أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مصطفى العبد الله الكفري - عرض لكتاب: إمبراطورية العار (سادة الحرب الاقتصادية – الإقطاعيون الجدد)، تأليف: جان زيجلر، ترجمة: الأب إلياس زحلاوي















المزيد.....


عرض لكتاب: إمبراطورية العار (سادة الحرب الاقتصادية – الإقطاعيون الجدد)، تأليف: جان زيجلر، ترجمة: الأب إلياس زحلاوي


مصطفى العبد الله الكفري
استاذ الاقتصاد السياسي بكلية الاقتصاد - جامعة دمشق


الحوار المتمدن-العدد: 7149 - 2022 / 1 / 30 - 13:35
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


-الناشر: الهيئة العامة للكتاب وزارة الثقافة دمشق 2015
عدد الصفحات: 312 صفحة.
-الطبعة الأولى 2015
يدعو كتاب إمبراطورية العار لمؤلفه المفكر جان زيغلر لمناهضة الرأسمالية باعتبارها السبب الرئيس لشقاء العالم، وجوع الإنسان، والتسبب في كوارث الموت وسوء التغذية وانتشار الأمراض والطريق إلى كل أنواع التهلكة، وباعتبار أن هذه الكوارث تتم عن عمد، فهي حرب اقتصادية وأحيانًا عسكرية بالمعنى الحقيقي وليس المجازي يدبرها ويقودها السادة الإقطاعيون الجدد، ومن ثم فهي تستحق حرباً مضادة ينخرط فيها كل سكان العالم المتضررين من آثار تلك الرأسمالية والعولمة، وهم أغلب سكان العالم تقريباً.
جان زيغلر المفكر والكاتب السويسري باحث وسياسي وعالم اجتماع وأستاذ بجامعتي جنيف والسوربون بباريس ولد سنة 1934. عمل ثماني سنوات مقرراً خاصاً لبرنامج الغذاء في الأمم المتحدة. ألف العديد من الكتب ترجم بعضها إلى اللغة العربية منها: ضد النظام العالمي (1983)، أمراء الجريمة (1998)، كتاب الرأسمالية الأسود (1998)، سادة العالم الجدد (2002)، إمبراطورية العار (2005)، كراهية الغرب (2008). وغير ذلك من الكتب والمقالات أهمها: ( الغرب والإسلام، الغرب والعالم الثالث، التطرف في العالم الإسلامي، أمريكا وصراعات الشرق الأوسط، الدول الصاعدة والنموذج الصيني ).
شغل جان زيغلر منذ عام 2009 منصب نائب الرئيس للجنة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وعضواً في لجنة رعاية محكمة راسل حول فلسطين منذ آذار/مارس 2009، أنجز زيغلر عدة مؤلفات حول العالم الثالث والعولمة، ( والتي يُدين فيها بشدة ما يعتبره جرائم ترتكب باسم التمويل العالمي والرأسمالية، ويوجه فيها انتقادات حادة خاصة لصندوق النقد الدولي الذي يشترط في مساعداته المالية خضوع الدول النامية لخصخصة الخدمات العامة مما يؤدي غالباً إلى تدهور خدماتها مع ما ينتج عن ذلك من عواقب وخيمة على الصحة والتغذية للدول الفقيرة، كما يتهم الولايات المتحدة بكونها اليد الحديدية التي تحمي الشركات المتعددة الجنسيات، ويتجلى ذلك بوضوح في سياستها الخارجية ورفضها للعديد من الاتفاقيات الدولية الرامية إلى تحقيق ولو الشيء اليسير من العدالة للمعذبين في الأرض.
وأكد أن ما يُلقى في حاويات القمامة من الغذاء في الدول الغنية يعادل ما يحتاجه افراد الشعب في الدول الفقيرة من الغذاء. من أشهر مؤلفاته: سويسرا الذهب والأموات، أرباب الجريمة، الثوار ضد النظام العالمي، الكتاب الأسود للرأسمالية، سادة العالم الجدد، إمبراطورية العار، كراهية الغرب. لقد اثارت كتبه شهية النقاد في أوروبا ودول العالم المختلفة.
