الشك وهو " بنك التسويات الدولية " ومقره بازل في سويسرا.
تشير البيانات المتوافرة عن حركة الأموال التي يجري تحركها في الأسواق العالمية إلى أن حجم التعامل اليومي كان نحو 80 بليون دولار في أوائل الثمانينات ثم ارتفع إلى نحو 880 بليون دولار أمريكي عام 1992 ثم قفز إلى 1260 بليون دولار أمريكي عام 1995 م أي نحو 1.25 تريليون دولار يومياً ولا شك أن الرقم ألان يقرب من 2 تريليون دولار أمريكي عند نهاية التسعينات).
هناك قصور واضح وعميق في أسلوب أداء أسواق المال والعملات على الصعيد العالمي، وبخاصة في ظل اتساع نطاق حركة النقود الإلكترونية وتزايد حجم الأموال الساخنة (أو الجوالة) وتكوين مراكز في أسواق المال بواسطة المضاربين وشركات السمسرة الدولية الذين يراهنون على نقاط الضعف في اقتصادات وأسواق المال الناشئة في الدول النامية.
لابد من الاعتراف بأن النظام المالي الدولي الراهن، وفي ظل العولمة المتزايدة لأسواق المال والعملات، يفتقد للقواعد المنظمة التي تحكم سلوك المضاربين الماليين وشركات السمسرة الدولية بما يحقق مزيداً من الشفافية وضبط حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل (سريعة التداول)، ويحقق حماية لمسيرة التنمية والتقدم في البلدان النامية.
يؤدي عدم ضبط تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل إلى تزايد حدة الصدمات المالية الخارجية والذعر المالي الذي يؤثر على مستوى أداء الأسرع المختلفة، ويعصف ببعض مكونات الاقتصاد الوطني في الدول النامية. لذلك لابد من البحث عن حلول جادة لهذه المشكلة التي تمثل أحد مخاطر العولمة والتحرير والتدويل المالي المبكر.
الأزمة وللمرة الأولى أزمة مالية عالمية بهذا الحجم وستنتقل تدريجياً لتصبح أزمة اقتصاد وإنتاج كساد وركود ومشاكل في التسويق على مستوى العالم. لذلك ربما نشهد سلوكاً متواصلاً من مختلف دول العالم لسياسات تخفيض متقابلة لعملاتها بشكل غير مباشر وربما نشهد أيضاً توجهاً متزايداً نحو مضاربات على العملات بالإضافة إلى توظيفات مكثفة في المواد والمنتجات السلعية مثل الذهب.
شبه كبير اقتصادي البنك الدولي جوزيف ستيجلتز، حالة البلدان النامية التي تقوم بتحرير وتدويل أسواقها المالية وبورصاتها "بالقارب" المبحر في عرض البحار عالية الموج، وهذا القارب مهما كان تصميمه سليماً هندسياً ويتمتع بطاقم قياده على درجة عالية من المهارة والكفاءة والأمانة، فهو معرض لخطر الفرق نتيجة ارتفاع الأمواج العالية والعاتية في بحار المال العالمية. واستخدام تعبير القارب هنا وليس السفينة إنما هو إشارة واضحة إلى الحجم الصغير لاقتصادات البلدان النامية البازغة، وأسواقها المالية بالمقارنة مع مجمل المعاملات المالية الدولية.
كما أشار جيفري ساكس Jeffery Sachs مدير معهد هارفارد للعلاقات الدولية في الدراسة التي قدمها للمنتدى، إلى المسؤولية التي يتحملها صندوق النقد الدولي في تعميق الذعر المالي على الصعيد العالمي، مما ساعد على تعميق الأزمة المالية في كل من آسيا وروسيا والبرازيل، الأمر الذي يستدعي إعادة تصميم برامج الإنقاذ المالي، والملاحظ أن الكل الآن يحاول أن يلقي بمسؤولية الأزمة على الآخرين فتارة على صندوق النقد الدولي وتارة على صناديق الاستثمار والتحوط وتارة على الحكومات وصانعي السياسات في بلدان الأزمة وتارة على الفساد المستشري، وحقيقة الأمر أن كل هذه الأطراف قد شاركت في صناعة الأزمة وتتحمل جزءا مهما من مسؤولياتها ولذا فإن الحلول الجذرية تحتاج إلي تصحيح لكل مسارات وسلوكيات هؤلاء اللاعبين الأساسيين على المسرح الاقتصادي العالمي.
وأوضح (السيد ياسين مستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، أن العالم يشهد الآن سقوط النموذج الرأسمالي الجديد ونحن بصدد صياغة نموذج جديد يحقق التوازن بين الدولة والسوق. بينما أشار د. طه عبد العليم نائب مدير مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، إلى أن الأزمة المالية سقطت معها المزاعم التي كانت تتردد بشأن أن السوق قادرة على تصحيح انحرافاتها وتجاوز أزماتها ولا تحتاج إلي تدخل الدولة مؤكدا أن الأزمة أسقطت المزاعم التي تقول إن القطاع الخاص جيد وأن عولمة الأسواق سبيل الرخاء.
وأكد الدكتور عبد الفتاح الجبالي رئيس وحدة البحوث الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام أن الأزمة الحالية سبقتها أزمات كبري وهي أزمة الغذاء العالمي وارتفاع أسعاره بشكل غير مسبوق في العام الماضي وما أعقبه من ارتفاع أسعار النفط بتقديرات وصلت الي ما يقارب من 200 دولار للبرميل.. مؤكدا أن الأزمة المالية الحالية من أسوأ الأزمات التي مر بها الاقتصاد العالمي في غضون مائة عام وتدل على أن آليات الاقتصاد العالمي ضعيفة وتعصف بالاقتصاديات الأضعف.)
- أسباب الأزمة العالمية:
تحدث الأزمة المالية عادة نتيجة إخفاق الجهاز المالي وتراجع مستوى أداءه، ويعبر عنها بخسائر مالية كبيرة، وانهيار المؤسسات المالية، وفقدان الثقة بالجهاز المالي. يرافقها عدد من الظواهر أهمها:
• نقص السيولة (تباطؤ تدفق المال).
• يؤدي نقص السيولة المالية إلى قيام الشركات بإلغاء بعض مشروعاتها وتسريح العمال،
• المس بمدخرات الجمهور في السوق المالية،
• انخفاض شراء المنتوجات من السلع والخدمات.
وتعد الأزمة المالية العالمية الحالية، من الوجهة المالية الأشد خطرا منذ أزمة الكساد الكبير في عام 1929. اليوم تحولت الأزمة المالية العالمية إلى أزمة اقتصادية عالمية، يعبر عنها بانخفاض حاد في الاستهلاك، وانخفاض الإنتاج، وزيادة إفلاس الشركات، وتراجع إيرادات الدولة من الضرائب، وارتفاع حاد للبطالة وازدياد الفقر وغير ذلك. وتؤثر أزمات بهذه القوة في قدرة الدول على تحقيق أهدافها الوطنية في شتى المجالات وبخاصة في المجال الاقتصادي والتنموي وقد تشكل خطرا على استقرارها الداخلي.
