أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - كما رواه شاهد عيان: الباب الرابع















المزيد.....



كما رواه شاهد عيان: الباب الرابع


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6824 - 2021 / 2 / 25 - 02:38
المحور: الادب والفن
    


1
فاضت نفسي حنقاً، لشكّي بأنّ كَوليزار كانت تمتنع عمداً عن الظهور في خلال الأيام العشرة المنصرمة. هذا ما استشفّ من رؤيتي لنافذتها المضاءة، الدالّة على وجودها في المنزل. لعل رأسي، المثقل بالخمر، رسخّ فيّ هكذا اعتقاد. وإنه الشراب المسكر، مَن دفعني على الأثر للأتيان بحركة طائشة وخطرة: انحنيتُ على الأرض، بحثاً عن حجر صغير، مستهدٍ بنور المشعل، المثبت في أحد جانبيّ جدار القنطرة. لما عثرتُ على الحجر المناسب، قذفته باتجاه النافذة، ليحدث في اصطدامه بخشب المشربية صوتاً عكّر السكونَ.
كنتُ على مبعدة خطوة من القنطرة، مقرراً أن أجتازها والاختفاء في عتمتها ما لو ظهرَ من وراء النافذة شخصٌ ما، غير كَوليزار. لكن مضى الوقتُ بطيئاً، ممضاً، دونَ أن يتغيّر المشهد هنالك في الأعلى. في الأثناء، ارتسمَ النورُ تباعاً في نوافذ بعض الدور المجاورة. لأول وهلة، توهمتُ أنه صوتُ الحجر مَن أيقظ أولئك الجيران. إلى أن خرقَ الصمتَ دويّ عميقٌ، بعيدٌ، شبيه بإيقاع الطبل. عندئذٍ فهمتُ، أنه صوتُ طبلة رجلٍ يُدعى " المسحّر "، يتولى إيقاظ الصائمين كي يتناولوا آخر وجبة طعام قبل موعد أذان الفجر. وإنما في هذه اللحظة، انتبهتُ لشبح امرأة، استقامَ وراء النافذة المعنية. لقد كانت هيَ، فما لبثت أن أسقطت شيئاً باتجاه موقفي. أنحنيت مرة أخرى إلى الأرض، لأتناول منديلاً ضَمّ رقعةً من الورق. بقيتُ لحظةً، أملاً في رؤية صاحبة الرسالة، لكنها لم تُظهر نفسها. كون صدى طبلة المسحّر أضحى قريباً، فإنني غادرتُ مكاني عابراً القنطرة. فكّرتُ في نفسي، وأنا قابضٌ على المنديل: " لو أن الرسالة تبلغني بموعدٍ آنيّ، لما كان ثمة ضرورة لكتابتها؛ لكانت صاحبتها قد نزلت في الحال كي تلقاني، مثلما جرى آخر مرة ".
وصلتُ إلى منزلي، في وقتٍ كانت فيه بعضُ نوافذ الجيران مضاءة. بعدما أنرتُ بدَوري القنديلَ الكبير، الكائن في حجرة النوم، عكفتُ على الورقة بعدما شممتُ بعمق رائحة الحبيبة، المبثوثة في المنديل. في أوروبا، تَنقش المرأةُ أولَ حرفٍ من اسمها على منديلها، لكن هكذا تقليد يبدو أنه غير معروفٍ في الشرق. كانت رسالةً، إذاً، مسجّلة بخط جميل وبأحرف كبيرة بالكاد أتسعت لها الورقة الصغيرة: " بعد أيام، سيسافر رجلي مع المحمل الشريف إلى الحج، وحتى ذلك الوقت لا أريدك أن تمر من أمام منزلي ". أسفتُ لخلو ذيل الرسالة من اسم مرسلتها، مع أن هذا كان دليلاً على الحرص واليقظة. من ناحيتي، رأيتُ أن أفضل مكان لحفظ الرسالة هوَ حزمةُ أوراق " الشبح "، أينَ استللت منها فيما مضى رسمَ الطفلة. بينما المنديلُ بقيَ بيدي لما أويت إلى الفراش، وما لبثتُ أن دسسته تحت الوسادة كي يكون حارساً دائماً لمنامي.

صباحُ اليوم التالي، حملَ إليّ مفاجأةً من نوع آخر. أفقتُ متأخراً، ولا غرو، كون رأسي أُثقِلَ بالخمر في الليلة البارحة. عوضاً عن سماع زقزقة العصافير، تناهي إليّ صوتٌ غريب، شبيهٌ إلى حدّ ما بصدى طبلة المسحّر. رائحةٌ حرّيفة، ما أسرع أن فَغَمَت أنفي، لأتيقنَ من ثم أنه المطرُ، يتساقط في هذا النهار من الربيع المتأخّر. لاحقاً، عندما رأيتُه مفتوحاً، بابَ المطبخ المفضي إلى الحديقة، فإنني تساءتُ بشكّ ما لو غفلتُ بالأمس عن إغلاقه بالرتاج. لم يكن غريباً، والحالة هذه، أن أُهُرع إلى حزمة الأوراق، الموجودة في الخزانة، لكي أتأكّد من بقاء الرسالة في طيّها. أفرخَ روعي على الأثر، فاتجهت إلى الحمّام لأغتسل. معدتي الفارغة، من أثر الخمر ولا ريب، جعلتني أحضّر فطوراً سخياً.
كنتُ أتهيأ للخروج من المنزل فورَ توقف المطر، كون مطبخي أفتقدَ للخضار واللحوم والخبز. مع إشراق الشمس، رأيتني أرتدي ملابسي فيما فمي يطلق صفيراً منغوماً، يعبّر عن الغبطة والسعادة. هكذا مشاعر، ملكتني فيما كنتُ أستعيد وقائعَ ليلة الأمس، الحافلة. كذلك كنتُ، لما قرع أحدهم على الباب. لأول وهلة، ذهبَ فكري إلى ذلك الرجل العتّال، وكان قد أعربَ لي في يوم سابق عن استعداده لشراء ما يلزمني من السوق. بفتحي الباب، طالعني الوجهُ الجميل والباسم لصديقي، السيّد خليل.
قال لي، بعدما حييته وأوسعتُ له كي يدخل: " قررتُ أن أزورك، بما أنّ الأحدَ يومُ عطلتي ". مثلما سبقت إليه الإشارة، أنه يعمل كوكيلٍ تجاريّ للقنصل الفرنسيّ؛ شأنُ صديقينا، جان وغابي. ثم استطرد، متسائلاً: " كأنك كنتَ في طريقك للخروج، أليسَ صحيحاً؟ "
" نعم، لكن لم يكن في ذهني هدفٌ محدد للخروج "، أجبته ثم أعلمته باتفاقي المعلوم مع ذلك الرجل الحمّال. عقّبَ صديقي، ضاحكاً: " أتصوّرُ لو يكون النبي كيكي قد تقمّصَ شخصيةَ صاحبنا الحمّال، لكي يُكمل تطويقك داخل وخارج منزلك "
" لم يخطر هذا الاحتمال في بالي، لكن مسألة التقمّص فكّرتُ بها حقاً على خلفية وقائع أخرى جدّت معي مذ شرائي لهذه الدار "، أجبته بلهجة جدّية. كنا عندئذٍ قد جلسنا في الرواق، المتخذ كحجرة استقبال برغم مساحته المحدودة. لما ضيّق ضيفي عينيه، إشارةً على الاهتمام بما سمعه، رحتُ أقصّ عليه تفاصيلَ علاقتي مع كَوليزار دونَ أن أخفي شيئاً تقريباً.

