أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد عبد المجيد - مقطع من يومياتي بعد موتي!















المزيد.....

مقطع من يومياتي بعد موتي!


محمد عبد المجيد
صحفي/كاتب

(Mohammad Abdelmaguid)


الحوار المتمدن-العدد: 6828 - 2021 / 3 / 1 - 02:43
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


هذه مشاهد من يومياتي بعد موتي من منظور إنساني ولا تتحمل تفسيرات وتعليقات وردودًا تستند إلى استشهاد بآيات من القرآن الكريم أو الكتاب المقدس بعهديه، القديم والحديث، ولا أحاديث نبوية أو كلام القديسين والشيوخ ورجال أي دين!
تُرىَ من يستطيع أن يقرأها دون أن يُقحم المقدس فيها أو يُعلق بإكليشيهات متوارثة؟
من يستطيع أن ينظر إليها كإنسان.. إنسان فقط يسانده عقل، ويدعمه فكر بعيدا عن أي تأثيرات أخرى؟
*************************************
لا أدري متى رحلتُ عن الدنيا الأرضية؛ فربما كان يوما أو شهرا أو عاما أو عقدا أو أكثر!
كنت في حالة دهشة فلم أعرف إنْ كنتُ أطير أم أمشي، لكنني في كل الأحوال يحملني جسدٌ خفيف فيه روح، أو روحٌ تتأبط جسدًا!
بحثتُ عن أي شخص يفسّر لي الغموض الذي يحيط بي؛ وبعد وقت من الزمن غير المحسوب وجدت أمامي شابا ذا سحنة آسيوية ، ووجها مريحا، ونظرات مُطمئنة فاقتربت منه ولم ألمسه:
سألته بلغتي العربية عن هذا المكان فردّ قائلا: إنه موقع الانتظار، ففهمتُ لغته الآسيوية كما فهم عربيتي، وعرفت منه أن كل المتواجدين في هذا المكان يتحدثون لغاتهم الأم ولا يحتاجون لترجمتها، فيحدّثك المنجولي وتفهمه، وترد عليه بلهجة أفريقية فتتحول قبل أن تصل إلى أذنيه إلى لغة يفهمها كأنها لسانه!
قال لي الشاب بأن مليارات من البشر في مكان الانتظار وكل منهم يتحدث مع أي شخص بأي لغة فتتحول إلى لغة التفاهم في هذا المكان.
سألته عن عُمره فقال بأنه مات منذ ثلاثة آلاف عام وكان يعيش على ضفاف النهر الأصفر بالقرب من مصب بحر بوهاي، أما جسده الأرضي فلا يعرف عنه شيئا وربما استقر في قاع النهر منذ آلاف السنين، وما أراه أنا الآن فهو الجسد البديل الذي يحمل الروح في موقع الانتظار!
قلت له: ولكنك شاب في الخامسة والعشرين من العُمر! قال: وأنت أيضا رغم أن ملك الموت قد زارك وقد تخطيت سبعة أو ثمانية عقود أو أكثر!
ثم أردف قائلا: كلنا هنا في نفس العُمر، بالحساب الأرضي، لكننا نتذكر سنوات الكهولة والشيخوخة كأنها لم تبرحنا.
زاد فضولي فسألته: وماذا ننتظر؟
قال: إن الحياة ما تزال قائمة على الأرض، وإذا نظرت في هذا الاتجاه وهو على مبعدة ملايين من السنوات الضوئية ستعرف سبب وجودنا، فالقيامة لم تقُم بعد، وربما ننتظر هنا مئة ألف عام، أو عدة ملايين من السنين، حتى إذا قُضيَ الأمر وانتهى الغرض من الخَلـْق، مات بنو آدم كلهم، وتجمعنا في موضع الانتظار ليوم الحساب.
شكرته على أول معلومات أفادني بها، ومشيتُ أو طرتُ باحثا عمن يحل لي الألغاز والطلاسم التي لم أجد لها تفسيرا بعد.
شاهدت شبابا يجلسون متسامرين ويبدو أنهم من جنسيات أرضية مختلفة ويتحدثون كل بلغته، ويتفاهمون كلٌّ كأنه يستمع للغته!
أشار لي أحدهم فتقدمت منهم ولاحظت عدم شعوري بالجوع أو بالعطش أو بأي آلام فأغلب الظن أنني مشيت أو طرت مئة عام أرضي حتى التقيتهم.
شعرت بدفء مودة غريبة نحو كل منهم فانبرى أحدهم قائلا: تتعجب اننا في حالة من الوئام رغم تناقضاتنا الظاهرة، أليس كذلك؟
قلت: لكنكم من أديان ومذاهب وعقائد وأفكار وآراء وجنسيات وثقافات أرضية متصارعة ومتناقضة بل كانت في حين من الدهر متذابحة!
كانوا في عُمر واحد لا يكبر أحدهم غيره ساعة أو بعض الساعة.
قال الأسمر فيهم: نحن لم نُعرَض بعد على ميزان الآخرة؛ لكن ليست هناك أية فرصة لتوسوس روح شريرة لأيٍّ منا، لذا تجد هذا الانسجام التام.
قاطعه آخر برفق: حتى لو التقيت فتيات ساحرات الجمال، بديعات في كل شيء فلن تقتحم ذهنــَـك أي أفكار أرضية من تلك التي أفقدتنا متعة الحياة المسالمة والمشتركة.
سألتُ الأسمرَ عن عُمره فقال: افترسني تمساح في نهر الكونغو منذ أربعة آلاف عام وكنت في الخمسين من العُمر، لكنني الآن في موقع الانتظار وفي مثل عُمرك.
وماذا عن الطعام والشراب والاحتياجات الأخرى؟