أهم أسباب حدوث الأزمة نشوب ما سمي بـ “ظاهرة القروض عالية المخاطر" التي أدخلت القطاع المصرفي الأمريكي في دوامة الخسائر والاضطرابات، وذهب ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين الأمريكيين. اندلعت أزمة القروض عالية المخاطر بسبب إقدام العديد من المصارف المختصة في قطاع العقار على منح قروض لمئات الآلاف من المواطنين ذوي الدخل المحدود، متجاهلة بذلك قاعدة الحذر وتقييم المخاطر. واعتمدت البنوك والمصارف هذا النهج في ظرف اتسم بنمو غير مسبوق لقطاع العقار وانخفاض هام لنسب الفوائد المعمول بها، الأمر الذي أدى بأعداد كبير من الأمريكيين إلى حد القناعة أن الفرصة جد مواتية لشراء مسكن. ومع الارتفاع المفاجئ لنسب الفوائد في الأسواق المصرفية الأمريكية، وجد عدد كبير من الأمريكيين أنفسهم عاجزين عن تسديد قروضهم، الأمر الذي أدى إلى خلق جو من الذعر والهلع في أسواق المال وأوساط المستثمرين في قطاع العقار. وبمجرد ظهور الاضطرابات الأولى، تسارعت البنوك إلى مصادرة منازل العاجزين عن تسديد القروض وبيعها على خلفية أزمة مفاجئة وحادة لقطاع العقار نتيجة تراجع الأسعار بنسب كبيرة.
ويرى بعض الخبراء أن أهم أسباب الأزمة يتمثل فيما يلي:
• أنفاق الحكومة الأميركية أكثر من /3/ تريليون دولار على حروبها المتنقلة.
• فوائض الدول ذات الميزان التجاري الفائض مثل الصين واليابان وروسيا. ‏
• فوائض الدول النفطية الناجمة عن زيادة أسعار النفط، فاستثمرت جزءاً منها في بلدانها وتوجه الجزء الأكبر للاستثمار في الخارج. ‏
• الاقتراض أحياناً بفائدة منخفضة من المصرف المركزي في ظل تواجد توظيفات هائلة في صناديق سيادية مستقرة بعملة اعتبرت مستقرة بالنسبة لغيرها. ‏
لقد جمعت الأزمة المالية العالمية الحالية كل هذه العناصر لتصبح شبحاً يهدد الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأميركي الذي يمثل نحو 40% من اقتصاد العالم، ويذكر بالكساد الكبير الذي عصف بالعالم والولايات المتحدة نهاية عشرينات القرن الماضي. وكان قد سبق الأزمة مؤشرات عديدة أهمها:
• السيولة الهائلة المتولدة من تزايد أسعار النفط وصعوبة استيعابها.
• معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة في بعض دول العالم مثل الصين وغيرها.
• السعي الحثيث نحو تحرير الاقتصاد وتحرير الأسواق.
• المطالبة بضرورة فصل السلطة النقدية عن الحكومة واستخدام آلية السوق للضبط.
فجأة أصبحنا نسمع أن الأسواق العالمية تعاني من نقص السيولة، وتطالب بتدخل الحكومات وإلا فستكون العواقب وخيمة، وأعدت سريعاً خطة إنقاذ من قبل المصارف المركزية لضخ مئات المليارات من الدولارات لإنقاذ المؤسسات المالية المتعثرة.
- هل هذه أزمة عابرة:
(هل هذه أزمة "عابرة " ناتجة عن سياسات الإدارة الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة الأميركية التي برزت فيها مشكلة ما سمي بـ " الرهن العقاري “؟ أم أنها تتخطى حدود ذلك إلى أزمة بنيوية للنموذج الليبرالي الجديد نفسه، وبالتالي تتخطى حدود أزمة الفروع إلى أزمة الأصول نفسها؟).
في صيف عام 1997 انتقد الليبراليون الجدد وحكومتهم العالمية الرئيس الماليزي مهاتير محمد عندما طالب باستخدام الدور التدخلي للدولة لتطويق أزمة (النمور الآسيوية)، وسخروا من الرئيس الفنزويلي شافيز والرئيس البوليفي حين طالبوا الدولة بالتدخل في الشأن الاقتصادي، بينما هم يلجؤون اليوم إلى أضخم عملية تدخل في تاريخ السوق الرأسمالية، بل وما يصل إلى حدود التأميم وهذا يغدو مباركاً وفي محله عندما يقوم به الليبراليون.
يدعوا الليبراليون إلى وجوب تدخل الدولة في حال (إخفاق السوق) بل ونفذوا ما يمكن نعته بالفعل بأضخم عملية (تأميم) حوّلت الولايات المتحدة الأميركية إلى (جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية الاشتراكية) حسب تعبير الاقتصادي الأميركي والأستاذ في جامعة نيويورك نوريل روبيني، لكنها على حدّ تعبيره (اشتراكيّة خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر للأغنياء وأصحاب النفوذ وول ستريت). وتحدث المرشح الجمهوري جون ماكين بغضب عن عمل النظام المالي على طريقة (نوادي القمار)، والتي يشكل (المودعون) ضحاياها في النهاية، وبينهم صناديق سيادية ومستثمرون كبار في تلك (النوادي) كانوا ليهزؤون ممن يستخدم هذا التعبير لولا أن ماكين استخدمه.
ويتجاوز الأمر حدود طريقة تعامل الدول المسيطرة القائدة لعملية العولمة مع الليبرالية الجديدة كـ (حزمة انتقائية) بالفعل، بينما تصدّرها إلى الدول النامية كـ (حزمة كاملة) إلى طرح أزمة الأصل أو النموذج الليبرالي نفسه. فلقد أنكرت الليبرالية الجديدة على هذه الدول التي تتسم بهشاشة السوق، وضعف هياكلها الاقتصادية، أي تدخل ضابط في اقتصاداتها التي تعتبر معدلات انكشافاتها الأكثر في العالم نتيجة تطبيق الوصفات الليبرالية الجديدة، بينما كان تدخل الدولة المنظم والدؤوب لقرون عديدة في اقتصاد السوق في الغرب شرط تطوره، كما تقول مدرسيات التاريخ الاقتصادي.
كانت خشية الدول الأوروبية كبيرة في أن تنتقل عوارض هذه الأزمة إلى اقتصاداتها وبخاصة ما يتعلق:
• بنقص السيولة في القطاع المصرفي وفي الأسواق المالية،
• انخفاض كبير في مؤشرات الأسواق المالية مما قد يؤدي إلى أزمة سيولة وثقة وخسائر تتكبدها المؤسسات المالية،
• افلاسات لعدد من المؤسسات المالية خاصة البنوك الاستثمارية التي لا تستطيع أن تأخذ ودائع من الجمهور أو الحصول على سيولة من المصارف المركزية.
يعتقد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن حالة الاضطراب الاقتصادي التي أثارتها أزمات أسواق المال الأميركية وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحر، كما يرى الرئيس ساركوزي أن تصورا معينا عن العولمة يقترب من نهايته مع أفول رأسمالية مالية فرضت منطقها على الاقتصاد بأسره وساهمت في انحراف مساره. وأكد أن (فكرة القوة المطلقة للأسواق ووجوب عدم تقييدها بأي قواعد أو بأي تدخل سياسي كانت فكرة مجنونة، وفكرة أن الأسواق دائما على الحق كانت فكرة مجنونة). وطالب بإصلاح النظام الرأسمالي العالمي بعدما كشفت الأزمة المالية الحالية عن ثغرات خطيرة في الأنشطة المصرفية العالمية، داعيا الاتحاد الأوروبي إلى البدء في التفكير في سياسة نقدية جديدة. وتوقع ساركوزي أن تؤثر فوضى الأسواق المالية في الولايات المتحدة على الاقتصاد الفرنسي لشهور بحكم اندماجه في الاقتصاد العالمي، لكنه وعد بألا يخسر أحد في فرنسا ودائعه المصرفية. في حين دافعت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بقوة عن النظام الرأسمالي.