صدر كتاب "إمبراطورية العار" تأليف جان زيغلر في نسخته الأصلية باللغة الفرنسية عام 2005 بباريس عن مطبعة أرتيم فايارد (376 صفحة)، ترجمه إلى اللغة العربية الأب إلياس زحلاوي، منشورات الهيئة العامة للكتاب وزارة الثقافة دمشق 2015 عدد الصفحات 312 صفحة. يؤكد جان زيغلر في كتابه إمبراطورية العار أن العالم يشهد حالياً حركة كبيرة لإعادة استحكام نظام الاقطاع ( الفيودالية ) الذي ساد العالم في القرون الوسطى، هذا النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي ظهر بأوربا خلال القرون الوسطى لحماية وضمان استمرار مكانة وامتيازات طبقة النبلاء والأسياد، وتميز باختفاء مفهوم الدولة والمواطنة مع سيادة تراتبية طبقية اجتماعية على رأسها فئات الأسياد التي كانت تمتلك امتيازات كبرى تتقاسم جزء منهـا مع الملوك، في حين شكّل الفرسان أداة لجمع الضرائـب واستغـلال (العبيد) الأقنان في أعمال السخرة.
يضم كتاب أمبرطورية العار، خمسة أبواب هي: (الحق في السعادة، أسلحة الدمار الشامل، الاستنزاف والتضامن، سبل التحرر، عودة النظام الإقطاعي )، بالإضافة إلى تمهيد وخاتمة.
القسم الأول – الحق في السعادة، ويتحدث المؤلف حول شبح الحرية والندرة المنظمة والعنف البنيوي واحتضار القانون والبربرية ومرآتها. ص ص 37 – 86.
القسم الثاني – في أسلحة المار الشامل، وهي في رأي المؤلف الديون التي تُغرق الدول الفقيرة، والجوع في معظم الدول النامية. الدّين والجوع هما سلاحا التدمير الشامل، اللذين يستخدمهما سادة العالم، ليستعبدوا الشعوب، ويسرقوا قوة عملهم وموادهم الأولية ومصادر الطاقة وأحلامهم. ص ص 87 - 148
القسم الثالث – الحبشة الإنهاك والتضامن، عرض المؤلف في هذا القسم سقوط دكتاتورية الماريشال هيلي مانغستو العسكرية وانتصار مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير التيجرية، والمجاعة الخضراء، والمقاومة. ص ص 149 - 184
القسم الرابع – البرازيل، طرق التحرر، استعرض المؤلف تجربة رئيس البرازيل لولا دي سسلفا، الذي ماكان لسيرورة الثورة البرازيلية الحالية، أن تتخذ المنحى الذي تعرف به اليوم. وبرنامج إلغاء الجوع وشبح الرئيس الأسبق سلفادور أليندي. ص ص 185 - 230
القسم الخامس – إعادة بناء الإقطاع في العالم ، الإقطاعيات الرأسمالية ، الإفلات من العقاب ، تحطيم المنافسة غير الشريفة لما هو حي، أخطبوط (فيفيه) تحطيم النقابات، البقرات السمان خالدة، الغطرسة ، حقوق الإنسان أمر جيد، هل السوق أفضل منها، ص ص 231 - 296
الخاتمة – إعادة الكرة ص ص297 - 303
يتضمن الكتاب وصفاً لاستخدام جريمة 11 أيلول / سبتمبر 2001 من قبل حكومة الولايات المتحدة الأميركية والشركات متعددة الجنسية كذريعة لاحتلال العالم والسيطرة على مقدراته. يحزن زيغلر للضحايا الذين قضوا جراء الحرب الأخيرة على لبنان ( عام 2006 )، ويصف الحرب بأنّها ( مأساة إنسانية للبنان وإسرائيل ). ويتابع: ( أرفض أن يوصف حزب الله بالإرهاب، إنه حركة مقاومة وطنية، وعندما تفشل كل الجهود لتحرير الأسرى بالطرق الدبلوماسية، أستطيع أن أتفهم قيام هذه الحركة باحتجاز جنود لمبادلتهم. لكن ما لم استطع فهمه حتى الآن هو رد الفعل الإسرائيلي على حادثة أسر جنديين ).