2
أثناء حديثي، المتصل لنحو ساعة، كانت ملامحُ السيّد خليل تتبدل وتتحول كما يجري لجلد الحرباء. لاحَ مبهوراً بقصة عشقي، لدرجة أنه بقيَ صامتاً دقيقةً عقبَ انتهائي من سردها. لكنني أنا مَن بادرتُ لسؤاله، وليسَ بقليلٍ من الحَرَج. حقاً، إن كَوليزار ليست فتاةً بمقتبل العُمر، إلا أنها مع ذلك أصغر مني كثيراً. هذا، برغم أن مسألة العُمر يُغض الطرف عنها غالباً في تقاليد المسلمين؛ كون نبيّهم اقترن من إحدى زوجاته وكانت، كما يقال، ما تفتأ طفلة بعدُ وهوَ تجاوزَ الخمسين.
إذاً، وجهتُ هذا السؤال لضيفي: " ما رأيك بما سمعتَ؟ أعني، هل كان يليق بشرفي ونبلي أن أغازل امرأة متزوجة؟ ". فأجابني، ولم يكن أقل ارتباكاً: " الزنا، وليسَ الحب، هوَ ما تشدد الأديان على إنكاره وتحريمه "
" أتبتغي تعزيتي بهذا الكلام، يا صديقي؟ "، سألته بنبرة يغلب عليها الحزن. لكنه أدهشني، لما نبرَ للدفاع عن وجهة نظره وبطريقة فلسفية: " أبداً، لأنك اختليت بها في منزلها دونَ أن تستغل ذلك بمحاولة مراودتها عن نفسها. وليسَ كل إنسان، نبيلاً كان أو عامّياً، بقادر على ضبط غريزته في هكذا موقف. إلا أنني أفكّر بأمر آخر، وهوَ اتفاق أقداركما، أنتَ وصاحبتك، لكي تتعرفا أحدكما على الآخر وبتسهيل من الرجل المبارك؛ النبي كيكي. لقد اشتريتَ هذا المنزل، مع علمك بأنه مهجورٌ، كونه مسكوناً بشبح ذلك الرجل. عبثك بأوراقه، أظهر لك رسمَ تلك المرأة عندما كانت بعدُ طفلةً لا يتجاوز عمرها العام. حَدَسٌ ما، لا يمكن إلا أن يكون موحى إليك من قوّة خفيّة، جعلك تشكّ بأن الرسمَ يعود لصاحبتك مع أنك لم ترَها وقتئذٍ سوى مرة واحدة، عابرة، أو ربما مرتين. لما التقيتَ بها، فأظهرتَ لها الرسم، ما كان في وسعها تأكيد أنه لها لولا اسمها، الذي نقشه الرسّامُ بذيل الورقة. كان من الممكن أن يكون الرسمُ أشبه بتلك الطلاسم الفلكية، المنشغل بها الرجلُ الراحل في حياته، لو لم تلتق أنتَ بصاحبته في ظرفٍ لا يقل لبساً وكانت قد أضحت بعُمر النساء "
" تريدُ أن تقول، أن كل ما جرى ليسَ بطريق الصدفة بل بتدبيرٍ من القدَر؟ "
" يُمكن أن يكون صدفةً، جريانُ جدولٍ من رأس جبل ما، ليلتقي مع جدول آخر نزل من جبل مختلف. لكن أمورنا نحن البشر ليست بتلك المساهلة، لأننا أرواحٌ تبقى حتى بعد اندثار الأجساد. في عقيدتنا، يجري التذكير دوماً بالقدَر، أو ‘ المكتوب ‘ باللهجة العامية، باعتبار أن كل ما يحدث للإنسان مسجّلٌ في اللوح المحفوظ "
" أفهمُ من ذلك، أنّ الله رسمَ لكل منا قدَره ومهما فعل الإنسانُ فإنه لن يستطيع تغيير مصيره؟ بهذه الحالة، نصبحُ ضحايا القدَر؛ أي أننا لسنا ملومين في يوم الحساب لو أننا عصينا في حياتنا تعاليمَ الرب ووصاياه؟ "
" الله يعلمُ مسبقاً مصيرَ كلّ من مخلوقاته، لكنه وهبهم جميعاً العقلَ كي يعرفوا الحق من الباطل "
" كأني به اصطفى مجموعةً من المختارين، بمقابل نبذه مجموعةً أخرى. بهذه الحالة، لا أنتَ ولا أنا نعلم ما لو كنا من هذه المجموعة أو تلك؟ "
" نحن نعلمُ أن الله يعلمُ بقدَر كل منا، ومع ذلك نختار الطريق التي نراها مناسبة "
" مناسبة أم لا يوجد غيرها؟ "
" بل يوجد غيرها، بكل تأكيد "
" سأضربُ لك مثلاً أكثر تبسيطاً، يدلُّ على غلبة عقلية الشك: فرعون، ظهرت له معجزات موسى ومع ذلك ركبَ رأسه وحاق به الهلاك. فما بالك بالإنسان البسيط في زمننا هذا، الخالي من الأنبياء والمعجزات؟ "
" ولكنك، أنتَ الرجلُ النبيل والكاملُ العقل، تؤمنُ بوجود الله. أليسَ كذلك؟ "، سألني ضيفي وقد بدا أن المساجلة أتعبت ذهنه. أومأت رأسي، وعلى شفتيّ ابتسامة عطف، ثم أجبت باقتضاب: " بالتأكيد ".
عقبَ وهلة من الصمت، سألته: " أتعلم، تحديداً، عن موعد إنطلاق المحمل الشريف إلى الحج؟ ". وكان أن رسمَ على شفتيه ابتسامة مماثلة، قبل أن يرد بالقول: " عادةً ينطلق في أول يوم جمعة، يُعقّب انتهاء عيد الفطر "
" إذاً يبقى الحجاجُ فترة طويلة في الطريق من الشام إلى الحجاز؟ "
" نعم، هذا بالنسبة لطريق البر. أما طريق البحر، فإنه أقل وقتاً وأكثر يسراً "
" فلِمَ إذاً لا يذهب المحملُ الشريف عن طريق البحر؛ أم أنه باهظٌ بالنسبة للحجاج؟ "
" طريقُ البر يعدّ سنّةً نبويّة، كما أن من المهم سير المحمل الشريف على الطريق كي يُضفى عليه المهابة والاجلال "، قالها الضيفُ ثم أضاف مستدركاً: " لكن بمجرد أن يسير والي الشام بالمحمل الشريف، تُستهل القلاقل في مدينتنا ولا تلبث المعارك أن تشتعل بين مختلف الأصناف والأطراف ".