ثانياً - الأزمة مرتبطة بالاقتصاد العالمي والارتدادات كبيرة
بدأت الأزمة المالية في عام 2007، حيث انزلق الاقتصاد الأمريكي، ومعه اقتصاد كتلة الاتحاد الأوروبي واليابان إلى أزمة اقتصادية وركود رسمي في النصف الثاني من 2008 من خلال المؤشرات التالية:
ارتفعت نسبة البطالة في الولايات المتحدة منذ بدء سنة 2008 إلى نيسان 2009 من 4.9 في المائة إلى 8.9 في المائة من القوة العاملة. وفي أيار 2009 بلغ عدد مستحقي تعويض البطالة ذروته حيث وصل إلى 6.66 مليون عاطل عن العمل.
سجل في الولايات المتحدة في آذار 2009 أكثر من 130.830 حالة إفلاس – بزيادة 46 في المائة مقارنة بعدد حالات الإفلاس في آذار 2008 – وبزيادة تصل إلى 81 في المائة قياسا بآذار 2007. أغلق في الولايات المتحدة الأمريكية 25 مصرفا منذ بداية عام 2009 وحتى منتصف نيسان 2009، مقارنة بـ 25 مصرفا أغلقت خلال سنة 2008 بكاملها و3 مصارف أغلقت خلال سنة 2007.
كما انخفض الإنتاج في الولايات المتحدة بنسبة 1.6 في المائة في الربع الأول من 2009 (مقارنة بالربع الأخير من عام 2008).
كما حدث كساد اقتصادي عميق في دول متقدمة أخرى، حيث انخفض الإنتاج خلال الربع الأول من 2009 (مقارنة بالربع الأخير من عام 2008) في كل من ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا وفرنسا:
ألمانيا انخفض الإنتاج بنسبة 3.8 في المائة،
ايطاليا انخفض الإنتاج بنسبة 2.4 في المائة،
بريطانيا انخفض الإنتاج بنسبة 1.9 في المائة،
فرنسا انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة.
الأزمة مرتبطة بالاقتصاد العالمي والارتدادات ستكون على مختلف الاقتصادات بشكل مباشر أو غير مباشر أثرها على الاقتصاد الأوروبي وعلى اقتصاد الشرق الأوسط. كلما كانت العلاقة غير مباشرة يكون الأثر أخف غير مباشر وهذا كالزلزال كلما ابتعد عن المركز يكون الأثر اقل. المصارف المركزية العالمية تفشل في ضبط (حمى أسواق المال).
ثالثاً - تطور مراحل الأزمة:
يمكننا رسم مخطط لتطور مراحل الأزمة العالمية وفقاً لما يلي:
• انتشار ظاهرة تهافت المصارف على الإقراض المبالغ به وخاصة الإقراض المشكوك بإمكانية تسديده سلفاً مقابل معدلات فائدة مرتفعة.
• البعض اقترض على الأمد البعيد سيولة بفائدة ضعيفة ليشتري عقاراً أصبح هو الضمانة لمصرف اعتمد على الودائع الموجودة لديه (على المدى القصير) في تأمين السيولة.
• انهيار أسعار العقارات وارتفاع معدلات الفائدة.
• امتناع أصحاب الفوائض المالية عن الإقراض في ظل الظروف الحالية.
• معظم قروض المصارف أصبح مشكوكاً بتحصيلها.
• انخفضت ملاءة المصارف نظراً لاضطرارها لتكوين مؤونات كبيرة لمواجهة هذه العجوزات في التسديد وازداد شح السيولة.
• الأزمة أضحت أزمة (ثقة) أكثر من كونها أزمة سيولة.
• زيادة حدة الأزمة بسبب أجواء الهلع.
• لجوء المودعين إلى سحب ودائعهم لتوظيفها في عملات أخرى أو في سلع قابلة لكنز القيمة مثل الذهب الذي ارتفعت أسعاره مؤخراً.
• تدهور وضع بعض المصارف حيث بلغت قيمة الديون ما يعادل قيمة الموجودات.
• تآكل معظم رأسمال المصارف في مواجهة الديون المشكوك بتحصيلها نظراً لانهيار قيمة الضمانة المقابلة لها. ‏
• المودعون فقدوا الثقة في قدرة المصارف على مواجهة الأزمة.
إنها حلقة مفرغة فمع تشدد البنوك في معايير الإقراض يصعب الحصول على ائتمان، ويزيد من كلفته على الشركات والمستهلكين، وهو أمر سيء للاقتصاد الوطني ويدفع البنوك لتشديد المعايير بدرجة أكبر. وتتزايد المخاوف من كارثة اقتصادية بسبب تخوف البنوك من الإقراض وقلق المستهلكين، فحتى الخفض الحاد في أسعار الفائدة قد لا يكون كافيا لمنع الكساد.
رابعاً - البحث عن حلول لفوضى حركة رؤوس الأموال:
هناك سمات جديدة لطبيعة الأزمة المالية التي يشهدها العالم منذ صيف عام 1997، قد تكون المظاهر والأعراض واحدة، ولكن المسببات والمخاطر مختلفة، إذ إن الأزمة الراهنة هي من أهم نتاج عمليات العولمة المالية والتحرير المبكر للأسواق المالية في البلدان النامية، وتحرك الأموال الساخنة أو الجوالة على نطاق وحجم كبير جداً لم يشهد تاريخ النظام المالي الدولي مثيلا له.
قبل كل شيء لابد من الاعتراف بأن النظام المالي الدولي الراهن، وفي ظل العولمة المتزايدة لأسواق المال والعملات، يفتقد للقواعد الناظمة التي تحكم سلوك المضاربين الماليين وشركات السمسرة الدولية، بما يحقق مزيداً من الشفافية وضبط حركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل وسريعة التداول، ويحقق حماية لمسيرة التنمية والتقدم في مختلف بلدان العالم.
هناك ضرورة لمزيد من الضوابط والضمانات لحركة رؤوس الأموال قصيرة الأجل سريعة التحرك، بما في ذلك حجم اقتراض القطاع الخاص قصير الأجل بالعمليات الصعبة، إذ انه مع اتساع دائرة العولمة والتحرير والخصخصة في الدول النامية، يصعب التحكم في قرارات توسع شركات القطاع الخاص في اللجوء إلي القروض قصيرة الأجل من الخارج بالنقد الإجمالي، للاستفادة من فروق سعر الفائدة بين السوق المحلي والسوق الدولي، وبخاصة إذا كان هذا القرار لا يخضع لرقابة البنك المركزي، أو أية جهة رقابية أخري.