( إن النظام العالمي، الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، الذي بنته الرأسمالية السارقة ، ليس قاتلاً وحسب ، بل هو أيضاً عبثي.
إنه يقتل، ولكنه يقتل دونما ضرورة.
ولهذا يجب أن يحارب بشكل جذري.
وكتابي هذا يريد أن يكون سلاحاً في المعركة ). ص 15
يؤكد تقرير منظمة الغذاء العالمية (FAO)، أن الزراعة العالمية، في الوضع الراهن لتطور القوى الإنتاجية، تستطيع أن توفر الغذاء بصورة طبيعية (أي بما يقدّم 2700 حريرة باليوم لكل إنسان بالغ) لـ (12) مليار إنسان! ونحن، اليوم، نعدّ (6) مليارات ومائتي مليون إنسان. باختصار: ليس هناك إذَن من قدر محتوم. وإن كل طفل يموت جوعاً، هو طفل قد قُتل!
في سنة 2008، تجاوز شراء الأسلحة لأول مرة ألف مليار دولار وسيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على 41% من هذا المبلغ الهائل. بينما كان نصيب الصين 11%. والنمو الاقتصادي لا يعني شيئا كبيرا حينما يتعرض المجتمع إلى التفكك. والصين تتعرض إلى هذا التفكك حيث إن العمال يتم استغلالهم بشكل فضيع... في المناطق الصناعية في الجنوب. ولا اعتقد أنه سيحدث فيها نفس الشيء مثلما حدث في الاتحاد السوفيتي... لقد وضع الرئيس الصيني الأسبق دينغ كسياو بنغ بلاده رهينة للرأسمالية وقضى على الامتيازات الاجتماعية للطبقات العاملة والفلاحين.
في بلاد نصف الكرة الجنوبي تمتلئ المدافن الجماعية بضحايا الأوبئة والجوع يوما بعد يوم، كما يعاني الغرب نصف الكرة الشمالي من التخمة والبطالة، ويعمل التخلف الاقتصادي على الزج بالبشر في سجن كبير. فهو يسجنهم في وجود يائس، الهروب منه مستحيل، والمعاناة غير نهائية، ولا تستطيع إلا قلة قليلة نشر قضبانه والهروب، وهو سجن أبدي يأخذ حلم الحياة الأفضل فيه ملامح حلم مستحيل، وتعتبر فيه الكرامة الإنسانية وهماً وألم الحاضر أبديًّا ولا يسمح بأي أمل.
فضح الرأسمالية وأساليبها:
لعل أهم ميزات الكتاب الرئيسية أنه استند إلى كم هائل جدا من الأمثلة والأحداث التي تفضح الممارسة الرأسمالية ولكن في إطار عاطفي ومفكك وغير منظم، ربما كانت العاطفة تغلب على المؤلف, وربما كانت هذه طريقة معتمدة في الكتابة لإحداث تأثير عاطفي على الناس ليثوروا على الرأسمالية ويناهضوها.
تعتبر الاختيارات محدودة في النظام الرأسمالي النهاب الذي يزدهر على حساب تجويع الشعوب وتكبيل الدول الفقيرة بالدين، فإما أن يتصرف سيد الأرض، الحاكم الكوني بإنسانيته - وهذا غير واقعي- فتنهار إمبراطوريته، وإما أن ينساق مع الشيطان ويتصرف بشراسة وجشع - وهذا يحدث فعلاً- فتسقط جثث الفقراء تحت قدميه، ولا يوجد أي خيار آخر فمن الصعب على الحكام الكونيين -الإقطاعيون الجدد - أن يختاروا طريق التعاطف مع الشعوب الفقيرة والخروج من اللعبة. ص 248
في عام 2007 مثلاً لقي 36 مليون شخص حتفهم بسبب الآلام المبرحة أو الجوع أو نتيجة تداعيات بعض الأمراض، وسيلقى آخرون حتفهم بسبب نقص الدواء، أو بسبب أوبئة نجح الطب في علاجها منذ زمن بعيد، كما ستدمر المياه الملوثة تسعة ملايين طفل دون العاشرة، وسوف يحول المسكن غير الصحي والفئران واليأس والقذارة حياة ملايين الأمهات جحيمًا، وسوف تقضي البطالة الدائمة أو المؤقتة والخوف من المستقبل على كرامة ملايين من الرجال والآباء. لماذا هؤلاء ولماذا لا أكون أنا في هذه الظروف، كان يمكن أن تكون الضحية زوجتي أو ابني أو أمي أو صديقي أو أيًّا من أقاربي أو من الذين أحبهم، هؤلاء الضحايا الذين يقتلون بعشرات الملايين كل عام، هم ضحايا ما يطلق عليه (بابوف) القوانين الفظة، ولا يفصلني عن هؤلاء الشهداء إلا صدفة ميلادي.
