أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة29














المزيد.....

ظل آخر للمدينة29


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 6832 - 2021 / 3 / 5 - 13:32
المحور: الادب والفن
    


إنه فصل الخريف. أشياء كثيرة تمضي نحو التلاشي والذبول.
أوراق الشجر تتساقط على الأرض، تذروها رياح ساخنة، محملة بكدر وغبار، وتبدو الأرض مكفهرة شاحبة، ولا أجد عزائي إلا في أشجار الزيتون.
أثناء غيابي، قطع أبي كل أشجار التين التي كانت تملأ أرضنا التي نملكها في "وادي ذياب" غير بعيد عن بيتنا، ولم يُبق إلا على تينتنا "الزرقية" التي ما زالت حتى اليوم تجود علينا بثمرها اللذيذ. وقد قطع أيضاً أشجار العنب التي لم تكن تعطينا سوى العنب "الجندلي"، ذي القطوف الضامرة، الذي لا يساوي شيئاً إذا ما قورن بالعنب "الدبوقي" ذي القطوف الوافرة، فلم يعد أبي قادراً على احتمال ذلك. زرع أرض الوادي أشتال زيتون، ظل يعتني بها ويسقيها الماء عدة سنوات حتى استوت شجراً له حضوره، وله خضرته التي تملأ الأبصار.
حينما عدت إلى الوطن، وجدت أبي في حالة صحية لا تسمح له بمواصلة الاهتمام بالأرض. ذهب معي ذات صباح إلى حي الشيخ سعد. وقفنا هناك في أرضنا التي تسمى "الديارة"، كنت أرقبه خفية وهو يمشي بوهن فوق التربة التي زرعها قمحاً وشعيراً لسنوات طويلة، وأقدّر أنه لم يعد له سوى القليل من السنوات يحياها فوق هذه الأرض. كان هو الآخر يقدّر أن النهاية تقترب، ولذلك، فهو معني بتسليم الأمانة لمن سيحملها من بعده.
نمشي، ونتبادل كلاماً يبدو عادياً في الظاهر، لكنه مشحون بطبقات من العواطف الخفية والإشارات الغامضة لخلافات عائلية سابقة. كان معنياً بأن لا تتشظى الأسرة من بعده. حاولت تقديم كل ما يلزم من تطمينات إزاء هذا الأمر، وكنت أرقبه وأنا أتذكر كم تهيبت منه في سنوات يفاعتي وشبابي، لكنني حاولت غير مرة التمرد عليه. مرة، بعد هزيمة حزيران مباشرة، اشتبكت معه بسبب شأن عائلي، واحتدم الخلاف بيننا، فلم أكلمه طوال أسبوع، ثم تصالحت معه. بدا متألماً لهذه المقاطعة التي لم يكن يتوقعها، غير أنه لم يشأ أن يصعّد الموقف، ولم يكتف بذلك، بل إنه أصبح حذراً في التعامل معي. الآن، لم يعد هذا الرجل يطلب سوى تسليم الأمانة دون تدخلات أو اشتراطات. كنا نمشي معاً مثل صديقين.
وها هو ذا الخريف يقترب.
أمضي إلى أرضنا في "وادي ذياب"، أنهمك مع بقية أفراد الأسرة في قطف الزيتون. يتساقط الغبار الذي يغطي أوراق الشجر فوق رأسي وعلى ملابسي، ولا أبالي به، أواصل دوري مثل أي رجل لم يقطع علاقته بالزراعة، أقبض على أغصان الشجرة، وأقوم بجرد ما عليها من حبات زيتون، تتهاوى فوق بساط النايلون الذي فرشناه على الأرض لهذه الغاية، تمهيداً لنقل الزيتون المقطوف إلى المعصرة، التي تحوله إلى زيت له نكهة محببة، فأشم فيه رائحة التعب، ورائحة الأرض والجذور، وأجد فيه المتعة التي تتمثل في الاقتراب من سر الشجر الخالد، الذي يحفظ سيرة الفلسطيني في وطنه، ما يدلل على تواصل الأبناء مع الآباء في مسيرة لا تنتهي، عبّر عنها في حكمة بالغة، درس القراءة الذي تلقيناه على مقاعد الدراسة: غرسوا فأكلنا، ونغرس فيأكلون.
يتبع..



#محمود_شقير (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظل آخر للمدينة28
- ظل آخر للمدينة27
- ظل آخر للمدينة26
- ظل آخر للمدينة25
- ظل آخر للمدينة24
- عن المثقف الفلسطيني ورهانات الحداثة
- عن القدس في كتاب نسب أديب حسين
- ظل آخر للمدينة23
- ظل آخر للمدينة22
- ظل آخر للمدينة21
- ظل آخر للمدينة20
- ظل آخر للمدينة19
- ظل آخر للمدينة18
- ظل آخر للمدينة17
- ظل آخر للمدينة16
- ظل آخر للمدينة 15
- ظل آخر للمدينة14
- د. حنا ميخائيل.. مثقف ثوري لا يمكن نسيانه
- ظل آخر للمدينة13
- ظل آخر للمدينة12


المزيد.....




- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...
- فيلم وثائقي ساحر يكشف التفاوت المناخي في الخليج الفارسي  
- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - ظل آخر للمدينة29