أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - لماذا يكره رجل الدين حضارة مصر القديمة؟















المزيد.....

لماذا يكره رجل الدين حضارة مصر القديمة؟


سامح عسكر

الحوار المتمدن-العدد: 6860 - 2021 / 4 / 5 - 20:46
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بالنسبة لكراهية الإخوان والسلفية (للحضارة المصرية القديمة) فالموضوع له علاقة بموقف الديانات الإبراهيمية الثلاث (يهودية ومسيحية وإسلام) من حضارة مصر القديمة بالذات، فبرغم أن تهمة الوثنية طالت حضارات (العراق والشام والعرب والرومان والهند واليونان..وغيرهم) القديمة إلا أن كراهية حضارة مصر بالذات أكبر لعدة اعتبارات..

ركز معي من فضلك:

أولا: الموقف اليهودي من مصر القديمة غير محصور فقط على قصة فرعون وموسى إنه يقول بوضوح أن ملوك مصر جميعهم كانوا يكرهون المؤمنين (بني إسرائيل) واضطهدوهم وقد انتقل هذا التصور لكل مسيحي يؤمن بالعهد القديم والتلمود والمدراش..علما بأن الموقف اليهودي ذلك يرى حضارة العراق القديمة بنفس الصورة بسبب (مملكة بابل) التي أسرت شعبهم الأول في القرن 6 ق.م

ثانيا: الموقف المسيحي من مصر القديمة يتعلق بالصراع الثنائي بين الاثنين إبان تحول مصر للمسيحية في العصر البيزنطي بعد القرن 3 م، ومن أشهر هذه الأحداث (قتل هيباتيا) وبتكلم عن الموقف المسيحي (الديني) مش (العلماني) لأن المسيحية طالتها مسحة علمانية بعد عصر التنوير جعلت معظم مسيحيين العالم تقريبا لا يكرهون حضارة مصر ويفتخرون بها..لكن المتشدد المسيحي لا زال يراها كما يراها اليهودي.

ثالثا: الموقف الإسلامي من مصر القديمة هو محصور فقط (بقصة فرعون وموسى) وبرغم أن القرآن لم يذكر أي ملك مصري قديم سوى فرعون إلا أن عقلية الشيوخ (الغبية والمتطرفة) أسقطت هذه القصة على سائر ملوك مصر..فبرغم أن مصر حكمها أكثر من 300 ملك طوال عصر الأسرات إلا أن (ملكا واحدا سيئا) صار حجة على ال 299 الباقين..ولم يسأل أحد منهم طالما حضارة مصر القديمة (كلها) بهذا السوء..لماذا لم يبعث الله لهم رسلا غير موسى؟؟! بينما أرسل مئات الأنبياء للشام والعراق ولم يظهروا أشرارا كما ظهرت مصر..!

هذا على فرضية فرعون المصري..لأن هناك فرضيات أخرى تقول أنه غير مصري بل هكسوسي أو عربي، وكذلك على فرضية ثبوت قصة موسى وفرعون تاريخيا، فالتاريخ المصري القديم يخلو تماما من هذه القصة، ويقول أشياء أخرى مختلفة إبان الحقبة التي ذكرتها التوراه لحياة موسى..

رابعا: الإخوان والسلفية بما أنهم مسلمين متشددين أخذوا قصة فرعون القرآنية فقط كحجة على كراهية أي مصري قديم..ولم يرثوا كراهية حضارة العراق (بابل وآشور وسومر) لخلوّ التراث الإسلامي من أي ازدراء لها..برغم أن هذه الحضارة كانت وثنية وفقا لتصنيفهم..لكن الأمر لا يتعلق بوثنية وكفر..إنه يتعلق بموقف (يهودي حصري) دخل كلاً من الإسلام والمسيحية، لكن الإسلام بالذات لأن علماء الحديث نقلوا كل تصورات الإسرائيليين الأوائل لمصر القديمة، فأصبحت للكراهية بُعد سياسي واجتماعي واقتصادي..فضلا عن الديني الذي يعد هو حجر الأساس

إعلم أن أي رؤية معتدلة ومنصفة لحضارة مصر هي رؤية علمانية

لا تنتظر أي شخص غير علماني ينصف بلدك وحضارتك القديمة

شعوب الصين والهند واليابان ليس لها موقف إيجابي أو سلبي من حضارة مصر القديمة لأن أديانها ليست إبراهيمية، فالكراهية الدينية لقدماء وادي النيل محصورة فقط على ذوي هذه الأديان الثلاث..سوى الذي تخلص من سطوة تراثه المعرفية وبدأ يفكر بطريقة عقلية وعلمانية..لذلك فالتطور الأخير الذي بدأ ينظر لحضارة مصر القديمة على أنها حضارة عظيمة وعقد الاحتفالات لذلك والافتخار بملوك مصر القدماء هو (تطور في الوعي) أصلا والانسلاخ من نفوذ المشايخ والرهبان والأحبار بشكل متدرج.

