أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=726054

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - حيدرعاشور - طموحٌ جامحٌ















المزيد.....

طموحٌ جامحٌ


حيدرعاشور

الحوار المتمدن-العدد: 6968 - 2021 / 7 / 24 - 17:39
المحور: الصحافة والاعلام
    


كانت يتيمةَ الأبوين، تعيش في كنف عمِّها وزوجته، صغيرةً تقترب من ربيعها الخامس عشر، قرّر أنْ يتقدم إلى خِطبتها وفي أعماقه تموجُ مشاعرُ إحسانٍ ورأفةٍ إزاءَ هذه الفتاة الصغيرة في عالمٍ لم يعد يتحمل أحدٌ أحدًا إذا ما غاب الأبوان، ومما شجّعه على اتخاذ هذا القرار بعد عزوبيةٍ اقتربت من الأربعين، معرفتُه بأبيها رشيد الموظف في عقارات الدولة.
في البدء جوبهت رغبة ستار بالزواج من تماضر برفضٍ شديدٍ؛ لفارق العمر، ولأنَّها ترغب في إكمالِ دراستها. وقد تلقى ستار الكثير من اللوم وعتب الأهل والمعارف والأصدقاء بسبب قراره المفاجئ؛ إذ لم يستطع أحدٌ أنْ يدرك المشاعر الحقيقية التي تحرِّكه إزاءها، فهو في الحقيقة يريدُ أنْ يكون لها المنقذ، لا سيما وهو مولعٌ بهذا الدور في حياته، ينطلقُ من روحٍ صافية وإيثارٍ قلَّ نظيره، ولقد تناهى إلى سمعه مكابدة هذه الفتاة الصغيرة لمشاق الحياة؛ لكره زوجة العمِّ لها ومعاملتها بقسوة وغلظة، تصلُ حدَّ إقدامها في إحدى فورات الغضب على تمزيق وإحراق كتب تماضر لكي تبقى في البيت كأيةِ جاريةٍ، تقوم بالغسلِ والكنسِ وشؤون المنزل الثقيلة الأخرى...
وبعد أسبوعٍ من رفض الطلب بدأت الأفكار تتداعى في الرؤوس: العمُّ وزوجته وتماضر.. الأول في تخليص تماضر من معاناتها مع زوجته التي عجز عن تغييرها؛ فهي مجبولةٌ على الإيذاء والخبث، لاسيما وهو غير موجودٍ في البيت بشكلٍ دائم، أمّا زوجة العمّ فترغبُ في التخلصِ من تماضر؛ فهي تفكر بتزويج ابنها من ابنةِ شقيقها، وبتزويجها تماضر من ستار، قطعٌ للطريق الذي قد يفكر به زوجها من إبقاءِ البنت في البيت بصفة زوجةٍ لابنها.
أما الضلع الثالث والأهم فهي تماضر التي راجعت الفكرة؛ فالحياةُ عسيرةٌ ولم يعد الزواج سهلًا، بل صار كالحلم في زمنٍ تناقصَ فيه الرجال، بعد أنْ أكلتهم الحروب أو أقعدتهم عن الإيفاء بالنفقات بسبب الظروف العصيبة من الحصارات وتدني مستوى العيش وانعدام فرص العمل، فأصبحت النسوة في وضعٍ حرج ولم تعد الشروط القديمة تتماشى مع الواقع العصيب.
كما أنَّه يُقال: إنَّ الرجل الكبير أكثر نضجًا من الشاب النزق، والزواج من هذا الرجل هو خلاصٌ من عذابِ زوجةِ العم، لا سيما وقد وافق على الشرط المهم وهو إكمال دراستها، فهي تجد حياتها كلها متوقفةً على الدراسة ونيلِ شهادةٍ عليا. هذا الطموح الجامح جعلها توافق في سرِّها على الارتباط بستار الذي يعمل سائقًا لسيارات الحمل الكبيرة لنقل البضائع بين المحافظات.
