أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - حكاية سر الزيت وليد دقة















المزيد.....

حكاية سر الزيت وليد دقة


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 7073 - 2021 / 11 / 10 - 01:02
المحور: الادب والفن
    


حكاية سر الزيت
وليد دقة
العمل الأدبي الجيد لا يقاس بحجمه، ولا بنوعه/جنسه، ولا بالفئة الموجه إليها، بقدر طريقة تقديمه والشكل الذي يأتي به، واللغة التي تحمله.
قصة/حكاية سر الزيت قصة تتداخل فيها الفئة المستهدفة، ففي البداية يكون الأطفال هم المعنيين بالحكاية/القصة، لكن ما أن يصل "جود" ورفاقه السجن ويقابل والده "كميل أو حية" حتى تأخذ الحكاية/القصة منحى آخر، حيث تكبر الفكرة وتنمو لتصل إلى الراشدين، ثم تتجاوز الراشدين لتكون للحكماء وللمفكرين.
ولم يقتصر الأمر على أحداث الحكاية/القصة فحسب، بل تعدها إلى اللغة، فاللغة التي بدأت بالتوجهة للأطفال من خلال حديث "الأرنب سمور، والبس خنفور، العصفور ابو الريش، والكلب أبو ناب، والحمار براط، والتي جاءت من خلال اللغة الشعبية المحكية، تبدأ بالتحول عندما تتكلم الزيتونة "أم رومي"، حيث تأخد اللغة توجه جديد، يعتمد على العمق والتفكير، ودون أن تعطي ايجابة حاسمة/واضحة ل"جود"، وترك الأمر مفتوحا أمامه وأمام من سيقابلهم من الأسرى ليقرروا أمر سر الزيت.
من هنا نقول أن فكرة الحكاية/القصة تنموا وتتطور كحال البشر، تبدأ صغيرة لكنها تنضج لتصل إلى الرشد ثم الحكمة، وهذا ما يجعلها تصلح لكل الفئات والأعمار.
اعتقد أن هذه أحد أهم مزايا "حكاية سر الزيت" إشباع رغبات فئات عديدة من القراء، ودون أن تفقد شيئا من جمالها، أو من عنصر التشويق، حتى أن خاتمتها لا تعد نهاية، حيث لم يُكمل "جود" عمله باستخدام الزيت وترك (فراغات في العمل) بحاجة إلى تعبئة/تكملة.
الحكاية/القصة
تتحدث الحكاية/القصة عن "جود" الذي تكون من خلال نطفة تم تهريبها من والده في السجن، ليولد دون أن يعرف أو يرى "كميل" أباه، تحاول أمه أن تحصل على تصريح زيارة لها ولابناها، إلا أن الاحتلال يعتبر وجود "جود" تمرد عليه فيمنعه وأمه من زيارة والده، يتحاور مع صديقة الأرنب "سمور" الذي فقد هو الآخر الإتصال بأهله بعد إقامة الجدار، يأخذان البحث عن طريقة توصلهما إلى الجانب الآخر من الجدار، يدخل على الخط "أبو الريش" ثم "البس خنفور" ثم الكلب أبو ناب، وبعدها "الحمار براط"، وفعلا يعبرون الجدار، لكنهم لا يستطيعون التقدم أكثر لعدم قدرتهم ومعرفتهم كيفية الدخول إلى السجن، إلى هنا تكون الحكاية/القصة منسجمة مع التراث العربي الذي جعلت الحيوان يتكلم كحال البشر، وتخدم فئة الأطفال الذين يميلون للقصص التي تتحدث عن الحيوانات وتجعلها تتكلم وتتحاور مع الناس.
وبما أن اللغة المستخدمة بسيطة وسهلة وشعبية فقد بدت وكأنها قصة/حكاية للأطفال، لكن بعد أن يصل جود إلى الزيتونة أ"م رومي"، ويبدأ الحديث معها، وتحدثه بلغة ناضجة وفصحى تأخذ القصة/الحكاية منحى آخر، حتى أن طريقة حديث "أم رومي" بدأت بسيطة ثم ارتفعت ونمت حتى أصبحت أقرب إلى التمويه/اللغز، ففي بداية حديثها عن سر الزيت تقول: "فلكل عصر وباؤه، ولكل وباء دواؤه، وسر الدواء كان دوما وما زال، في الزيت، في العصور الغابرة كان الجوع والفقر وباء العصر، فكانت معجزة جرة الزيت التي لا ينضب زيتها هي الدواء، وفي الحقيقة لم تكن هناك معجزة ولا جرة زيت لا ينضب زيتها، فلا وجود لشيء لا ينضب، ولكن السر هو أنه كان هناك رجل صالح استخدم السر في الزيت، وهو القدرة على الإخفاء عن أعين الناس، وتسلل خلسة إلى بيت السلطان وأخذ من مخازنه زيتا كان قد استولى عليه عنوة وحرم الناس منه، وملأ الرجل الصالح جرة فقراء القوم، فحسبوها جرة معجزة لا ينضب زيتها" إلى هنا الفكرة معقولة ومنطقية، لكن "أم رومي" تأخذها إلى ما هو أبعد: فتتحدث عن الإخفاء بطريقة فلسفية: "سر الزيت الإخفا، فهو يملك القدرة على إخفاء البشر والحيوانات والأمراض وأي شيء نمسحه به.... تماما كالذين اعتقدوا أن الزيت هو الذي شفاهم من المرض، المرض اختفى من المسح بالزيت على الجسد المريض، والزيت لا يشفى بالضرورة" نلاحظ أن الفكرة المتعلقة بالزيت تتطور وتكبر، وتصير لغزا يحتاج إلى حكماء ليفكواه ويحللوه، تكمل "أم رومي" حديثها وتعطي حكمة بخصوص الزيت: "الزيت دواء إذا اتخذت القرار الصحيح، ويصبح خيرا إذا كان قلبك عامر بالخير" وتتحدث عن وباء العصر بقولها: "وباء العصر هو فقدان الحرية...ووالدك أسير فاقد الحرية، أما باطن الوباء فهو فقدان العقل والأخلاق، أو ما يسمونه بعمومية الجهل، وهو أخطر السجون وأشدها قسوة، ما سأملكك إياه من سر الزيت هو الإخفاء الذي سيمكنك فقط من علاج ظاهر وباء العصر، وعليك أن تبحث عن الزيت في عقلك وعلمك حتى تكتشف باطن السر كي تعالج باطن الوباء".
معادلة صعبة ليس على الطفل "جود" فحسب بل على من هم أعمر منه سنا، لكن بعد أن يأخذ الزيت ويدخل بواسطته إلى السجن ويقابل والده ، ينضج مفهوم سر الزيت عند "جود" وعند والده، وعند "نادر وكلاشن"، يتحدث "كميل" عن استخدام الزيت متسائلا: " كلنا من حقنا نتحرر، بس ما بعرف إذا كنا أحق النا، هل أنا أحق من طفل بحاجة لعلاج مش معطينه تصريح عبور؟ أو إنت قال وهو يشير بإصبعه نحو كلاشن "أحق من أمهات وأبناء الأسرى والممنوعين من زيارتهم؟ مين أحق؟، مجموعة أسرى تتحرر من السجن، ولا مجموعة طلاب تصل جامعاتها؟" وهنا يتذكر "جود" كلام "أم رومي" عن سر الزيت الأخلاقي: "أن الزيت يصبح دواء فقط إذا اتخذ القرار الأخلاقي الصحيح" وهنا تنمو فكرة الحنين عن "كميل" لرؤية أبنه "جود" لكنه يتراجع بعد أن يفكر بهذه الطريقة: "...إن كان من حقه مشاهدة وجه ابنه أمامه مباشرة فيما مئات الأسرى محرومون من الزيارة، فقد ولد وأصبح صبيا ولم يلمسه أو يراه إلا في الصورة" وهنا يكون "جود" قد استعاد مرة أخرى قول "أم رومي" الأخلاقي والمتعلق بالزيت، فيقرر راجعا دون أن يراه "كميل" ليستخدم سر الزيت بطريقة أذهلت الاحتلال: "القناة العاشرة التي عرضت صورا لأطفال وحيوانات التقطت على شواطئ حيفا وعكا وطبريا وهم يسبحون ويلعبون ويلهون فرحين" وهذا انعكس على الأسرى الذين: "...بعضهم شاهد ابنه في الصور، وآخر تعرف على شقيقه".