3
قبل موعد انطلاق المحمل الشريف، وكان مسلمو المدينة يحتفلون بعيد الفطر، تفكّرتُ بما علمته من السيّد خليل، عن احتمال إندلاع مواجهات بين أصناف العسكر وذلك في غيبة والي المدينة. احتياطاً، عمدتُ إلى شراء مواد غذائية تحتمل التخزين؛ كالطحين والحبوب والبقوليات. كما أنني قمتُ بتجفيف كمية من لحم الضأن، علاوة على تدخين عدد من الأسماك. لكن بقيتُ قلقاً من خطر استباحة البيت، وما قد ينجمُ عنه من فقداني لذخيرتي من الذهب والمال. في آخر زيارة لصديقي جان، هدأ من روعي بالتأكيد أن حي القيمرية آمنٌ، وعادةً ما يتبادل المتحاربون الهجومَ على أحياء خارج المدينة القديمة، بالأخص سوق ساروجة والعمارة. كي يكتمل ما عندي من مؤونة، زوّدني صديقي بدمجانة جديدة من النبيذ.
" والآن، عليكَ التفكير بحبيبتك طالما أن رجلها سيكون بمعيّة المحمل الشريف "، خاطبتُ نفسي بغبطة واطمئنان. لقد عملتُ في الأيام الماضية بوصيتها، فلم أمرّ مرةً قط من أمام منزلها. عموماً، كانت جولاتي قليلة في المدينة، كونها كئيبة في شهر الصوم، علاوة على قلة السالكين في الدروب والأسواق. لعلني أردتُ أيضاً الاعتياد على أسر الدار، فيما لو اشتعلت فعلاً الاضطرابات واستمرت من وقت ذهاب الباشا إلى الحج لحين إيابه؛ وهيَ فترة طويلة، تستغرق ما يزيد عن الشهرين.
ذلك الرجلُ الحمّال، ويدعونه في السوق " طُرّو "، أعانني في تخزين المؤونة، مثلما أنه علّمني على طريقة تحضير الخبز على موقد النار. بفضله أيضاً، أمتلك مطبخي مجموعةً من القطرميزات، كُدّس فيها الجبنُ الأبيض وأنواعٌ من الزيتون والمخلل والمربى. الحمّال، كان رجلاً وحيداً، برغم تجاوزه سن الأربعين، يقيم في حجرة بمنطقة الدرويشية. مرات عدّة، استبقيته على الإفطار. لكنني كنتُ أرد على دعوته لزيارة منزله، بالجملة المأثورة عند المسلمين: " إن شاء الله! ". في المقابل، لم أجعله يشاركني في الشراب سوى مرة واحدة؛ ندمتُ عليها: فإنه بعد احتسائه بضعة أقداح من العرَق، لبثَ واجماً مطرقاً بالأرض. فلما سألته عما به، إذا به يُجهش في بكاء مرير. كان واضحاً، أنه يعاني من ذكريات أليمة أو ربما يشكو من قلّة حظه في هذه الحياة. في اليوم التالي، كان بغاية الخجل وهوَ يقدّم الاعتذارَ عن حالته بالأمس.