1 - قصور واضح في أسلوب أداء أسواق المال:
كما أن هناك قصوراً واضحاً وعميقاً في أسلوب أداء أسواق المال والعملات على الصعيد العالمي، وبخاصة في ظل اتساع نطاق حركة النقود الإلكترونية، وتزايد حجم الأموال الساخنة أو الجوالة، وتكوين مراكز في أسواق المال بواسطة المضاربين وشركات السمسرة الدولية الذين يراهنون على نقاط الضعف في اقتصادات وأسواق المال الناشئة وبخاصة في الدول النامية.
إن عدم ضبط تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل يؤدي إلى تزايد حدة الصدمات المالية الخارجية والذعر المالي، الذي يؤثر على مستوي الأداء الأسرع المختلف، ويعصف ببعض مكونات الاقتصاد الوطني في الدول النامية، لذلك لابد من البحث عن حلول جادة لهذه المشكلة التي تمثل أحد مخاطر العولمة والتحرير والتدويل المالي المبكر.
يمكننا تشبيه حالة البلدان النامية التي تقوم بتحرير وتدويل أسواقها المالية وبورصاتها (بالقارب) المبحر في عرض البحار عالية الموج، وهذا القارب مهما كان تصميمه سليماً هندسياً ويتمتع بطاقم قيادة على درجة عالية من المهارة والكفاءة والأمانة، فهو معرض لخطر الفرق نتيجة ارتفاع الأمواج العالية والعاتية في بحار المال العالمية. واستخدام تعبير القارب هنا وليس السفينة إنما هو إشارة واضحة إلي الحجم الصغير لاقتصادات البلدان النامية البازغة، وأسواقها المالية بالمقارنة مع مجمل المعاملات المالية الدولية. وقد شهدت السنوات العشرون الأخيرة من القرن العشرين اتساع دائرة التعامل مع الأصول المالية وبخاصة الأسهم والسندات ومشتقاتها من عقود آجلة وعقود خيارات على نحو واسع جداً لم تشهد له مثيل من قبل.
2 - الهوس المالي:
وفي ظل هذه (السكرة المالية) اندفعت أعداد وفئات عديدة من المدخرين ومن المضاربين المحترفين إلي دخول لعبة (الحظ والمصادفة) في أسواق المال العالمية، وعندما انهارت الأسواق المالية في أسيا خلال صيف 1997، جاءت التحليلات من البلدان الرأسمالية المتقدمة لتلقي بالمسؤولية على قلة الخبرة للمؤسسات المالية في تلك البلدان. وضعف القطاع المالي، وانعدام رقابة البنوك المركزية والفساد، وغير ذلك من المسببات. وصدق البعض هذه التحليلات لفترة، وكأن الأزمة ليست (أزمة النظام المالي الجديد) في مجمله الذي يعجز عن التأمين ضد مخاطر السوق المالية المتزايدة، وعدم كفاية رأس المال للشركات المالية وصناديق المخاطرة لتغطية مخاطر السوق غير المتوقعة.
بعد أن كانت (ثقافة الهوس المالي) و(الربح السريع) من خلال معاملات البورصات والأسواق المالية في الماضي مرتبطة حصراً بالمتعاملين من أبناء الطبقات العليا، ظهر اليوم دخول العديد من عناصر الطبقات الوسطي والدنيا عالم المضاربات والبورصات، وهي تعتمد بشكل متزايد على الدخل الريعي (التريع) المنفصل عن الإنتاج والجهد. وقد يكون هذا الأمر مقبولاً في الدول الرأسمالية المتقدمة التي تجاوزت مرحلة بناء القواعد الإنتاجية وتطورت فيها قوي الأموال بشكل كبير جداً. أما في البلدان النامية، والتي ما تزال فيها القاعدة الإنتاجية والقوي المنتجة غير متطورة، فإن عملية (التريع) ستؤدي إلي إعاقة التنمية فيها. لم تعد أزمة الأسواق المالية (ذات طابع آسيوي) كما اعتقد البعض عام 1997 إنما هي (أزمة عامة) للنظام المالي المعولم. ولن يستطيع (صندوق النقد الدولي) القيام بعمليات إنقاذ مالي لكل اقتصاد يدخل دائرة أزمة (الذوبان المالي) نظراً لان موارده المالية محدودة، ولن تسمح بالمزيد من برامج الإنقاذ الكبيرة، ناهيك عن الاعتبارات السياسية والأولويات الإستراتيجية في هذا المجال وإذا استمرت تلك الأعاصير المالية، فإن عمليات العولمة المالية سوف تجر من (المفارم أكثر مما تجلبه من الغنائم) لاقتصاديات البلدان النامية وأسواقها المالية الناشئة.
إذ تشير البيانات المتوافرة عن حركة الأموال التي يجري تحركها في الأسواق العالمية إلي أن حجم التعامل اليومي كان نحو 80 بليون دولار في أوائل الثمانينات ثم ارتفع إلي نحو 880 بليون دولار أمريكي عام 1992 ثم قفز إلي 1260 بليون دولار أمريكي عام 1995 أي نحو 1.25 تريليون دولار يومياً، ولاشك أن الرقم الآن قد تجاوز مبلغ 2 تريليون دولار أمريكي.
وفي الدراسة التي قدمها الأستاذ جيفري ساكس Jeffery Sachs الاقتصادي الرئيسي للمنتدي ومدير معهد هارفارد للعلاقات الدولية، أشار إلي المسؤولية التي يتحملها صندوق النقد الدولي في تعميق الذعر المالي على الصعيد العالمي، مما ساعد على تعميق الأزمة المالية في كل من آسيا وروسيا والبرازيل، الأمر الذي يستدعي إعادة تصميم برامج الإنقاذ المالي، والملاحظ أن الكل الآن يحاول أن يلقي بمسؤولية الأزمة على الآخرين فتارة على صندوق النقد الدولي وتارة على صناديق الاستثمار والتحوط وتارة على الحكومات وصانعي السياسات في بلدان الأزمة وتارة على الفساد المستشري، وحقيقة الأمر أن كل هذه الأطراف قد شاركت في صناعة الأزمة وتتحمل جزءا مهما من مسؤولياتها ولذا فإن الحلول الجذرية تحتاج إلي تصحيح لكل مسارات وسلوكيات هؤلاء اللاعبين الأساسيين على المسرح الاقتصادي العالمي.
خامساً - خطة لإنقاذ القطاع المصرفي الأمريكي:
أنفقت الحكومة الأميركية حوالي /3/ تريليون دولار على حروبها المتنقلة، والمخفي أعظم، فهل تعجز عن إنقاذ مؤسساتها المالية المتعثرة، ربما يحتاج الأمر لأكثر من 700 مليار دولار. وانهيارها يعد فضيحة الفضائح لإدارة بوش التي سخرت المال والسياسة لخدمة عسكرة مصالحها حول العالم، ربما يكون انهيار البنك والمؤسسات المالية ألعوبة توازي لعبة انهيار برجي التجارة هدفاً ونتيجة ولغاية في نفس إدارة بوش.