وفي مواجهةٍ بين العم وزوجته وتماضر، بدأت أطراف الحديث تسير باتجاه ستار وبدأت الكلمات أكثر تبريرًا، ونبرة القبول بدت هي المُحرِّك للحديث، وكلٌّ قد أدلى بدلوه.
وهجست تماضر بأنَّ عمَّها وزوجته ينطويان على قبولٍ دفين وشيئــًا فشيئـًا تكاشفَ الثلاثة وكلٌّ تدفعه رغبةٌ لا تشبه رغبةَ الآخر، وكلٌّ ينظر إلى القضية من منظارهِ الخاص.
أُبلِغَ ستار بهذه الأخبار السارة فلم ينم ليلته؛ لشدةِ فرحه، وكأنّه قد حقّق حلمًا طال انتظاره، وبسرعةٍ تامة بدأ يهيئ كلَّ شيءٍ وأقسم للجميع بأنَّه سيرعاها وسيوفرُ لها كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ من أجل تلبيةِ رغبتها في إكمال دراستها ونيل الشهادة العليا لا سيما وهي ذكية وقد نذرت عمرها للدراسة والتفوق.
وحين أظلّ السقفُ الجسدين، قبّل ستار تماضر من جبينها وعاملها كطفلةٍ مدللة، وفي خضم الأحاديث التعاريفية والهواجس الاكتشافية همست تماضر له: بأنَّها تنهي كلَّ شيءٍ حين يمنعها من الاستمرار بدراستها. فضحك ستار وأفاض وجهه بالانفعال الطفولي وهو يقسمُ لها بأنَّه سيبقى مصممًا على هذا القسم وسيوفرُ لها كلَّ ما تحتاجه من أجلِ الدراسة وقرّر أنْ يحضرَ فتاةً فقيرةً لتساعدها في أعمالِ المنزل؛ لتتفرغ هي للدراسة فحسب.
ومثلما بدأت سيارة ستار الكبيرة تقطع عشرات ومئات الأميال بدأت الأعوام تترى وكلاهما غارقٌ في عالمه، ستار في عالم نقل أنواع البضائع وعشرات السفرات من أقصى المدن إلى أقصاها، وتماضر تستميت في الدراسة والحرص على نيل النجاح بتفوقٍ مدهش. وفي يومٍ من الأيام أقام ستار حفلةً للجيران والأقارب وصديقات تماضر بمناسبةٍ مذهلة وهي قبول تماضر في كليةِ الطب بعد جهدِ السنين والرعاية وتوفير كلّ ما تحتاجه من كتبٍ وملازم، وانتهاءً بتوفير خادمةٍ لها..
ومنذ تلك اللحظات السعيدة بدأ ستار ينادي زوجته بالدكتورة تماضر ولم يطُل الزمن حتى تحوّلت بالفعل تماضر إلى أخصّائيّة في طب وجراحة العيون، وبذل ستار كلَّ ما بوسعه للحصول على عيادةٍ لها في مكانٍ مرموق واستقر الحلمُ في حدقاتِ تماضر. وحين جلست خلف منضدة الفحص تطلّعت في أثاث العيادة التي اكتمل فيها كلُّ شيءٍ من أجهزةٍ وأدواتٍ نهضت وتطلّعت إلى الأفق البعيد عبر النافذة وشعرت بأنَّ شريطًا من الذكريات المرة . بدأ يتوامض أمام ناظريها، وها هي تتوِّجُ كلَّ الأعوام الكالحة بهذه النتيجة الحلمية وتسيرُ بزهوٍ فوق أرضٍ صلبةٍ، لكنَّ طرقات الباب القوية سحبتها من عالمها كان وجه ستار أول طالعها حين فتحت الباب، دخل وعلى وجهه بشارةٌ متوهجةٌ وسعادةٌ لا توصف ولولا الخجل لاحتضنها ولكن الزيّ الطبي جعله يُفيق من رغبتِه المُلحة، طلبت منه الذهاب وتركها لتمارس عملها، لم يشعر إزاءها بأيّ شعور..
تركها وهو ينظرُ من بعيدٍ إلى لافتةٍ عُلِّقت على جدارٍ (الدكتورة تماضر حسن) شعرَ بزهوٍ وسعادةٍ، كمن انتهى من صنعِ تمثالٍ جميلٍ، فسار وفي عقله تتداعى كلّ تلك السنوات التي كابدها من أجلِ الوصول إلى مثل هذا اليوم البهيّ.