والمهمة الأولى لأي رجل فكر محترم، هي نشر هذه المعلومات وتوضيح ممارسات السادة الإقطاعيين الجدد، فهم مصاصو دماء يخشون ضوء النهار كما يخشون الطاعون.
ويتعاطف المؤلف مع الشباب الأفريقي الذين يتركون بلادهم كل عام ويجازفون بحياتهم من أجل محاولة الوصول إلى أوروبا ويعتبر أن عدم إنقاذ الغرقى من هؤلاء، أو إطلاق الرصاص على من يصل منهم إلى الشواطئ الأوروبية، جريمة أوروبية تجعل من أوروبا إمبراطورية للعار. "إن الإجراءات التي تتخذها الدول الأوروبية السبع والعشرون ضد سيل المهاجرين الأفارقة هي -في حقيقة الأمر– إجراءات حرب بمعنى الكلمة بين هذه القوة العالمية، وبين هؤلاء الشباب الأفارقة من القرويين أو الحضريين، الذين لا يملكون أي وسيلة دفاع، والذين تمتهن حقوقهم في التعليم والتوعية الاقتصادية والعمل والغذاء بأسلوب منظم في بلادهم الأصلية. إن هؤلاء الشباب هم ضحايا لقرارات واختيارات اقتصادية شمولية ليسوا مسؤولين عنها، ورغم ذلك فإنهم يُطردون ويطاردون ويهانون عندما يحاولون البحث عن مخرج من أزمتهم من خلال الهجرة".
جان زيجلر يحذر من عودة الإقطاع: ص ص 231 - 248
على عكس التسلسل الماركسي المعروف والصاعد من الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الشيوعية، وغير القابل للعودة إلى الخلف، يحذر المؤلف جان زيجلر من عودة مرحلة الإقطاع من جديد على أساس أن تصبح علاقات الإنتاج سخرة وعبيد وأمراء، وهو ما يتم الآن عن طريق زيادة أسعار المنتجات الرأسمالية وخفض أسعار المواد الخام ومصادر الطاقة التي تنتجها الشعوب الفقيرة، ومن ثم زيادة الديون على الدول الفقيرة باستمرار، وتعويض النقابات العمالية باضطراد وتحدي القوانين في جميع أنحاء العالم بوقاحة والإفلات من العقاب رغم ارتكاب كل الجرائم وخرق مبادئ حقوق الإنسان. أي التحكم من السادة الإقطاعيين الجدد كما يسميهم جان زيجلر بالأسعار والديون والحروب ومن ثم إخضاع العالم كله لنوع من الرق الجماعي.