خامسا: المصريون القدماء كانوا يكرهون (الرعاة الصحراويين) وفي هذه العصور كان الرعي حرفة للإسرائيليين وأجداد العرب والليبيين، وحروب سنوسرت والهكسوس ومرنبتاح وثقت ذلك أن تلك حروبا بين المصري (الفلاح) والراعي (البدوي) وظلت هذه الكراهية موروثة حتى عصر محمد علي باشا في القرن 19 الذي قرر توطين الرعاة البدو في قرى ومدن زراعية للقضاء على مشاكلهم..وهجومهم المتكرر على الفلاحين، ومنذ هذا التوقيت بدأت العلاقة تتحسن، والفلاح الذي كان يخاف من الراعي تقبله كمواطن وشريك في الحياة..

من هذه النقطة السابقة تبين لك سببا آخر للكراهية وهو (الطبقية والفئوية) فنظرة العرب والإسرائيليين للمصري انتقلت للإخوان والسلفية ليست فقط دينيا ولكن اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا..ومن علامات ذلك أنه وكلما أراد الشيخ أن يقبل حضارة مصر من باب التنوع وعدم الصدام مع القانون..يكتشف أن لديه حواجز نفسه تقول بمعاناة (أسلافه ورموزه) من المصري، ومن أشهر تلك الحواجز النفسية (بالعصر الحديث) حروب الجيش المصري ضد الوهابية في القرن 19 فمهما أقنعت شيخا بعقلانية وروحانية واعتدال حضارة مصر..إلا أن المسألة لديه مركبة وغير منظمة..وسينظر لك كما نظر الوهابي لجنود إبراهيم باشا..

سادسا: يدعي الجهلة منهم أن أصول المصريين عربية فكلاهما (شعوب صحراوية) والجواب :لماذا إذن لم يرسم المصريون القدماء آلهتهم (برأس جَمَل)؟

الجِمال هي أكثر وأشهر حيوان صحراوي لطبيعته في تحمل البيئة القاسية قليلة المياه، وحضارة مصر القديمة (خَلَت) تماما من هذا الحيوان، مما يعني أن المصري القديم عرف الرعي الزراعي لا الصحراوي، فالأول يمكنك فيه تربية الماعز والأغنام والأبقار التي تتطلب مياها وعُشباً كثيرا..أما الثاني فهو خاص أكثر بالجِمال، وهذه الجزئية دليل على أن أصول المصري القديم ارتبطت بالمياه ووفرتها مما يندر وجوده في الجزيرة العربية بشكل كبير والشام جزئيا..بل مرتبطة بوادي النيل، وفكرت أن أطرح تلك الجزئية كدليل عن أصول المصريين القدماء السمراء لكنها بحاجة لتفصيل وشرح أكثر في طور الاستعداد له.

باختصار: حضارة مصر القديمة لم تكن تظهر وتسمى حضارة عظيمة إلا على يد العلمانيين من أبناء أوروبا الذين تخلصوا من صورة مصر القديمة الشريرة في المعتقد اليهودي، وكذلك العرب الذين تقبلوها علمانيين أيضا متخلصين من سطوة التراث العربي الإسلامي ، فالقضية تتعلق بتراث (قومي ديني اجتماعي) وظهور "سرسجي الدعوة / عبدالله رشدي" في ذلك التوقيت ليترجم تلك الكراهية على شكل تكفير وبحث عن مصير قدماء المصريين في الآخرة هو (ترجمة صريحة) لهذا التراث، فالرجل فقط يملك من الجرأة على التصريح بما يكنه المشايخ ويتفق معه متشددي المسيحية واليهودية، وقد اطلعت بنفسي على منشورات ومقالات لمتشددين مسيحيين مصريين يقولون نفس كلام السرسجي وأن (الفراعنة الوثنيين) حسب وصفهم لن ينالوا بركة يسوع لظلمهم شعب الله المختار ، وأن تكريمهم بهذا الشكل هو (زنا روحي)

أما عيد وفاء النيل فهو من أكثر أعياد المصريين - قديما وحديثا - بهجة وسعادة وفي تفسير سورة طه قال بعض الأئمة أن قوله تعالى على لسان موسى لفرعون "موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى" [طه : 59] أن يوم الزينة هو يوم عيد وفاء النيل، فقد عرفه موسى واحتفل به مع المصريين

عيد وفاء النيل هو عيد مصري قديم لا علاقة له بالأديان، ونسجت من حوله الأساطير منها أن المصريين كانوا يقتلون أحد النساء فيه كل عام..وهذا غير صحيح وأكذوبة مصدرها التراث العربي، بل هو عيد بهجة ومرح أشبه بأعياد الربيع والنوروز..وظل الاحتفال به حتى وقت قريب إلى أن قضى عليه الوهابيون بناء على وقف الاحتفال به رسميا منذ توقف الفيضان بعد بناء السد العالي سنة 1972، فكان وجود هذا العيد مرتبطا بالفيضان السنوي في الصيف وموسم الزراعة ، وبعد توقف الفيضان صار الاحتفال به على شاكلة شم النسيم مع عقد مسابقات الجمال على ضفافه وتلك الطقوس الجمالية هي التي حفزت الشيوخ والجماعات للثورة ضده والتحذير من عواقبه بشيوع الفُحش والزنا كما يدعون..