الحكاية/القصة تتناول وحشية المحتل في أكثر من موضع، ولكنها لا تقدمها بصورة مباشرة، بل من خلال مشاهد وأحداث القصة، فمثل عندما يتم الحديث عن الجدار يأتي من خلال "الأرنب سمور": ...نسيت إنك الوحيد اللي حضني بعد ما بنوا جدار الفصل، وبقيت أنا هون وإمي السريعة وإخواتي حبوب وشلهوب هناك؟" وعندما يتم الحديث عن سوء طعام الأسرىوعدم صلاحيته جاء أيضا من خلال الأرنب سمور: "فوجووا جزرة وخيارة ذابلتين دفعوا بهما عبر الشباك، فأعادهما السمور بعد أن تأملهما قائلا: "هاظا اللي بطعموكم ياه؟ الجوع أحسن"، وحتى عندما يتم الحديث عن المنع الأمني من الزيارة للطفل "جود" يأتي من خلال حوار "السمور والخنفور":
"ـ يا حبيبي يا خنفور، جود بده يزور أبوه في السجن، ما بده يشتعل"
ـ طيب يطلع تصريح"
ـ مانعينه ومانعين إمه كمان"
ـ ليش؟"
"قال يا سيدي منه لأسباب أمنية!"
ـ أففف! جود ممنوع لأسباب أمنية! والله صارلك ملف عند الاحتلال يا أبو الجوج".
نلاحظ أن شعبية اللغة وبسلطتها، وفي ذات الوقت وصول الفكرة للمتلقي، وبما أنها جاءت على لسان الحيوان فهذا يبعدها عن المباشرة، فهي متعلقة بالحيوان وليس بالبشر، كما يجعلها ترسخ في أكثر ذهن القارئ، للبساطة والسلاسة التي جاءت فيها المعلومة.
بهذا تكون القصة/الحكاية قد أوصلت فكرة أخلاقية للصبية وللراشدين معا، كما أنها أوصلت فكرة معاناة الأسرى وذويهم، وفضحت المحتل ووحشتيه في التعامل امع الأسرى.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أثر السجن في رواية -الجهة السابعة- كميل ابو حنيش
- البوح بالعشق في -نَبيّ العشق في أديرة العشّاق- زينة جرادي
- تماثل الفكرة مع الأدوات في الأبواق -مأمون السعد
- رواية غدي الازرق ريما بالي
- مأمون السعد قصيدة -كيف لا أسمو إليك-
- تألق فراس حج محمد في الدفاع عن النبي (ص) في كتاب -من قتل مدر ...
- حروف من ذهب للكاتب الأسير قتيبة مسلم
- ديوان أثر من ذيل الحصان عبود الجابري
- حصاد سنابل الكلمة اللقاءات الأدبية في ملتقى بلاطة الثقافي
- العادي والمتميز إلى المعلم والأخ والحبيب -وجيه مسعود-
- الدهشة في الومضة: منذر يحيى عيسى
- الأسطورة والحاجة إلى المرأة في -تمرين بي- أكرم فارس عريج
- المرأة وأثر حضورها في قصيدة - ترخي اشتداد سلاسك- كميل أبو حن ...
- التماهي في قصيدة -مدراج النور- بكر زواهرة
- ديوان حجر الوحش يوسف المحمود
- همية النقد في كتاب صالح حمدوني -على قيد الضحكة الأبدية - محم ...
- الفانتازيا في مجموعة خمسون ليلة وليلى يسري الغول
- الأدبي والسياسي في كتاب -لا تعجب.... زعترنا أخضر-
- رواية الإنجيل المنحول لزانية المعبد أسامة العيسة
- أسلوب التقديم في كتاب -قلق العبور- أبو علاء منصور