أتاح النظام الاقطاعي ( الفيودالي ) الحداثي الجديد للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 توسيع نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، وفتح الأبواب على مصاريعها للشركات العابرة للقارات كي تُرخي بظلالها على الشعوب الفقيرة والمغلوبة على أمرها في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية وتفعل بها ما تشاء. ص 23
سلاحا الدمار الشامل: الديون والجوع ( الديّن ص 87، الجوع ص 118 ):
من أجل فرض هذا النظام الفريد من نوعه إخضاع واستعباد الشعوب لمصالح الشركات الخاصة الكبيرة، ولتحقيق ذلك كما يعرف جيداً أسياد إمبراطورية العار يجب اللعب بمهارة واحترافية عالية بسلاحي الدمار الشامل: الديون والجوع ( الديّن ص 87، الجوع ص 118 )، فعن طريق الديون تتنازل الدول المستضعفة عن سيادتها من بعدما تغرق حتى الأذنين في مستنقع هذه الديون، وعن طريق المجاعة الناجمة عن ذلك تبدأ الشعوب بالاحتضار، ثم ما تلبث تحت الضغوط الهائلة أن تتخلى عن حريتها وكرامتها مقابل كسرة خبز وجرعة ماء. هذه الماكينة الهائلة للسحق والإخضاع لا تأبه مطلقا بالقيود التي يزعم القانون الدولي أنه يفرضها تقليدياً في العلاقات بين الدول والشعوب، لذلك ساد نظام العنف البنيوي الدائم، وبدأ يزحف على مساحات كبرى بدول الجنوب المستضعفة، بينما القانون الدولي يحتضر ويزداد احتضارا. ص 92 - 93 - 94
المبشرون بالعولمة وبالنظام العالمي الجديد وبالحكومة العالمية الواحدة، رويداً رويداً خصخصوا حتى المياه التي يجب على الشعوب أن تدفع المزيد للحصول عليها؟
يتتبع المؤلف في هذا الكتاب طرق المبشرين الأكثر مكراً وخداعاً: هنا قانون للبراءة على الكائن الحي، وهناك كَسْرٌ لمقاومة نقابات العمال، وفي أماكن أخرى فرض بالقوة للزراعات المعدلة وراثياً. إنها إمبراطورية العار التي تم فرضها على كوكب الأرض، ولكن مآل الثورة تم تأسيسه على العار، كما عَلَّمنا متمردو 1789، وهذه الثورة مستمرة: تمرد للضمائر هنا، وتمرد على الجوع هناك، هي وحدها الكفيلة بإعادة بناء الحق في السعي نحو السعادة، هذه القضية القديمة التي تعود إلى القرن الثامن عشر. ص ص 275 - 283

جان زيغلر يدعو للثورة: ص ص 185 - 199
مع بداية الألفية الثالثة (في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين)، تلقى الإنسان إهانة بالغة لم يكن تخيلها ممكنا منذ خمس سنوات، ولا تتحمل هذه الإهانة أي دولة قومية أو أي منظمة فوق قومية أو أي حركة ديمقراطية، فقد أحكم أمراء الحرب الاقتصادية السيطرة على الكوكب، فهم يهاجمون الدول وسيادتها ويعارضون السيادة الشعبية ويدمرون الديمقراطية ويتلفون الطبيعة ويدمرون الإنسان ويقضون على حقوقه، إنهم يحاربون جذريا حق الإنسان في البحث عن السعادة، ولا تستطيع أي سلطة أو دولة أو نقابة التصدي لقوتهم الساحقة. ص 291
ويرى المؤلف نفسه وينقل عن آخرين يشاركونه نفس الرأي أنه لا يوجد شيء مشترك بين الشعب وأعدائه إلا السيف، السيف الذي يفرق ويقطع، بيد أن الحق في السعادة، وفي الكرامة وفي الغذاء وفي الحرية هو جوهر الإنسان نفسه، وهو ما يجعل من الإنسان إنسانا، وأن الحق في الحياة واحد وأساسي ويعني كل إنسان لمجرد أنه إنسان. ( يجب أن يبدأ الناس في الثورة من جديد لأن هناك تناقضًا جذريًّا بين العدالة الاجتماعية الكونية وبين السلطة الإقطاعية أيًّا ما كانت، لا يمكن للإنسان أن يقهر الوحدة واليأس أو أي ألم من الآلام الكثيرة التي يتعرض لها إلا بالثورة عليها ). ويضيف المؤلف داعيا إلى الثورة:
ما العمل إذن تجاه استغلال الحكام الكونيين والعنف الذي يثيره أتباعهم وسخريتهم من حق الإنسان في البحث عن السعادة؟ يجب أن يبدأ الناس في الثورة من جديد لأن هناك تناقضًا جذريًّا بين العدالة الاجتماعية الكونية وبين السلطة الإقطاعية أيًّا ما كانت، ولذلك تظل الحرب بينهما دائمة، لا يمكن للإنسان أن يقهر الوحدة واليأس أو أي ألم من الآلام الكثيرة التي يتعرض لها إلا بالثورة عليها. مع أن المؤلف لم يحدد لنا أي طريق لهذه الثورة، فهل هي هبات عفوية بلا تنظيم ولا أيديولوجية، ولم يتوجه المؤلف إلى طبقة العمال مثلاً مثل كارل ماركس، بل دعا كل إنسان مظلوم، وهذا بالطبع خروج على الماركسية وهو أمر جيد.