تعد خطة الإنقاذ المالي الأمريكية وتخصيص مبلغ ‏700 مليار دولار خطوة في سلسلة خطوات اتخذتها وزارة الخزانة الأمريكية لإنقاذ النظام المصرفي وسوق المال الأمريكي، وتحقيق قدر من الاستقرار في السوق الأمريكية‏. أولى مراحل الخطة كان إنقاذ أمريكان إنترناشيونال جروب للتأمين عاجلة بقيمة تصل إلى حوالي ‏85‏ مليار دولار، وإعلان رقابة الحكومة الفيدرالية على مؤسستين للرهن العقاري وتقديم دعم مالي يبلغ مائة مليار دولار لكل منهما‏،‏ وإعلان البنوك إنشاء صندوق لتمويل المؤسسات المالية التي تواجه مشكلات في السيولة برأسمال قيمته ‏70‏ مليار دولار‏.
- أساس الخطة تصور لوزير الخزانة الأمريكي:
أساس الخطة يقوم على تصور لوزير الخزانة الأمريكي لشراء الأصول المتضررة المرتبطة بالرهن العقاري من الشركات المالية، مما يعطيها السيولة اللازمة لاستبدال الأصول السيئة التي وضعتها في خطر أو أثنتها عن الإقراض. ومن المؤمل أن تساعد هذه الخطة الشركات على استعادة أصول رؤوس أموالها والثقة التي تمكنها من الاقتراض والإقراض بشروط معقولة. وبدون هذا يعتقد المسؤولون أن أسواق الائتمان، شريان حياة الاقتصاد، قد تتوقف. لماذا خطة الإنقاذ:
• من المتوقع أن تسهم خطة الإنقاذ في عدم انتشار الأزمة التي يشهدها النظام المالي إلى باقي قطاعات الاقتصاد الوطني.
• الخطة قانون طارئ وجريء لحفز الأسواق المالية على الاستقرار.
• الخطة صفقة تجيز للحكومة شراء ما تصل قيمته إلى 700 مليار دولار من الأصول المتعثرة من المؤسسات المالية.
• تطالب الخطة بفرض قيود دائمة على رواتب المدراء التنفيذيين بالنسبة للبنوك المشمولة في برنامج الخطة.
• تفتح الخطة الباب أمام الحكومة لأخذ ضمانات أسهم في تلك المؤسسات.
• الخطة لن تؤدي إلى تسوية كل الصعوبات التي يشهدها الاقتصاد الأميركي.
العواقب السياسية لخطة الإنقاذ قد تكون هائلة.
- ماذا تعني خطة الإنقاذ على الصعيد الأمريكي الداخلي؟
التحليل المعمق الذي أجراه رؤساء المصارف المركزية، يؤكد أن القرار يمثل حركة تصحيح بالغة الأهمية، إذ لا يمكن التفرج على الأزمة ولا يصح الامتناع عن التدخل. ويجب الأخذ في الاعتبار الظروف التي اتخذت في نطاقها مبادرة وضع المصرفين المتعثرين تحت إشراف الخزانة الأميركية.
على الصعيد الأمريكي الداخلي تعني خطة الإنقاذ التي خصص لها مبلغ سبعمائة مليار دولار سوف تؤدي إلى زيادة حجم الدين العام الأمريكي من‏10.6‏ ألف مليار دولار إلى ‏11.3‏ ألف مليار دولار كما أن حجم العجز في الميزانية الأمريكية يعادل ‏2.5%‏ من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي‏.‏
( وبالنظر إلى ضخامة المبلغ المخصص للخطة وضرورة موافقة الكونجرس عليه وقد تطابقت وجهتا نظر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي بن برنانك مع وزير الخزانة هنري بولسون إزاء حتمية التحرك بسرعة وبوضوح لتجنب التراكمات السلبية واتساع نطاقها بحيث تمتد إلى الاقتصاد الأمريكي بصفة عامة وليس مجرد أسواق المال وهذا يعني مزيدا من البطالة التي يبلغ معدلها الراهن‏6.1%‏ من حجم القوة العاملة طبقا لبيانات شهر أغسطس ‏2008‏ كما إن الإنتاج الصناعي يعاني من تضاؤل وقد اتضح ذلك أيضا في بيانات شهر أغسطس من العام المالي حيث انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة‏1.5% ).‏
هذه الخطة تعني مزيدا من العبء الضريبي على المواطن الأمريكي‏. وقد أشار إلى ذلك عضو الكونجرس من الحزب الجمهوري الحاكم فيك انزي حين أشار إلى أن مبلغ ‏700‏ مليار دولار تعني تحمل كل مواطن أمريكي عبئا ماليا إضافيا يقدر بـحوالي ‏2300‏ دولار‏.‏
ولا بد من الإشارة إلى قضية الشبهة في مزيد من الثراء لصالح القطط السمان في سوق المال الأمريكي ويدخل في هذا النطاق الاتهامات الموجهة لطبقة المديرين في البنوك والمؤسسات المالية الاستثمارية بالإفراط في الحصول على حوافز مالية ومرتبات ضخمة بينما تترك السفينة عندما توشك على الغرق‏..‏ ومن هنا كانت المطالبة بوضع حد أقصي لمرتباتهم وحوافزهم في المؤسسات التي يتم دعمها وإنقاذها‏.‏
- الأصداء الخارجية للخطة الأمريكية للإنقاذ:
لا شك أن الأصداء الخارجية للخطة الأمريكية للإنقاذ ساهمت بدورها في تعميق الجدل على الصعيد الأمريكي الداخلي وذلك من دافع نقطتين‏:‏
العامل الاول‏:‏ إعلان الدول الأخرى الأعضاء في مجموعة الدول السبع عزمها انتهاج خطة إنقاذ مشابهة للخطة الأمريكية والإعلان عن التزامها بالتعاون لمواجهة تحديات الأزمة المالية وانعكاساتها الاقتصادية‏. كما أشار وزراء مالية الاتحاد الأوروبي إلى أن حجم وطبيعة المشاكل المالية التي يواجهها الاتحاد تختلف إلى حد ما عن طبيعة المشاكل التي تواجه النظام المالي الأمريكي من هنا كان التباين في ردود الأفعال‏.‏ وركز الحلفاء في مجموعة الدول السبع على أهمية انتهاج سياسات رقابية وإشرافية في مجال القطاع المصرفي ووضع ضوابط للعمليات المالية‏.
العامل الثاني: يتمثل في حصول البنوك العالمية غير الأمريكية على حق الاستفادة من خطة الإنقاذ الأمريكية طالما توجد لهذه البنوك أعمال مصرفية داخل الولايات المتحدة. وحيث أن السمة الغالبة لهذه البنوك كونها أوروبية سوف نجد أن هناك ترحيبا أوروبيا بالخطة الأمريكية وجدلا أمريكيا داخليا حول تحمل دافع الضرائب الأمريكي لأعباء مالية لإنقاذ مؤسسات مصرفية غير أمريكية‏!!‏
كما تجدر الإشارة إلى تسابق البنوك اليابانية بقوة في التنافس على المؤسسات الاستثمارية الأمريكية المتعثرة‏.‏
هناك نقاط أخرى جديرة بالدراسة والفحص والتحليل في خطة الإنقاذ المالي الأمريكي تتعلق بقرارات التحول من جانب مؤسسة مورجان ستانلي وجولدمان ساكس من مؤسسات استثمارية إلى مجموعات مصرفية قابضة تمارس النشاط المصرفي التجاري وبالتالي تخضع لإشراف بنك الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة من خلال الاستفادة من خطة الإنقاذ المالي ولتنتهي بذلك مسيرة ‏75‏ عاماً من نشاط المؤسسات الاستثمارية ابتداء من ميريل لانش وليمان براذر إلى بيرسيترنز أي المؤسسات الخمس الرئيسية العامة في مجال الاستثمار المصرفي‏.‏
سادساً - دور الصين في حل الأزمة المالية العالمية الراهنة:
أكد المكسيكي كارلوس سيم، على الصين أن تتصدر جهود انتشال أزمة النظام المالي الأمريكي، فالصين هي الآن أهم دول العالم قدرة على المساعدة في هذه الأزمة وبمستوى المسؤولية. في الماضي كان لدى الدول المتقدمة احتياطيا وكانت تمول البلدان النامية، أما الآن، فتمول البلدان النامية بمواردها، الدول المتقدمة خاصة الولايات المتحدة.