قلتُ للرجل الحمّال، لما أزفَ وقتُ سير المحمل الشريف: " أرغبُ أن ترافقني لرؤية قافلة الحج السلطانية، وأنا سأنقدك أجرة يومك ". أحنى رأسه، وتمتمَ: " حباً وكرامة، يا سيّدي ". ثم أضافَ بحيوية، مستوعباً أهميته كدليل: " المحملُ الشريف، يخرج من باب الله في حي الميدان، ليأخذ الطريقَ المؤدي إلى حوران ومن ثم بادية شرق الأردن. في بدء سير الموكب وطوال محطاته، تقام له عراضة كبيرة مع الطبول والمزامير والدفوف "
" لِمَ دُعيَ بباب الله؟ "
" لأنه البابُ، المؤدي إلى أرض الحجاز الطاهرة. مع أنه يُعرف أيضاً ب ‘باب الموت‘، كون الكثير من الحجاج يفقدون أرواحهم في خلال الرحلة "
" أهذا جزاءٌ ربانيّ عادل، لمن يبتغي زيارة الأراضي المقدسة؟ "
" إنهم يُغبَطون على ميتتهم على الأرض الطاهرة، ويُعدّون كالشهداء "
" وأنتَ، يا صاحبي، هل تتمنى هكذا ميتة؟ "
" آه، أيها السيّد! لو وُهِبتُ عشرةَ أعمار، لما امتلكتُ تكاليفَ رحلة الحج "، قالها متنهّداً. كنتُ أتحادث معه في مكاني بالمقهى الأثير، الذي عدتُ لقضاء الوقت فيه غبَّ انتهاء شهر رمضان. فما لبثنا أن غادرنا المكانَ، ميممين شطرنا باتجاه سرايا الوالي، الكائنة في حي القنوات خارج الأسوار. في ذلك الحي، كما علمتم، يقع منزل الحبيبة، وكنتُ آمل زيارته خلسةً في منتصف الليل.
هنالك عند السرايا، تصورتُ قافلةً مكونة من مئات الأشخاص ـ على أكثر تقدير ـ وإذا بي أفاجأ بآلاف الرجال والنساء من كل الملل والألوان. مع كل هذا العدد الغفير، لحظتُ أن النظامَ كان صارماً، ونادراً ما اختلط المتفرجون بالحجاج. لكن مرافقي أعلمني، بأنّ فترة حلول الحجاج بدمشق هو أفضل موسم للتجارة قد يستمر لمدة تزيد عن الثلاثة أشهر، وذلك لقدوم كثيرين من الحجاج قبل الموعد المقرر لسير القافلة. وكان لكل من تلك الملل زواياها في المدينة، يتخذونها كالفنادق. بينما الشيعة من الأعاجم وعرب العراق وأضرابهم، كانوا ينزلون في مقام " ستّي زينب " في ضاحية دمشق أو في جورة الخراب داخل المدينة.
قال لي مرافقي: " ليسَ كل من تراهم حجاجاً، فإن عدداً كبيراً من العمال يرافقون المحمل؛ فمنهم الذين يتولون سقاية الماء، ومنهم المهتمين بالدواب، وأولئك العاملين في نصب الخيام في خلال الطريق. هذا عدا العدد الكبير من العسكر والأصناف، الواقع على عاتقهم حماية القافلة من تعديات الأعراب ".
فيما بعد، لما ألتقيتُ مع السيّد خليل، فإننا تطرقنا مرةً أخرى لموضوع المحمل الشريف. فقال لي: " هذا العام، تضاعفَ عددُ العسكر والمرتزقة، بسبب تهديد جديد من قبل الأعراب. إذ ظهرت دعوة مذهبية جديدة في الحجاز، تُدعى ‘ الوهابية ‘ نسبةً لمؤسسها، وهيَ تتشدد في أمور الدين. لقد بلغت بهم الجرأة، أنهم أرسلوا إلى الباب العالي، يتهددونه بمهاجمة المحمل الشريف لو حضر مع الطبول والمزامير والدفوف أو حتى لو كان فيه زينة وبهارج وأعلام ".

4
هكذا قضيتُ نهاري، مُنشغلاً عن موعد لقاء الحبيبة، الليليّ، بالمشاهد المبهرة للمحمل الشريف. لكنني رأيتها في عيون الحسان، اللواتي جئن أيضاً للفرجة أو كنّ ضمن الموكب؛ بعيونهن الجميلة المكحولة، المتبدية برغم النقاب، بأجسادهن البديعة، الملفوفة بالملاءات ذات اللون الأسود، بأصواتهن الشجية، عندما يتخاطبنَ أو يتحادثن مع الآخرين، بروائح عطورهن، المنتشرة كما لو أنهن ورود وأزهار: ألسنَ شبيهات بالحوريات، طالما أنّ دمشق في إعتقاد المسلمين هيَ صنوَ فردوس السماء، وأنها مكانُ محشر البشر في يوم القيامة؟
لقد فكّرتُ دوماً بمفهوم الجنّة عند ملّة محمد، باعتبارها انعكاساً لمفهوم ضيّق لدى الرجل البدويّ، التائق إلى قصر مشيّد ضمن واحة مظللة بالأشجار، يقطف ثمارها بينما هوَ يضم حريماً مشاعاً، يُسقى معهن من نهر الخمر، وعندما يشعر بالجوع يتناول العسلَ واللبنَ من نهرين آخرين. بحَسَب مطالعاتي، لا وجود في ذلك الفردوس لمتعة القراءة والكتابة والمجادلة والتجوال، كذلك لا مكان للاختراعات الحديثة، العظيمة، التي انتقلت بالانسان في الأرض إلى عصر الآلة. لا شيء هنالك سوى الحوريات والفاكهة وأنهار الخمر والعسل واللبن!
حبيبتي، شبيهة أيضاً بالحورية. شعرها، يتوهّج كالعقيق الأسود؛ كما عينيها. وجهها بنصاعة البدر، ينفتح منه فمٌ كشقّ ثمرة الكرز، ويبرز منه أنفٌ بدقة ثمرة اللوز.. إلى رشاقة خصرها وامتلاء صدرها وردفيها ورفعة قامتها. بيد أنها حورية حرّة، لا تسلم جسدها سوى للحبيب.. أو هذا ما كان يأمله منها!

