أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - داخل حسن جريو - ترييف المجتمع العراقي















المزيد.....

ترييف المجتمع العراقي


داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)


الحوار المتمدن-العدد: 7054 - 2021 / 10 / 22 - 03:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تشهد دول العالم المختلفة تزايدا مطردا , بإنتقال الكثير من مواطنيها من مناطق سكنهم في القرى والإرياف والقصبات إلى المدن , نظرا لما توفره المدن من فرص عمل أكثر , وما تتمتع به من خدمات تعليمية وصحية ومعيشية أفضل بشكل عام,مما هي عليه في قراهم, مما نجم عنه زيادة كبيرة في عدد سكان المدن ,بحيث لم يعد بمقدورها تحمل المزيد من السكان الجدد. ونظرا لتدني المستوى التعليمي لهؤلاء النازحين وضعف تأهيلهم المهني في معظم الآحيان , فقد أدى ذلك إلى ممارستهم أعمال متدنية في سلم المهن والوظائف التي لا تتطلب مهارات عالية , وتقاضي أجور زهيدة لا توفر لهم العيش المناسب , مما يضطرهم للسكن في مساكن مكتضة في مناطق بائسة قد لا تتوفر فيها الخدمات الصحية والتعليمية المناسبة , فيما بات يعرف بالعشوائيات وهي مجمعات سكنية غير نظامية غالبا ما تنشأ في أطراف المدن, وتفتقر إلى أبسط شروط السلامة للسكن الآمن . وقد يشكل بعضها بيئة مناسبة لمافيات الجريمة المنظمة وعصابات السطو المسلح وتعاطي المخدرات والإتجار بالبشر. يعيش حاليا ما لا يقل عن( 800 ) مليون شخص في الأحياء الفقيرة في دول العالم المختلفة.
تشير الإحصاءات الدولية إلى أن نسبة السكان في المدن في مختلف دول العالم إلى إجمالي عدد السكان , قد ارتفعت من( 30% ) سنة 1950 إلى( 55% ) سنة 2018، ومن المتوقع ان تصل إلى( 60% ) سنة 2030. وبحسب ما تُشير إليه هذه الإحصاءات فقد وصلت نسبة سكان المدن في مصر مثلا إلى( 42%) من إجمالي السكان سنة 2016، وبلغت في الصين ( 53%)، وفي الولايات المتحدة الأميركية ( 81%).وتعزى نسبة كبيرة من هذه الزيادات إلى تدفق المهاجرين إلى هذه المدن من المناطق ألريفية .وفي العراق تشير الإحصاءات المتاحة إلى أن نسبة سكان الحضر إلى مجموع السكان قد قفزت من حدود (36% ) عام 1947 إلى( 64% ) عام 1977 وإلى ( 72% ) عام 1997 , وما زالت هذه النسب في زيادة مطردة بسبب سوء الأحوال المعيشية في القرى والأرياف جراء تدهور القطاع الزراعي نتيجة سوء الإدارة وشح المياه المتدفقة من دول جوار العراق.
يقدر عدد سكان العراق حسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء سنة 2020 نحو ( 41,190,658) نسمة , مقابل ( 4816000) نسمة عام 1947 ,أي بزيادة أكثر بثمانية أضعاف , موزعين بواقع (28,779,201)حضر و(12,411,457) ريف. بلغ سكان محافظة بغداد (8,340,711)نسمة, تليها محافظة الموصل (3,828,197 ) نسمة والبصرة(2,985,073)نسمة. وتوضح المعطيات الإحصائية أن محافظة بغداد تأتي في مقدمة المحافظات جذبا للسكان. ويشير تقرير الجهاز المركزي إلى أن الهجرة في العراق هي بالأساس هجرة عائلية دائمة بسبب ظروف الحياة السيئة في الريف مقارنة بالمدينة. شهد العراق أول حالة نزوح واسعة من الريف إلى المدينة في أعقاب ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 , حيث نزحت أعداد كبيرة من فلاحي محافظات العمارة والناصرية وبعض مناطق وسط وجنوب العراق , للسكن في مدينة بغداد بالدرجة الأساس , تليها مدينة البصرة , حيث شكل هؤلاء النازحين مناطق تكاد تكون مغلقة خاصة بهم في أطراف بغداد .