لم يحدد لنا المؤلف لماذا فشلت الماركسية؟ ولماذا فشل لاهوت التحرير المسيحي في أميركا اللاتينية؟ وهل هناك طريق حضاري وأيديولوجي آخر – خارج إطار الحضارة الغربية وأفكارها وفلسفتها التي ينتمي إليها المؤلف ذاته - يصلح أن يكون جذراً ثقافياً لتلك الثورة؟ وهل يمكن أن تصبح القيم الحضارية الإسلامية مثلاً الجذر الثقافي للثورة؟ باعتبار أن المنظومة الحضارية الإسلامية فيها انحياز واضح للفقراء وفيها مخالفة واضحة للطريق الرأسمالي، وفيها أيضاً تحريض على الثورة ورفض الظلم، وهي كذلك منظومة حضارية خارج إطار الحضارة الغربية ومن ثم تصلح لمواجهة الرأسمالية التي هي إحدى إفرازات الحضارة الغربية، وتنتمي لنفس الأرضية الحضارية الأوروبية " التي يسميها المؤلف إمبراطورية العار".
وبديهي أن حل المشكلة لا يمكن أن يكون استناده إلى أرضية التفكير التي أفرزت هذه المشكلة، وهناك قول مشهور للعالم الرياضي ألبرت أينشتين هو أنه إذا أردت حل مشكلة رياضية فلا تلجأ إلى نفس القوانين والقواعد التي أدت إلى حدوث هذه المشكلة!
العنف البنيوي -الحرب على الإرهاب:
الحروب في إمبراطورية العار ليست عرضية بل دائمة ليست حالة مرضية، بل هي المعيار والقاعدة، ليست حالة من غياب العقل، بل هي سبب وجود الإمبراطورية أصلا. ويطلق المؤلف مصطلح "العنف البنيوي" على هذا النظام الجديد للكون وعلى هذه الممارسات الجديدة، فقد تحولت ممارسة أقصى درجات العنف إلى ثقافة في يومنا هذا، فهي تسود العالم وتظل قائمة بل إنها أصبحت التعبير العادي للإقطاعيات الرأسمالية في المؤسسات العسكرية وفي عالم الاقتصاد والسياسة. ص ص 57 - 65
حتى إن هذه الممارسة غدت في جوهر النظام العالمي، وبعيداً عن أن تكون ممارسة العنف الأقصى دلالة على خسوف عارض للعقل، صارت تنتج آلية نشأة الكون الجديد، وصارت تمثل نظرية مشروعيته، كما أصبحت تنتج شكلاً جديدًا ومبتكرًا للأنا الأعلى الجماعية والكونية وتدل عليه، وهي تكمن في قلب منظمة المجتمع الدولي، وتمثل هيكله، وبالمقارنة بالقيم المؤسسة لعصر التنوير، فإنها تشير إلى انهيار واضح لتلك القيم، التي يبدو أنها اختفت وبلا عودة .
أن الجماعات الإرهابية نشأت ردًّا طبيعيا على العنف الرأسمالي المنظم. "يجب أن نعلم أن البؤس هو منبت إرهاب الجماعات المتطرفة، وأن الذل والخوف والبؤس والجوع تمهد الأرض للأعمال الانتحارية وأنه في مقابل إرهاب الدولة ينشأ إرهاب الجماعات الصغيرة.
ويطرح المؤلف مفارقة بديهية، وهي أن تكاليف الحرب في العام الواحد تصل إلى تريليون دولار، في حين أن 58 مليار دولار فقط أي حوالي 1/20 من ميزانيات الحروب والقواعد العسكرية والإنفاق على التسليح، على حد تقدير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لو أنفقت سنويًّا لمدة عشر سنوات تكفي لتوفير التعليم الأساسي والرعاية الصحية الأساسية والغذاء المناسب والمياه الصالحة للشراب والبنى التحتية الصحية لكل كائن بشري على وجه العرض، ولكن الحرب العالمية على الإرهاب تعمي أبصار هؤلاء الذين يقودونها، هذه الحرب ليست لها عدو محدد، وليست لها نهاية متوقعة، إنها حرب ألف سنة.