عندما هبط الليل، كنتُ ما أفتأ في المنزل، أتطلّع بين فينة وأخرى إلى الساعة المربوطة بسلسلة ذهبية دقيقة. لشدة قلقي ولهفتي على الموعد، كنتُ أحياناً أخرج إلى الحديقة، الغارقة بالظلام، أتأمل النجوم المتلألئة والقمر الباسم. النسيم الرقيق، المتلاعب بين الأشجار، كان إذاك يخفف عني حرّ هذا الوقت من بداية الصيف. ذكرتُ آنفاً الموعدَ، وهوَ في حقيقة الحال أملٌ آخر. لكن ماذا كان يُمكن فهمه من رسالة الحبيبة، سوى رغبتها بلقائي عند غياب رجلها عن المنزل؟
قبل انتصاف الليل بقليل، غادرتُ الدارَ متجهاً إلى ناحية بوابة السور، المنفتحة على حي القنوات. بعد دقائق، كان السور خلفي وأنا أستقبلُ المكانَ الموحش، المسكون بالأشجار. كان الصمتُ شاملاً، عدا عن خرير مياه النهر. بوصولي إلى العمران، سلكتُ الدربَ المتصل مع ذلك الزقاق الضيق، أين تتصدره دارُ الحبيبة. خفق قلبي لمرأى نافذتها المضاءة، وما لبثتُ أن استقمت تحتها مباشرةً. حجرٌ صغير، مرسلٌ من يدي، طرقَ بلطف خشبَ مشربية النافذة. على الأثر، لاحَ شبحُها هنالك للحظةٍ ثم تلاشى. عندئذٍ، تقدّمت بخطى هادئة إلى ناحية باب الدار. فما عتمَ أن انفتحَ على هيئتها، وكانت بثوب النوم الرقيق.
" أدخل بسرعة! "، قالتها بصوتٍ هامس وهيَ تفسحُ لي الطريقَ. ثم سارت أمامي في الفناء المعتم، ومن ثم ارتقت درجات سلّم حجريّ، يفضي إلى الدور العلويّ. قدّرتُ أنها قادتني إلى ذات الحجرة، التي سبقَ أن رأيتها فيها مراراً من مكاني على الدرب. بمجرد أن أغلق البابُ علينا، طوقتها من خصرها لأطبع قبلة ملتهبة على شفتيها. لكنها تملّصت مني، فاتجهت نحو السرير كي تجلس على طرفه. ألقيتُ نظرةَ عداءٍ على هذا المضجع، متخيّلاً الحبيبة وهيَ بأحضان ذلك الرجل الفظ. كأنما فهمت معنى نظرتي، فما لبثت أن خاطبتني وهيَ تمد إليّ يدها: " ألا ترغب في الجلوس بقربي؟ "
" خلال الأيام المنصرمة، كنتُ أعد الوقتَ بالثواني "، أجبتها فيما أنضم لمجلسها. فما كان منها إلا أخذ يدي لتقبلها بحركة طفولية، متسائلة بصوتها الرخيم: " ألم تكتب لي شيئاً جديداً من كلماتك الرقيقة، الشبيهة بالشعر؟ "
" لم أفعل ذلك، كون حُسنك أخرسَ قلمي "
" وماذا عن فمك؟ "
" إنه أيضاً مشلولٌ، غير قادر على البوح "
" إذاً سنجلسُ ونتأملُ البدرَ، كما يفعل العشاقُ الحمقى "، قالتها ضاحكةً. في الوهلة التالية، كنتُ أهوي على فمها بقبلة طويلة.. طويلة، بقدَر شوقي ولهفتي ورغبتي.
عقبَ فراغنا من ممارسة الحب، استسلمنا للصمت. عند ذلك حَسْب، رحتُ أجول ببصري في أنحاء الحجرة، المنارة بقنديل صغير في المشكاة وبعدد من الشموع المبثوثة على الأرفف. كنتُ أتأمل ما في الحجرة من آيات التوشية والزخارف والنقوش، لما صدرت على حين فجأة أصواتٌ من الخارج، جعلتني أنهض بجسدي العاري إلى ناحية النافذة، المطلّة على الدرب. تلك كانت أصواتُ تبادل إطلاق أسلحة نارية، ما كانَ يشي بانفجار الفوضى والقلاقل على أثر غياب الوالي عن المدينة ـ كما توقعه في حينه صديقي، السيّد خليل.

5
وإنه السيّد خليل، مَن سيمدني بالمعلومات عما حدث في المدينة، وذلك عندما حضرَ إليّ في مساء اليوم التالي. عندما جاء، كان الهدوءُ قد شمل الأجواء منذ الصباح؛ فكأن ما جرى ليلاً لم يكن سوى حلماً مزعجاً أو كابوساً.
كنتُ قد غادرتُ دارَ الحبيبة عند الفجر، وكانت العتمة ما تني مهيمنة على الدرب. عادةً، فإنّ وقت صلاة الصبح، يؤديها كثيرون في المساجد. لكن بسبب إطلاق النار، رأيتُ الدربَ مقفراً تماماً. وهذا ما أملتُ به، سلفاً. بمجرد وصولي إلى البيت، انطرحتُ على الفراش، لاستسلم لنوم عميق لم أفق منه إلا بعد ساعة الظهيرة. في المقابل، لم أكن أتوقعُ مجيءَ الرجل الحمّال، مقدّراً أن السوق مقفولٌ خشيَة الاستباحة والنهب. أكثر من مرة، وعبثاً، خرجتُ إلى عتبة البيت، علّني أظفر بأحد الجيران أو المارة كي استفهم منه حقيقة ما جرى ليلاً. مع اشتداد حرارة النهار، رأيتني أستلقي في الرواق، لأفكّر بما يُمكن طبخه على الغداء. لكنّ ذهني ذهبَ سريعاً إلى كَوليزار، وكنتُ قد حصلت منها على وعدٍ باللقاء في منزلي هذه المرة. لما عاينت وقتئذٍ مبلغَ دهشتي، قالت لي ببساطة: " كمعرفتي لداري هذه، أعرفُ منزلك؛ كوني قضيتُ فيه جلّ أعوام طفولتي. إنها قصةُ قدَر، سأرويها لك في يوم آخر ".
قلتُ للسيّد خليل، بنبرة يغلب عليها المرح لفرحتي بزيارته: " في فرنسا، الأنباء تصلنا بسرعة عن طريق الصحف اليومية. أما هنا في المشرق، يبدو أن المقاهي تقوم بمهمة الصحافة ". رد مبتسماً: " وبالتأكيد لم تغامر بالذهاب إلى المقهى، خوفاً من خرطوشة طائشة. أليسَ صحيحاً؟ "
" بلى، مع أنني توقعتُ إغلاقاً تاماً للسوق على خلفية ما جرى بالأمس "
" ما جرى بالأمس كان اختبار قوة، شاركت فيه جميع القوى العسكرية تقريباً. إذ انتشر خبرٌ، بزحف والي عكا على دمشق كي يسترجعها بغياب واليها. والي عكا، دأبَ على فرض الأمر الواقع على الباب العالي، ومن ثم يسترضيه بحسن جباية الأموال علاوة على الهدايا. لقد سبقَ له أن تولى على الشام، فلم يمكث فيها سوى عاماً واحداً، كون أعيانها راسلوا الدولة في عزله. يلوحُ الآنَ أنه قادمٌ لتأديب المدينة، وسيرته الشخصية تنبي عما سيقترفه بحق أهاليها من أفعال مشينة. فإنّ أحمد باشا هذا، لُقّبَ ب ‘ الجزّار‘ بسبب ما في عنقه من ضحايا، وأيضاً لأساليبه الشيطانية في انتزاع الأرواح "
" في أوقات الفوضى، يبرز هكذا أشخاص ويتصدروا المشهد السياسيّ. كذلك الأمر في موطني، غبَّ اشتعال الثورة منذ نحو العام "
" حالتك، ينطبق عليها المثل الشعبيّ: من تحت الدلف إلى تحت المزراب "
" لا أعرف ما هو الدلف، ولا ماهيّة المزراب؛ لكنني مع ذلك فهمتُ المثل! "، قلتها ضاحكاً. لكنّ الضيف، شرح لي معنى المفردتين والمثل بشكل عام. سألته بعدئذٍ، عما لو تأكّد لعسكر دمشق عدم صحّة نبأ قدوم والي عكا إلى المدينة. فأجاب: " كان بالفعل في طريقه إلى دمشق، وعلى الأرجح أن عيونه هنا أبلغوه بالرسالة النارية؛ ما جعله يتوقف في الإمارة اللبنانية. ربما يستغل وجوده على رأس جيشه، كي يعزل أمير جبل لبنان، كونهما على عداء قديم. ولعله يسير بعدئذٍ إلى طرابلس الشام، ما لو نجح في إقصاء أمير الجبل "
" من المستغرب أن يبقى الرجلُ في منصبه ـ وأعني الجزّار ـ وحوله هذا العدد من الخصوم؟ "
" إنه يجيدُ لعبةَ إثارة خصومه بعضهم ضد بعض، ليضمن عدم إتحادهم ضده "
" لعل الجزّار لديه ميولٌ استقلالية، ويسعى أولاً لتوحيد سورية تحت سلطته؟ "
" ربما. الباب العالي لا ينظر بارتياح لوالٍ، يسعى إلى وضع عدة ولايات تحت إمرته. وظنيّ أنه سيقفُ في النهاية بوجه طموحات الجزّار. أما الآن، فإن خطراً داهماً جدّ في أكثر الأماكن قدسية، ويعدها الباب العالي رمزَ سلطته الدينية على المسلمين: أعني ظهور الدعوة الوهّابية في الحجاز، وصاحبها يتصرف كما لو كان رسولاً من عند الله، فيبعث الرسائل للسلطان ولباشاوات مصر والشام، ينذرهم ويتوعدهم. في هذه الحالة، سيضطر البابُ العالي للاعتماد على وال قوي، كالجزّار، للحيلولة دونَ وقوع بلاد الشام بيد الوهّابيين "
" من خلال الصحف والمجلات الفرنسية، التي أمدّني بها القنصلُ مؤخراً، علمتُ أن رعاعَ باريس يرغبون أيضاً بتصدير ثورتهم إلى باقي دول أوروبا. لو حصل ذلك، فاجتاحوا شرق أوروبا، فإنهم سيشكلون تحدٍّ جديداً لسلطانكم في اسطنبول "
" إذاً، كان قنصل فرنسا هنا في دمشق؟ "
" آه، أنتَ لم تعرف ذلك برغم أنك أحد وكلائه التجاريين؟ "، قلت ذلك وكأنني أحدث نفسي. ثم استدركتُ موضّحاً: " كان ذلك في أواخر شهر الصوم، ووجوده في رمضان ربما أثار حساسية عند مسلمي المدينة لو علموا به "
" ليسَ أمراً مهماً لي، على أيّ حال "، ردّ الضيف. كذلك لم يسألني عن الجديد في علاقتي بكَوليزار، تعففاً منه على الأرجح. وكان يتهيأ للذهاب، لما قدم كل من جان وغابي. كنتُ قد توقعتُ حضورهما، فعمدت مبكراً لتحضير أطباق المازة. شاركنا السيّد خليل في الوليمة مع مقارعة الأقداح، واستمرت السهرةُ حتى منتصف الليل.