لم يكن هؤلاء القادمون الجدد مرحبا بهم من قطاعات واسعة من سكان هذه المدن , حيث كان ينظر البعض إليهم بإمتعاض وإزدراء وكأنهم ليسوا مواطنيين عراقيين, لهم كما لسواهم حق العيش في أي مكان. يصفهم البعض في بغداد بمصطلح "الشروك " , وهم لا يقصدون بذلك أنهم نازحون من مناطق شرقي بغداد أي محافظات الوسط والجنوب , بل يقصدون تحقيرهم لتدني مستوياتهم المعيشية والتعليمية والثقافية التي حرمتهم حكوماتهم من نيلهم قسطا منها, وكذا الحال في البصرة حيث كانت تطلق تسمية " جرمن " على النازحين من محافظة العمارة , وكلمة جرمن كما هو معروف تعني الألمان باللغة الإنكليزية , وهم هنا يطلقونها على هؤلاء الكادحين من باب الإستهزاء والإستخفاف بهم , ويطلقون على القادمين من محافظة الناصرية مصطلح " الشجرة الخبيثة" للدلالة على عدم الترحيب بهم . ولا يختلف الحالة في المدن الأخرى , إذ يطلق سكانها على القادمين إليها من القرى والأرياف تسمية " المعدان " التي تحمل في ثناياها مفهوم الجهل والتخلف والإستخفاف , وجميع هذه المفردات تستخدم أحيانا موضع الذم والإستهانة.
وبمرور الوقت إندمج هؤلاء النازحون بمجتمعاتهم المدنية الجديدة , ونال الكثير منهم قسطا جيدا من التعليم وتسلموا بعض الوظائف ومارسوا مهنا مختلفة , كما إنخرط البعض الآخر في التنظيمات السياسية الراديكالية اليسارية والقومية والدينية على وجه الخصوص, حيث وجدت فيهم هذه الأحزاب مادة دسمة للكسب الحزبي , وإستعداد الكثير منهم تنفيذ ما يكلفون به من واجبات حزبية مهما كلفهم ذلك من تضحيات . كان الزعيم عبد الكريم قاسم أول من إهتم بهذه الشريحة من الكادحين , بنقلهم من مناطق سكنهم البائسة , وإسكانهم في مساكن أفضل فيما عرف بمدينة الثورة ,أستبدلت تسميتها في عقد الثمانينيات "بمدينة صدام" التي قدمت ضحايا في الحرب العراقية الإيرانية أكثر من أي مدينة أخرى في العراق , ونالت بذلك قدرا لا بأس به من الإهتمام الحكومي حيث بذلت جهود جيدة لتحسين مستوى الخدمات المقدمة لسكانها , ومرة أخرى تعاد تسمستها بعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 لتسمى "مدينة الصدر".كان هؤلاء المساكين وقودا جاهزة لجميع الحروب والصراعات الدامية في كل عصر وزمان ,دون أن يكون لأيا منهم فيها ناقة ولا جمل , بينما يعيش حكامهم في رغد وسلام ينعمون بخيرات العراق دون حساب.
حافظ النازحون من الأرياف إلى المدن على عاداتهم الريفية المتوارثة وترابطهم الأسري والعشائري على الرغم من عيشهم في المدن فترة ليست بالقليلة , لكن لم يكن تأثيرها فيهم كبيرا. وقد إستغل الحكام هذه الخاصية فيهم وتوظيفها لخدمة حكوماتهم عندما وجدت نفسها بحاجة أكبر لدعمها في ظروفها الصعبة جراء حروبها وصراعاتها . شهد عقد الثمانينيات بداية غير محمودة لعودة العشائرية إلى العراق بالتأكيد على الكوادر الحزبية بيان نسبها العشائري لسابع جد , بعد أن حرمها النظام في عقد السبعينيات بعدم السماح بإستخدام الألقاب العشائرية . وشهد عقد التسعينيات ظاهرة ما عرف بشيوخ التسعينيات الداعمين لسلطة النظام , حيث أسس مكتب بديوان رئاسة الجمهورية لرعاية مصالحهم . وبذلك إزداد نفوذ العشائر في قراهم وقد إمتد هذا النفوذ إلى المدن بما فيها بغداد من خلال النازحين من أبناء عشائرهم في فترات سابقة . لكن الكارثة الكبرى قد حلت بالنسيج المجتمعي العراقي عند غزوه وإحتلاله عام 2003 , وإنهيار الدولة العراقية ومؤسساتها , حيث بات فيها رؤساء العشائر والمتنفذين فيها يفرضون أعرافهم العشائرية البالية على المجتمعات المدنية بقوة السلاح إن لزم الأمرذلك. فلا عجب أن تتناقل الأنباء بين الحين والآخر إندلاع نزاعات عشائرية واسعة في بغداد والبصرة والناصرية والعمارة وغيرها دون أن تحرك الحكومات ساكنا , ويتم فضها عبر المفاوضات العشائرية من خلال ما يعرف بوجائها على وفق النواميس العشائرية . ومن الغرائب التي باتت تشهدها المدن مطالبة الأطباء بدفع ما يعرف بالدية إذا ما توفى أحد مرضى العشائر في المستشفيات , وبخلافه تتعرض حياتهم للخطر . كما شهدت بعض المستشفيات نزاعات عشائرية في أروقتها, وشهدت بعض الجامعات هوسات عشائرية في قاعات مناقشة رسائل وأطاريح طلبة الدراسات العليا في الجامعات , ناهيك عن عودة عادات الفصل والدكة العشائرية . أي بإختصار ترييف المجتمع المدني العراق بدلا من تمدين المجتمع الريفي , إذ أن المدنية سمة التحضر في كل زمان ومكان , وليس العودة إلى قيم بالية لم تعد صالحة للحياة الإنسانية المعاصرة .