آليات الهيمنة الغربية على العالم:
منذ حوالي خمسة قرون مارس البيض سياسة وحشية في إطار ازدواجية الخطاب بين ما هو معلن وبين ما يتم تنفيذه في أرض الواقع. ويمثل البيض اليوم نسبة 12.8% من السكان في العالم، أية أقلية، لكنهم يهيمنون على العالم، ومارسوا في الماضي الإبادة العرقية في أمريكا ضد الهنود الحمر ثم مارسوا تجارة العبيد لمدة 350 سنة واستعمروا أراضي غيرهم لمدة 150 سنة في إفريقيا وآسيا. واليوم يكمن أبشع نظام استغلال في دكتاتورية الرأسمال المالي المعولم. ففي السنة الماضية وحسب البنك العالمي، فإن أكبر خمسمائة شركة خاصة عابرة للقارات سيطرت على أكثر من 52% من الناتج الإجمالي الخام العالمي. وتمتلك سلطة لم يمتلكها أحد سابقا لا إمبراطور ولا ملك في تاريخ البشرية. وقد أدمجت هذه الأولغارشيات العالمية كل من الهند والصين في نفس النظام الاستغلالي. ص ص 48 - 50
وقد أدى ذلك إلى جنيها تلال من الذهب يقابلها جبال من الجثث والشهداء. والآن على سبيل المثال، يموت في كل خمس ثواني على الكرة الأرضية طفل عمره أقل من عشر سنوات بسبب الجوع. ويموت 47 ألف شخصا كل يوم بنفس السبب أي الجوع. ويعاني أكثر من مليار في العالم من سوء التغذية. رغم أن منظمة الزراعة العالمية تقول أن الأرض يمكن أن تطعم 12 مليار نسمة أي ضعف عدد سكان المعمورة الحالي. الاستنتاج هو أن النظام الكولنيالي يقتل البشر دون حاجة للقتل وهو نظام عبثي.
وأخيراً:
جون زيجلر مؤلف كتاب أمبرطورية العار، سوسري خبير في التغذية والغذاء وأزمات الغذاء، يوصف بأنه من أكثر الخبراء في العالم دراية بأزمة الغذاء والجوع والفقر التي تجتاح العالم، ولد جون زيجلر في مدينة برن السويسرية عام 1934. درس القانون وعلم الاجتماع والاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة برن وجامعة باريس وجامعة كولومبيا في ولاية نيويورك في الولايات المتحدة، حصل على درجة الدكتوراه في القانون ودرجة الدكتوراه في علم الاجتماع، عمل أستاذا في جامعات عديدة منها جامعة باريس وجامعة السوربون وجامعة برنوبل وجامعة جنيف. كان نائبا في البرلمان السويسري حتى العام 1999. شغل منصب المفوض السامي لبرنامج الأمم المتحدة للحق في الغذاء في عام 2008.
يعرّف جان زيغلر عن نفسه بأنه ينتمي ثقافياً وسياسياً إلى «العالمثالثية». وأكّد في مقابلة خاصة مع صحيفة «الأخبار» أنّ ما يصدر عنه من آراء لا يعبّر بالضرورة عن رأي الأمم المتحدة، ولا يرتبط بمهمته بوصفه مقرّراً خاصاً. يعرف زيغلر أن مهمته تزعج إسرائيل، التي لم يزرها على غرار ما فعل الخبراء الأربعة الذين كانوا قد وصلوا إلى لبنان الأسبوع الماضي، ضمن بعثة كلفها مجلس حقوق الإنسان مهمة تقصي الحقائق المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني خلال العدوان الأخير على لبنان. فلقد سبق وزار الأراضي المحتلة وقدم تقريراً عن الوضع المأسوي في الضفة الغربية وغزة، وأثار تقريره في حينها ضجة كبيرة أدت إلى قيام حملة شرسة عليه من قبل منظمة أميركية صهيونية تسمى «منظمة مراقبة الأمم المتحدة». لكن ذلك لم يحل دون إعادة انتخابه قبل أشهر للمنصب نفسه نظراً للصدقية العالية التي يتمتع بها.