المزيد.....




- مصر.. زوجة الفنان أحمد السقا تثير الجدل بملابس غريبة (صورة) ...
- ولي العهد السعودي يطلق -مجموعة بوتيك- لتطوير القصور التاريخي ...
- أخنوش: لا يجب الضغط على المنتخب
- شام الذهبي توجه رسالة لوالدتها الفنانة أصالة وزوجها الشاعر ف ...
- القضية الفلسطينية.. اجتماع بمجلس الأمن يشيد بجهود جلالة المل ...
- مصرية تعكف على تدريس اللغة الهيروغليفية من أجل إحياء -تراث ا ...
- #ملحوظة_لغزيوي: برلمانيونا و الخطابة !
- بعد غياب دام عقودا.. الموسيقار نصير شمة يحيي حفلا موسيقيا بم ...
- كاريكاتير “القدس” لليوم الخميس
- معهد الجزيرة للإعلام وجامعة مؤتة يوقعان اتفاقية تعاون إعلامي ...


المزيد.....

- حوارات في الادب والفلسفة والفن مع محمود شاهين ( إيل) / محمود شاهين
- المجموعات السّتّ- شِعر / مبارك وساط
- التحليل الروائي لسورة يونس / عبد الباقي يوسف
- -نفوس تائهة في أوطان مهشّمة-- قراءة نقديّة تحليليّة لرواية - ... / لينا الشّيخ - حشمة
- المسرحُ دراسة بالجمهور / عباس داخل حبيب
- أسئلة المسرحي في الخلاص من المسرح / حسام المسعدي
- كتاب -الأوديسة السورية: أنثولوجيا الأدب السوري في بيت النار- / أحمد جرادات
- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - حكاية سر الزيت وليد دقة