#داخل_حسن_جريو (هاشتاغ)       Dakhil_Hassan_Jerew#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى تصان كرامة العراق ؟
- الموصل الحدباء والعبث التركي
- عجيب أمور ... غريب قضية ما هذا الذي يحدث في العراق ؟
- أخطبوط الفساد في العراق
- -الديمقراطية- في المنظور العراقي
- دور الأقليات غير المسلمة ببناء دولة العراق
- دور المفكرين التنويري
- هل ستغير نتائج الإنتخابات العراقية القادمة.. واقع العراق الم ...
- النظام الصحي العراقي... إهمال وفساد
- إصلاح النظام السياسي العراقي ... إرادة وطنية
- هل الجامعات العراقية .. مؤهلة حقا للإستقلالية.؟
- أنهيار منظومة الأخلاق في العراق ... مقدمة لإنهياره
- يهب الأمير ما لا يملك
- النظام السياسي العراقي الراهن... قراءة موضوعية
- خربشات سياسية
- بعض خصوصيات العراق
- حديث في مفهوم الثورة والإنقلاب العسكري
- عدم الإستقرار... محنة العراق
- متى يتخلص البعض من عقدة مركب النقص والشعور بالدونية؟
- لماذا أخفقت حكومات الإنقلابات العسكرية لعربية بتنمية بلدانها ...


المزيد.....




- البرازيل.. جولة ثانية في انتخابات الرئاسة لعدم حصول أي من ال ...
- لاتفيا.. حزب رئيس الوزراء يفوز بالانتخابات البرلمانية
- الكونغو الديمقراطية.. مصرع 14 مدنيا في هجوم مسلح شرق البلاد ...
- اليمن.. مسؤولون بالحكومة يشنون هجوما على الحوثيين
- مباشر: لولا دا سيلفا يتقدم على بولسونارو في الفرز الأولي للأ ...
- أمير قطر يتلقى رسالة خطية من سلطان عمان
- هيئة الانتخابات العليا بالبرازيل: لولا داسيلفا حصل على 47.9% ...
- روسيا تواصل تجهيز طائرات MS-21 المدنية بمحركات محلية الصنع
- صيحات استهجان تلاحق وزير الأعمال البريطاني في برمنغهام (فيدي ...
- ابتكار طريقة جديدة للحفاظ على كلى المتبرعين


المزيد.....

- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان
- رواية مسافرون بلاهوية / السيد حافظ
- شط إسكندرية ياشط الهوى / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - داخل حسن جريو - ترييف المجتمع العراقي