الشيخان الأزهريان "عطية صقر وجاد الحق على جاد الحق" أشهر من أفتوا بحرمة الاحتفال بوفاء النيل بناء على فتاوى ورأي عام ديني في الأزهر والجماعات خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، حيث يرون هذا الحفل من بقايا الوثنية وتضحية جاهلية بعروس النيل..بينما كلا الأمرين مبنيان على أكاذيب:

أولا: عيد وفاء النيل ليست فيه أي طقوس دينية..وإن كان الاحتفال به قديما له دلالة دينية، فالمصري القديم كان يرى أن فيضان النيل هو دموع إيزيس على زوجها أزووريس، مجرد تفسير لظاهرة طبيعية بطريقة دينية..لكن الاحتفال ظل كما هو في العصور (الأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية) حتى في العهد الناصري والساداتي كان الاحتفال بوفاء النيل طبيعيا حتى بعد توقف الفيضان، فهل كان المصري يبكي على أوزوريس وقتها؟

ثانيا: يقول المحدثون أن القبط كانوا يرمون بأحد نسائهم في النيل لتموت كل عام في وفاء النيل، والسؤال: متى وجدت ثقافة التضحية البشرية هذه في الديانة المسيحية؟ إن هذه الديانة من أكثر معتقدات العالم رفضا لقتل النفس والتضحية البشرية، واعتبرت أن تضحية يسوع على الصليب كفيت البشرية أخطاء وويلات الخطيئة الأصلية لآدم، والقائل بأن المسيحيين كانوا يرمون عروس النيل في المياه..جاهل بأبجديات المسيحية، وطبيعي أن يخطئ الشيخ جاد الحق هنا..فهو جاهل بالديانة المسيحية شأنه كشأن كل شيوخ الأزهر تقريبا ..

ثالثا: لو كانت أسطورة قتل عروس النيل صحيحة فلماذا احتفل به النبي موسى مع الشعب المصري في زمن فرعون؟، فيوم الزينة كان يوم فرح ومرح..لا حزن وفراق كما هو مفترض في تلك الأسطورة، ومن يشأ الاطلاع على تفسير يوم الزينة بعيد وفاء النيل فليقرأ (زهرة التفاسير للشيخ محمد أبو زهرة 4743) و (تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 19/ 125)

إن أولى شروط الاحتفال بالحضارة المصرية وتمجيدها هو إحياء أعيادها، وأهم تلك الأعياد هو "وفاء النيل" فمصر منذ أن عرفت هي (هبة النيل) فمياه النهر التي أوجدتها والشريان الذي وهبها الحياه، والوريد الذي يغذي ثقافتها بكل جميل..فالنيل ليس مجرد نهر بل هو (أجمل شئ في مصر) ومن حق المصريين الاحتفال به كل عام، فإذا لم تحتفل بأجمل ما لديك وبالذي وهبك الحياة..فمتى ستحتفل؟






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قانون الأحوال الشخصية ليس من اختصاص الفقهاء
- العظماء لا يموتون..نوال السعداوي نموذج
- قتل المرتد بين فرج فودة ورفيق تقي
- فرص الديمقراطية في اليمن
- شروط الاجتهاد المطلق
- حقوق المرأة بالعمل لا بالأخلاق والعقل
- الطاعات الواجبة في أصول الفقه
- مفهوم الوحي في الإسلام
- الوسائل العشر للتلاعب والتحكم الذكوري
- البنيوية اللامركزية في النقد والتجديد
- ردا على التكفيري محمد سعيد مشتهري
- حُكم التبنّي في الإسلام
- تجديد الفقه الإسلامي وتحدياته
- كيف تنقد مقالا بطريقة علمية؟
- الشيعة فوبيا والإسلاموفوبيا..ما العلاقة؟
- صفوت الشريف كرئيس مصري بدون قَسَم
- روشتة الاستبداد الذكي
- أكذوبة لعن الزوجة الممتنعة عن الفراش
- صراع المرأة ورجل الدين
- الأصل الأفريقي للحضارة المصرية القديمة (6)


المزيد.....




- التقارب المصري التركي.. براغماتية سياسية ضحيتها -الإخوان-؟
- جامع النوري الكبير في الموصل: معماريون مصريون يفوزون بمشروع ...
- قوات إسرائيلية تقتحم المسجد الأقصى وتعتقل مصلين
- محطات ومشاهد وذكريات .. دَمنات مدينة التعايش بين المسلمين وا ...
- حركة طالبان: -كسبنا الحرب، وأمريكا خسرتها-
- تذكرة عودة إلى كاتدرائية نوتردام
- الخارجية الأردنية تدين استمرار انتهاكات الاحتلال في المسجد ا ...
- يهود متشددون يحرقون أعلاما وزهورا كانت موضوعة على قبور قتلى ...
- نور الدين الخادمي: المسلمون غفلوا عن تدبر القرآن ورمضان فرصت ...
- الجامعة العربية تحذر من المخططات الممنهجة للاحتلال الإسرائيل ...


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - لماذا يكره رجل الدين حضارة مصر القديمة؟