غير أن الصين لم تستجيب للنداءات والتوقعات الوطنية والعالمية. فعلى الرغم من وفرة السيولة المالية والاحتياطي المتوفرين لديها، فضلت المصارف والحكومة الصينية الجلوس مكتوفة اليدين، وعدم التحرك لشراء الشركات الأمريكية المنهارة ماليا. صحيح أن ساسة الصين أعربوا عن تأييدهم للخطة الأمريكية لإنقاذ المصارف ووقف انتشار الأزمة، لكنهم لم يلتزموا سوى بتسوية الأوضاع المالية لبلادهم. ولخص رئيس الحكومة وين جياباو الحذر الصيني أثناء جولة بالمقاطعات الصينية، بقولة أن المحافظة على نمو ثابت وسريع هو أكبر مساهمة يمكن أن تقدمها الصين لمساعدة العالم للتغلب على الأزمة المالية الحالية التي انطلقت من الولايات المتحدة. كما نفى بعض المسؤولين في المصارف الصينية ما تردد من أن الصين تعتزم شراء سندات خزانة أمريكية بقيمة 200 مليار دولار، لمساعدة واشنطن على احتواء الأزمة. حيث ورد في بيان نشر على موقع المصرف المركزي الصيني، أن المصرف يعتبر أن استقرار العملة وخلق فرص العمل هي أولويات الوضع الراهن لمعالجة الأزمة.
حث خبراء الاقتصاد والمستثمرون الصينيون والعالميون، حكومة بكين على استغلال أزمة الأسواق المالية العالمية والقيام بشراء أسهم الشركات المنهارة ماليا في أمريكا، وتعزيز ثقلها في الاقتصاد العالمي مستقبلاً. لأن الصين لا يمكنها أن تفوت هذه الفرصة. حيث سعت الصين دائما لإيجاد فرص للاستثمار في أمريكا. لكنها قبل الأزمة، واجهت كثيرا من العوائق المنظورة والخفية لعرقلة الاستثمارات الصينية في العالم وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية.
حذرت مجلة المستثمرين (إنفيستورز ديلي) أنه ليس في وسع أي إنسان أن يرى نهاية نفق الأزمة الأمريكية والأزمة المالية العالمية. ومن الحكمة أن تركز الصين على المراقبة أكثر منها على التصرف. ويعود سبب الحذر الصيني إلى الضربة التي تلقتها قيمة استثمارات سبق وأن أجرتها في الأسواق الأمريكية كما حصل في مجموعتي (مورغان ستانلي وبلاك ستون).
والواقع أن بكين لديها مهام أهم وأسرع، فقد انخرط صناع القرار في سباق ضد الوقت لحماية الصين من الانهيار تحت وزن القوى الاقتصادية العالمية، والتركيز على الحفاظ على نمو اقتصادي صلد وتوفير الرفاهية للشعب الصيني. لكن النمو الصيني، الذين يدين أيضا للاستثمارات الخارجية والتصدير، مرتبط بالاقتصاديات العالمية وتذبذبها. فبالفعل، انخفض معدل النمو في الصين من 11.9 في المائة في عام 2007، إلي 10.1 في المائة في الربع الثاني من السنة الجارية. فما كان من الحكومة إلا أن أجابت على هذا الانخفاض وخطر تسخين الاقتصاد وارتفاع التضخم، من خلال تحول جذري في سياستها النقدية. فخفضت ضرائب الإقراض المصرفي وعدلت ضريبة تصدير المنسوجات
وأخيرا، يتوقع الخبراء أن توافق اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في دورتها القادمة، على حزمة من التدابير الحاسمة لتخفيف الضغوط الضريبية والسياسات النقدية، لمنع تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد الصيني.
سابعاً - تأثير الأزمة العالمية على اقتصادات الدول العربية:
تضررت الدول العربية المصدرة للنفط وبخاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي بالأزمة في المجالات التالية:
• انخفاض الإيرادات من تصدير النفط؛
• وانخفاض قيمة الممتلكات المستثمرة في الخارج.
• سيكون نمو اقتصاداتها في 2009 حوالي 1.5 في المائة حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.
• زاد الارتفاع الذي طرأ على أسعار النفط حتى النصف الثاني عام 2008 عائدات تصدير النفط
• سجل الفائض المالي في السنوات الخمس الأخيرة في الحساب الجاري لهذه الدول ما يزيد عن 900 مليار دولار.
• خصصت مبالغ كبيرة من هذه الفوائض لشراء ممتلكات مختلفة في إنحاء العالم نفذ هذا النشاط في معظمه صناديق مالية حكومية.
• على حسب أكثر التقديرات اعتدالا، كان مقدار الممتلكات الأجنبية للصناديق الاستثمارية السيادية لهذه الدول في نهاية 2008 نحوا من 1.2 تريليون دولار.
• يقدر التآكل المخمن للقيمة العامة الذي تعرضت له الممتلكات الأجنبية للصناديق منذ أيلول 2008 بـ 15 إلى 25 في المائة،
• أدى انخفاض أسعار النفط والخسائر التي تحققت بسبب الأزمة المالية إلى ظهور بعض الانهيارات والأخطار في الأسواق المالية لهذه الدول.
يؤثر تراجع أو تذبذب الإيرادات النفطية في الدول العربية المصدرة للنفط تأثيرا غير مباشر في اقتصادات الدول العربية غير النفطية (مثل الأردن ولبنان واليمن والسودان)، أو دول منتجة للنفط لكن بكميات أقل (تونس مصر وسورية)، التي تعتمد على تحويلات العاملين في الدول النفطية إلى دولهم.
بسبب الأزمة الاقتصادية تراجع بقدر ما إسهام الدول العربية النفطية في اقتصادات الدول العربية الأخرى، وبخاصة تمويل المشروعات الاستثمارية.
غيرت الأزمة المالية العالمية نوع التحديات التي يواجهها اقتصاد بعض الدول العربية. في منتصف 2008 كان التضخم هو التهديد الرئيس للاستقرار الاقتصادي فيها، أما في منتصف 2009 أصبح أكبر تحد لها يكمن في محاولات وقف انخفاض معدلات النمو الاقتصادي.
للازمة العالمية تأثيرات متعاكسة على اقتصادات بعض الدول العربية. فمن جهة يتوقع أن يتراجع التضخم بسبب انخفاض أسعار السلع والعقارات، ومن جهة أخرى انخفاض الاستثمارات والنشاط الاقتصادي يؤثر سلباً على معدلات النمو وربما يؤدي إلى رفع معدلات البطالة.