لم يمضِ شهران على هذا الحدثِ الكبير والفاصل حتى شعر بأنَّ تماضر لم تعد تماضر! لقد تغيّر فيها كلُّ شيءٍ، حتى طريقةِ كلامها ومشيتها وطلباتها وقسوتها على الخادمة التي فرّت من البيت دون رجعة.
لكن ستار لم يتغير إزاءها، بل ازداد تعلقًا بها وأيقن أنَّ ما حدث لها هو شعور ٌطبيعي بفرحةِ الشهادة وانتقالها من عالمٍ إلى عالمٍ آخر، كم كان بحاجةٍ أنْ تتذكر تماضر تعبه وجهده من أجلها؛ فهما الاثنان ساهما بالوصول إلى هذه الحال من الرقي، هي بدراستها، وهو بدعمه لها وماله وتضحيته، فهو لم يكن يعاملها كزوجةٍ قط بل كأستاذةٍ داخل البيت!
وفي إحدى الليالي عاد من سفره البعيد، فوجد البيت فارغًا والأنوار مطفأة، تلمَّس طريقه وسط الظلام وبدأ ينادي: تماضر... تماضر ولكن دون جدوى. اكتشف أنَّها منذُ أنْ سافر في سفرته الأخيرة انتقلت إلى بيت عمها! ولكنه اعتبر الأمر عاديّـًا؛ فلربما شعرت بالوحدة خصوصًا بعد طردها الخادمة.
لم يستطع البقاء في البيت وحده فأغلق الأبواب وتوجه إلى بيت العم وجلس لأكثر من ساعة مع العم وزوجته دون أنْ يظهر لها أثر!
استشاط غضبًا في أعماقه وبدأ يلحُّ بالسؤال عنها إزاء البرود واللامبالاة التي وجدها في الوجوه، حتى تُوّجَ هذا الموقف المؤذي له بأنْ حدثته تماضر من خلف شباكٍ داخل إحدى الغرف أنَّها قدّمت في المحكمة دعوة تفريق بعد أنْ قرّرت الانفصال عنه.
وقف أمام الشباك وهو يكيد نفسه، ويتماسك خجلًا من السقوط، وبدأ يطلبُ منها إبداء السبب، وهل فعلَ شيئـًا لا يُرضيها؟! وهمس بحنانٍ بأنّه سيحضر خادمةً جديدةً إذا تطلّب الأمر، ولم يكن دفاعه عن الخادمة إلا حرصًا على وجود خادمةٍ لها في البيت.
بدأت تماضر تحدث بحديثها، وخشي العم وزوجته من تعبير تماضر عن غضبها وكلماتِها الجارحة التي تفوّهت بها قبل مجيء ستار، وأخذت توغل في رفضها العودة إلى البيت، وأنَّها مصرّةٌ على الطلاق حتى لو دفعت كلَّ ما تملك؛ فهي لم تعد قادرةً على العيش معه. وقف ستار مندهشًا وشعر بالتخاذلِ وبنكرانِ الجميل، وأنَّ هذا الكائن الجميل قد انقلب إلى كائنٍ آخر لا يمتُّ إلى الجمال أو العاطفة بأيةِ صلة، لا سيما عندما اصطدمت كلمةٌ بأذنيه وكادتْ أنْ تُفقدهُ عقله وصبره وإيثاره حين قالت له: الناسُ بدأوا يعيّرونني بك. لقد أصبحتَ عارًا لي وعبئـًا يجبُ التخلص منه، كيف يمكن لطبيبةٍ أنْ تكون زوجةً لسائق سيارة حمل؟!
لقد تهاوى كلُّ شيءٍ وانهار الحلم وهو يواجه كابوسًا وامرأةً شرسةً بعيدةً عن تلك الفتاة الحالمة. اكتشف اللعبة الغبية التي كان هو بطلها. أمسك بهدوئه وخرج باتجاه الخارج مستعيدًا رجولته لكنّه تذكر شيئـًا فعاد إلى الشباك وقال بهدوءٍ تام:
ــ ورقةُ طلاقك ستصلك بأقربِ وقتٍ.
خطا خطواته في الليل المليء بالنجوم وشعر بأنَّه تحرّر من لعنةٍ مُؤذية.