قال: لا نحتاج إليها، ولا تخرج فضلات، ولايمرض أحد، ولا يشاهد أحدنا ما يرتديه الآخرون فلا يعرف إنْ كان المليارات من البشر هنا عرايا أو يرتدون ملابس.
لاحظت أنهم يتمتعون بذكاء متساوٍ تماما فتنتفي المنافسة !
فجأة تقدم منــّـا اثنان فهمت من هيئتهما أنهما مصريان فسلــّـما علينا، وجاءني فضول عجيب كأنه من الأرض التي غادرناها فسألتهما عن دين كل واحد منهما!
لم أصدّق ما سمعته أذناي فهما لا يعرفان مَنْ المسلم ومَنْ المسيحي، ولا تقترب منهما أفكار شريرة في مقارنة الأفضلية فقد تركاها في العالم الدنيوي وهما هنا لتحضير نفسيهما ليوم القيامة عندما يقرر مالكُ المُلك إنهاء الحياة على الأرض، ووقوف الخلق جميعا لاستعراض كل ساعة ودقيقة وثانية وهمسة وخاطرة ونظرة ولمسة ورؤية وفكرة وسلوك منذ أن بلغ الإنسانُ رشـْـدَ المحاسبة إلى أن صعدت الروح.
أحدهما مات منذ ألفي عام وكان في استقبال المسيح بن مريم، عليهما السلام، عندما وطأت أقدامهما الطاهرة أرض مصر، والثاني يتذكر أنه كان يقيم في يثرب لدى هجرة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، ومات بعدها بعدة سنوات.
تناهتْ إلى سمعي أنغام كأنها موسيقى تعزفها آلات من أماكن مختلفة وأزمنة متفرقة على الأرض وكانت بديعة أحسست معها أنني أعرفها رغم انتمائها للأرض برمتها.
اقتربتْ مني أصوات صبايا يتضاحكن، ويدندن بأغان يتذكرنها من حياتهن الأرضية.
الغريب أنني منذ وصولي إلى موقع الانتظار لم أسمع صوتا أعلى من المألوف، ولم أرَ معاتبا أو منتقدا أو مُخالفا أو حتى نظرات غير مريحة.
لا أرى مُسنّين وشيوخا وكهولا، ولا مرضىَ ولا ضعاف البنية!
لمحت فتاة جميلة تمشي أو تطير مثل ريشة في مهب الريح لكنها متماسكة. نظرتْ إلي وبادلتني الابتسام فسألتها عما تفعل هنا! قالت: مثلك تماما؛ فأنا أنتظر يوم القيامة؛ وكان الموت قد أتاني إثر وباء الطاعون الأسود في القرن الثالث عشر الأرضي، وتركت خلفي أبنائي وأحفادي بعدما بلغت التسعين من العُمر. أغلب الظن أنهم هنا وأنا لم أقابل أيا منهم منذ وفاتي لسبعمئة عام خلتْ، وما زلت أبحث عنهم، وأتذكر ابنتي الصغرى شكلا وهيئة، ولعلي أقابلها فالوقت أمامي طويل ويمتد حتى يوم القيامة التي قد تأتي بعد عدة ملايين من السنوات!
سألتها عن قبرها فقالت كان في مدافن ضحايا الوباء في احدى قرى شمال أوروبا، لكن العالم تغير عشرات المرات فربما يكون جسدي الأرضي طينا في حديقة غنّاء، أو في بئر نفط وقد تناثر في كل مكان!
عيناها تشعان ذكاءً رغم أننا جميعا في نفس مستوى الذهن المتقد!
سألتها: ألا تشعرين بملل بعد كل هذه القرون وأنتِ في موقع الانتظار؟
قالت كل المشاعر السلبية غير موجودة لدى المليارات من البشر المتواجدين هنا حتى تمر علينا فترة الانتظار، ثم نشهد يوم القيامة، رغم أنني في حياتي الأرضية لم أكن مؤمنة بأي دين، ليس بسبب عدم قناعاتي؛ ولكن بسبب عدم ثقتي في رجال كل الأديان والعقائد والمذاهب منذ بدء الخليقة وحتى رحيلي عن الدنيا.
ثم أردفت: على كل حال فأنا في انتظار يوم القيامة كما تعتقدون، وإذا كان صحيحا فإن مكاني لن يكون في غير الجنة، فقد قضيت عُمري الأرضي في حالة حُب مع البشر، وخير مع الجميع، وأمانة وصدق وشرف حتى أنني قضيت مع زوجي سبعين عاما لم أعرف غيره، وكنت مُربية جيدة وأمينة لأبنائي. لهذا فأنا مطمئنة لدخولي الجنة مع افتراض أن خالق الكون أعدّها لمن أتاه بقلب سليم.
قلت لها: محظوظة أنتِ فأنا جئت من عالم يأكل ويشرب صراعات من أجل عدة أعوام فوق تراب الأرض، ولدينا كاذبون وغشاشون ومنافقون وجبناء وأكثرهم يرتدون مسوح القداسة الدينية فيتضاعف الفساد.
كنا نتفاهم كما قلت ولو تحدثنا بعدة لغات فكل لغة ستدخل أذُن الآخر كأنها لغته الأم، وتلك هي معجزة فترة الانتظار.
تركتها ومشيتُ أو طرتُ محاولا استكشاف هذا المكان، ولا أدري كنهه أو مساحته أو أسراره؛ لكنني علمت أن ساكنيه مؤقتا عدة مليارات من البشر.
كان هناك نور بغير شمس، وظلام تحدده عيناك كيفما تريد، وإحساس بالدفء يتداخل معه شعور بإنعاش البرودة.
لم أرَ أحدا يبكي أو يصرخ أو يصيح، فالسلام قد عمّ المكان كله، ونظرت إلى أعلى باحثا عن نجوم أو كواكب فلم أتبين شيئا، وقد تظهر بعد حين.
سألت نفسي: وماذا عن النوم؟