أظهر مسح للشركات العاملة في الشرق الأوسط أن إمارة دبي بدولة الإمارات ومصر والأردن ستكون الأشد تضرراً في المنطقة من جراء تداعيات الأزمة المالية. وستكون إمارة دبي الأكثر تضررا من جراء تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي نظرا لأن صناعة السياحة في الإمارة التي تزهو بامتلاك أفخر الفنادق في العالم ستعاني بشدة نتيجة تقلص أعداد السياح. فيما ستكون السعودية وسلطنة عمان والبحرين وقطر أقل تأثرا بالأزمة.
(وكان عضو في المجلس الحاكم بإمارة دبي قد أعلن أن الديون السيادية لدبي تبلغ 10 مليارات دولار بينما تبلغ ديون الشركات المرتبطة بحكومة الإمارة 70 مليار دولار وإن الحكومة قادرة على الوفاء بهذه الالتزامات. وقال محمد العبار الذي يرأس أيضا شركة إعمار العقارية إن دبي تعمل على ترشيد الإنفاق ودمج أنشطة في مواجهة الأزمة العالمية. وأكد العبار أن الحكومة قادرة على الوفاء بكل الالتزامات ومستعدة للتدخل بمساعدة الشركات التي تملك الحكومة حصصا فيها إذا اقتضى الأمر، مشيرا إلى أن إمارة دبي لديها أصول حكومية بقيمة 90 مليار دولار وأصول تخص الشركات التي تملك فيها الإمارة حصصا تبلغ 260 مليار دولار.
في الوقت نفسه، قال تقرير إعلامي أن حكومة الإمارات ستضخ سيولة في بنك الإمارات للتنمية الجديد والذي سيستحوذ بدوره على شركتي الإقراض الإسلامي المتعثرتين أملاك وتمويل.
وفى الكويت، ذكرت صحيفة القبس أن الهيئة العامة للاستثمار التي تدير أصول الدولة سحبت نحو مليار دينار أي 3.66 مليار دولار من الخارج لتعزيز الاستثمار في الداخل. وقالت الصحيفة في تقرير لم تنسبه لمصدر إن الهيئة تعيد جزءًا من أرصدتها إلى الوطن في إطار سعيها لتكوين محفظة حكومية للاستثمار في البورصة المحلية التي تضررت من جراء الأزمة المالية العالمية.)
تأثر سورية بالأزمة المالية:
للازمة المالية تأثير محدود في الجهاز المالي السوري لأنه صغير ومركزي ودرجة اندماجه بالاقتصاد العالمي ضعيف. في سنة 2008 نما الاقتصاد السوري بمعدل سريع نسبيا بلغ 5 في المائة تقريبا. لكن النمو يتوقع أن يكون هذه السنة اقل كثيرا. المشكلة الرئيسة للاقتصاد السوري لا تتصل بالأزمة العالمية خاصة بل هي كامنة في تضاؤل احتياطي النفط وانخفاض إنتاج النفط وتصديره.
ثامناً - التداعيات المستقبلية للأزمة المالية العالمية عالية المخاطر
هناك غموض بشأن التداعيات المستقبلية للأزمة المالية العالمية عالية المخاطر على الاقتصاد العالمي. ولم يمنع هذا الغموض من حدوث ما يسميه خبراء الاقتصاد (فقاعات) تظهر خاصة في أوروبا أكبر المتضرر بعد الولايات المتحدة بسبب حجم الارتباط بين اقتصادات الجانبين. ومن بين الفقاعات توقع مصرف (آي كي بي إنداستري) الألماني خسارة بين 600 - 700 مليون يورو خلال العام المالي الحالي بسبب تأثير أزمة خسائر القروض.
(وقد تشهد الفترات القادمة وصول سعر صرف اليورو إلى دولار واحد ذلك لأسباب خاصة بأوروبا لكونها ترغب بتنشيط صادراتها. أما عن الارتفاع المتوقع للدولار مقابل اليورو فسيكون قسرياً بسبب توقعات المتعاملين بأن تبخر تريليونات من الدولارات ستسمح تلقائياً بزيادة الطلب على الدولار نظراً لنقص السيولة وكذلك لأن الورشات المتوقعة داخل أمريكا في المستقبل أو المفتعلة في الخارج من قبل أمريكا إضافة لكونه الوريث الشرعي لبريتون وودز والمعيار في تقييم السلع ستسمح بتوقعات لزيادة سعر الدولار أكثر من غيره). ‏
أوضح فرانك فوجل عضو المجلس الاستشاري لمنظمة الشفافية الدولية أن عام 2009 سيكون عاماً عصيباً وسيشهد جهوداً كبيرة لتحقيق الاستقرار وخاصة في قطاع الإسكان بالولايات المتحدة الأمريكية الذي يتعرض للتآكل. وأشار إلي أن المنظمة طرحت برنامجاً لتعزيز الشفافية والمساءلة قائماً على التنظيم والإشراف وإجراءات الإنقاذ والملاجئ الخارجية والحوكمة والتحقيقات والعقوبات. وأشار فوجل إلى أن بعض الدول النامية ستتعرض لأزمة اقتصادية شديدة خلال عام 2009. ويصاحب ذلك تأجيل عدد من المشروعات القائمة على الاستثمارات الأجنبية، يؤدي إلي ركود اقتصادي. وقال إن تفشي الفساد في كل القطاعات الأمريكية هو أحد أسباب الأزمة المالية العالمية.
الخاتمة - ويبقى السؤال ما هو الحل؟
هناك أسلوبان لمواجهة القضية: الأول - عدم ذكر الحقيقة وإرجاء قرارات غير شعبية، والثاني - البدء في قول الحقيقة للأهالي والعمل سوياً من أجل التغيير قبل أن يفوت الأوان. وهذا يتطلب مستويات أعلى من الاستقلال والديمقراطية في وسائل الأعلام لدى شرحها للأحداث. بعض قطاعات الأعمال مستعدة لدفع المال لإخفاء الحقيقة، لذلك فقد حان الوقت لانفتاح عالمي. فبدون إعلام سليم، لن يتوفر وعي اجتماعي، ويصبح من الصعوبة بمكان إيجاد الحلول للأزمات التي تهدد العالم.
هل الأولوية للشركات الأمريكية الكبرى أم للاقتصاد الأمريكي الكبير بما فيه الشركات المتوسطة والصغيرة والمستهلكين؟
في ظل الأزمة الحالية هل ترغب الولايات المتحدة والدول المتقدمة المأزومة، بالاكتفاء بمخططات الإنقاذ أم أنها ترغب كالمعتاد بتصدير الأزمة إلى الخارج؟
يبرر حجم الأزمة الحالية الهائل التفكير جدياً بأهمية وضرورة وضع نظام نقدي واقتصادي عالمي جديد. ‏
إذا كانت حقيقة الأزمة الحالية مالية وليست ركوداً أو كساداً اقتصادياً هل سيكون العلاج:
من طبيعة مالية عبر ضخ المزيد من الدم (رساميل ومدخرات من كل دول العالم) في الجسد الاقتصادي؟ وما يعنيه ذلك من ضياع هائل لمقدرات الدول ذات الاحتياطات النقدية الكبيرة (الناشئة والنفطية...) وغيرها من الدول.