في إمبراطورية العار، التي تحكمها سياسة التجويع المنظّم، لم تعُد الحرب حالة طارئة، بل هي حالة دائمة، وهي لا تشكّل أزمة وحالة مرحلية، بل وضعاً طبيعياً. وهي لم تعُد تُعتبر تغييباً للعقل، بل هي مبرر وجود هذه الإمبراطورية بالذات. فإن سادة الحرب الاقتصادية قد أخضعوا الأرض كلها لتقسيم مدروس: فهم يهاجمون السلطة الناظمة للدول، ويشككون في سيادة الشعوب، ويُفسدون الديمقراطيات، ويخرّبون الطبيعة، ويدمّرون البشر وحرياتهم. أما مرتكزهم الفلسفي، فهو تعميم هذا الاقتصاد، ودسّ “يدهم الخفية” التي تحرك السوق، فيما الزيادة القصوى في الأرباح هي قاعدتهم العملية. إني أسمّي هذه الفلسفة وهذه الممارسة عنفاً بنيوياً.



#مصطفى_العبد_الله_الكفري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ‏مذكرة تفاهم ضمن إطار -مبادرة الحزام الاقتصادي لطريق الحرير
- الحرب الكونية الظالمة عل سورية وخسائر الاقتصاد السوري
- تأثير الانتخابات الأمريكية على الاقتصاد والأسواق المالية
- المصارف التقليدية والإسلامية في الجمهورية العربية السورية
- م ع ك التقرير الاقتصادي الأسبوعي رقم 370/ 2022
- التحديات التي تواجه المصارف العربية في ظل عولمة الخدمات المص ...
- أزمة الأسواق المالية واتساع دائرة التعامل مع الأصول المالية
- السياسات الاستثمارية السليمة تؤدي إلى جذب المزيد من الاستثما ...
- أزمة النظام الاقتصادي العالمي أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة ...
- هل تتكامل الدول العربية اقتصادياً؟
- المؤتمر الحادي عشر لرجال الأعمال والمستثمرين العرب
- النتائج الاقتصادية للسنة الأولى من إنضمام بولنده للاتحاد الأ ...
- مصطلح اقتصاد السوق
- الاقتصاد الصيني قوة هائلة
- التعاون البحثي بين الدول العربية والدول الأوروبية
- النماذج العالمية للتنمية
- العولمة الاقتصادية وفرض هيمنة الاقتصاد الرأسمالي
- وصفة صندوق النقد الدولي في برامج التصحيحات الاقتصادية وإعادة ...
- أهم الخصائص المميزة للاقتصاد الإسلامي
- الإصلاح الاقتصادي في الخطة الخمسية التاسعة في الجمهورية العر ...


المزيد.....




- توب 5: لاعبو منتخب إيران تحت عين الحرس الثوري.. والصين تبعد ...
- شاهد ما قاله هذا المراهق على إنستغرام بعد قتله فتاة عمرها 13 ...
- شاهد: ثوران بركان ماونا لوا في هاواي
- ماونا لوا: أكبر بركان نشط في العالم يثور في هاواي لأول مرة م ...
- طالبو اللجوء في بريطانيا: لماذا تستغرق السلطات أشهرا للبحث ف ...
- الصين ـ انتشار مكثف لقوات الأمن لمواجهة اتساع رقعة الاحتجاجا ...
- مدفيديف: تزويد -الناتو- كييف بأنظمة باتريوت سيجعلها هدفا مشر ...
- بالفيديو.. فيضانات في مدينة جونية اللبنانية
- القوات الروسية تحقق نجاحات عسكرية في اتجاه مدينة ماريينكا
- واشنطن تدرس تزويد أوكرانيا بأنظمة -باتريوت- للدفاع الجوي


المزيد.....

- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي
- آليات توجيه الرأي العام / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب إعادة التكوين لجورج چرچ بالإشتراك مع إدوار ريج ... / محمد الأزرقي
- فريديريك لوردون مع ثوماس بيكيتي وكتابه -رأس المال والآيديولو ... / طلال الربيعي
- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مصطفى العبد الله الكفري - عرض لكتاب: إمبراطورية العار (سادة الحرب الاقتصادية – الإقطاعيون الجدد)، تأليف: جان زيجلر، ترجمة: الأب إلياس زحلاوي