#حيدرعاشور (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشباب جيل المستقبل وهوية العراق
- حين تكون قصيدتك صوتاً ورمزاً..
- فراس الاسدي .. (يا لك منْ مُستفز أبيضْ) ..
- في ظل حكومة الثقافة المبرمجة
- (خالٌ في خدّ السماء) قصائد تنفَّستْ روح الشاعر علي الشاهر
- (قصةٌ قصيرة) صالحةٌ
- رضا الخفاجي ... ما زال يسعى منذ نصف قرن..!
- نحن في زمن المُفاجأة..!
- رياضةُ اليوم في سجلات الماضي
- 2007 قصةُ انجاز..
- قصة قصيرة (الملاذُ الأخير)
- قصة قصيرة ( امرأةٌ من الماءِ)
- قصة قصيرة (الخيطُ الخفي)
- قصة قصيرة ( الخيطُ الخفي )
- فاض هذا العالم بالمهرة من الكذابين
- قصة قصيرة( يرى نفسهُ)
- مصانعُ لإنتاج الكذابين
- لعبة الحياة والنوايا الصادقة
- الاخلاق التجارية
- الانتخابات ...قرار كل مواطن


المزيد.....




- المغرب: مظاهرات في الرباط ضد غلاء المعيشة و-القمع-
- انطلاق مناورات عسكرية مصرية سودانية للتدريب على تأمين الحدود ...
- لبنان.. 9 وزراء يعتذرون عن المشاركة في جلسة للحكومة دعا لها ...
- هجمة جديدة.. مستشفى قرب باريس يتعرض لهجوم إلكتروني منذ السبت ...
- رئيسة حزب تونسي: -دستور سعيد وثيقة استعمار واستعباد-
- -وول ستريت جورنال- تعلق على محاولة زيلينسكي إشعال فتيل مواجه ...
- المفوضية الأوروبية تعلن عن حزمة عقوبات تاسعة ضد روسيا
- وزير بريطاني يدعو لرفض قبول لجوء الألبان في المملكة المتحدة ...
- قمة دول غرب إفريقيا تقر تشكيل قوة للتدخل ضد الجهاديين والانق ...
- إدانات شديدة لترامب بعد دعوته لإنهاء العمل بالدستور الأمريكي ...


المزيد.....

- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان
- الإعلام و الوساطة : أدوار و معايير و فخ تمثيل الجماهير / مريم الحسن
- -الإعلام العربي الجديد- أخلاقيات المهنة و تحديات الواقع الجز ... / زياد بوزيان
- الإعلام والتواصل الجماعيين: أي واقع وأية آفاق؟.....الجزء الأ ... / محمد الحنفي
- الصحافة المستقلة، والافتقار إلى ممارسة الاستقلالية!!!… / محمد الحنفي
- اعلام الحزب الشيوعي العراقي خلال فترة الكفاح المسلح 1979-198 ... / داود امين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - حيدرعاشور - طموحٌ جامحٌ