أم أننا سنشهد تطوراً لشكل الأزمة الحالية لتصبح اقتصادية وليست مالية بحيث يكون الحل في إيجاد أسواق جديدة؟ وما قد يرافق ذلك من عنف في فتح أسواق المواد الأولية للحصول عليها (قسراً) بأسعار بخسة أو فتح أسواق المواد المصنعة لتصريف المواد فيها (قسراً) بأسعار مرتفعة؟ ‏
أزمة رهن عقاري أم أزمة أسواق مالية عالمية؟ أزمة أسواق أسهم أم أزمة بنوك استثمار؟ أزمة ثقة نخرت نظام الائتمان فهزت ارتداداتها أسواق العالم! الانهيار الشامل يحاصر من كل حدب وصوب، الانهيار الأخلاقي وانشطار القيم والمبادئ، لتصبح كلها ألعوبة بيد أثبتت حركاتها رياءها وكذبها وتضليلها وافتراءها وظلمها الذي لم ينج منه معظم ساكني هذا الكوكب. نتائج انهيار ـ ليمان براذرز ـ رابع بنك استثماري أميركي والذي تردد صداه في الأسواق العالمية. فهل هذا الانهيار طبيعي وتحصيل حاصل لرجحان كفة المفاسد على المصالح؟. أم لأسباب أخرى؟ تسمح لنظرية المؤامرة بالبروز والتغلغل بتلافيف القضية.
لا شك أن الأزمة الحالية التي يعيشها النظام الأمريكي هي فقط في بداياتها وهي لابد أن تترك أثراً على المؤسسات المالية والفكر الاقتصادي العالمي الذي عليه أن يحلل ما جرى ولماذا جرى ذلك وكيف يمكن تلافيه. ورغم أن اقتصاد السوق قد أثبت أنه يوفر الآلية الأفضل لتحقيق النمو الاقتصادي وفي تخصيص الموارد، لكن هذا الاقتصاد بحاجة إلى دور للدولة ينظم ويشرف ويستطيع بل هو جاهز للتدخل في الوقت المناسب لتلافي إخفاقات السوق التي هي وبغض النظر عن تواترها إلا أن نتائجها قد تكون كارثية كتلك التي يشهدها النظام المالي الأمريكي!.
(الأزمة المالية العالمية الراهنة متوقعة وكان من الممكن التنبؤ بحدوثها، وهي مجرد جانب من أزمة أوسع في كافة أنظمة التنمية الموجودة. ثمة عدة أزمات مرتبطة بها تظهر على السطح وبسرعة، وهي أزمات الطاقة، المياه، الأغذية، السكان، التغيير المناخي ودمار البيئة. ويجب ألا تحيد الأزمة الحالية انتباه وسائل الإعلام تجاه قضية التغيير المناخي. كما أن فكرة النمو بلا حدود قد برهنت أنها وهمية، لأن موارد الأرض محدودة وتوشك على النفاذ).
يمر الاقتصاد العالمي اليوم في مسارات اقتصادية، يصعب التنبؤ بتطورها وكذلك بتأثيراتها الاجتماعية والسياسية. حتى لو كان ذروة الأزمة المالية الحالية قد مرت فمن المشكوك فيه أن تكون قد انقضت ذروة الأزمة الاقتصادية الحقيقية، بحيث إن مؤشرات مختلفة كالبطالة قد تزداد سوءا مرة أخرى.
الدكتور مصطفى العبد الله الكفري



#مصطفى_العبد_الله_الكفري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل فشل النظام الاقتصادي العالمي؟ أم ما زال يعمل بكفاءة؟
- الأمن الغذائي العربي
- (إلى أين يذهب العرب؟) كتاب يمثل رؤية ثلاثين مفكّراً عربيّاً ...
- الأزمة القادمة التي لا نعرفها، وباء الكورونا (الفيروس الاقتص ...
- النتائج المبهرة للاقتصاد الصيني
- ابن سينا الشيخ الرئيس ظاهرة فكرية عظيمة
- إستراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك
- التنمية المستدامة، تحسين ظروف معيشة جميع الناس
- برامج التصحيح وإعادة الهيكلة في الدول العربية
- تطور العلاقات الاقتصادية السورية الروسية
- الظاهرة القرآنية كتاب من تأليف مالك بن نبي
- م ع ك التقرير الاقتصادي الأسبوعي رقم 371/ 2022 M E A K -Week ...
- عرض لكتاب: إمبراطورية العار (سادة الحرب الاقتصادية – الإقطاع ...
- ‏مذكرة تفاهم ضمن إطار -مبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير
- الحرب الكونية الظالمة عل سورية وخسائر الاقتصاد السوري
- تأثير الانتخابات الأمريكية على الاقتصاد والأسواق المالية
- المصارف التقليدية والإسلامية في الجمهورية العربية السورية
- م ع ك التقرير الاقتصادي الأسبوعي رقم 370/ 2022
- التحديات التي تواجه المصارف العربية في ظل عولمة الخدمات المص ...
- أزمة الأسواق المالية واتساع دائرة التعامل مع الأصول المالية


المزيد.....




- الرئيس الروسي: التجارة الدولية في أزمة وروسيا ستعيد توجيه تج ...
- تبون يأمر بفتح -تحقيق فوري- لمحاسبة مسؤولين عن تدهور قطاع حي ...
- الحكومة المصرية تعلن تفاصيل بيع القمح الروسي في البورصة لأول ...
- بوليتيكو: الولايات المتحدة تضغط على الاتحاد الأوروبي لفرض سق ...
- الصين تزيد الدعم المالي للاقتصاد
- بيان رسمي يكشف أموالا ضخمة دفعتها لمصر لاستيراد القمح
- كندا تكشف استراتيجية اقتصادية ودبلوماسية جديدة لمنطقة آسيا و ...
- روسيا.. بدء الإنتاج الصناعي المتسلسل لرباعية الدفع -أوروس- ...
- البورصة المصرية رقم غير مسبوق لأول مرة منذ 2010
- وزير الاقتصاد الألماني لبرلمانيي بلاده:-من الواضح أنكم تشاهد ...


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي للجيوش الإقليمية والصناعات العسكرية / دلير زنكنة
- تجربة مملكة النرويج في الاصلاح النقدي وتغيير سعر الصرف ومدى ... / سناء عبد القادر مصطفى
- اقتصادات الدول العربية والعمل الاقتصادي العربي المشترك / الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
- كتاب - محاسبة التكاليف دراسات / صباح قدوري
- الاقتصاد المصري.. المشاريع التجميلية بديلاً عن التنمية الهيك ... / مجدى عبد الهادى
- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أزمة ثقة نخرت نظام الائت ... / مصطفى العبد الله الكفري
- مقدمة الترجمة العربية لكتاب -الاقتصاد المصري في نصف قرن- لخا ... / مجدى عبد الهادى
- العجز الثلاثي.. فجوات التجارة والمالية والنقد في اقتصاد ريعي ... / مجدى عبد الهادى
- السياسة الضريبية واستراتيجية التنمية / عبد السلام أديب
- الاقتصاد السياسي للتدهور الخدماتي في مصر / مجدى عبد الهادى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مصطفى العبد الله الكفري - الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أزمة ثقة نخرت نظام الائتمان العالمي