سأحدثكم في حلقات قادمة عن مزيد من يومياتي بعد الموت قبل الانتقال إلى تفاصيل مثيرة ليوم القيامة!
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 28 فبراير 2021






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ستة أيام في المستشفى!
- لماذا لا يتعلم المصريون من الجزائريين؟
- أكملت اليوم 74 عامًا؛ وماذا بعد؟
- صورة الله في عقل الإسلامي الحديث!
- للمرة المئة.. تغطية وجه المرأة معصية لله!
- اكتشاف لقاح مضاد لإبليس!
- لهذه الأسباب أكره التيارات الدينية!
- أبناؤنا المتآمرون.. ولاد الكلب!
- لهذا لن تتكرر ثورة 25 يناير!
- هل المسلمون مرضىَ بالدينِ أمْ الدينُ مريضٌ بالمسلمين!
- الشعبُ على دينِ رئيسِه!
- جرائم هذا الرجل!
- دعاء طائر الشمال لعام 2021!
- هل صحيح أن هناك كفارًا و.. مؤمنين؟
- غباء أنجيلا ميركل وذكاء السيسي!
- صناعة المُسلم الأفيوني!
- الحلُّ السعوديُ لأزماتــِنا!
- مبروك للمغفلين فالأموال عادتْ للصوص!
- طائر على طُرق كثيرة!
- تلك هي هزائمي!


المزيد.....




- بعد حديث عن -أهل المحبة- وداعش.. الحريري يرد على تصريحات وزي ...
- نتنياهو عقب اجتماع مسؤولين أمنيين: إسرائيل ستواصل غاراتها ال ...
- بعد حديث عن -أهل المحبة- وداعش.. الحريري يرد على تصريحات وزي ...
- الأمير تشارلز يغرس شجرة والملكة إليزابيث تراقب
- نحو 2700 مهاجر يصلون سبتة الإسبانية شمال المغرب خلال يوم واح ...
- مجلس النواب الأردني يطالب بطرد السفير الإسرائيلي من عمان
- نحو 2700 مهاجر يصلون سبتة الإسبانية شمال المغرب خلال يوم واح ...
- مجلس النواب الأردني يطالب بطرد السفير الإسرائيلي من عمان
- مليارات لدعم السودان والبرهان يستبعد سيناريو الحرب مع إثيوبي ...
- قبائل بناميبيا تنتقد اتفاقية ألمانية مزمعة تعتذر عن حقبة الا ...


المزيد.....

- كرّاسات شيوعيّة - عدد 2- الحزب الشيوعي (الماوي) في أفغانستان ... / حزب الكادحين
- طريق 14 تموز / ابراهيم كبة
- بعد 53 عاماً توضيح مهم حول عملية الهروب وطريقة الهروب والمكا ... / عقيل حبش
- إقتصاد سياسي الصحة المهنية أو نظام الصحة المهنية كخلاصة مركز ... / بندر نوري
- بيرني ساندرس - الاشتركية الديمقراطية ،الطريق الذي أدعوا له / حازم كويي
- 2019عام الاحتجاج والغضب في شوارع العالم / قوى اليسار والحركا ... / رشيد غويلب
- إنسانيتي قتلت اسلامي / أمجد البرغوثي
- حزب اليسار الألماني: في الحرية الدينية والفصل بين الدين والد ... / رشيد غويلب
- طلائع الثورة العراقية / أ د محمد سلمان حسن
- تقديم كتاب -كتابات ومعارك من أجل تونس عادلة ومستقلة- / خميس بن محمد عرفاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد عبد المجيد - مقطع من يومياتي بعد موتي!