6
في خلال السهرة، لحظ أصدقائي تغيّراً في مزاجي؛ فلم أعُد للشكوى من " الشبح "، الذي نغّصَ عليّ مقامي في منزلي عقبَ حلولي فيه. السيّد خليل، كان الوحيد بينهم، المتفهّم مغزى تغيّري. لم أندم لمكاشفتي له بعلاقتي مع كَوليزار، كوني أثق بطبعه الكتوم وبإخلاص صداقته. هذا، مع أنّ كَوليزار شددت عليّ بعدم البوح بأمرنا إلى أحد، كائناً مَن كان، قائلةً أنّ السر لو خرجَ إلى شخص ثالث فإنه سيُفتضَح لا محالة.
مثلما سبقت الإشارة إليه في مكان آخر من تذكرتي، أنّ ظرفاً معيناً جعلني أهتم بمعرفة عقيدة التقمّص، المنتشرة بين بعض الطوائف الهرطوقية في البلاد السورية. لقد تعززَ اعتقادي بالتقمّص، مع تطوّر علاقتي بكَوليزار. ليسَ حَسْب ملامحها وشخصيتها، مَن أوحيا لي بشبهها لعشيقتي الروسية، وإنما أيضاً ملابسات تعرفنا الواحد على الآخر. وأظنه حانَ الوقت، لكي أتحدث بإيجاز عن " غالينا " تلك.
كنتُ قد تجاوزتُ سنّ الثلاثين، عندما وجدتني وحيداً في الدنيا غبَّ وفاة والديّ الواحد بأثر الآخر. لم تنجب أمي غيري، وذلك بسبب حالة إجهاض تعرضت لها وكانت صبيّة بعدُ. أما بخصوص والدي، فإن الأقاويل ثارت بعيد موته عن أبناء شرعيين، تركهم في أكواخ الفلاحين البائسة دونَ أن يأبه بهم. لم يكن أغنى ملّاك في الإقليم، الواقع إلى الشمال الغربيّ من باريس، كما أنه ما كان أفقرهم على أيّ حال. من ناحيتي، وكوني وحيد والديّ، عشتُ طفولةً سعيدة. كذلك جيء فيما بعد بأفضل المدرسين، لتعليمي في قصر العائلة. فلم أكد أبلغ العشرين، إلا وكنتُ أجيد عدة لغات، وكان مكاني المفضّل في مكتبة القصر، المحتوية على آلاف المجلدات. الشغف بالقراءة وتحصيل العلم، ورثته عن والدتي، فيما والدي كان يهتم بقطع الأنتيكا والحيوانات النادرة المحنّطة. والدتي، التي كان يجري في عروقها الدم الإيطاليّ الحار، عُرفت أيضاً بطبعها المنفتح؛ لذلك أمتلكت صداقات حتى في المجتمع الباريسيّ. في المقابل، كان لوادي طبعُ الفلّاح، فقصَّرَ معارفه على بعض الملّاكين في الإقليم.

عن طريق الوالد بالطبع، أرتبطتُ بصداقة مع ابن أحد أولئك الملّاكين؛ وكانت مزرعتهم هيَ الأقرب إلى قصرنا. غبَّ فقداني لأبويّ، توثّقت صلتي برفيق الطفولة. بقيَ عازباً، إلى أن دخلَ في الحلقة الرابعة من عُمره. المركيز " ديشامب " هذا، كان يعشق السفر، وما لبثَ أن قام بجولة طويلة على عدّة بلدان أوصلته إلى روسيا. الغريب، أن المركيز لم يتعرّفَ على امرأته الروسية في موطنها، وإنما في أحد المنتجعلت الصحية بألمانيا. على أثر عودته معها إلى مزرعته، قمتُ بزيارتهما مع امرأتي. يجدر فيّ التنويه، إلى أنني اقترنتُ من إحدى قريبات والدتي وبطريقة تقليدية. لعلني عرفتُ الحبَ لأول مرة، وذلك حينَ وقعت عيني على النبيلة الروسية. ومن الممكن للقارئ تخيّل هذه النبيلة، لو عرفَ الجمال السلافيّ بطريق مباشر أو من خلال معلوماتٍ عامة: كانت رائعة الحُسن، سواءً بملامحها أو بتكوين جسدها، يشع الذكاء من عينيها الساحرتين، الرماديتين. ولم يُفسد جمالها، الشحوبُ في وجهها، المتأثّر بابتلائها بمرض الربو منذ الصغر.
لكن سرعان ما دبّت الخلافات بين الزوجين، وكنتُ أحياناً مع امرأتي نحاولُ إصلاح ذات البين. سببُ الخلافات الأساس، كان تولّه المركيز بالسفر ورفض امرأته غالباً مرافقته. وإنما في إحدى رحلاته، التي مضت به إلى الهند والصين، حصل تقاربٌ عاطفيّ بين امرأته وبيني؛ فما لبثت أن أضحت عشيقتي. الحق أن امرأتي كانت حسناء، لكن لم تضرم أبداً نارَ الحب في قلبي. كذلك كانت على شيء من السذاجة، بحيث أنها شجعتني على الاهتمام بامرأة المركيز الجار في غيابه. لم أكن أبحثُ عن اللذة مع امرأة جميلة ونبيلة، مثل غالينا، بل جذبني فيها شخصيتها المؤثرة والمثقفة. في خلال جولاتنا بالأوقات الحارة، أو عند جلوسنا قرب الموقد شتاءً، كنا نتبادل الأحاديث في شتى أمور المعرفة من أدب وتاريخ وفلسفة. منها عرفتُ، أنّ الكثيرات من مواطناتها النبيلات كنّ على هذه الخصال وتمتعن أيضاً بالحرية. هذا، كان من المحال تقريباً ملاحظته لدى المرأة الفرنسية، حتى إن النبالة كانت من نصيب الرجل وليسَ امرأته.
سرعان ما افتُضحت علاقتي مع المركيزة، بعدما عزمت ذات صيف على اللحاق بها إلى إحدى المنتجعات في ألمانيا. كنتُ قد تحججتُ أمام زوجتي بحاجة جسدي إلى حمامات المياه المعدنية، وإذا بها تردّ عليّ بنغمة حزينة: " بل أنتَ بحاجةٍ لحمّام عقليّ، علّك تخرجُ من حالة المراهقة وأنت تقترب من سنّ الخمسين "
" بل إنك خرفتِ مبكراً، ولا شك، لو دارت هكذا فكرة سخيفة في عقلك الصغير! "، أجبتها ثم هربتُ من الحجرة لأتجنّب نظرتها المتّهمة. ثمة في المنتجع، دخلت في سجّال شبيه مع عشقتي بسبب الغيرة. إذ لحظتُ أنها تولي اهتمامها بنبيل روسيّ شاب، جاء إلى أوروبا كي يبدد أرثاً كبيراً حصل عليه. على الأثر، عدنا أنا وغالينا متخاصمين من رحلة الاستجمام. ثم دهمني الشعور بالذنب بعدئذٍ، كوني خنتُ كلاً من زوجتي وصديق عُمري. لم يخرجني من هذه الحالة سوى الثورة المشئومة، التي خلطت الأمورَ بعضها ببعض وقلبت الوضع عاليه سافله.

7
كي تكتمل حالةُ التقمّص، المَوْصوفة، كادت علاقتي بالعشيقة الجديدة أن تُفتَضح بدَورها. ذلك حدثَ بعد أيام ثلاثة من سهرة الأصدقاء، حينَ برّت بوعدها وزارتني في منزلي. حضرت إذاً مساءً مع وصيفةٍ تثق بها، وكنتُ وقتئذٍ أقرأ في كتاب. أنفردنا في حجرة النوم، بينما الوصيفة جلست تنتظر في الرواق. أومأت كَوليزارُ إلى تلك الناحية، قائلةً: " لا أستطيع الخروج من المنزل لوحدي، مهما كان السبب. رجلي يفرض عليّ رقابةً صارمة بوجوده في الدار، بله وهوَ غائبٌ في سَفرٍ طويل ".
لكن في هذه المرة، لم نندفع فوراً لممارسة الحب مثل حيوانين في حالة سفاد. عكفت الضيفةُ على تأمّل أوراق دَعيّ النبوّة، وكان أكثرها كما علمنا طلاسم فلكية. صببتُ لنفسي كأساً من النبيذ، وسألتها ما لو ترغب في مشاركتي الشرب. قالت لي دونَ أن ترفع رأسها عن الأوراق: " كرّهني زوجي رائحةَ الخمر، كونه يعود دائماً إلى الدار بحالة سُكر مزرية "
" إلى أيّ صنف من العسكر، ينتمي رجلكِ؟ "
" إنه آمرُ قوات اللاوند، وهيَ أقوى فرقة عسكرية في المدينة. يكفي ذكرُ اسمه، ليشيع الرعب في النفوس "
" ما اسمه؟ "
" كُرد اسماعيل "
" هل هوَ كرديّ؟ "
" نعم، وكذلك معظم عناصر فرقته "، قالت ذلك ثم أضافت: " أنا بنفسي، ربيبةُ رجلٍ كرديّ وكان في زمنه عضواً في ديوان الوالي "
" أتعنين هذا، المدعو بالنبي كيكي؟ "
" لا، النبي كيكي صاحبُ هذا المنزل، عملَ حمّالاً في السوق. بعد وفاته، انتقلت ملكية هذا المنزل إلى السيّد ‘ حسن برزنجي ‘، الذي تبناني منذ أن كنت طفلة في القماط "
" إذاً، النبي كيكي أنجز لك الرسمَ دونَ أن يكون له قرابة بك؟ "
" كان شخصاً مقرباً من والدتي، كونها كالآخرين آمنت بكراماته "
" والدتك أم والدك؟ "
" لم أعرف أباً، أبداً "، قالتها وهيَ تأخذ نفساً عميقاً. قبل أن أسألها عن والدتها، فإنها استبقتني بالقول: " أمي، توفيت وربما لم أكن أكملتُ عاماً من عُمري. ملابسات غريبة، طبعت ولادتي ونشأتي، لم أعلم بها إلا وأنا في مبلغ الفتيات الناضجات. في ذلك الوقت، كنتُ أعتقد أن السيّد حسن وامرأته هما والدايّ. امرأته، وتدعى السيّدة ‘ عفّت ‘، كانت فيما مضى من جواري الوالي ثم أعتقها لما اقترنَ بشقيقة سلطان الكون. بعد ذلك عملت عفّت في مطبخ قصر الوالي، ولما كبرتُ وظّفتني معها بعدما حصلتْ على موافقة قيّم القصر. وإنه القيّم، مَن أعلمني ذات يوم بحقيقة شخصيتي عقبَ سماعي تلميحاتٍ ممن يخدمون في القصر عن كون شقيقة السلطان، أمي الحقيقية "
" أتعنين، أن القيّم أكّد لك هذه الحقيقة؟ "، تساءلتُ وقد استولت عليّ الدهشة. أومأت برأسها، ثم واصلت القول بنبرتها المكسورة: " بلى، لقد أنجبتني ‘ بيهان سلطانة ‘ من حمل سفاح. كانت قد حضرت إلى دمشق مع المحمل الشريف، وما لبث أعراب الحجاز أن هاجموا قافلة الحج ونهبوها كما واستباحوا حريمها. زعيم الأعراب، ويُدعى ‘ صخر ‘، هوَ مَن يفترض أن يكون أبي الحقيقيّ. لكن رأسه قطع لاحقاً، لما جرّدَ البابُ العالي حملةً عسكرية على قبيلته، انتقاماً لما حل بالمحمل الشريف "
" إنها تفاصيلٌ عجيبة ومثيرة، خليقةً بأن تكون عملاً روائياً أو مسرحياً "، علّقتُ على ما سمعته. بقيت صامتة لوهلة، ثم ما عتمت أن ردت متنهدة: " لقد تكرر معي تقريباً نفسُ مصير أمي، وكنتُ آنذاك في الثانية عشرة من عُمري. إنها قصة مؤلمة، سأحاول سردها في لقاء آخر؛ لأنها طويلة وكثيرة التفاصيل "
" قلتِ، أنّ رجلَ الكرامات أهتم أولاً بأمرك؛ فهل كان ذلك بطلب من السلطانة؟ "
" لا، إنّ والدتي توفيت بالطاعون دونَ أن تدري سوى أنني على قيد الحياة. فإنهم انتزعوني من حضنها فورَ ولادتي، فكلفوا السيّدة عفّت أن تتولى خنقي ثم رميي في نهر بردى. لكنها أشفقت عليّ، وسلّمتني إلى أسرة تعرفها في المدينة. بطريقةٍ ما ( لعلها إحدى معجزاته؟ )، تمكن النبي كيكي من معرفة أنني حيّة، وذلك بطلبٍ من والدتي. إلا أنه، لسببٍ غير معلوم، أخفى عنها معرفته بتورط السيّدة عفّت بالموضوع. وعن طريق هذه السيدة، علم بوجودي عند تلك الأسرة. ويُقال أيضاً، أنه أنقذني من بين ركام منزل الأسرة المُحسنة، لما حدثت الزلزلة الكبرى، ثم أتى بي إلى منزله. وعلى الأرجح، أنني انتقلتُ إلى رعاية السيّدة عفت نتيجة علاقة منقذي بزوجها. الطاعون، حصل بعيد الزلزلة، وأصيبت به والدتي لما كانت في طريقها بالبحر من بيروت إلى اسطنبول ".
كان من الممكن أن تسرد كَوليزار المزيدَ، لولا أنّ أصواتِ قصفٍ مدفعيّ شديد، هزّت المنزل. على الأثر، سمعنا طرقاً ملهوجاً على باب الحجرة، كان مصدره تلك الوصيفة ولا شك. قالت لي كَوليزار، قبل أن تفتح البابَ: " في كل مرة يغيبُ فيها الوالي بالحج، تقوم قيامة العسكر في دمشق ".

* الكتاب الثالث من العمل الروائيّ، " الأولى والآخرة "..






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كما رواه شاهد عيان: الباب الثالث
- كما رواه شاهد عيان: الباب الثاني
- كما رواه شاهد عيان: الباب الأول
- كما رواه شاهد عيان: مفتتح
- كما رواه شاهد عيان: تقديم
- مدخل إلى عصر الرعب: الخاتمة
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الثاني عشر
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الحادي عشر
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج العاشر
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج التاسع
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الثامن
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج السابع
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج السادس
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الخامس
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الرابع
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الثالث
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الثاني
- مدخل إلى عصر الرعب: البرج الأول
- مدخل إلى عصر الرعب: توطئة
- مدخل إلى عصر الرعب: تنويه من المحقق


المزيد.....




- لماذا ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يكون قلقا إزاء تفويض الج ...
- إلهام شاهين تحدد أهم فنانة في جيلها... وتتحدث عن فضل عادل إم ...
- فيديو: وتر العود يستعيد إيقاعه تدريجيا في إيران بعد عقود من ...
- فيديو: وتر العود يستعيد إيقاعه تدريجيا في إيران بعد عقود من ...
- لوحة في مكتب محمد بن سلمان -الداعم- للمواهب تثير تفاعلا (فيد ...
- مكتب مجلس النواب.. تعميم الحماية الاجتماعية ثورة من شأنها ال ...
- العثماني يطالب بتكثيف الجهود لتنزيل مقتضيات القانون المتعلق ...
- انتخاب المغرب رئيسا للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيم ...
- مجلس النواب يصادق على مشروع قانون يتعلق بمكافحة غسل الأموال ...
- أصوات من السماء.. الحافظ خليل إسماعيل صوت الشجن البغدادي في ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - كما رواه شاهد عيان: الباب الرابع